إلى رُوح داوُد بركات

جزع الشاعر أشد الجزع لموت صديقه الأستاذ داود بركات، رئيس تحرير جريدة الأهرام، فرثاه بهذه القصيدة سنة ١٩٣٣م:

ظَنَنْتَ الدمْعَ يُسْعِدُ بالْعَزَاءِ
فَهَلْ أَجْدَى بُكَاؤُكَ أَوْ بُكَائِي؟
وَقُلْتَ: بِأَنَّةِ الْمَحْزُونِ أُشْفَى
فَأَحْوَجَكَ الشِّفاءُ إِلَى شِفَاءِ
وَمَنْ يَغْسِلْ بِأَدْمُعِهِ جَوَاهُ
أَرَادَ الْبُرْءَ مِنْ دَاء بَدَاءِ١
بِنَفْسي الراحِلِينَ مَضَوْا سِرَاعًا
لِورْدِ الْمَوْتِ كَالْهِيمِ الظمَاءِ٢
تَوَلَّى عَهْدُهُمْ وَبَقِيتُ وَحْدِي
أُقَلِّبُ طَرْفَ عَيْنِي فِي السَّماء
رَثَيْتُهُمُ فَأَدْمَى الْحُزْنُ قَلْبِي
فَهَلْ نَدْبٌ يَخِفُّ إِلَى رِثائِي؟٣
وَكَمْ حيٍّ يَعَيشُ بنَفْسِ مَيْتٍ
طَوَتْ آمالهَا طَيَّ الردَاءِ
مضَتْ بِهِمُ النَّجَائِبُ مُصْعِدَاتٍ
وَلِلْبَاكِين رَنَّاتُ الْحُداءِ٤
تَجلَّوْا فِي النِّجَادِ ضُحَى صَبَاحٍ
وَغَابُوا فِي الوِهَادِ دُجَى مَساءِ٥
وَقَفْتُ أُزَوِّدُ النَّظَرَاتِ مِنْهُمْ
وَأُصْغِي لِلنَوادِبِ مِنْ وَرَائِي
فَلَمْ أَرَ إِذْ نَظَرْتُ سِوَى جَلالٍ
يَهُولُ وَمَا لَمَسْتُ سِوَى هَبَاءِ
وَنَادَيْتُ الصحَابَ فَبُحَّ صَوْتِي
وَعَادَ إِلَيَّ مَكْدُودًا نِدَائِي
تُفَرِّقُنَا الْحَياةُ فَإِنْ أَرَدْنَا
لِقَاءً لَمْ نَجدْ غَيْرَ الْفَنَاءِ
طَرِيقٌ عُبِّدَتْ مِنْ قَبْلِ نُوحٍ
ولم تُلْقَ التمائِمُ عَنْ ذُكَاءِ٦
بِهَا الأَضْدَادُ تُجْمَعُ فِي صَعِيدٍ
وَفِيهَا يَلْتَقِي دَانٍ بِنَاءِ٧
إِذَا لَبِسَ الرِبيعَ شَبَابُ قَوْمٍ
فَأسْرَعُ مَا يُفَاجَأُ بِالشتَاءِ
وَكُلُّ نَضِيرَةٍ فَإِلَى ذُبُولٍ
وَكُلُّ مُضِيئَةٍ فَإِلى انْطِفَاءِ
وَهَلْ تَهْوِي ثِمَارُ الروْضِ إلَّا
إِذَا أَدْرَكْنَ غَايَاتِ النماءِ

•••

أَيَا «دَاوُدُ» وَالذكْرَى بَقَاءٌ
ظَفِرْتَ بِكُلِّ أَسْبَابِ الْبَقَاءِ
نَعَاكَ لِيَ النُّعَاةُ فَقُلْتُ: مَيْنٌ
وَكَمْ يَأْسٍ تَشَبَّثَ بالرجَاءِ
نُمَارِي كُلَّمَا فَدَحَتْ خُطُوبٌ
فَتَرْتَاحُ النفُوسُ إِلَى الْمِرَاءِ٨
مَلَكْتَ يَرَاعَةً وَمَلَكْتَ قَلْبًا
فَكَانَا سُلَّمَيْنِ إِلَى الْعَلاءِ٩
شَبَاةٌ شَقَّها الْبَارِي فَشَقَّتْ
طَرِيقًا لِلْمَجادَةِ والسراءِ١٠
إِذَا ما أُشِرعَتْ فِي الْخَطِّ مالَتْ
رِماحَ الْخَطِّ مِيلَةَ الازْدِهاءِ١١
وَإِنْ هِيَ جُرِّدَتْ لمِضَاءِ عَزْمٍ
تَوَارَى السَّيْفُ مِنَ هَوْلِ الْمَضَاءِ
وَإِنْ هِيَ لاَمَسَتْ يَدَهُ أَضَاءَتْ
فَهَلْ أبْصَرْتَ فِعْلَ الْكَهْرَباءِ
كَأَنَّ لُعَابَهَا قِطْعُ اللَّيالِي
تَنَفَّسُ عن تَبَاشِيرِ الضيَاء١٢
كَأَنَّ النِّقْسَ فَوْقَ الطرْسَ غَيْثٌ
أَعَارَ الأرْضَ ثَوْبًا مِنْ رُوَاءِ١٣
بَيَانُكَ وَاضِحُ الْقَسَمَاتِ صَافٍ
يَكادُ يُشِعُّ مِنْ فَرْطِ الصفَاءِ
يَكادُ يَسِيلُ فِي الْقِرْطَاسِ لُطْفًا
فَتَحْبِسُهُ عَلامةُ الانْتِهاء١٤
بَيَانٌ لَوْ صَدَعْتَ بِهِ اللَّيَاليِ
رَأَيْتَ الصبْحَ مِنْهَا فِي الْعِشَاءِ١٥
لَهُ نُورٌ يَكادُ يَسِيرُ فِيهِ
«رَهِينُ المَحْبِسَيِنْ» بِلاَ عَنَاءِ١٦
لَهُ النَّبَراتُ نَدْعُوهَا غِنَاءً
فَتَأْبَى أَنْ تُعَدَّ مِنَ الْغِنَاءِ
سُلاَفٌ تَنْهَلُ الأَرْوَاحُ مِنْهُ
وَتَحْمِلُهُ السُّقَاةُ بِلاَ إِنَاء١٧ِ
وَرَوْضَاتٌ حَلَتْ فِي كُلِّ عَيْنٍ
وَأَغْرَتْ بِالأَزَاهِرِ كُلَّ رَائِي
طَلَبْنَ إِلَى الْغَمامِ كِسَاءَ حُسْنٍ
فَكَلَّفَ قَطْرَهُ وَشْيَ الْكِسَاءِ
تُرِيكَ عَجَائِبَ الألْوَانِ شَتَّى
كَمَا عَكَسَتْ أَشِعَّتَهَا الْمَرَائِي١٨
أَوِ الْعَذْرَاءَ حِينَ رَأَتْ غَرِيبًا
فَلَثَّمَتِ الْمَلاَحَةِ بِالْحَيَاءِ

•••

بَنِي لُبْنَانَ خَطْبُكُمْ جَلِيلٌ
دَعُونا نَقْتَسِمْهُ عَلَى السَواءِ
مَضَى شَيْخُ الصحَافَةِ أَرْيَحِيًّا
مُبِيد الْوَفْرِ جَمَّاعَ الثنَاءِ١٩
خلَالٌ كُلُّهَا أَنْفَاسُ رَوْضٍ
وَنَفْسٌ كُلُّها قَطَرَاتُ مَاءِ
نُعَزِّي فِيهِ لُبْنَانًا وَنَبْكِي
فمَنْ أَوْلَى وَأَجْدَرُ بِالْعَزَاءِ؟
مُصَابُكُمُ — وَقَدْ أَدْمَى — مُصَابِي
وَرُزْءُ الْعَبْقَرِيَّةِ وَالذكاءِ
لَهُ اهْتَزَّتْ بَوَاسِقُ نَخْلِ مِصْرٍ
وَهَالَ الأَرْزَ إِرْجَافُ الْفَضَاءِ٢٠
بَنِي الْقُطْرِ الشَّقِيقِ لَنَا صِلاَتٌ
كَرِيمَاتٌ عُقِدْنَ عَلَى الْوَفَاءِ
بَنُو أَعْمَامِنَا أَنْتُمْ وَفِيكُمْ
حِفَاظٌ لِلْمَوَدَّةِ وَالإِخَاءِ
وَفِي الْفُصْحَى لَنَا نَسَبٌ كَرِيمٌ
كَقُرْصِ الشمْسِ شَمَّاخُ السنَاءِ٢١
أَعَدْناهَا نِزَارِيةً عَرُوبًا
لَها حُسْنُ الْتِفاتٍ وانْثِناءِ٢٢
إذَا خَطَرتَ بِنَادِي الْقَوْمِ حَلُّوا
مِنَ الإِكْبَارِ مَعْقُودَ الْحُباءِ٢٣
تَجَاوَزْنَا بِهَا أَطْلالَ سُعْدَى
وَبدَّلْنَا الْمَقَاصِرَ بِالْخِبَاءِ٢٤
وَجِئْنَا بِالْعُجَابِ يُخَالُ سِحْرًا
وَكُلُّ السحْرِ مِنْ أَلِفٍ وَباءِ
وَكانَتْ قَبْلَ نَهْضَتِنَا نُحَاسًا
وَكُنَّا سَادَةً فِي الْكِيمِيَاءِ٢٥
قَضَى دَاوُدُ فَالأقْلاَمُ حسْرَى
نَوَاكِسُ خَاشِعَاتٌ لِلْقَضَاءِ
هِيَ الأيَّامُ تَهْدِمُ ما بَنَتْهُ
فَماذَا يَبْتَغِينَ مِنَ الْبِنَاءِ؟
حَيَاةُ الْمَرْءِ فِي الدنْيَا هَبَاءٌ
وَآمَالُ الْمُؤَمِّلِ مِنْ هَوَاءِ
وَمَا لِلْجَازِعِينَ سِوَى اصْطِبَارٍ
وَمَا للسَّاخِطينَ سِوى الرضَاءِ

هوامش

(١) الجوى: الحزن.
(٢) المراد بالورد هنا المورد وهو مأتى الماء وموضع وروده، الهيم: الإبل العطاش، الظماء: العطاش أو الشديدة العطش.
(٣) الندب: الخفيف في الحاجة.
(٤) النجائب: عتاق الإبل وكرامها التي يسابق عليها، ومفردها نجيب أو نجيبة. مصعدات: ماضيات من أصعد في الأرض بمعنى مضى، وفي الوادي بمعنى انحدر. الرنات: جمع رنة وهي الصوت. الحداء: سوق الإبل والغناء لها.
(٥) تجلوا: تكشفوا وظهروا. النجاد: جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض. الضحى: حين تشرق الشمس ويمتد النهار. الوهاد: جمع وهدة وهي الأرض المنخفضة. الدجى: جمع دجية وهي الظلمة.
(٦) عبدت: ذللت ومهدت. التمائم: جمع تميمة وهي عوذة أو خرزة تعلق على المولود، ذكاء: الشمس.
(٧) الأضداد: المختلفون. الصعيد: وجه الأرض، الداني: القريب. النائي: البعيد.
(٨) ماراه يماريه مراء: جادله وطعن في قوله تزييفًا للقول. فدحت: بهظت وثقلت واشتدت.
(٩) اليراعة: القصبة، والمراد بها القلم وهذا كناية عن أنه كاتب أديب بارع.
(١٠) الشباة: حد كل شيء والمراد بها هنا طرف القلم وسنه أي: موضع البري منه، وسن القلم مشقوقة عادة. والبارئ، الخالق — عز وجل — اسم فاعل من براه الله من باب عدا أو من برأه من باب قطع، وقد تكون من البريء مصدر برى القلم من باب رمى، ففي هذه الكلمة تورية. المجادة: الشرف والكرم مصدر مجد ككرم. السراء: المروءة والشرف.
(١١) أشرعت: أميلت للكتابة من أشرعت الرماح أي سددت عند إرادة الطعن. والخط الأولى معناها الكتابة. والخط الثانية مرفأ للسفن بالبحرين على خليج فارس شرقي جزيرة العرب تنسب إليه الرماح؛ لأنها تباع فيه. الازدهاء: التيه والفخر.
(١٢) كنى بلعاب الشباة أو البراعة عن المداد وهو الحبر الذي يكتب به. القطع: ظلمة آخر الليل. وتنفس أصلها تتنفس أي: تتبلج وتشرق، تباشير الصباح: أوائله.
(١٣) النقس: المداد الذي يكتب به. الطرس: الصحيفة. الغيث: المطر. أعار: أعطى على سبيل العارية وهي الثوب ونحوه يستعيره الإنسان من غيره على أن يرده. الرواء: حسن المنظر.
(١٤) القرطاس مثلثة القاف: ورق الكتابة.
(١٥) صدعه كمنعه: شقه.
(١٦) رهين المحبس: هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي الشاعر الفيلسوف الزاهد، كف بصره وهو في الثالثة من عمره فقضى أكثر حياته مقيمًا في منزله، وسمى نفسه رهين المحبسين: محبس العمى ومحبس المنزل.
(١٧) السلاف: الخمر.
(١٨) المرائي: جمع مرأة.
(١٩) أريحي: واسع الخلق يرتاح للندى. مبيد: مهلك مضيع. الوفر: المال الكثير.
(٢٠) بواسق: جمع باسقة أي: طويلة مرتفعة. هال: أخاف وأفزع. والأرض شجر الصنوبر الذي يمتاز لبنان به كما تمتاز مصر بكثرة نخيلها. والأرجاف مصدر أرجفت الأرض أي: زلزلت.
(٢١) شماخ: عظيم الارتفاع وهي صيغة مبالغة من شمخ الجبل ونحوه أي: علا وارتفع. السناء: الرفعة.
(٢٢) نزارية: بتخفيف ياء النسب لضرورة الشعر نسبة إلى نزار بن معد بن عدنان جد العرب المستعربة وجد القبائل العدنانية وفيها كان الشعر والفصاحة. العروب: المرأة الضحاكة المتحببة إلى زوجها.
(٢٣) حل معقود الحباء: كناية عن القيام.
(٢٤) سعدى: علم على بعض النساء اللائي تغزل بهن بعض شعراء الجاهلية ووقفوا بآثارهن وبكوا أطلالهن. المقاصر: جمع مقصورة وهي الدار الواسعة المحصنة، الخباء: بيت صغير يكون من وبر أو صوف ويرفع على عمودين أو ثلاثة.
(٢٥) يقول: إن اللغة العربية كانت قبل نهضتنا الحاضرة في قيمة النحاس لكثرة ما اعتورها من عوامل الضعف والتأخر، وكنا نحن سادة فائقين في علم الكيمياء فجعلنا منها معدنًا غاليًا ثمينًا. يشير بذلك إلى ما كان يعتقده المتقدمون من إمكانهم تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب بالكيمياء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤