عيدُ الجلُوس الملكي

بمناسبة تولي الملك فاروق سلطته الدستورية في مايو سنة ١٩٣٨م.

جَمَعْتُ مِنْ فَرْع ذَاتِ الدَّلِّ أوْتارِي
وصُغْتُ مِنْ بَسَمَاتِ الغيدِ أَشْعَاري١
وَعِشْتُ لِلْفَنِّ أحْيَا فِي بَدَائِعِهِ
بَيْنَ الظِّلَالِ، وَبَيْنَ السَّلْسَلِ الْجَارِي
أَشْدُو، فَإنْ شِئْتَ أن تُصْغِي لِسَاجِعَةٍ
مِنَ الْخُلُودِ فَأنْصِتْ تَحْتَ أَوْكَارِي
كَادَتْ تَزُقُّ يَرَاعي الطَّيْرُ تَحْسَبُهُ
وَقَدْ تَغَنَّى بِشِعْرِي سِنَّ مِنْقَاِر٢
قَدْ عَلَّمَتْهُ التَّغَنِّي فَوْقَ أَيْكَتِهِ
فَفَاقَهَا فِي التَّغنِّي فَوْقَ أَسْطَار
كَأنَّ دَاوُدَ أَلْقَى عِنْدَ بَرْيَتِهِ
أَثَارَةً مِنْ تَرَانِيمٍ وَأَسْرَارِ٣
أعْدَدْتُه قَبَسًا يُذْكي تَوَقُّدُهُ
عَزْمَ الشَّبَابِ، وَيَهْدِي لَيْلَةَ السَّارِي٤
وَيَكْشِفُ الْأَمَلَ الْمَحْجُوبَ سَاطِعُهُ
وَالْيَأْسُ تَغْشَى بأَسْدَافٍ وَأسْتَارِ٥

•••

الشِّعْرُ عَاطِفَةٌ تَقْتَادُ عَاطِفَةً
وَفِكْرَةٌ تَتَجَلَّى بَيْنَ أفْكارِ
الشِّعْرُ إنْ لَامَسَ الْأَرْوَاحَ ألْهَبَهَا
كَما تَقَابَلَ تَيَّارٌ بِتَيَّارِ
الشِّعْرُ مِصْبَاحُ أقْوَامٍ إذَا الْتَمَسُوا
نُورَ الْحَيَاةِ، وَزَنْدُ الأُمَّةِ الْوَارِي٦
الشِّعْرُ أُنْشُودَةُ الفَنَّانِ يُرْسِلُهَا
إلَى الْقُلُوبِ، فَتَحْيَا بَعْدَ إقْفَارِ
الشِّعْرُ هَمْسُ غُصُونِ الدَّوْحِ مَائِسَةً
وَدَمْعةُ الطَّلِّ فِي أَجْفَانِ أَزْهَارِ
الشِّعْرُ لِلْمُلْكِ جَيْشٌ لَا يُصَاوِلُهُ
جِلَادُ مُرْهَفَةٍ أَوْ فَتْكُ بَتَّارِ٧
يَغْزُو ويُنْصَرُ. لَا أَشْلَاءُ مَعْرَكَةٍ
تُرَى وَلَا وَثَبَاتٌ حَوْلَ أَسْوَارِ
إِذَا تَخَطَّرَ فِي الْأَفْوَاهِ تُنْشِدُهُ
غَضَّ الْجُفُونَ حَيَاءً كُلُّ خَطَّارِ٨
وَإنْ أَغَارَ تَنَادَى كُلُّ ذِي هَلَعٍ
إلَى الْفِرَارِ، وَأَوْدَى كُلُّ مِغْوَار٩
قَدْ كَانَ حَسَّانُ جَيْشًا فِي قَصَائِدِهِ
أَشَدَّ مِنْ كُلِّ زَحَّافٍ وَجَرَّارِ١٠
وَكَانَ مُلْكُ بَني مَرْوَانَ فِي أُطُمٍ
عَالٍ مِنَ الشِّعْرِ، يَرْمِي الشُّهْبَ بِالنَّارِ١١
وَهَل زَهَتْ بِبَني الْعَبَّاسِ دَوْلَتُهُمْ
إلَّا بِأَمْثَالِ حَمَّادٍ وَبَشَّارِ؟١٢
فَقُلْ لِمَنْ رَاحَ لِلْأَهْرَامِ يَرْفَعُهَا:
الْخُلْدُ فِي الشِّعْرِ لَا فِي رَصْفِ أَحْجَار
كَمْ حِكْمَةٍ فيهِ لَا تَفْنَى بَشَاشَتُهَا
وَمِنْ حَدِيثٍ عَلَى الأيَّام سَيَّارِ
الشِّعْرُ لِلْمُلْكِ مِرْآةٌ مُخلَّدَةٌ
عَلَى تَعَاقُبِ أَجْيَالٍ وَأَدْهَارِ
صَوَّرْتُ فِيهِ سَنَا الْفَارُوقِ مُؤْتَلِقًا
يَزْدَانُ بِاثْنَيْنِ: إجْلَالٍ وَإكْبَارِ١٣
وَصُغْتُهُ فَاتِنَ الْأَلْوَانِ مُزْدَهِرًا
كَأَنَّمَا نَقَشَتْهُ كَفُّ آذَارِ١٤

•••

مُلْكٌ مِنَ النُّورِ قَدْ ضَاءَتْ دَعَائِمُهُ
كَأَنَّمَا شِيدَ مِنْ هَالَات أَقْمَار
وَدَوْلَةٌ رَكَّزَ الْإسْلَامُ رَايَتَهُ
فِيهَا عَلَى طَوْدِ تَارِيخٍ وَآثَارِ
وَعَاهِلٌ مِنْ صَمِيمِ النِّيل نَبْعَتُهُ
أَمَا تَرَى لِيَدَيْهِ وَكْفَ أمْطَارِ!١٥
أَحْيَا النُّفوَس بِآمَالٍ تُضَاحِكُهَا
فَالْيَأْسُ فِيهَا غرِيبُ الْأَهْلِ وَالدَّاِر

•••

كَأَنَّ أَيَّامَهُ وَالْبِرُّ يَغْمُرُهَا
صَحَائِفُ الطُّهْرِ فِي أَيْمَانِ أَبْرَارِ
كَأَنَّمَا عَهْدُهُ وَالْبِشْرُ يَمْلؤُهُ
تَبَسُّمُ الشَّرْقِ عَنْ أَنْفَاسِ أَسْحَارِ
كَأَنَّ ذِكْرَاهُ لَمَّا سَارَ سَائِرُهَا
عَبِيرُ دَانِيَة الظِّلَّيْنِ مِعْطَارِ١٦
كَأَنَّ أَمْدَاحَهُ فِي أُذْنِ سَامِعِهَا
مَسَاقِطُ الشَّهْدِ مِنْ أعْوَادِ مُشْتَارِ١٧
كأَنَّ طَلْعَتَهُ وَالشَّوْقُ يَرْقُبُهَا
وَجْهُ الصَّباحِ يُحَيِّي نِضْوَ أَسْفَارِ١٨

•••

«فَارُوقُ» يَا زِينَةَ الدُّنْيَا وَبَهْجَتَهَا
وَأَسْعَدَ النَّاسِ فِي وِرْدٍ وَإصْدَار١٩
وَابْنَ الْمُلُوكِ الْأُلَى فَلَّتْ عَزَائِمُهُمْ
مِنْ حَدِّ كُلِّ صَلِيبِ الْحَدِّ جَبَّارِ٢٠
أَقْمَارُ مَمْلَكَةٍ، آسَادُ مَلْحَمَةٍ
أَمْلَاكُ مَرْحَمَةٍ، صُنَّاعُ أَقْطَارِ٢١
مِنْ كُلِّ نَدْبٍ بَعِيدِ الرَّأْيِ مُسْتَبِقٍ
إلى الْجِهَادِ مُغَارِ الْفَتْلِ صَبَّارِ٢٢
الْمَجْدُ أَبْقَى لَهُمْ ذِكْرَى مُخَلَّدَةً
أَعْمَارُهُمْ وُصِلَتْ مِنْهَا بِأَعْمَارِ

•••

الشَّعْبُ شَعْبُكَ، وَالْأَيَّامُ بَاسِمَةٌ
وَالدَّهْرُ كَالزَّهْرِ، فِي صَفْوٍ وَإنْضَارِ
أَحَبَّكَ الشَّعْبُ فَانْعَمْ فِي مَحَبَّتِهِ
فَأَنْتَ مِلْءُ قُلُوبٍ، مِلْءُ أَبْصَار
مُرْ وَانْهَ فِي الْحَقِّ، فَالْأَسْمَاعُ مُصْغِيَةٌ
فِدَاؤُكَ النَّفْسُ مِنْ نَاهٍ وَأمَّار
وَارْفَعْ لِوَاءَكَ فَوْقَ الشَّرْقِ تَلْثِمُهُ
أَفْوَاهُ أَوْدِيَةٍ فِيهِ وَأَمْصَارِ

•••

ذِكْرَاكَ فِي الدَّهْرِ آيَاتٌ مُطَهَّرَةٌ
تَحْلُو بِغَنٍّ وَتَرْتِيلٍ وَتَكْرَارِ
شَدَوْتُ بِاسْمِكَ حَتَّى كدْتُ مِنْ طَرَبٍ
أَظُنُّنِي ذَا جَنَاحٍ بَيْنَ أَطْيَارِ
فَإِنْ سَمِعْتَ رَنِينًا كُلُّهُ عَجَبٌ
فَالْعُودُ عُودِي، وَالأَوْتَار أَوْتَارِي
جُلُوسُكَ الْيَوْمَ أَثْمَارُ الْمُنَى يَنَعَتْ
يَا حُسْنَهَا مِنْ مُنًى خُضْرٍ وَأَثْمَارِ!
عِيدٌ بِهِ الْأَرْضُ وَالْآفَاقُ مُشْرِقَةٌ
تَمَازَجَتْ فِيه أَنْوَارٌ بِأَنْوَارِ٢٣
عِيدٌ كَأَنَّ اللَّيَالي قَدْ وَهَبْنَ لَهُ
مَا في الْخَلِيقَةِ مِنْ يُمْنٍ وَإيسَار
النِّيلُ فِيهِ جَرَى يُمْلي بَشَائرَهُ
وَيَنْثَنِي بَيْنَ أَدْوَاحٍ وَأَشْجَارِ
إذَا الرَّبِيعُ رَمَى فِيهِ أَزَاهِرَهُ
جَزَاهُ بِالتِّبْرِ دِينَارًا بِدِينَارِ
أوِ الْحَمَائِمُ غَنَّتْ فَوْقَ مَائِجَةٍ
حَبَا الْحَمَائِمَ تَهْدَارًا بِتَهْدَارِ

•••

يَا كَالئَ الدِّينِ وَالدُّسْتُورِ مِنْ جَنفٍ
وَحَارِسَ النِّيل مِنْ أَوْضَارِ أَكْدَارِ٢٤
وَحاَفِزَ الشَّعْبِ يَدْعُوهُ فَيَتْبَعُهُ
إلَى النُّجُومِ جَرِيئًا غَيْرَ خَوَّارِ٢٥
الْعِلْمُ لِلشَّعْبِ رُكْنٌ غَيْرُ مُنْصَدِعٍ
وَالشَّعْبُ بِالْعِلْمِ صَفٌّ غَيْرُ مُنْهَارِ
اخْتَارَكَ اللهُ لِلْإِسْلَامِ تَنْصُرُهُ
فَكُنْتَ مَؤْئِلَهُ يَا خَيْرَ مُخْتَارِ
عِشْ فِي الْقُلُوبِ فَقَدْ أَعْطَتْ مَقَالِدَهَا
وَفِي نَعِيمٍ عَمِيمِ الْغَيْثِ مِدْرَارِ

هوامش

(١) الفرع: الشعر.
(٢) زق الطائر فرخه: أطعمه. اليراع واليراعة: القلم. سن المنقار: طرفه.
(٣) داود عليه السلام: نبي كتابه يسمى الزبور، وما كان يتغنى بتلاوته منه يسمى المزامير جمع مزمار. أثارة الشيء: بقيته، الترانيم: جمع ترنيم وهو ترجيع الصوت في تطريب وتغن. الأسرار: جمع سر وهو هنا الحكمة والمعنى السامي.
(٤) القبس: الشعلة من النار وكذا المقياس. يذكى: يشعل من أذكى النار. الساري: السائر ليلًا.
(٥) المحجوب: المستور. تغشى: تغطى. الأسداف: جمع سدف، الستر.
(٦) الزند: العود الأعلى الذي يقدح به النار. والزندة العود الأسفل وهما زندان، الواري: الذي يخرج النار، من ورى الزند وريا خرجت ناره.
(٧) يصاوله: يواثبه. الجلاد والمجالدة بالسيوف: المضاربة بها. المرهفة: المشحوذة. البتار: السيف القاطع.
(٨) تخطر: اهتز وتبختر. غض طرفه: خفضه. خطار: رمح خطار ذو اهتزاز، ورجل خطار بالرمح طعان به.
(٩) أودى: هلك.
(١٠) حسان: حسان بن ثابت شاعر الرسول — عليه السلام — دافع عنه بلسانه، فأخاف المعاندين وأذل الجاحدين.
(١١) أطم: الأطم القصر وكل حصن مبني بحجارة والجمع آطام وأطوم. الشهب: جمع شهاب وهو شعلة من نار ساطعة والشهب أيضًا الدراري.
(١٢) زهت: ازدهرت وأشرقت. حماد: هو حماد بن عمر من أهل الكوفة شاعر عباسي كان معلمًا وشاعرًا محسنًا، وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم: الحمادون حماد عجرد وهو هذا وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان النحوي، وكانوا يتعاشرون ويتنادمون وقد اتهموا بالزندقة كلهم. وبشار: هو أبو معاذ بشار بن برد العقيلي ولاء الفارسي أصلًا. أخذ العربية عن أعراب البصرة ونبغ في الشعر لذكائه وكان هجَّاءً ماجنًا.
(١٣) السنا: الضياء: مؤتلقًا: من ائتلق البرق لمع. الإجلال والإكبار: التعظيم.
(١٤) فاتن: مأخوذ من الفتنة وهي الإعجاب بالشيء. مزدهرًا: متألقًا مشرقًا. آذار: شهر رومي يوافق شهر مارس.
(١٥) العاهل: الملك الأعظم أو الخليفة. صميم الشيء: خالصه. النبعة: الشجرة تتخذ منها القسي والجمع نبع. وكف المطر: سيله.
(١٦) دانية الظلين: قريبتهما ووارفتهما والمراد بالظلين ظل الصباح وظل ما بعد الزوال.
(١٧) المشتار: من يستخرج العسل من الخلية.
(١٨) النضو: المهزول.
(١٩) البهجة: الحسن. الورد: ضد الصدر من ورد الماء أتاه ليستقي. الإصدار: الرجوع من صدر عن المكان إذا رجع عنه والمراد بالورد والإصدار، تصريف الأمور.
(٢٠) فل الجيش: من باب قتل فانفل كسره فانكسر.
(٢١) الملحمة: القتال. أملاك: جمع ملك من ملائكة السماء. صناع أقطار: المراد به هنا أنهم ساسة فاتحون.
(٢٢) الندب: الخفيف في الحاجة. بعيد الرأي: ذو دهاءٍ وحنكة. مستبق إلى الجهاد: سباق إليه. مغار الفتل: كناية عن الصلابة وقوة الحسم.
(٢٣) الأنوار، الأولى: جمع نور وهو الزهر. والأنوار الثانية: جمع نور بمعنى الضوء.
(٢٤) الكالئ: الحافظ. الجنف: الجور والظللم. الأوضار: جمع وضر، القذارة.
(٢٥) حفزه: حثه. الخوار: كثير الجبن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١