مصرُ الوالِهَة

في رثاء الملك فؤاد المتوفى في الثامن والعشرين من أبريل سنة ١٩٣٦م.

جَلَلٌ، هَزَّ كلُّ رُكْنٍ وهَدَّا
ومصابٌ، رَمَى القُلوبَ فأَرْدَى١
كلُّ صَدْرٍ به أنينٌ وَوَجْدٌ
مُرْسِلٌ خَلْفَه أنِينًا ووَجْدا
عَبَراتٌ، من ساكبٍ ليس تَرْقَا
ووَجيبٌ، مِنْ خَافِقٍ لَيْس يَهْدَا٢
ونشيجٌ، أقضَّ من مَضْجَعِ اللَّيـ
ـلِ، وماجتْ له الكواكِبُ سُهْدا٣

•••

فزِعَتْ مصرُ فزْعةً طَارَ فيها
كلُّ عقْلٍ عن الرَّشَادِ، ونَدَّا٤
هَرَعَتْ ساعة الوَداعِ تُفِيضُ الدَّمـ
ـعَ بَحْرًا، وتُرْسِلُ الشَّوقَ وقْدَا٥
أمّةٌ هالَها المُصَابُ فهامَتْ
تستَحِثُّ الْخُطَا، شُيوخًا ومُرْدا٦
خَرَجَتْ مِن خِبائِها كُلُّ خَوْدٍ
لم تُقْنِّع رأسًا، ولم تُخْفِ خَدّا٧
أعْجَلَتْها مُصيبَةُ الوَطنِ المَفـ
ـجُوعِ أنْ تَخْتَبِي، وأنْ تَتَردَّى٨
زُمَرٌ تَلْتَقِي على الْحُزْنِ والْيَأْ
ِس، وحَشْدٌ بَاكٍ يُزَاحِمُ حَشْدا
وبِحَارٌ من الأنَاسِيِّ ماجَتْ
مُزْبداتٍ، يَجِشْنَ جَزْرًا ومَدَّا٩
وجِبَالٌ تَسِيرُ في يَوْم حَشْرٍ
كلُّ فِنْدٍ تَراهُ يَتْبَعُ فِنْدا١٠
فوْق سَطْحِ البُيوتِ كالنَّحْلِ فانْظُرْ
ثُمَّ إيَّاكَ أنْ تُحَاوِلَ عَدَّا
كُلُّ بَيْتٍ قَدْ عَافَ أحْجارَهُ الصمْ
مَ، وأضْحَى دَمًا ولَحْمًا وجِلْدا١١
والمَيَادِينُ كُلُّها أُمَمٌ تُزْ
جَى، كما تُكْدَسُ السّحائبُ رُبْدَا١٢
فإذا شئتَ أن تَرَى الأرضَ أرْضًا
كنْتَ ممن يُحاولُ الأمْرَ إدَّا١٣
نَفَسٌ واحدٌ جميعًا، وقلبٌ
(لفؤاد) يَئِزُّ شَوْقًا وصَهْدَا١٤
ودُعاءٌ يَمُرُّ بالصَّدْرِ بَرْقًا
فإذا انْسَابَ منه أصْبَحَ رَعْدا
وخُشوعٌ من الْجَلالِ تراءَى
وجَلالٌ من الخشوعِ تَبَدَّى
حَمَلوه، وإنما حَمَلُوا آ
مَالَ شَعْبٍ، بِزَهْرِهَا الغَّضِّ تَنْدَى
حَمَلوا حامِيَ الحَقِيقةِ والدِّيـ
ـنِ، كما تَحْمِلُ المَلائكُ عَهْدا
حَمَلوا كَوْكَبًا أشعَّ على مِصـ
ـرَ سَنًا مُبْصِرًا وهَدْيًا وسَعْدًا١٥

•••

مَا عَلَى الدَّهْرِ مَرَّةً لَوْ تَوَانَى؟
أو عَلَى الدَّهْرِ ساعة لو تَهَدَّا؟١٦
لَفَحَتْ ريحُهُ أزاهيرَ آما
لٍ، ملأْنَ الوُجودَ مِسْكًا ونَدَّا١٧
وَعَدَتْ كَفُّه عَلَى دَوْحةٍ كا
نتْ تَمُدُّ الظِّلالَ في مِصْرَ مَدّا
وَجَدَتْ مِصْرُ في ذُراها سَلامًا
وطَوتْ في ظِلَالِها العَيْشَ رَغْدا١٨
قدْ نَعَيْنا فَردًا به كان عَصْرًا
وفَقَدْنا عَصْرًا به كان فَرْدا
دَوْلةٌ فاقت الكواكِبَ نُورًا
وأنَافَتْ عَلَى الكواكبِ بُعْدًا١٩
علَّمَتْ كلَّ مَالِك كيف تُرْعَى
أُممٌ حاطَها المُلوكُ وتُهْدَى

•••

رفع الشَّرقُ رأسَه (بِفُؤَادٍ)
وَنَضَا عَنْه يأسَهُ فاسْتَجَدَّا٢٠
ومَضَى يَسْبِقُ الْخَوَاطِرَ وَثْبًا
وجَرَى يُجْهِدُ الأمَانِيَّ وَخْدا٢١
وَأتتْ كلُّ أُمّة ترتجي (مِصـ
ـرَ) وِدَادًا، وتَنْهَلُ العلم وِرْدا٢٢
كَعْبةٌ حَجَّت الوُفُودُ إليها
تَسْتَحِثُّ الرِّكَابَ وَفْدًا فَوَفْدا٢٣
حَفَزَتْها لعَرْشِ (مِصْرَ) أمانٍ
بِنَشِيدِ الوَلَاء والْحُبِّ تُحْدَي٢٤
فَرَأتْ حَزْمَ جاهِدٍ لَنْ يُبَارَى
ورأتْ جُهْدَ حازمٍ لن يُحَدَّا
أبْصَرُوا المُلْكَ في جَلالةِ مَعْنا
هُ، يُبَاهي السَّمَاء عِزًّا ومَجْدا
أَبْصَرُوا دَوْلةً ومُلْكًا كَبِيرًا
ومِرَاسًا يُعْيي الزَّمانَ وجُهْدا
هِمّةٌ تَفْرَعُ النُّجومَ، وعَزْمٌ
سلَبَ السَّيْفَ حدَّه والفِرنْدَا٢٥
ومَضَاءٌ في الحادِثاتِ برأْيٍ
فَضَح الصُّبْحَ نُورُه وتَحدَّى
يَستمدُّ الإلهامَ من عالِمِ الغَيـ
ـبِ، وأجْدِرْ بمثله أنْ يُمَدّا

•••

دَفَعَ الشعْبَ للسبيل فكانت
من سَنا هَدْيه أمانًا ورُشْدا٢٦
مُلْهِبًا عَزْمَه إذا اجتازَ غَوْرًا
مُسٍتَحِثًّا إذا تسلَّقَ نَجْدا٢٧
كُلَّما خَارَ أجزأتْ بسمةٌ مِنـ
ـه، فَمدَّ الخُطَا حَثِيثًا وجَدّا٢٨
ومَضَى كالقَضَاءِ يَهْوِي لِمَرْمَا
هُ، جَريئًا مُجَمَّعَ القَلْبِ جَلْدَا٢٩
يَبْهَرُ الصَّخرَ أنْ يَرَى منه صَلْدًا
آدميَّ الرُّواء، يَقْرَعُ صَلْدا٣٠
لا يُبالِي إذا سَعَى للمعَالي
خَبَط الشوْكَ، أم تَوطَّأَ وَرْدَا؟٣١
و(فُؤَادٌ) أمامَه خَيْرُ هادٍ
قادَ لِلْغَايةِ البَعيدَةِ جُنْدا
كانَ لِلْمُقْدِمين رُوحًا وقَلْبًا
ولِرَكْب السَّاريَن كَفًّا وزَنْدا٣٢
لو دَعَاهُم إلى النُّجوم لَسَارُوا
خَلْفَه يُزْمِعُون للنَّجْمِ قَصْدا
وإذا اليأسُ مَسَّهُم كان عَطْفًا
وسَلامًا عَلَى القُلُوبِ وبَرْدا٣٣
نَظْرةٌ مِنْه تَبْعثُ الأمَلَ الوَا
ني، وتُحْيِي منه الذي كان أَوْدَى٣٤

•••

كان رِدْءًا لِمصْرَ إنْ جَارَ دَهْرٌ
وصِمَامًا لأمْنِها إنْ تَعَدَّى٣٥
ساسَ بالحِكْمةِ البلَادَ، فكانَتْ
من عَوادِي الزَّمان دِرْعًا وسَدّا
فَهْو إنْ شَاءَ صيَّر الغِمْدَ سَيْفًا
وإذا شاء صَيَّر السَّيْفَ غِمْدَا
قد أعدَّتْه رَحْمةُ اللهِ لِلْحُكـ
ـمِ، كَرِيمًا مُبَارَكًا، فاسْتَعَدّا
ورَعَى اللهَ في الرّعِيّةِ والملـ
ـكِ، فوفَّى حقَّ الإلهِ وأدَّى
أينَما سِرْت مَشْرِقًا تَلْقَ شُكْرًا
أو توجَّهْتَ مَغْرِبًا تَلْقَ حَمْدا
وإذا اللهُ رَامَ إصْلاحَ شَعْبٍ
سَلَكَ القَائدُ الطَّريقَ الأسدَّا
إنَّمَا النَّاسُ بالملوكِ، وأَغْلَى الـ
ـمُلْكِ شَأْوًا ما كانَ حُبًّا وَوُدّا٣٦

•••

رَد بالْحَزْم كلَّ خَطْبٍ سِوَى المَوْ
ِت، ولِلْمَوْتِ صَوْلَةٌ لَنْ تُرَدَّا٣٧
والفَتَى في الْحَياةِ رهْنُ عَوَادٍ
لا يَرَى دُونَ مُلْتَقَاهُن بُدّا٣٨
حَكَمَ الموتُ في الأنامِ فَسَوَّى
لم يَدَعْ سَيِّدًا، ولم يُبْقِ عَبْدا
بَيْنَما يَسْحَقُ المَالَ تَراهُ
باسِطًا كفَّه لِيَقْنِصَ أُسْدا

•••

يا مَلِيكي، والْحُزْنُ يَطْحَنُ نَفْسِي!
كلَّما قُلْتُ: خَفَّ. قال: سَأَبْدا
أيْنَ عزُّ المُلْكِ الَّذِي كانَ للآ
مالِ في سَوْحِه مَرَاح ومَغْدَى؟٣٩
أين تلكَ الهِبَاتُ للعِلْمِ تُزْجَى
كلُّ رِفْدٍ فِيها يُزَاحِمُ رِفْدا؟٤٠
أينَ أينَ القُصّادُ في ساحةِ القَصـ
ـرِ؟ وأين الصِّلاتُ تُعْطَى وتُسْدَى؟
أين ذَاكَ الْجَبِينُ يَنْضَحُ نُورًا؟
أين ذاكَ الحديثُ يَقْطُر شَهْدا؟
قد فَقَدْناهُ والمُصَابُ جَلِيلٌ
وجَمِيلُ العَزَاء بالْحُرِّ أجْدَى
نحنُ لله راجِعُون، وكلٌّ
بالغٌ في مَجَالةِ العُمْرِ حَدَّا٤١
غَير أنَّ الفَتَى يُغالِبهُ الدَّمـ
ـعُ، فلا يستطيعُ للدَّمْعِ صَدَّا
كلُّ مَهْدٍ يَصِيرُ مِنْ بَعْد حينٍ
قَصُرَ العُمْرُ أو تَطَاولَ لَحْدَا

•••

قَدْ مَلَأْتُ الوُجودَ شَدْوًا بِمَدْحِيكَ،
وهَل غيْرُ مِزهَرِي بكَ أشْدَى؟٤٢
خَالداتٌ مِنَ الجلَائلِ أَوْلَتْ
شِعْرِيَ المُزْدَهِي بوصْفِك خُلْدا٤٣
كَتبَ اللهُ أنْ يَعُودَ رَثَاءً
وبُكَاءً يُدْمِي العيونَ وكَمْدا
قد نظَمْتَ العُلَا قَلادَةَ دُرٍّ
فَنظمْتُ الدُّموعَ أرْثيكَ عِقْدا٤٤

•••

أَمَلَ الشَّعْبِ في خَلِيفَتِك الْفَا
رُوقِ أحْيَا آمَالَه وأجَدَّا٤٥
قرأ الشَّعْبُ في مَلَامِحِه الغُر
رِ سُطورَ المُنَى وأبْصَر جَدّا٤٦
ورأَى فيه نُبْعةَ الْمجدِ والنُّبـ
ـلِ: أبًا مُفْردَ الجلالِ وجَدَّا٤٧
لم يجدْ للعُلَا سواه مَثِيلًا
ولبَدْرِ السماء إلَّاهُ نِدَّا
رحمةُ اللهِ للمليكِ المُسَجَّى!
ورَعَتْ عينُه المليكَ المُفَدَّى٤٨

هوامش

(١) جلل: خطب عظيم. كل ركن: كل ناحية. أردى: أفنى وأهلك.
(٢) ترقا: تجف وتنقطع. الخافق: القلب.
(٣) النشيج: البكاء يغص به الباكي في حلقه من غير انتحاب. ماجت الكواكب: اضطرب سيرها واختلف.
(٤) ند: نفر وذهب.
(٥) وقدًا: أي حارًّا بنار الحزن.
(٦) المرد: جمع أمرد. وهو الشاب لم يطر شاربه ولم تنبت لحيته.
(٧) من خبائها: أي من خدرها. الخباء (في الأصل): ما يعمل من وبر أو صوف أو شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة ويريد هنا مكمنها وبيتها. الخود: المرأة الشابة.
(٨) تتردى: تضع عليها رداءها.
(٩) ماجت: اضطربت. مزبدات: قاذفات بالزبد، وذلك لا يكون إلا في ثورة البحر وهيجانه. يجشن: يهجن ويضطربن. مد البحر وجزره: ارتفاعه واستطالته إلى ناحية مرة، ثم رجوعه عنها مرة أخرى.
(١٠) الفند: الجبل العظيم. وفيه إشارة إلى قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ.
(١١) عاف: مل وكره.
(١٢) تزجى: تساق وتدفع. تكدس، أي: يركب بعضها بعضًا. الربدة: الغبرة.
(١٣) الإد: الأمر العظيم.
(١٤) النفس: الزفرة ينفثها المحزون. أزيز القدر: صوتها عند غليانها.
(١٥) أشع: نشر ضوءه. سنا مبصرًا: أي نورًا يهتدي الناس به ويبصرون.
(١٦) توانى: لم يبادر ولم يتعجل. وتهدا: أي تمهل وأبطأ.
(١٧) لفح الرياح: حرها. الأزاهير: الأزهار. الند: العنبر، وقيل: هو عود يتبخر به.
(١٨) الذرا (بالفتح) الكنف والجانب.
(١٩) أنافت: زادت.
(٢٠) نضا عنه يأسه: رمى به وطرحه. فاستجدا: أي فعاد جديدًا بما صار إليه.
(٢١) الخواطر: ما يخطر بالقلب ويهجس في النفس. الوخد: ضرب من المشي فيه إسراع وإهراع.
(٢٢) تنهل: تشرب. الورد: مورد الشاربة.
(٢٣) الكعبة: البيت الحرام بمكة.
(٢٤) حفزتها: أعجلتها وأسرعت بها. تحدي: من الحداء، وهو أن تغني للإبل تدفع بذلك عنها ملال السير.
(٢٥) تفرع: تعلو. فرند السيف: وشبه وجوهره.
(٢٦) السبيل: الطريق. سنا هديه: أي نور هدايته.
(٢٧) ملهبًا: مثيرًا مهيجًا. الغور: ما انخفض من الأرض. مستحثًّا: حاضًّا.
(٢٨) خار: ضعف وفتر. أجزأت: نابت وأغنت.
(٢٩) الجلد: القوي الشديد.
(٣٠) يبهره، أي: يفوقه بقوته فيدهشه. الصلد: الصلب. وآدمي الرواء: أي في صورة الآدميين. يقرع: يضرب.
(٣١) خبط الشوك: وطئه وداسه. ومثله في ذلك، توطأ.
(٣٢) المقدمون: الجادون. الزند: موصل طرف الذراع في الكف. الزند أيضًا: العود الأعلى الذي تقتدح به النار.
(٣٣) بردًا: راحة وطمأنينة.
(٣٤) الواني: الفاتر الواهي. أودى: أي فني وذهب.
(٣٥) الردء: العون والناصر. حار: بغى.
(٣٦) الشأو: الغاية والمدى.
(٣٧) الخطب: المكروه. الصولة: السطوة والقهر.
(٣٨) العوادي: جمع عادية. وهي ما يلم بالإنسان من مكروه.
(٣٩) السوح: جمع ساحة. وهي النايحة. ومراح ومغدى: أي رواح وغدو.
(٤٠) الرفد: الصلة والعطاء.
(٤١) المجالة: الساحة والميدان يجال فيهما ويطاف. شبه بها فسحة العمر وحياة الإنسان.
(٤٢) شدوًا: ترنمًا. المزهر: العود يضرب به. أشدى: أي أحسن شدوًا وتطريبًا.
(٤٣) أولت: أعطت ووهبت.
(٤٤) القلادة: ما يجعل في العنق من الحليّ. نظمها: تأليف حباتها وجمعها.
(٤٥) وأجدا: أي صيره جديدًا.
(٤٦) الملامح: ما بدا من محاسن الوجه. الغر: الجميلة الحسنة. سطور المنى: ما ينطق بتحقيق الرجاء. الجد (بالفتح): الحظ والسعد.
(٤٧) النبعة (في الأصل): واحدة النبع، وهو شجر تتخذ منه القسي ومن أغصانه السهام.
(٤٨) المسجَّى: الميت قد مد عليه غطاء. المفدى: الذي يفدى بكل عزيز.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١