لبنان الثائر

نظم الشاعر في القصيدة عندما ثار لبنان ثورته الوطنية في أواخر عام ١٩٤٣. ففاز بانتخاب نوابه. وكان الشاعر ينوي زيارة بيروت في ذلك الحين:

هَاجَ شوْقَ الوالِهِ المُضطرِبِ
حُلُمٌ شَقَّ ظَلامَ الحُجُبِ١
جرّدَ الليلُ عليه غَيْهبًا
فتخطَّى عقَباتِ الغَيْهبِ٢
زارني والليلُ في غفْوتِه
يَتَمطّى عن دِثارِ السُّحُب٣
طائفٌ إنْ رُمتَه لم تلْقَه
وهو من جفنِكَ بين الهُدُبِ!٤
بارعُ الريشةِ حتّى لَتَرَى
غائبَ الشخصِ كأنْ لم يَغِب٥
بسمَاتُ الروضِ من ألوانِه
وسَنا الكأسِ ودُرُّ الحَبَب٦
في يديه مِجْهَرٌ من عَجَبٍ
تُفْتَحُ العينُ به عن عَجبِ٧
قلتُ: هذِي جنَّةٌ؟ أم ما أرَى؟
أم تهاويلُ خَيالٍ كَذِب؟
أم أنا غيْري؟ وإلَّا مَنْ أنا؟
أم هو السحْرُ غدا يلعَبُ بي؟
ما الذي يبدو لعيني سامِقًا
يتحدّى سَبَحاتِ الكوكب؟٨
أرضُه مِسْكٌ، وفي تُرْبتِه
ينبُتُ الفَنُّ مكانَ العُشُب٩
وإذا شادٍ يُغنِّى مَرِحٌ
لُؤلؤيُّ الصوتِ، حُلْوُ المذهب١٠
صاح: ذا لُبْنانُ فانزِلْ سَفْحَه
قلت: ما لي غيرَه من أَرَب١١
هو عِرِّيسٌ لآسادِ الْحِمَى
وكِناسٌ لِظِباءِ الربْرَب١٢
قد تمنّاه الهَوى من بُعدٍ
كيف لو أبصَرَه عن كَثَبِ؟!
الأزاهيرُ به من قُبَلٍ
والينابيعُ رَحيقُ العِنب
وقدودُ الهِيفِ في رَوْضاتِه
قُضُبٌ تمْرَحُ بين القُضُب١٣
جُمِعتْ لَيْلاتُه من دَعَجٍ
وسَنا إصباحِه من لَبَب١٤
وَسجايا أهلِه أنْسامُه
كم نَعمْنا بِشذاها الطيِّبِ!
كتَبَ المجدُ لهم تاريخَهم
في جبينِ الدهرِ لا في الكُتب
كلُّ شهمٍ أرْيَحِيّ أغْلَبٍ
من كريمٍ أريحِيّ أغْلَب
بين عَدنانَ وغَسّانَ لهم
نسَبٌ يرفَعُ شأوَ النسب١٥
نصبوا في كلِّ أرضٍ رايَهم
ما دَروْا في المجد معنى النصَبِ١٦
وأذلُّوا الصعبَ في رِحْلاتِهم
أيُّ صعبٍ عندهم لم يُرْكَب؟
وطَووْا شرقًا بشرقٍ، وجرَى
سيلُهم يزحَمُ شطَّ المغْرِب١٧
ينزَحُ النازحُ ما في رَحْلِه
غيرُ إقدامٍ وعزْمٍ ذَرِبِ١٨
ورَجاءٍ برجاءٍ يلْتقي
وكِفاحٍ للقاءِ النُّوَب١٩
رأسُ مالِ المرءِ ما في رأسِه
من ذكاءٍ، لا حُطامُ النَّشب٢٠
ملكوا الدنيا فلما جَمَحتْ
ملكوها برفيعِ الأدب٢١
ليس للسيفِ على حدَّته
صَوْلةُ الشعْر. ووَخْزُ الخُطَب٢٢
هذّبوا الفُصْحَى ولمُّوا شَمْلَها
بعد أن كانت صَدًى في سَبْسَبِ٢٣
جمّعوها حُلْوَةَ الجَرْس كما
تجمَعُ النحلةُ حُلوَ الضَّرَب٢٤
أنتَ يا لُبْنانُ عَزْمٌ ونُهًى
لستَ من صخرٍ ولا من حَصَب!٢٥
كلما أطلعتَ ليلًا شَفَقًا
مُوِّهتْ صفحتُه بالذهب٢٦
ظنّتِ الغيدُ وما أجرأَها!
أنّه من خدِّها المختضِب٢٧
سِحْرُ شِعْرٍ ومَجالي فِتنةٍ
وعيونٌ أُغْرِمتْ باللعب
وابتسامٌ فيه أشراكُ الهَوى
وحديثٌ فيه عُذْرُ المذنب٢٨
أين قلبي؟ غصبوه، فاسألوا
«جارةَ الوادي» عن المغتصب٢٩
واشفعوا لي، واحذروا غضْبتَها
آهِ من صَوْلة هذا الغضبِ!
ثم قولوا: مُسْتَهامٌ وَصِبٌ
وَيْلَتَا للمستهامِ الوَصِب٣٠
طائرٌ غرّدَ في دَوْحَتكم
علّم الأطيارَ معنى الطرب
طار من مصرَ يُحيِّي أمّةً
تَوّجَتْ بالمجدِ هامَ الْحِقَب٣١
قاهريٌّ أخجلتْ ألحانُه
رنَّة العُودِ، وشَدْوَ القَصَب٣٢
خُلِقَتْ أوتارُه قُدْسِيّةً
من حَنانِ الحبِّ، لا من عَصب٣٣
فارحمي مُغترِبًا ليس اسمُه
في رُبا لُبنانَ بالمغترب٣٤
جاء يبغِي الْحُبَّ لا الْحَبَّ فهل
جاوز المسكينُ حدَّ الطلب؟٣٥
فنصبتِ الفخَّ خدّاعَ المُنَى
خَشِنَ الكفِّ، حديدَ المِخْلبِ٣٦
وأتَى هَيْمانَ يشدو واثبًا
ليته في يومه لم يثب!
فارْتَمى بين جَناحٍ هائضٍ
وَجناحٍ خافقٍ مضطرب٣٧
واجِبَ القلبِ، ولولا نظرةٌ
عرضتْ لاهيةً لم يَجِب٣٨
أطلقيه وابعثي آمالَه
وثوابَ اللّهِ فيه احتسبي٣٩
هل على الهاتفِ بالحسن إذا
ما شدا من حَرجٍ أو عَتَب؟
قد براه السُّقْمُ إلَّا فَضْلَةً
من فؤادٍ حائرٍ ملتهب٤٠

•••

كم هفا القلبُ للبُنان وكم
عاقه صَرْفُ الزمانِ القُلّب!
أصبح الحكمُ به في نُخْبةٍ
من بنيه الكرماءِ النُّجُبِ٤١
كلُّهم حرّ أبيٌّ ينتمي
في ذُرا المجدِ إلى حرٍّ أبي٤٢
وهبوا الروحَ للُبنان فِدًى
وضَنينٌ كلُّ مَنْ لم يَهَب٤٣
خُلُقٌ مثلُ أزاهيرِ الرُّبا
ضحِكت للعارضِ المنسكب٤٤
وسياساتٌ ورأيٌ ساطعٌ
يضَعُ الحقَّ مكانَ الرِّيَبِ٤٥
قادهم خيرُ رئيسٍ للعُلا
شمريِّ العزم عالي الحَسَب
عاشَ لُبنان وعاشتْ رايةٌ
للكرامِ العُربِ فوقَ الشُّهُبِ

هوامش

(١) هاج: أثار. الحجب: الأستار.
(٢) غيهبًا: ظلمة.
(٣) غفوته: نومه. يتمطى: يتثاءب. دثار: غطاء.
(٤) طائف: ما يجول بالخاطر أثناء النوم. رمته: أردته. الهدب: رموش العين.
(٥) بارع الريشة: ماهر في الرسم والتصوير.
(٦) سنا الكأس: ضوء الكأس. در الحبب: ما يطفو فوق الماء من فقاقيع تشبه الدر.
(٧) مجهر: منظار مكبر.
(٨) سبحات الكوكب: حيث تسبح الكواكب.
(٩) مسك: طيب.
(١٠) حلو المذهب: جميل اللحن والطريقة.
(١١) أرب: مقصد.
(١٢) عريس: غيل الأسد. كناس: بيت الظبي. ظباء الربرب: ظبي القطيع.
(١٣) قضب: أغصان.
(١٤) دعج: سواد العين وسعتها. سنا إصباحه: نور صباحه وإشراقه. لبب: خالص الشيء.
(١٥) عدنان وغسان: أصل قبائل العرب. شأو: السبق والغاية.
(١٦) النصب: التعب.
(١٧) شط المغرب: دول العرب (المهجر) التي هاجروا إليها.
(١٨) رحله: متاعه. ذرب: حاد ماض.
(١٩) النوب: الشدائد والكوارث.
(٢٠) النشب: المال والعقار.
(٢١) جمحت: شردت وبعدت كالحصان الجامح.
(٢٢) حدته: مضاءه. وخز: طعن.
(٢٣) سبسب: الفلاة، الصحراء.
(٢٤) الضرب: العسل.
(٢٥) حصب: الحصو الصغير.
(٢٦) شفقًا: حمرة الشمس في أول الليل. موهت: طليت. صفحته: جوانبه.
(٢٧) المختضب: الملون بلون الخضاب.
(٢٨) أشراك: مصايد.
(٢٩) جارة الوادي: هو وادي البقاع بلبنان ولشوقي قصيدة رائعة يناجي فيها حارة هذا الوادي.
(٣٠) مستهام: هائم. وصب: دائم.
(٣١) هام: قمة. الحقب: السنون.
(٣٢) قاهري: نسبة إلى القاهرة والشاعر يقصد نفسه. القصب: المقصود المزمار.
(٣٣) قدسية: طاهرة. عصب: الأعصاب بالجسم.
(٣٤) ربا: أعالي.
(٣٥) لا الحب: الحبوب.
(٣٦) المخلب: الظفر.
(٣٧) هائض: مكسور.
(٣٨) واجب القلب: خافق القلب.
(٣٩) احتسبي: اكتفي.
(٤٠) براه: أضناه. السقم: المرض. فضلة: بقية. فؤاد: قلب.
(٤١) نخبة: جماعة منتخبة. النجب: نجباء أشراف.
(٤٢) أبيّ: لا يقبل الضيم. ذرا: علا.
(٤٣) ضنين: بخيل.
(٤٤) العارض المنسكب: السحاب الممطر.
(٤٥) الريب: الشك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١