بين عرابي والسلطان

ذكرنا أن الحكومة العثمانية أجابت الخديو بأنها مستعدة لإرسال مندوب إلى مصر إذا جاءها من مصر طلب رسمي بذلك، ويقول كرومر في كتابه: إن هذا الطلب الرسمي أرسل فعلًا إلى الآستانة، ومهما يكن من الأمر فإن السلطان في اليوم الثاني من شهر يونيو سنة ١٨٨٢ عين مصطفى درويش باشا مندوبًا عثمانيًّا ساميًّا، وأمره بالسفر إلى مصر رئيسًا لوفد يعالج الحال فيها، ولعل السلطان كان يرى أن هذا الوفد أو هذه البعثة التي اشتهرت باسم بعثة درويش باشا كانت كفيلة بوضع الأمور في موضعها الصحيح، وإزالة أسباب الشكوى من جميع الجوانب على أساس الاستفادة من الخلاف بين الفريقين ابتغاء تثبيت سلطة الدولة في مصر …

ووصل درويش باشا ووفده إلى الإسكندرية في اليوم السابع من يونيو، وقد أقلهم إليها اليخت السلطاني «عز الدين»، وكان من أهم أعضاء الوفد الشيخ أحمد أسعد أحد ذوي الحظوة والمكانة عند السلطان عبد الحميد، وبلغ عدد أعضاء البعثة ورجال حاشيتها ثمانية وخمسين …

ويجدر بنا قبل الكلام على بعثة درويش أن نأتي على تاريخ الصلة بين عرابي والسلطان منذ بدأت بينهما، لما لذلك التاريخ من أهمية لعلاقته بما كان من أمر درويش ومسلكه نحو الخديو ونحو عرابي …

كانت أولى خطوات عرابي نحو الاتصال بالآستانة تقابله مصادفة في اليوم السادس عشر من أكتوبر سنة ١٨٨٤ بأحمد راتب باشا، أي بعد يوم عابدين بشهرين وبضعة أيام، وقد ذكر عرابي نبأ هذه المقابلة في موضعين: الأول في مذكراته، والثاني في حديثه مع مستر بلنت بالشيخ عبيد في اليوم الثاني من شهر يناير سنة ١٩٠٤، أي بعد عودته من منفاه بأكثر من عامين، وقد أثبت بلنت هذا الحديث في آخر كتابه …

قال عرابي في مذكراته: «وفي ١٦ أكتوبر تقابلت مع أحمد راتب باشا أحد رجال الوفد العثماني، وأحد رجال المابين المقربين من جلالة السلطان الأعظم في محطة الزقازيق، وكان قاصدًا بندر السويس ليبحر منه إلى الحجاز لمأمورية فوق العادة، فركبت معه في عربة واحدة وعرَّفته بنفسي، ثم أخبرته بكل ما أجريناه من أول الأمر إلى آخره، وإننا لم نشقّ عصا الطاعة كما يدعي الأوربيون، بل طلبنا الإصلاح باسم الذات الشاهانية، وبذلك علم الصغير والكبير بأن لنا سلطانًا شرعيًّا هو صاحب السيادة العظمى على البلاد المصرية وأن الخديو هو نائب عن جلالته فقط، من بعد أن كانوا لا يعرفون لهم حاكمًا شرعيًّا غير الخديو. ولما وصلنا إلى رأس الوادي حضر الضباط والصف ضباط، واصطفوا صفًّا واحدًا تعظيمًا وإجلالًا للذات المشار إليها، وهتفوا بقولهم: يعيش السلطان، ثم ودَّعناه والتمسنا منه عرض إخلاصنا وطاعتنا على الحضرة السلطانية حين عودته إلى الآستانة العليّة، وقام به القطار بين أصوات المودِّعين والدعاء له وللذات الشاهانية.»

وقال في حديثه مع بلنت: «ولما جاء علي باشا نظامي إلى القاهرة ومعه أحمد راتب باشا من قبل السلطان، انزعج الخديو مخافة أن يحدث تحقيق، ولما كان محمود سامي قد عاد إلى نظارة الجهادية فقد أمرنا أن نغادر القاهرة، فذهبت إلى رأس الوادي وذهب عبد العال إلى دمياط، وبقي علي فهمي في القاهرة، ولم أَرَ علي نظامي ولا كانت لي صلة به، ولكن حدث أن كنت في الزقازيق ذات يوم في زيارة صديقين لي هما: أحمد أفندي الشمسي، وسليمان أباظة باشا، وبينما كنت راجعًا بالقطار إلى رأس الوادي، تصادف أن كان أحمد باشا راتب في طريقه إلى السويس ليبحر منها في رحلة إلى مكة، ووجدت نفسي في العربة التي كان يجلس بها، وتبادلنا التحية كشخصين يجهل كلاهما الآخر، وسألته عن اسمه، وسألني عن اسمي، وحدثني عن رحلته وعن أشياء أخرى، ولكنه لم يشر إلى بعثته للخديو، وكذلك لم أسأله عنها، ولكني أخبرته عن ولائي للسلطان بصفته رئيسًا لديننا، وقصصت عليه جميع ما حدث، فقال: خيرًا ما فعلتم، وتركته عند رأس الوادي، وقد أرسل إليّ مصحفًا من جدة. ولما عاد إلى استانبول كتب إليّ يخبرني أنه ذكرني بخير عند السلطان، وبعد ذلك تلقَّيْتُ كتابًا أملاه السلطان على الشيخ محمد ضفر يخبرني فيه١ بما تعلم.»

أما عن بعثة علي نظامي فإن عرابي لم يكن له بها صلة لولا ما كان من لقائه أحمد راتب باشا على الصورة التي ذكرناها، وكانت بعثة نظامي هذه هي الوفد العثماني الأول، وقد وصلت مصر في اليوم السادس من أكتوبر سنة ١٨٨١، وسميت بعثة درويش بعد ذلك بالوفد العثماني الثاني …

نزل أعضاء الوفد الأول بقصر النزهة ضيوفًا على الحكومة، واستقبلهم الخديو في اليوم التالي مرحبًا بهم في قصر الإسماعيلية، وأبلغوه تحيات السلطان، وثناءه على ما يبذل الخديو من همة في تحسين أحوال البلاد، وأفهموه أن الغرض من مجيئهم هو تأييده وتثبيت حكمه في مصر … وعبّر الخديو أمامهم عن عظيم شكره للسلطان وولائه له، وردّ لهم الزيارة في قصر النزهة …

وزار علي نظامي باشا ديوان الحربية في مقرها بقصر النيل، وكانت مقر الآلاي الثاني، واستقبله البارودي بالحفاوة، وألقى نظامي باشا خطابًا بالتركية على الضباط والجند حثهم فيه على طاعة الخديو، وترجمه لهم البارودي، وأجاب طلبه عصمت بقوله: «إن العساكر المصرية جموعًا وأفرادًا على قدم الطاعة والانقياد لولي أمرنا الخديو المعظم، يتلقَّوْن أوامره بالامتثال، ويقفون عند حد نواهيه، فإن كلًّا منا يعلم أن أول واجب على الجند هو إطاعة ولي الأمر والإذعان لما يأمر به، وما منا إلا محب للجناب الخديوي ميال بكليته إلى الامتثال لإشارته.»

وصافح نظامي باشا الضباط جميعًا، وأثنى على ما يُظهرون من ولاء وحسن نظام.

وزار نظامي باشا شيخ الجامع الأزهر ونقيب الأشراف وبعض كبار العلماء، فلقي منهم جميعًا ثناءً على الجيش، وشهدوا بحسن نياته وولائه للسلطان وللخديو، وكان زعيم الجند أحمد عرابي أثناء ذلك في رأس الوادي فلم يَرَه نظامي.

ويبدو عجيبًا أن نظامي لم يحاول أن يتصل بعرابي، ولعل مرد هذا إلى أن السلطان لم يكن يؤيد يومئذ الحركة الدستورية في مصر، فقد حارب عبد الحميد مثل هذه الحركة في بلاده، وذلك بتعطيل القانون الأساسي العثماني وإغلاق مجلس النواب وتشتيت أنصار الدستور والحرية …

وكانت بعثة نظامي في الواقع مظاهرة سياسية، أراد بها الباب العالي أن يستعيد نفوذه ويثبت سلطانه في مصر، وقد قوبلت كما أسلفنا بمظاهرة سياسية مثلها من قبل الدولتين …

أما خطوة عرابي الثانية نحو الصلة بالآستانة فتتلخص فيما جرى من مكاتبات بين بعض رجال السلطان وبين عرابي …

وقد أشار بلنت في كتابه إلى هذه المكاتبات بقوله بعد أن ذكر ما كان من لقاء بين راتب وعرابي: «وقد أدى ذلك إلى مكاتبات بينهما، وتحت يدي أصل وثيقتين هامتين وقعت عليهما ضمن إضبارة كبيرة من الأوراق أثناء محاكمة عرابي، وهما كتابان أرسلا إلى عرابي بعد تأليف وزارة سامي بنحو ثلاثة أسابيع أي في فبراير سنة ١٨٨٢، وهي الوزارة التي كان عرابي فيها وزيرًا للجهادية، أما أولهما فمن أحمد راتب، وأما الثاني فمن الشيخ أحمد ظافر أحد كبار شيوخ الدين بالقسطنطينية الذي كان في ذلك الوقت يقوم على شئون المكاتبات السرية للسلطان، وقد كتبت هاتان الرسالتان بأمر السلطان شخصيًّا.» ثم أورد بلنت بعد هذا نص الرسالتين.

ويذكر عرابي في مذكراته أن الأصل التركي للرسالتين ضبط بعد موقعة التل الكبير وترجمتا إلى اللغة الإنجليزية ثم أورد عرابي تعريبهما عن الإنجليزية …

أما عن قصة هاتين الرسالتين فيقول عرابي: «ولما رأينا كثرة تردد السير مالت قنصل إنجلترا الجنرال على الخديو ليلًا ونهارًا واستسلام الخديو لما يوحي به إليه، علمنا أن إنجلترا طامعة للاستيلاء على وادي النيل الخصيب عملًا بقاعدة التوازن الدولي، لتضارع بعملها هذا عمل فرنسا في استيلائها على ولاية تونس الخضراء، فكتبنا بذلك للحضرة السلطانية، وحيث لم يكن لنا واسطة في الآستانة تبلّغ عنا مقاصدنا للسدّة الشاهانية اتّخذنا الشهم المقدام الصادق الأمين علي راغب قبودان أحد شبان ضباط البحرية المصرية رسولًا، وكلّفْناه بإبلاغ عريضتنا إلى الحضرة السلطانية بواسطة الشيخ محمد ظافر شيخ السادة الشاذلية وشيخ الحضرة السلطانية، فصدع بالأمر وأوصل الرسالة إلى الشيخ المذكور. وكذلك بلغ أحمد راتب باشا ما أوصيناه به بعد عودته من مأموريته الحجازية إلى دار السعادة.

فكتب لنا الشيخ ظافر بما صدر به النطق الشريف، وكذلك فعل أحمد راتب باشا، وكان الحامل لهذين الخاطبين السيد أحمد أسعد أفندي وكيل الفراشة النبوية عن الحضرة السلطانية الذي حضر أخيرًا بمعية درويش باشا، وهاك ترجمتهما عن اللغة الإنجليزية من تاريخ المستر برودلي وتاريخ المستر بلنت لأن أصلهما التركي ضبط بعد واقعة التل الكبير وترجم إلى اللغة الإنجليزية.»

وأشار عرابي إلى المكاتبات بينه وبين السلطان في موطن آخر، وذلك أثناء سجنه في مقر الدائرة السنية قبيل محاكمته، فقد كتب وهو في السجن ملخصًا لقضيته كلها ليستعين به محاميه مستر برودلي في الدفاع عنه، ولقد أثنى برودلي على حضور ذهنه وترتيبه الحوادث ترتيبًا منطقيًّا حسن السياق على الرغم مما كان يحيط به. قال عرابي في هذا الملخص٢ وقد تكلم عن بعثة درويش ما نعربه كما يأتي: «أشعر الآن أن من واجبي نحو مصر ونحو نفسي أن أذكر في وضوح عند هذه النقطة اتصالي بصاحب الجلالة السلطان أثناء الحوادث الأخيرة في هذا البلد. لقد بدأت على هذه الصورة: أرسل طلعت باشا الشركسي في نوفمبر سنة ١٨٨١ في رسالة إلى القسطنطينية من جانب الخديو. وقد كلف أن يصور للوزراء الأتراك وللسلطان أن مصر في حالة ثورة، وأن هناك اقتراحًا لإنشاء إمبراطورية عربية، وأن أحمد عرابي والحكومة البريطانية قد اتّفقا فيما بينهما على هذا الأمر … وقد أحدثت هذه الإشاعات التي نشرها طلعت أثرها في الآستانة، ولم يكن لنا وكيل هناك يدفع هذه الأباطيل، فاضطررت إزاء ذلك إلى الاتصال بالعالم الورع الشيخ محمد ظافر كاتم سر السلطان ومشيره الديني، ذلك الذي عرفته بشهرته ولم أقابله شخصيًّا قطُّ. فكتبت إليه وحمل رسالتي إليه علي راغب مفنِّدًا جميع المزاعم التي عزيت إلينا، وطلبت إليه أن يشرح للسلطان صادق ولائي، وشدة تعلقي بالمبادئ الأساسية لديننا المقدس، تلك التي تجعل من واجبنا أن نطيع أمير المؤمنين.

ولقد ردّ علينا هذا الشيخ في سرور فحمل علي راغب السالف ذكره كتابًا باللغة التركية، قال فيه إنه ألقى بين يدي السلطان ما تضمنه كتابي، وإن السلطان أظهر اقتناعه بولائي، وإنه يأمرني أن أظلّ على طاعتي، وأضاف الشيخ أن جلالة السلطان يطلب إليّ أن أدافع عن بلدي بكل ثمن ضد الاحتلال، وإلا كان نصيبه نصيب تونس، وأنه لا يعنيه إسماعيل أو حليم أو توفيق، وما يعنيه إلا الرجل الذي ينفِّذ ما يأمر به، وكتب إليّ بمثل هذا أحمد راتب باشا الذي قابلته مقابلة شخصية طويلة عندما كان بمصر، والذي جاء كتابه إليّ مع كتاب ظافر.»

هذه قصة الرسالتين الخطيرتين بين عرابي وبلاط السلطان، أو تاريخ الصلة بين عرابي والسلطان قبل بعثة درويش، ولقد راجعت الرسالتين كما أثبتهما عرابي فيما بين يديّ من مذكراته المخطوطة على الترجمة الإنجليزية التي أثبتها بلنت في كتابه عن الأصل التركي، فوجدت التشابه بينهما تامًّا، ولذلك آثرت أن أوردهما للقارئ في عبارة عرابي فيما يلي:

ولنبدأ بكتاب الشيخ محمد ظافر، قال:

ناظر الحربية المصرية، سعادتلو أفندم … قد قدمت الخطابين الكريمين الواردين منكم إلى جلالة السلطان، وجلالته علم من فحواهما جميع عواطفكم الوطنية وتيقّظكم، وخصوصًا وعودكم بمساعيكم لحفظ مصالح جلالته بكل إخلاص وأمانة، فإنها وقعت لدى جلالته موقعًا حسنًا، حتى إن جلالته أمرني أن أبيِّن لكم سروره ورضاه وأكتب لكم كالآتي:

حيث إن حفظ الخلافة واستقامتها فرض على كل واحد منا، فيجب على كل مصري السعي بمزيد الاهتمام وراء تثبيت سلطتنا لمنع خروج مصر ووقوعها في قبضة الأجانب الطامعين كما وقعت ولاية تونس في أيدي الفرنسيين، فنحن وضعنا ثقتنا فيكم يا ولدي لاستعمال قوتكم وعمل كل ما في الإمكان لمنع حدوث شيء مثل ذلك. فكن على حذر دائمًا ولا تغضّ النظر طرفة عين عن هذه النقطة المهمة، ولا تتركوا أية طريقة أو وسيلة من وسائل الاحتياطات والطرق المتخذة في عصرنا هذا، واضعًا نصب عينيكم دائمًا الغرض الذي ترمي إليه، ألا وهو الدفاع عن مِلَّتكم وبلادكم، وخصوصًا يجب عليكم أن تثابروا على حفظ ثقتنا بكم والروابط التي تربطكم بنا.

تلك البلاد هي بلاد مصر التي لها أهمية عظمى لدى إنجلترا وفرنسا، وخصوصًا لدى الأولى. ويوجد شرذمة من أصحاب الدسائس والفتن في الآستانة يمالئون هاتين الدولتين ويشتغلون من زمن بعيد بمشروعاتهم الفاسدة التي تؤدي إلى الخراب وسوء المصير. ومذ رأوا من صالحهم ازدياد تلك الدسائس والفتن في مصر، وجّهوا عنايتهم إلى ذلك بنشاط وغيرة، فرغبة جلالته الخاصة هي أن تحذروا من أولئك الخونة الأشرار ومكائدهم، وتراقبوا أعمالهم بعيون ساهرة لا تنام!

وبناءً على التلغرافات والأخبار المرسلة من الخديو توفيق باشا أحد أعضاء الجمعية المومأ إليها نرى أنه ضعيف ومتقلِّب، ولاحظنا أيضًا أن كل تلغراف من تلغرافاته لا يؤيد الآخر، بل جميعها على طرفي نقيض. وأزيدكم معرفة بأن علي نظامي باشا وعلي فؤاد بك قد أثنيا عليك ثناءً جميلًا لدى الحضرة السلطانية، وكذا أحمد راتب باشا، فقد قصَّ على جلالته موضوع الحديث الذي دار بينكما في عربة السكة الحديدية ما بين محطتي الزقازيق والمحسمة، وبما أن جلالته يضع عظيم ثقته في أحمد باشا راتب، فقد كلَّفني بهذا السبب أن أظهر لكم ثقته فيكم وأخبركم بأنه حيث إن جلالته يعتبركم رجلًا ذا استقامة وأمانة فهو يطلب منكم قبل كل شيء منع وقوع مصر في قبضة الأجانب، وألا تتركوا لهم حجة تمكِّنهم من التدخل في شئون مصر …

هذا وإن التعليمات التي ستصدر إلى راتب باشا في هذا الشأن ستكتب لكم على حدتها …

وقد كتب خطابي هذا وخطاب أحمد راتب باشا بأمر جلالته بمعرفة أحد كتاب جلالته الخصوصيين، وبعد أن وقعنا عليهما بأختامنا في حضرته العلية ختمنا على الظرفين.

هذا وأعلمكم بصفة خاصة وسرية أن جلالة السلطان لا يعول على إسماعيل ولا حليم ولا توفيق، بل يعول على الرجل الذي يفكر في مستقبل مصر ويثبّت الروابط التي تربطه بالخلافة ويحترم جلالته الاحترام الواجب، ويعمل بمقتضى الفرمانات السلطانية بلا تعطيل ولا تغيير، ويؤيد سلطته المستقلة في الآستانة وخلافها، ولا يعطي رشوة لأولئك الموظفين الخائنين، ولا يحيد قيد شعرة عن طريق واجباته، ويكون له دراية تامة بدسائس أعدائنا الأوربيين وأعمالهم التي يُقصد منها إيقاع الفتن والمشاغبات، ويكون واقفًا لهم بالمرصاد، ويحافظ على بلاده وملّته من أن يمسها سوء، فمن يفعل ذلك يُرضِ جلالة متبوعنا الأعظم ويكنْ مقبولًا لدى جلالته.

وإني أرجوكم ألا تؤاخذوني في عدم كتابة تفصيلات أخرى بخطابي هذا، حيث إن أحمد راتب باشا حضر منذ ثلاثة أيام فقط، ومع ذلك ففي المدة القصيرة نظرًا للأقوال التي صرّح بها عن حسن مقاصدكم الشريفة وإخلاصكم لجلالته أظهر عظيم ثقته فيكم. هذا وقد وصلني بالأمس الخطاب الذي أرسلته لي وأتعشّم بإمكان إرسال خطابه لكم في بريد الأسبوع الآتي متضمنًا تفصيلات أكثر. وعلى كل حال فاحذروا من وقوع أي خطاب من الخطابات التي ترسلونها في أيدي الغير، واجتهدوا في الحصول على مراسل خاصّ بيننا تثقون به، وأما في هذه المرة فالأوفق هو تسليم رد هذا الخطاب ليد حامله.

٤ ربيع الآخر سنة ١٢٩٩
محمد ظافر

ونورد بعد ذلك كتاب أحمد راتب باشا ونصه كما أثبته عرابي كما يأتي:

إلى ناظر الحربية المصرية أحمد عرابي بك٣

قد بلغت جلالة السلطان الأعظم المحادثة التي حصلت بيننا بالسكة الحديدية ما بين محطتي الزقازيق والمحسمة عند عودتي من الآستانة، وقد أحدثت تلك المحادثة سرورًا عظيمًا عند جلالته، وأمرني أن أبلغكم محظوظيته الملوكانية. وإني بلغت جلالته المعاملة الحسنة التي عوملت بها، والإكرام الذي رأته عيناي مدة وجودي بالمحروسة، وجلالته أظهر عظيم محظوظيته، حتى إن الرضا الذي حصل عنده أقنع جلالته بحسن ولائكم وعبوديتكم أضعافًا مضاعفة …

هذا وقد سعى أناس في جعل جلالته يفتكر أنكم كنتم تسيرون على خطة مخالفة للطريق القويم، ولا أدري كيف ذلك، ونجحوا في تغيير فكرة جلالته نحوكم. وأما الآن بعد أن أوضحت لجلالته حقيقة المسألة أُقسِم لكم أن جلالته متأسف جدًّا لكونه سمع للأقوال الكاذبة والمختلفة التي بلغته عنكم، والذي يُثبت لكم ذلك هو أن جلالته أمر بأن أحرر هذا لكم وأوضح لكم فيه الخواطر الآتية:

لا أهمية فيمن يكون خديو مصر، ويجب أن تكون أفكار والي مصر ومقاصده وسيرته خالصة من الشوائب، بحيث إن جميع حركاته تكون متَّجِهة لصيانة مستقبل مصر ولتوطيد عُرى العلاقات الوثيقة مع عرش الخلافة، وفي الوقت نفسه يجب عليه أن يظهر الغيرة التامة والإخلاص في تأييد حقوق البلاد، ويلزم أن يتصف بهذه الصفات كلُّ من يتربّع من الولاة على الأريكة الخديوية.

إسماعيل باشا وأسلافه، أولئك رشوا غالي باشا وفؤاد باشا ومدحت باشا ونائبيهم الخائنين في الباب العالي، وبعد أن أغمضوا عيون أولئك الموظفين المذكورين اجترأوا على ظلم المصريين وفرض الضرائب الثقيلة عليهم ومعاملتهم بالضغط والقسوة، وزيادة على ذلك فإنهم تداينوا ديونًا ثقيلة وجعلوا المصريين يئنون تحت تأثير العبودية. واليوم حالتهم في نظر الدنيا تستدعي رأفتنا الخاصة بهم، فالمركز بأكمله في غاية من الضعف ويحتاج إلى البحث الدقيق وراء الدواء الشافي العاجل، وعليه يهمكم قبل كل شيء منع ما عساه أن يؤدي إلى التدخل الأجنبي، وألا تحيدوا عن الطريق الحق القويم، ولا تصغوا إلى الخلافات التي تسبب الخدعة، بل يجب عليكم في كل الأحوال منع حدوث المؤامرات الأجنبية التي يقصد منها إثارة الفتن بكل يقظة، وهذا هو غاية جلالة السلطان العظمى …

وبما أننا سنكاتب بعضنا في المستقبل يلزمكم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لعدم وقوع خطاباتنا في أيدي الغير، وأسهل طريقة وآمنها يمكنكم اتخاذها الآن هي أن تعطوا رسائلكم إلى الرجل الصادق الأمين الذي يحمل هذا، وآخر من الشيخ محمد ظافر، وأزيد على ذلك أنه من الضروري إرسال ضابط سرًّا يكون عالمًا بأحوال مصر ويكون بين أحد أصدقائكم الذين تضعون ثقتكم فيهم ليقدم إلى أعتاب جلالة السلطان تقارير مسهبة حقيقية عن أحوال البلاد، هذا وأرجوكم رد هذا بمعرفة الرجل الذي يحمل هذا الخطاب … في ٤ ربيع الآخر سنة ١٢٩٩ الموافق ٢٢ فبراير سنة ١٨٨٢، ياور جلالة السلطان أحمد راتب …

من هذا يتبين لنا أن الصلة كانت وثيقة بين عرابي والسلطان قبل مجيء بعثة درويش، وهو أمر له خطورته البالغة؛ فقد كان عرابي في نظر من يعلمون هذه الصلة من شيعته المدافع عن حرية المصريين وعن حقوق السلطان ضد إنجلترا وفرنسا، في حين ظهر الخديو بمظهر الناقم على المصريين ما يطلبونه من حرية والممالئ لسياسة الدولتين المعتديتين، وخاصة إنجلترا … ولسوف تكون هذه الصلة أهم ما يدفع به محاميه عنه تهمة التمرُّد والعصيان يوم يساق هذا المجاهد السيئ الحظ إلى المحاكمة …

ولقد أشار عرابي إلى أهمية هذه الصلة في تقريره الذي كتبه في السجن قبيل المحاكمة، فقال بعد أن أتم تاريخ هذه الصلة إلى ما بعد بعثة درويش: «لم يستنكر السلطان أبدًا ما فعلنا، لا في أثناء تلك المفاوضات ولا فيما بعدها حتى وقتنا هذا، بل إن السلطان أَيَّدَ أفعالنا بالقول وبالعمل، فكيف أكون مع ذلك متمردًا؟! أليس يعد السلطان في نظر الأمة الإنجليزية صاحب السيادة على مصر؟!

وإنا لا نجد في بيان أهمية هذه الصلة خيرًا مما كتبه بلنت في صددها قال: «إن هاتين الرسالتين وثيقتان، لهما من عظيم الأهمية التاريخية أنه إذا قدر لمذكراتي أن تطبع يومًا فيجب أن تلصقا بها بنصهما وحروفهما، وإنهما لتفسِّران كثيرًا مما سيحدث بعد ذلك في يونيو أثناء بعثة درويش، وكذلك تقيمان الدليل على أنه إذا كان عرابي أخذ على عاتقه وقتئذ وأثناء شهور الحرب مسئولية حكم مصر حكمًا ديكتاتوريًّا فإن ذلك لم يكن بغير مبرر قوي من وجهة النظر الإسلامية، وهذا المبرر هو أوامر الخليفة أمام دينه في أن يدافع عن القطر في وجه الدول الأوربية. وترينا الوثيقتان كذلك لماذا لم يكن عبد الحميد ميَّالًا في شهر أغسطس إلى أن يطلق على عرابي لفظ المتمرد، وكيف بلغ من السخف نعته بذلك عند المحاكمة …

وعلى أي حال فينبغي ألا يؤخذ من ذلك أن عرابيًّا قد جعل من نفسه أداة للسلطان في أي شيء يتصل بالإدارة الداخلية المستقلة لوطنه، إن موقفه في هذه المسألة كان ثابتًا لا يتزعزع، فقد كان يكره الترك وكان على وجه اليقين يردّ بقوة السلاح أي تدخل حربي من جانب القسطنطينية، وإن كتاب الشيخ محمد عبده لدليل قويّ على صحة هذا الذي أقول،٤ وهو يشاكل جميع ما أفضى به إلى عرابي نفسه … لهذا كان موقفه من بلاط الخليفة موقفًا متقلبًا عرضة للتغيير، ولقد كان له صديقان هناك في شخص أحمد راتب ومحمد ظافر، ولكن كان له كذلك أعداء أشداء.»

نعود بعد ذلك إلى بعثة درويش لنبيِّن مبلغ ما كان فيها مما نحن بصدده من صلة بين عرابي والسلطان، ثم لننظر في الغرض منها وأثرها في مجرى الحوادث بوجه عام …

لخَّصَ عرابي علاقته وعلاقة أشياعه بدرويش في هذه الفقرة التي جاءت ضمن تقريره الذي كتبه في سجنه قال: «وكان أن وصل درويش باشا عند ذلك الوقت، وبعد أن أجرى تحرياته عن مسلك الجيش أعلن أنه يرى أن الجيش كان مطيعًا دائمًا، وأنه حافظ على النظام العام، وأنه لا ملامة توجَّه إليه، وبناءً على ذلك فقد طلب من السلطان نحو مائتي وسام للضباط وللمدنيين، وطلب لي الوسام المجيدي من الطبقة الأولى.»

وقد أنعم فعلًا على عرابي بهذا الوسام الجليل الشأن. أبرق مستر كارتريت وكيل قنصل الإسكندرية إلى اللورد جرانفل في اليوم الخامس والعشرين من يونيو يقول:٥ «سيدي اللورد … أخبر الخديو السير أوكلند كلفن أن السلطان منح سموه منحة من الجواهر علامة على الرعاية وحسن النظرة إلى مقامه، وأضاف سموه أن السلطان مع الأسف قد أنعم على عرابي بالوسام المجيدي الأكبر، وأنه أنعم على سلطان باشا بوسام روميلي بيلربي.

ولكن الخديو يقرر أن جميع جهود درويش باشا في تسكين ثائرة عرابي باشا بالملاينة أو بالقوة قد مُنيت بالفشل التام، وأن درويش نفسه يتخذ المسألة لهوًا وهزرًا، ويتمسك عرابي الآن بأن ما يتضمَّنه هذا الإنعام الأخير عليه من الرضا والعفو لا يدع ثمة ضرورة لأن يتخذ خطوات أخرى يبرر بها سلوكه، ويبدو من درويش باشا أنه يتراجع عن أن يبذل أية محاولات أخرى للتأثير عليه.»

ويتضح من هذه البرقية مبلغ ما وصل إليه توفيق من الحقد على عرابي والخوف من نفوذه، وأنه ينظر إلى المسألة كلها نظرة شخصية.

ولا ريب أن توفيقًا على الرغم مما أنعم به عليه، يفطن إلى معنى الإنعام على عرابي، فهو تأنيب عملي لتوفيق على صلته بالدولتين، وهو في الوقت نفسه دليل على أن السلطان يريد أن يقول إنه يرى في عرابي المدافع عن حقوقه في مصر …

وقد وصل الوسام ومعه فرمان من السلطان في اليوم الرابع من يوليو وسلمهما الخديو بيده لعرابي، معبرًا له عن رضائه عنه وثنائه عليه لإخلاصه في أداء خدماته وانتباهه إلى واجبه. وشَكَرَه عرابي شكرًا حارًّا على هذا العطف، كما أبرق عرابي إلى الآستانة يرفع شكره إلى السلطان، وجاءته برقية تتضمن رضاء السلطان عنه وثناءه على حسن سلوكه وإخلاصه لواجبه …

وقد أظهر عرابي كياسة ولباقة في استلام الوسام، وذلك أنه أبى أن يتسلَّمه إلا من الخديو حتى لا يكون في تسلُّمه من مندوب السلطان معنى التحدي للخديو.٦
ولم يستشر توفيق في الإنعامات جميعًا، وقد وزعها درويش مباشرة على أصحابها باسم السلطان.٧

ظن السلطان أنه يستطيع أن يستعيد نفوذه في مصر بالتفرقة بين الفريقين المتنازعين فيها: توفيق ومن يشايعه، وعرابي وأعوانه …

لهذا جعل رئاسة الوفد لدرويش المعروف بالقوة وبكراهية العناصر الحرّة، وجعل فيه أسعد مشيره في شئون من يتكلم العربية من رعاياه ومرجعه في دعوة الوحدة الإسلامية، واتَّفق الباب العالي وأسعد على «شفرة» خاصة للمكاتبات لا يعرفها درويش، وأفهم أسعد أن يلاين عرابي ويلقي في روعه أن السلطان راضٍ عنه وعن حزبه كل الرضاء، فلا بأس عليه مما عسى أن يجد من غلظة من جانب درويش، وطلب كذلك إلى أسعد أن يطلع السلطان على حقيقة شعور المصريين، وخاصة علماء الأزهر، فكان أسعد في الواقع رقيبًا على درويش الذي لا يأمن السلطان أن تصله هدايا توفيق …

ويذكر جون ثينيه فيما كتبه عن مذبحة الإسكندرية وقد مَهَّد لها بالكلام عن بعثة درويش أن درويشًا كانت لديه أوامر سرية بأن يعمل على خلع توفيق إذا أمكنه ذلك توطئة لتعيين حليم …

وأرسل الخديو مندوبًا يستقبل الوفد في الميناء، وهو ذو الفقار باشا، وأرسل عرابي رسولًا بصفته المهيمن يومئذ على الحكومة؛ إذ كان وصول الوفد بعد سقوط البارودي بعشرة أيام، وقد أحسن درويش لقاء المندوبين جميعًا، الأمر الذي أسخط الخديو أشدَّ السخط …

وخرج درويش من الميناء يقصد سراي رأس التين، فإذا بالشوارع التي مَرّ بها هو ووفده ملأى بالمصريين وقد جاءوا يحيُّون الوفد، وترجمت لدرويش بعض الهتافات مثل قول المنادين:٨ «اللايحة اللايحة»، ورد الباقين: «مرفوضة مرفوضة» … ومثل قول المتظاهرين: «ابعدوا السفن الأجنبية.»

ووقعت في نفس درويش ووفده موقعًا مهيبًا هذه المظاهرة القوية، ووجدوا أنفسهم أمام دليل قوي باهر على قوة الحركة الوطنية في مصر …

وكان عبد الله نديم قد سافر إلى الإسكندرية قبيل وصول الوفد، فخطب في الناس خطبًا حماسية، كانت عظيمة الأثر في إذكاء الروح الوطنية وإثارة شعور الوطنيين على المذكرة المشتركة والسفن الأجنبية …

وزار الوفد ضريح السيد البدوي بطنطا وهو في طريقه إلى القاهرة. وقد سافر إليها في اليوم التالي بقطار خاص، وفي القاهرة نزل الوفد بسراي الجزيرة …

ومما يذكره جون نينيه عن هذا السفر قوله: إن أعوان الخديو أرادوا أن يَحُولُوا بين مندوب عرابي وبين الركوب صحبة درويش في عربته، فأخذه درويش بذراعه وأدخله معه في العربة، وكذلك يذكر نينيه أن جماعات من المصريين حَيَّت الوفد في كل من دمنهور، وكفر الزيات، وطنطا …

وتلقاهم الخديو بسراي الإسماعيلية مرحبًا مظهِرًا عظيم الحفاوة بهم، ثم رَدّ الزيارة لدرويش باشا بسراي الجزيرة، وهناك أظهر له استياءه من حسن لقائه مندوب عرابي، ومن جفاء لهجته في مخاطبته إياه في سراي الإسماعيلية، فطيب درويش خاطره مظهرًا أنه ما جاء إلا لتثبيت سلطة الخديو …

وأظهر درويش في القاهرة عظيم دهشته وشديد نفوره مما رأى من تحمُّس الناس وجرأتهم، وخاصة علماء الأزهر الذين أظهروا عطفهم الشديد على عرابي ومبادئه، ولم يستثنِ منهم إلا الشيخ الإمبابي شيخ الجامع الأزهر والشيخ العباسي والشيخ البحراوي والشيخ السادات٩ الذين آثروا الانحياز إلى الخديو …

وذهب وفد كبير من العلماء إلى درويش باشا، يحملون مكتوبًا موقعًا عليه منهم ومن عدد عظيم من الناس يطلبون فيه رفض الإنذار الأجنبي، وخاصة ما جاء فيه عن إبعاد عرابي …

وأغلظ درويش في مخاطبة الشيخ الذي تكلَّم باسم العلماء، وهو الشيخ محمد خضير، وانتهره قائلًا: «أمسك لسانك، فما جئت هنا لأستمع إلى النصائح من أحد، وإنما جئت لآمر أوامري.» ثم صرفهم في جفاء وخشونة، وفي الوقت نفسه أعطى الحلة العثمانية لشيخ الإسلام ولبعض العلماء …

وحسب درويش أنه بذلك أخاف العلماء، ولكن ما لبث أن تبيّن له خطأه … فقد اجتمع طلاب الأزهر في اليوم التالي بسبب ما علموا من إهانة علمائهم، وتعددت الاجتماعات في جهات من المدينة، وبدأ الناس يُظهرون خوفهم وسخطهم على الوفد التركي، وخاصة أن عددًا كبيرًا من الأعيان أرسلوا إليه يحتجون على مسلكه نحو رجال الدين …

ورأى درويش أن عليه أن يصلح ما أفسد، وأيقن أن لهجة الأمر والنهي لم تَعُد تَجِد في مصر جوًّا ملائمًا لها، وفطن إلى أنه تلقاء أمة جادّة، خلعت منذ يوم عابدين عن أعناقها أغلال العبودية، ومضت قدمًا في سبيل الكرامة القومية …

وكان الرجل غافلًا يظن أنه كفيل — وهو مندوب السلطان — أن يُلقي الرعب في قلب كل امرئ مهما علا مقامه، وفاته أن مصر اليوم غيرها بالأمس؛ لأن فيها حركة وطنية تغلغلت في أقاليمها، وشملت جميع طبقاتها …

وفي يوم السبت الموافق اليوم العاشر من يونيو، أرسل درويش في طلب عرابي ومحمود سامي، وكان حتى ذلك الوقت يُظهر أنه لا يحب أن يراهما …

وقد أورد جون نينيه حديث هذا اللقاء، وأخذه عنه بلنت قائلًا إنه يثق في صحته كل الثقة، أما نينيه فيذكر أنه أخذه عن عرابي،١٠ وأنه سمع مثله من البارودي على أن الشيخ محمد عبده قد ذكر عن هذا اللقاء ما لا يختلف في جوهره عن حديث جون نينيه.

قال جون نينيه: «أظهر درويش المودة لعرابي ولسامي وأجلسهما بجانبه تكريمًا لهما، ثم قال: نحن هنا جميعًا أشبه بإخوة، ونحن أبناء السلطان، وأنا بلحيتي هذه البيضاء أقوم منكم مقام الأب، وهدفنا جميعًا واحد، وهو مقاومة الدخيل والعمل على رحيل الأساطيل، التي هي إهانة للسلطان وتهديد لمصر، ثم ذكر أنه يجب عليهم أن يعملوا جميعًا لهذه الغاية، وخاصة عرابي والوزارة ليظهروا حماستهم نحو مولاهم، وأن خير ما يُفعل في ذلك هو اعتزالهم مناصب الجندية ولو في ظاهر الأمر فقط، ولكي يُرضي عرابي السلطان ينبغي أن يسافر إلى الآستانة ليقيم هناك بعض الوقت. وأجاب عرابي على ذلك بقوله إنه مستعد لأن يعتزل، ولكن الظرف دقيق، ولما كان قد أخذ على عاتقه تبعة عظمى هي حفظ النظام والأمن فإنه لا يرضى بأنصاف الحلول، وإنه إذا اعتزل فإنما يعتزل حقًّا، ولكنه لن يفعل ذلك إلا إذا أخلي كتابة من كل تبعة، لأنه لا يقبل أن يكون مسئولًا عن أشياء لم تكن له يدٌ فيها، لقد اتُّهم بإساءة التصرف والاستبداد والإرهاب وغير ذلك، ولذلك فهو لا يدع منصبه إلا إذا أبرئت ذمته كتابة من جميع هذه التهم، وسوف يذهب إلى القسطنطينية بعد هدوء الحال فردًا عاديًّا ليقدم ولاءه للسلطان … ولم يكن درويش يتوقع هذه الإجابة ولذلك فقد كرهها، وتغيَّر وجهه، ولكنه قال: دعنا نعدّ المسألة منتهية ولتبرق في الحال إلى محافظة الإسكندرية وقائد حاميتها أنك اعتزلت ما أنت مكلف به ووضعته في يدي، وأنك وكيلي منذ اليوم، وعندما يجتمع القناصل والخديو يوم الاثنين في عابدين سأعطيك ما يعفيك من كل تبعة …

ورفض عرابي رفضًا باتًّا أن يجيبه إلى ذلك قائلًا: إنه ما لم يصل إليه هذا الإخلاء فإنه محتفظ بمنصبه وبمسئوليته …

ولم تقدم في هذا الاجتماع قهوة أو سجائر، وقد أكَّد لي محمود سامي بعد ذلك هذا الذي أورده عن الاجتماع …»

نجد في هذا الحديث شواهد جديدة على بسالة عرابي وصراحته في القول، وعدم فراره من المسئولية، وحضور ذهنه وحُسْن تخلصه، وفطنته إلى ما يدور حوله، وما أبعد ذلك عما يرميه به الجاهلون والمبطلون من سذاجة وجهل وتهوُّر وعدم دراية بالأمور …

ولقد شكّ الخديو في نيات درويش وأوجس في نفسه خيفة منه، فمنحه خمسين ألفًا من الجنيهات، فضلًا عن جواهر تساوي نصف هذه القيمة، وقد أيدت كثيرٌ من المصادر نبأ هذه الرشوة، وما كان أغنى توفيقًا عنها فإن درويشًا لم يكن في وسعه أن يصنع بالخديو شيئًا، ولم يستطع أن يزحزح عرابي من مكانه …

وقد أرسل صابونجي١١ رسالة من القاهرة بتاريخ اليوم الحادي عشر من يونيو إلى بلنت في إنجلترا، وجاء في هذه الرسالة أنباء لها أهميتها عن الحال يومئذ بوجه عام …

فمن ذلك الذي ذكره صابونجي، أن الشيخ عليش أحد علماء الأزهر أفتى بأنه لا يصح أن يكون توفيق حاكمًا للمسلمين بعد أن باع مصر للأجانب باتِّباعه ما يشير به القنصلان، ولذلك وجب عزله، وأن مصر تؤيِّد عرابي، الأقباط والمسلمون على السواء، وليس يخرج على عرابي من المديرين وعددهم أربعة عشر إلا ثلاثة، وأن الشيخ الإمبابي شيخ الإسلام، تمارض كيلا يحرج في حضور درويش بين الخديو والحزب الوطني … وكذلك ذكر صابونجي أن عرابي يصمِّم على الجهاد والمقاومة إلى آخر رمق من حياته قائلًا: «إننا إذا متنا جميعًا فسوف يدخلون بلدًا خربة وسوف يكون لنا مجد الاستشهاد في سبيل وطننا.»

•••

ويشير صابونجي إلى موقف سلطان، فيقول إنه اعتزل عرابي وانحاز إلى توفيق منذ مجيء السفن، وليس مع سلطان من النواب إلا تسعة وهم جميعًا ومعهم الخديو يُتَّهَمون بالخيانة ويطلق عليهم اسم الخونة …

والأزهر علماؤه وطلابه ما عدا أربعة من شيوخه في جانب عرابي والحركة القومية، ويخطب فيهم نديم خطبًا حماسية مستشهدًا بالقرآن والحديث وأحداث التاريخ.

والناس جميعًا يستنكرون المذكرة المشتركة، حتى إن الصبية في الأزقة والنساء في نوافذ المنازل يرددون الهتاف الذي بات مألوفًا وهو: «اللايحة … اللايحة … مرفوضة … مرفوضة …»

ولندع الكلام الآن عن درويش، فسوف تتبين لنا مقاصده ونواياه فيما يأتي من الحوادث حتى يرحل هو ووفده من مصر في اليوم التاسع عشر من شهر يوليو سنة ١٨٨٢، أي بعد ثمانية أيام من الاعتداء الغادر على البلاد …

١  حرّف بلنت هذا الاسم وحقيقته محمد ظافر كما جاء في مذكرات عرابي الفعلية.
٢  How We Defended Arabi, By A. M. Brondley.
٣  كذا «أحمد عرابي بك» في مذكرات عرابي وفي كتاب بالنت.
٤  يقصد الكتاب الذي أرسله إليه الشيخ محمد عبده بتاريخ ١٥ أبريل يقصُّ عليه فيه حادث المؤامرة الشركسية، وفيه أظهر الشيخ مبلغ كراهية المصريين للأتراك.
٥  مجموعة الكتاب الأزرق الإنجليزي الخاصة بمصر، وهي تحت يدي، وقد وردت هذه البرقية في Egypt No. 17, “1882” P. II.
٦  محضر التحقيق مع عرابي أثناء محاكمته.
٧  Blue Books E. No. 17—P. 48.
٨  يقصدون المذكرة المشتركة.
٩  SH Blunt P. 307.
١٠  أهمل عرابي الحديث عن بعثة درويش إهمالًا ملحوظًا فلم يشر إليها إلا في عبارة مقتضبة في مذكراته المخطوطة.
١١  هو القس لويس صابونجي، كان سكرتيرًا وصديقًا لبلنت، وكان يعرف الإنجليزية، وقد رافقه إلى إنجلترا ثم أرسله إلى مصر فبلغها يوم سفر درويش إلى القاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤