حَنِينُ طائِر

نظمت هذه القصيدة في سنة ١٩١٥م.

طَائِرٌ يَشْدُو عَلَى فَنَنِ
جَدَّدَ الذِّكْرَى لذِي شَجَنِ
قامَ والأكْوانُ صامِتَةٌ
وَنَسيمُ الصُّبْحِ في وَهَن
هاجَ في نَفْسِي وقد هَدَأَتْ
لَوْعَةٌ لَوْلاهُ لم تكُن
هَزَّهُ شَوْقٌ إلى سَكَنٍ
فَبَكَى للأَهْل والسَّكَن
وَيْكَ لا تَجْزَعْ لِنَازِلَةٍ
ما لِطَيْرِ الْجَوِّ مِنْ وَطَن١
قد يَراكَ الصُّبْحُ في حَلَبٍ
ويَراكَ اللَّيْلَ في عَدَن٢
أَنْت في خَضْراءَ ضَاحِكةٍ
مِنْ بُكَاء العارضِ الْهَتِن٣
أَنْتَ في شَجْرَاء وَارِفَةٍ
تَارِكٌ غُصُنًا إلى غُصنِ٤
عَابِثٌ بالزَّهْرِ مُغْتَبِطٌ
نَاعِمٌ في الْحلِّ والظَّعَن٥
في ظِلَالٍ حَوْلها نَهَرٌ
غَيْرُ مَسْنُونٍ ولا أُسِن٦
في يَدَيْكَ الرِّيحُ تُرْسِلُها
كَيْفَما تهْوَى بلا رَسَن٧

•••

يَا سُلَيْمَانَ الزَّمانِ أَفِقْ
لَيْسَ لِلذَّاتِ مِنْ ثَمَنِ٨
وابْعَثِ الْأَلْحَانَ مُطْرِبَةً
يا حَياةَ الْعَيْنِ والْأُذُن
غَنِّ بالدُّنْيَا وزِينَتِها
ونِظَامِ الْكَوْنِ والسُّنَنِ٩
وبِقِيعَانٍ هبَطْتَ بِها
وبما شَاهَدْتَ مِنْ مُدُن١٠
وبأَزْهَار الصَّباحِ وقَدْ
نَهَضَتْ مِنْ غَفْوَةِ الوَسَنِ١١
وبِقَلْبٍ شَفَّهُ وَلَهٌ
حافِظٍ لِلْعَهْدِ لم يَخُن١٢
كُلُّ شَيءٍ في الدُّنَا حَسَنٌ
أيُّ شَيءٍ لَيْس بالْحَسَن١٣
خالِقُ الأكْوَان كالئُها
وَاسِعُ الْإِحْسَانِ والْمِنَن١٤

•••

كانَ لِي إِلْفٌ فَأَبْعَدَهُ
قَدَرٌ عَنْي وأبْعَدَنِي١٥
أنا مَدَّ الدَّهْرِ أَذْكُرُهُ
وَهْوَ مَدَّ الدَّهْر يَذْكُرُني١٦
قَد بَنَيْنا الْعُشَّ مِنْ مُهَجٍ
غُسِلَتْ مِنْ حَوْبَةِ الدَّرَن١٧
مِنْ لَدُنْهُ الْوُدُّ أخَلَصُهُ
والْوَفا والطُّهْرَ مِنْ لَدُنِي
كانَتِ الأطْيَارُ تَحْسُدُهُ
جَنَّةَ الْمَأْوَى وتحْسُدُني
وَظَنَنَّا أنْ نَعيشَ بِهِ
عِيشَةَ المستَعْصِمِ الأمِن
فَرَمَتْ كَفُّ الزَّمَانِ بِهِ
فَكَأَنَّ الْعُشَّ لَم يَكُن
طارَ مِنْ حَوْلي وَخَلَّفَنِي
لِلْجَوَى والبَثِّ والْحَزَن١٨
وَنَأَى عَنِّي وما بَرِحَتْ
نازِعاتُ الشَّوْقِ تَطْرُقُنِي١٩
وَمَضَى والْوَجْدُ يَسْبِقُهُ
وَدمُوعُ الْعَيْنِ تَسْبقُني٢٠

•••

إنْ تَزُرْ يا طَيْرُ دَوْحَتَهُ
بَيْنَ زَهْرٍ نَاضِرٍ وجَنِي٢١
وَشَهِدْتَ «التِّمْسَ» مُضْطَرِبًا
واثِبًا كالصافِنِ الْأَرِن٢٢
عَبِثَتْ ريحُ الشَّمالِ بِه
فَطَغَى غَيْظًا على السفُنِ
فَانْشُدِ الأَطْيَارَ وَاحِدَها
فِي الْحُلَى والْحُسْنِ والْجَدَن٢٣
وَتَرَيَّثْ في الْمَقَالِ لَهُ
قد يَكُونُ الْمَوْتُ في اللَّسَن!٢٤
صِفْ لَهُ يَا طَيْرُ مَا لَقِيَتْ
مُهْجَتِي في الْحُبِّ مِنْ غَبَن٢٥
صِفْ لَهُ رُوحًا مُعَذَّبَةً
ضاقَ عن آلامِها بَدَنِي
صِفْ لَهُ عَيْنًا مُقَرَّحَةً
لأبِيِّ الدَّمعِ لَمْ تَصُن

•••

يا خَلِيلِي وَالْهَوَى إحَنٌ
لا رَماكَ اللهُ بالْإحَن٢٦
إنْ رَأَيتَ الْعَيْنَ ناعِسَةً
فَتَرَقَّبْ يَقْظَةَ الْفِتَنِ٢٧
أَوْ رَأيتَ الْقَدّ في هَيَفٍ
فاتَّخِذْ ما شِئْتَ مِنْ جُنَن٢٨
قد نَعِمْنا بالْهَوَى زَمَنًا
وشَقِينا آخِرَ الزَّمَنِ!

هوامش

(١) ويك: عجبًا لك. والجزع: نقيض الصبر. والنازلة: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس.
(٢) حلب: بلدة سورية بالقرب من حدودها الشمالية. وعدن: بلد على ساحل الخليج المسمى باسمها جنوبي جزيرة العرب.
(٣) العارض: السحاب المعترض في الأفق. والهتن: المنصب الهطل.
(٤) أرض شجراء: كثيرة الشجر.
(٥) الحل: مصدر حل المكان وحل به أي نزل به. والظعن بسكون العين وفتحها مصدر ظعن أي: سار وارتحل.
(٦) مسنون: منتن. والأسن من الماء: الآجن وهو المتغير الطعم واللون.
(٧) تهوَى: تحب. الرسن: الحبل تربط به الدابة.
(٨) سيدنا سليمان بن سيدنا داود — عليهما السلام — والمعنى أن الله قد سخر لك الريح كما سخرها من قبل لسليمان.
(٩) السنن: جمع سنة وهي الطبيعة.
(١٠) القيعان: جمع قاع وهو المستوي من الأرض.
(١١) الغفوة: النومة الخفيفة. الوَسَن: النعاس.
(١٢) شفة الهم: هزله. الوله: الهم والحزن والحيرة.
(١٣) الدنا: جمع دنيا.
(١٤) كالؤها: حافظها. المنن: جمع منَّة وهي النعمة.
(١٥) الإلف: الأليف والحبيب. القدر: ما يقدره الله — عز وجل — ويقضي به.
(١٦) مد الدهر: مداه وطوله.
(١٧) المهج: جمع مهجة وهي النفس والروح. الحوبة: الإثم والذنب. الدرن: الوسخ.
(١٨) الجوى: الحرقة وشدة الوجد. البث: أشد الحزن.
(١٩) نأى: بعد. النازعات: جمع نازعة وهي ميل النفس الشديد. تطرقني: تجيئني. والطروق في الأصل المجيء ليلًا.
(٢٠) الوجد: الحزن والحب.
(٢١) الجني: ما يجنى من الشجر ما دام غضًّا.
(٢٢) التمس: نهر مشهور في إنجلترا. الصافن: من الخيل ما قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة. الأرن: النشيط مصلت الأذنين.
(٢٣) الحلى: جمع حلية وهي الصفة، والحلية أيضًا الحي وهو ما تتزين به المرأة من المصوغات والجواهر ونحوها. الجدن: حسن الصوت.
(٢٤) تريث: اتئد وتمهل. المقال: القول. اللسن: الفصاحة.
(٢٥) المهجة: النفس. الغبن: مصدر غبنه في البيع ونحوه يغبنه أي: خدعه.
(٢٦) الخليل: الصاحب. والهوى: الحب. الإحن: جمع إحنة وهي الحقد والغضب.
(٢٧) عين ناعسة: فاترة، والفتور من صفات الحسن في عيون النساء.
(٢٨) القد: اعتدال القامة وحسن التقطيع. الهيف: ضمور البطن ورقة الخاصرة. والجنن: جمع جنة وهي السترة وكل ما وقى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١