عِيد جُلُوس الفارُوق في السودَان

حينما زار الشاعر السودان في سنة ١٩٣٧م، واحتفى السودان حكومته وشعبه بعيد جلوس الفاروق، أنشد الشاعر هذه القصيدة في حفل رسميّ حاشد.

عِيدَ الْجُلُوسِ صَدَقْتَ
وَعْدَكَ بِالْمُنَى وَصَدقْتُ وَعْدِي
عَلَّمْتُ طَيْرَ الْوَادِيَيْنِ
فَغَرَّدَتْ بِحنَينِ وَجْدِي١
وَنَظَمْتُ فِيكَ فَرَائِدًا
كَانَتْ لجِيدِك خَيْرَ عِقْدِ٢
الشعْرُ يُبْدِي فِيكَ زِينَتَهُ،
وَوَجْهُ الرَّوْض يُبْدِي
نَثَرَ الرَّبِيعُ بِكَ الْوُرُو
دَ نضِيرَةً وَنَثَرْتُ وَرْدِي
وَوَشَى الْبُرُودَ مِنَ الْأَزَاهِرِ
وَانْتَقَى لَكَ خَيْرَ بُرْدِ٣
فِيهِ الرياضُ تَبَرَّجَتْ
وَثَنَيْنَ مِنْ جيدٍ وَقَدِّ٤
كَمْ مِنْ عُيُونٍ غَضَّةٍ
فِيهَا وَمِنْ ثَغْرٍ وَخَدِّ٥
وَجَرَى النَّسِيمُ مُضَمَّخَ الـ
أَرْدَانِ مِنْ مِسْكٍ وَنَدِّ٦

•••

عِيدَ الْجُلُوسِ وَكَمْ حَوَتْ
ذِكْرَاكَ مِنْ عِزٍّ وَمَجْدِ
أَصْبَحْتَ وَحْدَكَ فِي الزَّمَا
نِ وَصِرْتُ فِي الشُّعَرَاء وَحْدِي
عِنْدِي لَكَ الدُّرَرُ الْحسَا
نُ وَأَيْنَ إِنْ لَمْ تُلْفَ عِنْدِي؟٧
الشعْرُ للأَمْلَاكِ خَيـ
ـرُ ذَخِيرَةٍ وَأَعزُّ بَنْدِ٨
صَاغَتْ سَوَائِرُهُ لَهُمْ
تَاجَيْنِ مِنْ مَجْدٍ وَخُلْدِ٩
وَلَرُبَّ قَافِيَةٍ بِهَا
مَا شِئْتَ مِنْ خَيْلٍ وَجُنْدِ
تَسْرِي فَلَا صَعْبٌ بِصَعـ
ـبٍ لَا وَلَا بُعْدٌ بِبُعْدِ
تَثِبُ الْجِبَالَ وَمَا لَهَا
بَيْنَ الْكَوَاكِبِ مِنْ مصَدِّ
الشعْرُ زَنْدٌ للقَويِّ
وَعُدَّةٌ لِلْمُسْتَعِدِّ١٠
كَمْ زَانَ مِنْ مُلْكٍ كَمَا ازْ
دَانَ الْمُهَنَّد بِالْفِرِنْدِ١١

•••

عِيدَ الْجُلُوسِ وَأَنْتَ فِي الـ
أعياد فَرْدٌ أَيُّ فَرْدِ!
أَلْفَى بِكَ الأَمَلُ الْبَعِيـ
ـدُ لِمِصْرَ أَكْرَمَ مُسْتَمَدِّ١٢
وَتَوَاتَرَتْ نِعْمُ الْإلـ
ـهِ تَجِلُّ عَنْ حَصْرٍ وَعَدِّ

•••

«فَارُوقُ» يَا أُسَّ الرجا
ءِ وَمُلْتَقَى الرَّكْنِ الأشَدِّ١٣
جُمِّلْتَ بِالقَوْلِ السدِيـ
ـدِ وَسَاطِعِ الرأْيِ الأَسَدِّ
وَهَبَتْ لَكَ الدنْيا مَفَا
تِحَ مَجْدِهَا مِنْ غَيْرِ رَدِّ١٤
وَضَمَمْتَ بُرْدَ شَبَابِكَ الزَّا
هِي عَلَى جِدٍّ وَجَدِّ١٥
خُلُقٌ كَأَزْرَارِ النَّسِيمِ
تَفَتَّحَتْ عَنْ نَفْحِ رَنْدِ١٦
وَعَزِيمَةٌ لَوْ لاطَمَتْ
أُحُدًا مَضَتْ أَيَّامُ أُحْدِ١٧
طَهُرتْ مِنَ الصَّلَفِ الذَّمِيـ
ـمِ وَعُنْفُوَانِ الْمُسْتَبِدِّ١٨
تَجْرِي على سَنَنِ الْمُهَيـ
ـمِنِ بَيْنَ إيمانٍ وَرُشْدِ١٩
مَنْ سَارَ فِي نُورِ الْإِلـ
ـهِ سَعَى إلَيْهِ كُلُّ قَصْدِ٢٠
وَمَضَى فَعَادَ الْوَهْدُ مُسـ
ـتَويًا وَطَأْطَأَ كُلُّ نَجْدِ٢١
الْمَجْدُ وَهْوَ مُنَى الْحَيَا
ةِ أُعِدَّ لِلْبَطَلِ الْمُجِدِّ
حَسْنَاءُ دُونَ حِجَابِهَا
رَصَدَانِ مِنْ هَجْرٍ وَصَدِّ٢٢
تَقِفُ الْعُيُونُ حِيَالَهَا
حَيْرَى عَلَى شَغفٍ وَسُهْدِ
مَهْرُ الْبُطوُلَةِ مَا أَجَلْ
لَ فَمَنْ يُوَفِّي أَوْ يُؤَدِّي!
لَا تَبْكِ إنْ عَزَّ السبِيـ
ـلُ فَإِنَّ نَوْحَكَ غَيْرُ مُجْدِي
وَاعْمَلْ بِجُهْدِكَ ما اسْتَطَعـ
ـتَ فَلَنْ تفُوزَ بِغَيْرِ جُهْدِ
فالسَّيْفُ غِمْدٌ ما أَقَا
مَ وَلَمْ يُفَارِقْ جَوْفَ غِمْدِ

•••

«فَارُوقُ» فَرْدٌ فِي الْجَلَا
لِ يَجِلُّ عَنْ وَصْفٍ وَحَدِّ
الْعَبْقَريَّةُ أَنْ تُحَلـ
ـلقَ للنُّجُومِ بِغَيْرِ نِدِّ
وَتَنالَ قَسْرًا مِنْ فَمِ الد
نْيَا حَلاوَةَ كُلِّ حَمْدِ

•••

مَنْ كَالْمَلِيكِ إذَا انْتَمَى
بَهَرَ الْعُلَا بِأَبٍ وَجَدِّ؟
كَانَا لِمِصْرَ وَأَهْلِهَا
عَضُدًا يَصُولُ بِخَيْرِ زَنْدِ
رَكِبَا الْعَزَائِمَ لِلْعَظَا
ئِم بَيْنَ إيجافٍ وَشَدِّ٢٣
مَلَكَا خِطامَ الْحَادِثا
تِ وَمِقْوَدَ الدهْرِ الأَلَدِّ٢٤
وَتَحَدَّيَا قَصَبَ السبَا
قِ فَأَذْعَنَتْ عِنْدَ التَّحَدِّي٢٥
شَرَفٌ إذَا اخْتَارَ الْمُقا
مَ أقامَ في عُلْيَا مَعَدِّ٢٦
فَلَكَمْ تَنَقَّلَ فِي الْعُلَا
مِنْ مَهْدِ مَكْرُمَةٍ لِمَهْدِ
مِنْ كُلِّ أَرْوَعَ صادِقِ الرَّ
مَيَاتِ كَالْوَترِ الْعُرُدِّ٢٧
جَعْدٍ أَبِيّ يَنْتَمِي
لِمُوَثَّقِ الْعَزَماتِ جَعْدِ٢٨
جَلْدٍ، وَهَلْ خَضَعَ الزما
نُ لِغَيْرِ صُلْبِ الْعُودِ جَلدِ؟٢٩

•••

إنِّي نَزَلْتُ بِجِيرَةٍ
بُسْلٍ عَلَى النَّجَدَاتِ حَشْدِ
أُنْسِيتُ أَهْلِي بَيْنَهُمْ
وَسَلَوْتُ إِخْوَانِي وَوُلْدِي
الضيْفُ فِي سَاحَاتِهِمْ
يَجْتَازُ مِنْ رِفْدٍ لِرِفْدِ٣٠
عَقَدُوا خَنَاصِرَهُمْ عَلَى
صِدْقِ الْوَفاء أَشَدَّ عَقْدِ٣١
وَمَضَتْ أَوَاصِرُنَا تُمَدُّ
إلَى الْعُرُوبةِ خَيْرَ مَدِّ٣٢

•••

«فَارُوقُ» عِشْ نَجْمًا يُضِيءُ
بِيُمْنِ إقْبالٍ وَسَعْدِ
قَدْ كَانَ عَهْدُكَ فِي عُهُو
دِ المالِكِينَ أَجَلَّ عَهْدِ
بَلَغَتْ بِهِ مِصْرُ الْمَدَى
وَتَخَلَّصَتْ مِنْ كُلِّ قَدِّ٣٣
خُذْهَا عُجَالَةَ شَاعِرٍ
تُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ الْمُعَدِّ
سَلَكَتْ سَبِيلًا لَيِّنًا
سَهْلًا وَجافَتْ كُلَّ صَلْد٣٤
وَالروْضُ إنْ صَدَحَتْ بَلَا
بِلُهُ صَدَحْنَ بِغَيْرِ كَدِّ
فَاهْنَأ بِعِيدِكَ فِي نَعِيـ
ـمٍ مُشْرِقِ الْبَسَمَاتِ رَغْدِ
تَفْدِيكَ مِصْرُ وَنِيلُها
عَاشَ الْمُفَدَّى والْمُفَدِّي!

هوامش

(١) يريد بالواديين مصر والسودان.
(٢) الفرائد: جمع فريدة وهي الجوهرة النفيسة. الجيد: العنق. العقد: القلادة.
(٣) وشيت الثوب: رقمته ونقشته. البرود: جمع برد وهو ثوب مخطط.
(٤) الجيد: العنق. القد: القوام وهو القامة وحسن الطول.
(٥) غضة: ناضرة ذات حسن ورونق.
(٦) ضمخه بالطيب: لطخه به. الأردان: جمع ردن وهو أصل الكم. المسك: طيب معروف وهو أفضل الطيب عند العرب. الند: نوع من الطيب أو هو العنبر. أو عود طيب الرائحة يتبخر به.
(٧) الدرر: جمع درة وهي اللؤلؤة العظيمة. تلفى: توجد.
(٨) الأملاك: جمع ملك. البند: العلم الكبير.
(٩) السوائر: جمع سائرة أي: ذائعة منتشرة.
(١٠) الزند: موصل طرف الذراع في الكف، وهو من مكامن القوة في الإنسان.
(١١) المهند: السيف المطبوع من حديد الهند. الفرند: جوهر السيف ووشبه وبريقه.
(١٢) ألفى: وجد. المستمد: المكان الذي يطلب منه المدد، أو الزمان الذي يطلب فيه.
(١٣) الأس: الأساس والأصل. الركن: زاوية البناء، وهي أقوى ما فيه وأشده.
(١٤) المجد: العزم والشرف. وقوله: «من غير رد» احتراس جميل؛ لأن الهبة يصح أن تسترد.
(١٥) البرد: الثوب. الجد بالكسر: الاجتهاد في الأمر. الجد بالفتح: السعد والعظمة.
(١٦) أزار القميص وأحدهما زر. النسيم: الريح الطيبة. الرند: شجر طيب الرائحة من أشجار البادية.
(١٧) أحد: جبل بقرب مدينة النبي وكانت به الغزوة الشهيرة المعروفة بغزوة أحُد.
(١٨) الصلف: التكبر. عنفوان الشيء: أوله، والمراد شدته. المستبد بالأمر: المتفرد به من غير مشارك له.
(١٩) السنن: الطريقة والسنة. المهيمن: من أسماء الله تعالى بمعنى الرقيب والحافظ.
(٢٠) القصد: بمعنى المقصود.
(٢١) الوهد: الأرض المنخفضة. طأطأ رأسه: طامنه وخفضه. النجد: ما ارتفع من الأرض.
(٢٢) الرصد: القوم يرصدون ويرقبون، يستوي فيه الواحد والجمع. الهجر: ضد الوصل. الصد: الانصراف والإعراض.
(٢٣) الإيجاف: مصدر أوجف الراكب بعيره أو فرسه أي: حمله على الوجيف وهو العدو. الشد: العدو.
(٢٤) الخطام: الزمام وهو المقود أي: الحبل الذي تقاد به الدابة. الألد: الشديد الخصومة.
(٢٥) القصب: كل نبات تكون ساقه أنابيب وكعوبًا. الواحدة قصبة، وقصب السباق أصله أنهم كانوا ينصبون في حلبة السباق قصبًا، فمن سبق اقتلعها وأخذها ليعلم أنه السابق من غير نزاع. أذعنت: خضعت وذلت.
(٢٦) معد بن عدنان: أبو العرب.
(٢٧) الأروع: الوسيم الشجاع. الوتر: شرعة القوس ومعلقها. العرد: القويّ المتين الصلب.
(٢٨) الجعد: الكريم. الأبي: العف الغني النفس الذي يأبى الدنايا ويكرهها. ينتمي: ينتسب. الموثق العزمات: القوي الإرادة المحكم التدبير.
(٢٩) الجلد: صفة من الجلد وهو الصلابة.
(٣٠) الرفد: العطاء والصلة.
(٣١) الخناصر: جمع خنصر وهي الأصبع الصغرى، وعقد الخناصر على الشيء كناية عن شدة الحرص عليه.
(٣٢) الأواصر: جمع آصرة وهي الرحم والقرابة.
(٣٣) المدى: الغاية. القد بالكسر: سير يقد من جلد غير مدبوغ يقيد به الأسير ونحوه.
(٣٤) جافت: باعدت. والصلد: الصلب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١