غضبة جديدة

ذكرنا أنه كان من نتائج تلك المذكرة المشؤومة اتحاد الوطنيين والعسكريين، ونذكر الآن أن عرابيًّا ما لبث أن اتجهت إليه أنظار الجميع على نحو ما حدث قبل يوم عابدين، ورأى الوطنيون أنه الرجل الذي يجب أن يحرصوا على معونته لا لأن الجيش من ورائه، بل لأن الأمة المصرية لا تذكر غيره ولا تتَّجه عند الخوف إلى سواه …

وتأهَّب عرابي ليخطو في تاريخ هذا البلد خطوة جديدة، وقد تآمرت الثعالب وبنات آوى على اقتناصه هذا التآمرَ الوضيعَ …

ولقد أحسَّ مالت بما كان للمذكرة من أثر في عودة عرابي إلى طليعة الصفوف؛ فأوفد إليه في مكتبه بوزارة الحربية صديقه بلنت، وكان يطمع في أن يكسب عرابيًّا إلى جانبه أو على الأقل كان يتمنى أن يهدئ خاطره لتفطنه إلى ما يكون لصنيعه هذا من عظيم الأثر في ذلك الموقف العصيب الذي سببته رعونة جمبتا وصاحبه …

يقول بلنت: «ذهبت بناءً على ذلك إلى قصر النيل ظهر يوم ٩، وكان نص المذكرة قد وصل يوم ٨، ووجدت عرابيًّا وحده في مكتبه، وكان غاضبًا، وهذه هي المرة الأولى والمرة الوحيدة التي رأيته فيها كذلك … وكان وجهه كالسحابة الراعدة، وتألقت عيناه ببريق خاصّ، وكان قد اطَّلَع على نصِّ المذكرة وإن لم تكن قد نُشِرتْ بعد، فإنها حتى ذلك الوقت كانت أرسلت بالبرق فحسب، وسألته كيف فهمها؟ فأجابني قائلًا: بل أخبرني كيف فهمتها أنت؟» وعندئذ أفضيت إليه برسالتي فقال: «لابد أن السير إدوارد مالت يظن أننا أطفال لا ندرك معنى الكلمات … إنها قبل كل شيء لغة تهديد فليس في هذه الإدارة كاتب يستعمل هذه العبارات لمثل هذا المعنى.» وألمح إلى تلك الإشارة للأعيان التي جاءت في الفقرة الأولى من المذكرة قائلًا: إن هذا تهديد لحرّيتنا، ومضى يقول: إن إعلان اتحاد إنجلترا وفرنسا في السياسة معناه أن إنجلترا سوف تغزو مصر كما غزت فرنسا تونس … ألا فلتدعهم يحضرون، إن كل رجل وكل طفل في مصر سوف يحاربهم … إنه مما يتنافى مع مبادئنا أن نبدأ بالعدوان فنضرب الضربة الأولى، ولكننا نعرف كيف نردها … ثم قال عما جاء بصدد الدفاع عن العرش: «إن العرش إذا كان ثمة من عرش هو عرش السلطان، وليس الخديو بحاجة إلى حماية أجنبية … إنك تستطيع أن تخبرني بما تشاء، ولكني أفهم معنى الكلمات خيرًا مما يفهم السير إدوارد مالت …

وفي الحق أن كلام مالت كان هراء، وقد أحسست أني أحمق بين يدي عرابي، وشعرت بالخجل أن سمحت لنفسي أن أكون حامل هذا اللغو إليه، ولكني أكدت له أني أدَّيْت الرسالة كما حملنيها إليه السير إدوارد، وقلت له: إنه يطلب إليك أن تصدقها، وأنا أطلب إليك أن تصدقه.

وعند انصرافي عاد إليه شيء من الهدوء، وأمسك بذراعي وهو يشيِّعني إلى أسفل البناء، وقد دعاني إلى أن أظل على مَوَدَّته فأزوره في منزله كما كنتُ أفعل، فقلت: إني سوف أحضر حين تكون لديَّ أنباء طيبة لك فحسب، وكنت أقصد بذلك القول أن ألمح له إلى ما كنا نرجوه من تفسير للمذكرة، أبرق مالت يستأذن في أن يتقدم به …

ولما عدت إلى مالت وسألني عما صنعت قلت له: إنه لا يُرجى الصلح الآن؛ فإن المذكرة قد ألقت بهم بين ذراعي السلطان.»

هذا كلام بلنت ومنه نتبين مبلغ غضب عرابي من هذه المذكرة، كما أننا نفهم جانبًا مما كان يجيش في نفس هذا الزعيم الثائر، فهو لن يجبن، ولكنه لن يبدأ بالعدوان، وهو يلمح نيّات إنجلترا في هذه المذكرة، وما كان عرابي مسرفًا في تصوير نيات الإنجليز، فلسوف نرى أن جرانفل كان في ذلك الوقت قد وطَّد العزم على التدخل بالقوة …

عاد عرابي إلى الميدان، وفي الناس من تبلغ بهم الغفلة إلى حد أن يأخذوا عليه هذه العودة، وفيهم من يذهبون في اتِّباع أهوائهم إلى أن يجعلوا ذلك من أكبر خطيئاته، قائلين في مثل منطق البلهاء، إن كان ثمة للبلهاء منطق: إنه بعودته هذه قد ساق البلاد إلى ما سيقت إليه من دمار، كأن على كل رجل إذا رأى كرامته تُداس وشرفه يُهان أن يقف مكتوف اليدين وإلا ساق نفسه إذا غضب إلى الدمار. إلا أن الرجولة خلاف ذلك، فالرجل الذي يجد نفسه في موطن الإهانة لا سبيل له يمسك بها رجولته إلا أن يدافع عن نفسه أنفة وحفاظًا ولو أيقن أنه هالك.

ومن المؤلم المثير حقًّا أن يقول هؤلاء الناس هذا الكلام، دون أن ينظروا في موقف الخديو وموقف الإنجليز على نحو ما بَيَّنَّا، وهم لا يدركون من المسألة كلها إلا أن عرابيًّا كان رجلًا ذا أطماع شخصية لا يدري ماذا يفعل، وكلما هدأت البلاد لا يفتأ يعمل بنزقه على إثارتها ليصل إلى تحقيق أطماعه. إلى آخر هذه النغمة الباردة المرذولة التي ألقى بها الاحتلال في أذهان الأطفال …

وأحسب الآن بعد الذي رأينا من موقف أعداء البلاد أن هذا الكلام قد أصبح خليقًا بأن يخجل منه قائلوه، وإنا لنكاد نقطع منذ الآن أنهم بعد أن نفرغ من سيرة هذا الزعيم المفترى عليه على نحو ما نبيِّن من أوجه الحق لن يعودوا إلى مثل هذا الكلام، فسبيلنا — كما يرون — في إقناعهم الحجة نستخلصها من الحوادث في عدالة يفرضها الحق، وفي عطف يوجبه الإنصاف …

•••

تعهّد عرابي ألا يتدخل في شؤون الحكومة، فكان إذعانه لهذا أمرًا لابد منه. ولو أنه رفضه لكان في ذلك مخطئًا أشدَّ الخطأ، ولكن عرابيًّا لم يتعهد أن يدع وطنه وشأنه، لا تهزّه بعد يوم عابدين نحوه عاطفة أو يحرِّكه لنجدته ما عسى أن يلمَّ بقضيته من الأحداث، ولم يكن ليستطيع عرابي أن يتعهّد بمثل هذا، ولن يستطيع ذلك غير عرابي من الناس، ولو أنه فعل ذلك لأجرم في حق هذا الوطن جريمة ما كان ليغفرها له التاريخ …

وكيف يفعل ذلك عرابي أو أي رجل غيره ولا يكون بذلك مجرمًا مفرطًا في حق وطنه؟ وأي فرق بين مثل هذا التعهد وبين المروق والخيانة والجمود في أوضح صورها وأقبحها؟ …

إلا إنه لَلْحقُّ كل الحق أن يطلب إلى بني الوطن ألا يتدخلوا في أعمال الحكومة، ولكن على شرط ألا يكون من تلك الأعمال نفسها ما يحفز الناس إلى التدخل أو يوجبه عليهم … أما أن تفرط الحكومة في حق الوطن، وأما أن توضع العقبات في سبيل قضيته، ثم يطلب إلى الناس بعد ذلك أن يدعوا الحكومة وشأنها، فهذا هو الباطل في أرذل صوره وأشدها فجورًا، ومن أطاع ذلك من الناس فقد ضل في حق بلاده ضلالًا بعيدًا …

لن يكون لقيام الحكومات من مبرر إلا العمل لخير المحكومين وصلاح أمرهم، على هذا الأساس ولدت الديمقراطية، وبهذا المبدأ اقترنت الحرية، ولكم نادى بذلك القادة ودعاة الإنسانية في الغرب منذ هدموا صروح الظلم وحطموا أغلال الماضي، وفصموا سلاسل الرجعية والعبودية …

•••

وما لنا نستشهد بالغرب وهذه الحكومة الإسلامية الأولى التي ولدت في الصحراء قد جعلت تلك المبادئ أساس قيامها، وما أروع وأجمل أن يقول الخليفة الأول للناس: «أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن صدفت فقوموني.» وأن يقول لهم الخليفة الثاني: «من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومه.» فيرد عليه أعرابي من أوزاع الناس بقوله: «لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمْناه بسيوفنا.» وأبلغ وأروع من قول أبي بكر وعمر قول الرسول الكريم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده.»

قبل عرابي أن يدع الحكومة وشأنها على أن تَجري الأمور وفق ما أقرته الثورة من مبادئ، فكيف لعمر الحق كان يستطيع أن يحمل على السكوت نفسَه وقد رأى من الدسائس الأثيمة التي كانت تحاك حول تلك الحرّيّة الوليدة ما أغضب أكثر الناس اعتدالًا وأقلهم علاقة بالسياسة وشؤونها؟ …

إذن فالفرق كبير بين أن يتدخل عرابي في شؤون الحكومة وبين أن يغضب لما حل بقضية وطنه، وفي هذا الغضب دليل وطنيته ووطنية كل غاضب معه …

لقد كان من أصعب الأمور على هذا الرجل أن يدع هذه القضية وشأنها، بل لقد كان ذلك عليه مستحيلًا. وإني لأرجو من الذين خاصموا هذا الرجل في غير حق والذين خاصموه مضلَّلين أن يستمعوا إلى هذا الرأي الذي أسوقه عنه؛ ألا وهو أن الحرية كانت من طبعه، فطر عليها ولم يتكلّفها يومًا أو توجّهه إليها الحوادث وهو يجهل كنهها، كما يقول الذين يريدون ألا يدعوا له محمدة إلا جعلوها بالباطل مذمة …

•••

كانت الحرية من طبع ذلك الجاويش الذي نقم على الشراكسة في الجيش استبدادَهم، فأكثر من الشغب عليهم، وكانت الحرية هي التي دفعت هذا الرجل إلى أن يقف موقفه المشهود في ساحة عابدين عصر اليوم التاسع من شهر سبتمبر سنة ١٨٨١، ولسوف تكون الحرية هي حافزه إلى ما يثب بعد المذكِّرة المشؤومة من وثبات.

ولقد استوثق بلنت من ذلك كما أسلفنا حينما اتَّصلت أسباب المودة بينه وبيَّن كيف ازداد عرابي محبة له إذ علم بالصلة بين أسرته وأسرة اللورد بيرون.

وكيف يمجد هذا الفلاح اللورد بيرون نصير الحرية إلا أن يكون هذا تجاوبًا بين نفس حرة وأختها؟ ولقد كان بيرون يدافع عن اليونانيين لا عن المصريين، فلم يكن حبّ عرابي إياه إذن مشوبًا بعاطفة غير عاطفة حب الحرية أينما كانت وكيفما كانت جنسية الداعين إليها وكيفما كان دينهم …

ولنعد إلى خطبته التي ألقاها في محطة مصر، لقد أفصح فيها وهو يرتجلها عن كثير مما كانت تنطوي عليه نفسه. والخطيب في مثل ذلك الموقف الحماسي ينسى نفسه فلا يملك التكلف والتصنع، بل لقد يكشف الخطيب عما يريد أن يغطيه إذا نسي نفسه في رهبة الموقف وحماسته دون أن يملك لذلك دفعًا. قال عرابي: «البلاد محتاجة إلينا، وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها بالحزم والثبات، وإلا ضاعت مبادئنا ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه …» وقال: «وقد فتحنا باب الحرية في الشرق ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة.»

•••

وقد مر بنا رأي بلنت عن حبه للحرية، ونورد هنا رأي جون نيليه١ وهو رجل سويسري حرّ عاشره وعرفه معرفة خبرة ووثوق كما عرفه بلنت، قال: «كان أحمد عرابي رجلًا مستقيمًا وخادمًا لوطنه، وشغوفًا بالحرية ومؤمنًا بالحق، وخطيبًا فصيحًا، وكانت شهرته تبلغ شأو غاريبلدي.»

وإنا لنرى في هذه الأدلة على حبه للحرية من القوة ما لا تجدي معه مكابرة، وعلى ذلك نتساءل: ألم يأن للناس أن ينصفوا هذا الرجل وقد قضى عليه أعداؤه، ثم قضوا بعد ذلك على تاريخه الحق؟

إننا بلد لا يعد غنيًّا الغنى المنشود في الرجال، وهذه حقيقة نثبتها والألم يرمض جوانحنا، فكيف نرضى مع ذلك أن نشايع أعداءنا فلا نثبت في سجلِّ رجالنا هذا الرجل الذي يحقّ لنا أن نفخر به؟

ألم يأْنِ لأبناء هذا الوطن أن ينظروا وهم بصدد قضية استقلاله إلى هذا الرجل نظرتهم إلى زعيم جاهد في الوطن حق جهاده، وأن يكفُّوا عن تلك النظرة الظالمة التي تصوره رئيس عصابة من الأوزاع والهمج لا يسيرون على نهج ولا يبتغون من وراء سيرهم غاية؟

ألم يأنِ لأبناء هذا الوطن أن يفطنوا إلى أن الاحتلال هو الذي صور عرابيًّا هذه الصورة المنكرة ليبرر بذلك وجوده؟ وأنهم بمجاراتهم الاحتلال وصنائعه إلى يومنا هذا فيما ادعى إنما يثبتون على أنفسهم الغفلة ويسيئون إلى رجل ما فكَّر يومًا في الإساءة إلى وطنه؟ رجل إن كثرت أخطاؤه فقد حَسُنتْ نياته، وإن فاته النجاح فقد عَظُم في سبيل النجاح بلاؤه، في حين قد قلَّ في المحنة نصراؤه، وتعدّد غداة الروع أعداؤه …

•••

لا جناح على عرابي أن يعود إلى ميدان النضال في سبيل المبادئ التي اعتنقها المصريون ووطَّدوا العزم على تحقيقها، بل إن ذلك لا غيره ما كان يُنتظر منه، وما كان ليقبل منه قعود، ولو أنه وقف في جهاده عند وثبته الجريئة يوم عابدين لحقّ عليه ما نسبه إليه خصومه من النزق والسير على غير هدى …

ومن أعجب ما يسمعه المرء من أقوال هؤلاء الخصوم قولهم: لقد أجيبت مطالب الجند على نحو ما كان عرابي نفسه يحب، فما عودته إلى التدخل فيما ليس من شأنه؟ وأي غفلة أشد من هذه الغفلة؟ وإذا كان مثل هؤلاء يجهلون حقيقة الثورة العرابية هذا الجهل المعيب فكيف السبيل إلى إقناعهم؟

وها هم أولاء الوطنيون يُسقطون شريفًا، ويتمسكون بحق مجلس الشورى بالنظر في الميزانية. وقد رأوا من أعداء البلاد غدرَهم الأثيم، فهل نرمي هؤلاء بالفوضى والشطط؟ وإذا كنا نسمي عملهم تحمسًا وغيرة وطنية، فلمَ نستكثر ذلك على عرابي وقد غضب كما غضبوا وتحمّس كما تحمسوا؟

سيعود عرابي إلى الجهاد فيقف في وجه الدولتين الطامعتين، وسيسير زعيمُ الثورة على رأس جيش من أبناء هذا الوادي ليذود عنه في بسالة جريئة وحفاظ مرّ وفق ما توجبه الوطنية والرجولة، وهذا لعمر الحق ما كان يطلب منه في مثل هاتيك الظروف، أما الفوز فأمر قد يخرج عن تصريفه، وسبيله إليه محدود بحدود طبيعته ومقدرته، ولقد يتوفر للقائد من أسباب الفوز ما يكاد معه يعتقد أنه قبل وقوعه حقيقة لا سبيل إلى الريبة فيها، ثم ينظر فإذا تلك الحقيقة خيال أو دون الخيال، ولئن أخطأ قائد أبلى مثلما أبلى عرابي فلن تحمل أخطاؤه على معنى آخر كما حملت أخطاء عرابي ظلمًا وعدوانًا على معاني الخيانة والمطامع الشخصية …

حسب عرابي أن يجاهد وأن يقاتل وأن يثبت للدنيا أن في مصر من يذود عنها وعن الحق بالسيف …

١  العبارة من ترجمة الأستاذ محمد لطفي جمعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤