ضَيْفٌ كريم

نشرت هذه القصيدة في يونيو عام ١٩٤٧م، حينما تخلص الأمير محمد عبد الكريم الخطابي من الأسر، ونزل ضيفًا على مصر وملكها السابق فاروق.

حَلّقَ النسْرُ كما شاء وَصاحْ
ورمَى بالقيدِ في وجهِ الريَاحْ
وجلا عن ريشِه العارَ كمَا
تنجلى الأصداءُ عن بيضِ الصفاح١
وأطاحَ القفصَ المشئوم، لا
تعرفُ الجنُّ متى أو أيْنَ طَاح٢
كم قضى الليل به مستيئسًا
جَزِعًا، بين أنينٍ ونُواح
ولكم حنّ إلى أوطانِه
قَلِقَ الأضلاعِ، خَفَّاقَ الْجَنَاح٣
يُرسِلُ العينَ فلا يلقَى سوى
لُججٍ خُضْرٍ دميماتٍ شِحاح٤
يشتكي لليل في وحشتِه
فإذا غاب تشكَّى للصبَاح
ذهب الماضي مَجيدًا حافِلًا
رحمةُ اللهِ عليه! أين رَاح؟

•••

أإسارُ الحرِّ حقٌّ سائغٌ
وإباءُ الحرِّ شيءٌ لا يُبَاح؟!٥
وإذا مُدَّتْ لإحسانٍ يَدٌ
هزّت الفِتنَةُ أطرافَ الرمَاحْ؟!٦
وإذا جفّتْ لَهاةٌ ظمأً
ضنّتِ الأنفسُ بالماءِ القَرَاح؟!
وإذا مال أخٌ نحو أخٍ
ملأ الأفواهَ شَغْبٌ وصِيَاح؟!
وإذا أنّ جَريحٌ دَنِفٌ
لطبِيبٍ، قيل: لا تشكُ الْجِرَاح؟!٧
هل على المفجوعِ في أوطانِه
حَرَجٌ إنْ ردّد الشكوَى وبَاح؟!٨
أو على من رام أن يحيا كما
يتمنَّى الحرُّ ذنبٌ أو جُناحْ؟!٩
أو على المعاني ملامٌ إنْ رنَا
بعدَ عشرينَ، لإطلاقِ السَّراح؟!١٠

•••

ثم قالوا: لم يصُنْ ميثاقَهُ
ونبا عن خُلُقِ الْعُرْبِ السمَاح١١
أيُّ عهدٍ يرتضيه باسلٌ
عربيُّ النبْعِ، ريفيُّ الْجِماح؟!١٢
أيُّ عهدٍ هو أن أُذْبحَ من
غيرِ سكِّينٍ، ولا أشكو الذباح؟!
هو عهدُ الذئبِ يُمليه على
شاتِهِ المِخلَبُ والنابُ الوَقَاح!١٣
وهو القوّةُ، ما أجرأَها!
إنْ مشَتْ يومًا إلى الحقِّ الصرَاح
كم سلاحٍ صالَ من غيرِ يدٍ
ويدٍ تدفَعُ من غيرِ سِلَاح!
قصد الفاروقَ يبغِي موئِلًا
في رِحابٍ لِبَني العُرْبِ فِسَاحْ١٤
همّةٌ جاءت تناجي همَّةً
ويدٌ مُدَّتْ إلى أكرمِ رَاحْ
مَلِكٌ يرنو لعُلْيَا مَلِكٍ
وطِماحٌ يتسامى لِطمَاح١٥
فثوى في خيرِ غمدٍ آمنًا
صَارِمٌ أرهفَه طولُ الكِفَاح١٦
لم يجدْ غيرَ بشاشاتِ المُنَى
وارتياحٍ للندَى أيُّ ارتيَاح!١٧

هوامش

(١) جلا: كشف. الأصداء: الصدى الذي يصيب الحديد. بيض الصفاح: السيوف.
(٢) أطاح: رمى بعيدًا عنه. القفص المشئوم: المقصود الأسر.
(٣) خفاق: مضطرب متحرك. الجناح: للطائر كاليد للإنسان.
(٤) لجج: البحر المرتفع الأمواج. دميمات: قبيحات. شحاح: بخلاء.
(٥) أإسار: الهمزة للاستفهام والاسار بمعنى القيد والأسر. سائغ: جائز.
(٦) الفتنة: الدسيسة والوقيعة. يشير إلى منع الحاكم الفرنسي بتونس الطوافة المصرية «فوزية» من الوصول إلى ميناء تونس، وكانت تحمل غذاء ومعونة لمنكوبي المجاعة هناك ومنع رجال الحكم الفرنسي بتونس وصول الماء العذب إلى الطوافة.
(٧) دنف: مريض ثقل عليه المرض.
(٨) المفجوع: المتألم المتوجع الذي فقد شيئًا عزيزًا.
(٩) رام: رغب وود. جناح: إثم.
(١٠) عشرين: عشرون عامًا في الأسر.
(١١) ميثاقه: عهده. نبا: تباعد عن. إشارة إلى قول الفرنسيين إن الأمير عاهدهم على ألا يفر.
(١٢) النبع: الأصل. ريفي: نسبة إلى ريف تونس. الجماح: الطباع.
(١٣) شاته: من الغنم. المخلب: الظفر. الناب: السن. الوقاح: الصلب.
(١٤) موئلًا: كنفًا وملاذًا.
(١٥) طماح: علو وارتفاع.
(١٦) ثوى: أقام. صارم: سيف. أرهفه: رققه، جعله حادًّا قاطعًا.
(١٧) بشاشات: طلاقة الوجه والفرحة. الندى: الكرم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١