غزل شاعرين

قام الشاعر في هذه القصيدة بتشطير قصيدة للشاعر إسماعيل صبري في عام ١٩٠١م.

(يا لواء الحسنِ أحزابُ الهوى)
أجّجوا في الحبِّ نيرانَ الجفَاء١
مذ رأوْا طَرفَكِ يبدو ناعسًا
(أيقظوا الفتنةَ في ظلِّ اللواء)٢
(فرَّقت أهواءهم ثاراتُهم)
كلُّ حُبٍّ بين أشواك عِداء
جمعوا بغضاءهم فافترقوا
(فاجمعي الأمرَ وصوني الأبرياء)
(إن هذا الحسنَ كالماء الذي)
راق حتى كاد يخفيه الصفاء
والرضابُ الْحلوُ لو جدتِ به
(فيه للأنفس رِيٌّ وشفاء)٣
(لا تذودي بعضنا عن وِردِه)
كلُّنا يشكو الجوى والبُرَحاءُ٤
فانظري، ليس الصدَى في بعضنا
(دون بعضٍ واعدلي بين الظماء)٥
(وتجلَّي واجعلي قومَ الهوى)
للهوى فيك وللحسن فِداء٦
هم فداءٌ لك، لا، بل كلُّ مَن
(تحت عرش الشمس في الحكم سواء)
(أقبل نستقبل الدنيا وما)
يملأ الأعين حسنًا ورُوَاء٧
أنت كالجنَّة ضُمِّنت الذي
(ضُمِّنته من معدَّاتِ الهناء)
(واسفِري تلك حُلًى ما خُلقت)
لسوى لثمٍ وضَمّ واجتلاء٨
ما رأينا آيةَ الله أنت
(لتُوارَى بلثامٍ وخباء)٩
(واخطِري بينَ الدامي يحلفوا)
أنك الغصن ازدهارًا واستواءْ١٠
أخبرتهم نفحةٌ منكِ سَرَتْ
(أن روضًا راح في النادي وجاء)
(وانطقِي ينثرْ إذَا حدّثتِنا)
لفظُك العذبُ عن القلبِ العنَاء
إنه الدرُّ، فهل يمنحنا
(ناثرُ الدرِّ علينا ما نشاء؟)
(وابسمِي من كان هذا ثغره)
فتن الزهرَ أريجًا وبهاء١١
فدعيه ينشر الطِّيبَ كما
(يملأُ الدنيا ابتسامًا وازدهاءْ)
(لا تخافي شططًا من أنفس)
داولت بين خضوعٍ وإباء١٢
إنْ أجابت دعوة الحبِّ مشت
(تعثُرُ الصبوةَ فيها بالحياء)١٣
(راضت النخوةُ من أخلاقنا)
فخضعنا وجمحنا كرمَاءْ١٤
وسمت فوق الهوى أحسابُنا
(وارتضَى آدابنا صدقُ الوَلاء)
(فلو امتدت أمانينا إلى)
أسدٍ ما لاث كفًّا بدماء١٥
أو سرت أنفاسُنا في جانبيْ
(مَلَكٍ ما كدّرت ذاك الصفاء)
(أنت يَمُّ الحسن فيه ازدحمتْ)
زُمَرُ العشَّاقِ كُلٌّ بسِقاء١٦
أنقدتهم بعد يأسٍ مُغرِقٍ
(سفُن الآمال يُزجيها الرجَاءْ)١٧
(يقذف الشوق بها في مائجٍ)
ما له من ساحلٍ إلَّا اللّقَاء١٨
فهي تجري والجوى يبعثُها
(بين لَجَّيْنِ عناء وشقاء)١٩
(شدةٌ تمضي وتأتي شدَّة)
واعتداءٌ للهوى بعد اعتدَاءْ
لو علت للنجم نفسي لأتتْ
(تقتفيها شدّةٌ، هل من رَخاء؟)٢٠
(ساعفي آمالُ أنضاء الهوى)
يقتل الداء إذا عزَّ الدواء٢١
واكشفي حُجْبَ النوى ينتعشوا
(بقبولٍ من سجاياك رُخاء)
(أنتِ رُوحانيَّةٌ لا تدّعي)
غيرَها، فالأمرُ كالصبح جلاء٢٢
فاسألي المِرآةَ هل يوْمًا رأت
(أنَّ هذا الشكل من طينٍ وماء؟)
(وانزِعي عن جسمِك الثوب يَبِن)
رُبَّ حقٍّ ضاع في ثوب رياء٢٣
وارفعي شَعْرَك عنه ينجلي
(للملا تكوينُ سكانِ السَّماء)
(وأَرِي الدنيا جَنَاحَيْ مَلَكٍ)
منهما تستمنح النورَ ذُكَاءْ٢٤
نُشِرا في مُجتَلَى ضوء الضحا
(خلفَ تمثالٍ مصوغٍ من ضِياء)٢٥

هوامش

(١) لواء: علم. أحزاب: أصحاب. أججوا: زادوا إشعالًا.
(٢) طرفك: جفنك.
(٣) الرضاب: الريق. ري: ارتواء.
(٤) ورده: منهله. البرحاء: الحمى.
(٥) الصدى: العطش.
(٦) تجلَّي: اظهري وانكشفي.
(٧) رواء: المنظر الجميل.
(٨) اسفري: اكشفي عن حسنك. حلًى: زينة وجمال.
(٩) لتواري: لتخفي. لثام: نقاب. خباء: ساتر.
(١٠) اخطري: امشي متبخترة. الندامى: الشاربين. استواء: اعتدال.
(١١) أريجًا: رائحة الطيب الفواحة.
(١٢) شططا: خروجًا عن المألوف. داولت: دارت وتداولت مرة ومرة.
(١٣) تعثر: تسقط وتزل. الصبوة: رقة الشوق.
(١٤) راضت: طوعت. النخوة: الكبر والعظمة. جمحنا: شردنا.
(١٥) ما لاث: ما لطخ وكدر.
(١٦) يم: ماء. زمر: جماعات. بسقاء: ما يسقى به.
(١٧) يزجيها: يدفعها ويسيرها.
(١٨) مائج: مضطرب الموج.
(١٩) لجين: موجتين عاتيتين.
(٢٠) تقتفيها: تتبعها.
(٢١) ساعفي: ساعدي. أنضاء: رقة.
(٢٢) روحانية: كالملائكة.
(٢٣) واترعي: اخلعي أو خففي. رياء: ادعاء كذب وممالئ.
(٢٤) ذكاء: الشمس.
(٢٥) مجتلى: ظهور. مصوغ: مصنوع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١