ذِكرى الغَرْب

بعض ذكريات الشاعر بعد عودته من أوروبا سنة ١٩١٢م.

يا دارَ فاتِنَتِي حُيْيتِ مِنْ دَارِ!
سَيَّرْتُ فيكِ وفِي منْ فِيكِ أَشْعَاري
رَحلتُ عَنْها وللأشجَانِ ما تَركَتْ
في العَيْنِ والقلبِ من ماءٍ ومِنْ نار
كانتْ مَجَالَ صَباباتٍ لَهَوْتُ بها
ومُسْتَراضَ لبَاناتٍ وأوْطارِ١
أسائِلُ الطَّيْرَ عَنها لو تُنْبِّئني
أو تنْقُلُ الطَّيرُ عنها بَعْضَ أخْبار!
يَنْسَى بهَا كلُّ نائي الدَارِ مَوْطِنَه
وما تَجشَّمَ مِنْ بَيْنٍ وأَسْفَار٢
يَلْقى بها أينما ألقى عَصَاه بِها
أهلًا بأَهْلٍ، وأَصْهارًا بأصْهار
وفِتْيةً كرِماحِ الخطِّ إنْ خَطَرُوا
فَدَيْتَ بالنَّفسِ منهم كلَّ خَطَّار٣
بِيضَ الوُجُوهِ مَساميحَ الأكُفِّ مَنا
جِيدَ الصَّريخِ سَرَاةُ غَيرَ أَغْرار٤
لا يَنزِل الضَّيفُ صُبْحًا عُقْرَ دَارِهمُ
إلَّا ويُمْسِي عِشاءً صاحِبَ الدار
قد آمنُوا بإلَهِ الحُبِّ وارْتَقَبُوا
آياتِهِ بَيْنَ إجْلالٍ وإكْبار٥
وصوَّرُوهُ فَتًى أعْمَى إذا رَشَقَتْ
يَدَاهُ بالنَّبْل أصْمَى كُلَّ جَبَّار٦
عُرْيانَ إنْ مَسَّهُ بَرْدُ الشتاءِ فما
له سِوَى زَفَراتِ الوَجْدِ مِنْ نَار
يَغْشَى الفَتاةَ وَلَمْ تَرْقُبْ زِيَارَتَهُ
وخِدْرُها بَيْنَ أغْلاقٍ وأَسْتار
فَطَرْفُها خاشِعٌ من بَعْدِ زَوْرَتِهِ
وقَلْبُها نَهْبُ أَوْهَامٍ وأَفْكَارِ٧
تَشْكُو إلَى أُمِّها ضَيْفًا ألمَّ بِها
والأُمُّ إنْ تَسْتَطِعْ باحَتْ بأَسْرارِ
ويصْرَعُ الفارِسَ المِغْوارَ إن لَعِبَتْ
كَفَّاهُ بالسَّيْفِ أَرْدَى كلَّ مِغْوَار
فلا تراهُ سِوَى شاكٍ لسَاجِعَةٍ
أو نادِبٍ إثرَ أَطْلالٍ وآثار٨
ويَطْرُقُ الشَّيْخَ في المِحْرَابِ قَدْ فَنَيِتْ
عِظَامُهُ، وَبَرَتْهُ خَشْيَةُ البَاري
فلم تَكُنْ لَمْحَةً إلّا ليَفْتِلَهُ
من الصَّلاةِ ومن تَرْتِيلِ أذْكار٩

•••

يبرُزْنَ في اللَّيْل مِثْلَ الشُّهبِ ساطِعةً
ما بَيْنَ سيَّارَةٍ تَجْرِي لِسَيَّار١٠
مِنْ كُلِّ خَمْصَانَةِ الكَشْحَيْنِ ناصِعَةٍ
كأَنَّها دُرَّةٌ في جَوْفِ زخّار١١
تَسْعَى إلى أغْيَدٍ ما طَرَّ شَاربُهُ
كأنَّما صَفْحَتاهُ وجْهُ دِينارِ١٢

•••

أرضٌ كَأَنَّ إِلَهَ الأَرْضِ أَوْدَعَها
بَدَائِعَ الْحُسْنِ مِنْ عُونٍ وأَبْكار١٣
ألقَوْا خُدُودَ العَذَارى في حَدَائِقِها
ولَقَّبُوها بِأَثْمَارٍ وأَزْهار
وجرَّدُوا كُلَّ حُسْنٍ من قَلائِده
فَصِرْنَ حَصْباءَ في سَلْسَالها الجَاري١٤
لَوْ كانَ في عُنْصُرِي صَلْصالُ طِيبَتِهَا
ما راعَنِي الدَّهْرُ في يومٍ بأكْدَار١٥
أوْ كُنْتُ أَظْفَرُ في الأخْرَى بِجَنَّتهِا
غَسَلْتُ بالدمْعِ آثامي وأوْزاري

هوامش

(١) المستراض: المكان الفسيح الطيب. اللبانة: الحاجة مع علو الهمة. الوطر: المطلب والمأرب.
(٢) البين: البعد والفرقة.
(٣) رماح الخط نسبة إلى مرفأ السفن بالبحرين؛ لأنه مبيعها لا منبتها، وشبههم بالرماح في فرعهم واعتدال أجسامهم ولدونتها.
(٤) مناجيد الصريخ: أي يسرعون إلى المستغيث بالنجدة والإغاثة. السراة: السادة الأشراف. الأغرار: من لا تجربة لهم بالأمور. الواحد غر (بالكسر).
(٥) تخيل قدماء اليونان آلهة كثيرة منها إله للحب سموه «كيوبد» وصوروه طفلًا أعمى عريان في يديه قوس ونبال يرمي بها عن غير قصد، وهذا مصداق لقول العرب: الحب يرمي ويصم.
(٦) رشقه بالنبل: رماه به. أصماه: رماه فقتله مكانه. الجبار: العاتي.
(٧) الطرف: البصر. خاشع: متكسر مطرق.
(٨) الساجعة: المغردة من الطير.
(٩) يفتله: يصرفه. ترتيل الأذكار: إجادة تلاوتها.
(١٠) الشهب: الكواكب. الساطعة: اللامعة المتألقة. السيارة والسيار: من أوصاف الكواكب وهي التي تجري في مداراتها. ولما جعلهم شهبًا جعل مسيرهم ليلًا كجري النجوم في أفلاكها.
(١١) خمصانة الكشحين: أي ضامرة الخصر دقيقته. الكشح: هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفية. الزخار: البحر إذا طما وامتلأ.
(١٢) الأغيد: الغلام مالت عنقه ولانت أعطافه. وما طر شاربه، أي: ما ظهر. ويريد بصفحتيه: خديه.
(١٣) العون: جمع عوان. وهي من النساء: النصف، لا بكر ولا مسنة. الأبكار: جمع بكر. وهي العذراء.
(١٤) القلائد: الحلي تجعل في العنق، الواحدة: قلادة. سلسالها الجاري: مياه أنهارها المنسابة.
(١٥) راعه: أفزعه ونغص عليه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤