المسألة السابعة والمائة

لِمَ اعْتَزَت العرب والعجم في مواقف الحروب وأيام الهياج؟ والاعتزاء هو الانتساب إلى الآباء والأجداد وإلى أيام مشهورةٍ وأفعال مذكورة.

وما الذي حرَّك أحدهم من هذه الأشياء حتى ثار وتقدَّم، وبارز وأقْدم، وأخطر نفسه واقتحم، وربما سمع في ذلك الوقت بيتًا، أو تذكَّر مثلًا، أو رأى مَنْ دونه في البيت والمنصِب، والعِرْق والمُرَكَّب دون ما يقدِّر، يفعل فوق ما يفعل فتأتيه الأنَفَة فتقوده بأَنْفه إلى مباشرة حتفه؟

ما هذه الغرائب المبثوثة والعجائب المدفونة في هذا الخَلْق عن هذا الخُلُق؟ جلَّ مَنْ هذا بعلمه وبأمره ومِنْ فعله، وهو الإله الذي انقادت له الأشياء طوعًا وكَرهًا وأشارت إليه تعريضًا وتصريحًا.

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

الغضب في الإنسان يكون بالقوة إلى أن يُخرِجه إلى الفعل أمرٌ مُغْضِب، وكذلك سائر قُوَى النفس.

وما يُخرِجه إلى الفعل ينقسم قسمين: إما من خارج، وإما من داخل.

فالذي يكون من خارج فهو مِثْل انتهاك الحرمة وشتم العِرْض وما أشبه ذلك.

والذي يكون من داخل فهو مثل تذكُّر الذنوب والأحقاد وجميع الأحوال التي من شأنها قدْح هذه القوة.

ومن شأن النفس إذا كانت ساكنةً والتمس الإنسان فعلًا قويًّا منها لم تستجب له الأعضاء عما يلتمس فحينئذٍ يُضطَر إلى تحريك النفس وإثارتها، وبحسب تلك الحركة من النفس تكون قوة ذلك الفعل.

وأنت تتبيَّن ذلك من المسرور إذا أراد أن يُظهِر غضبًا أو يفعل فِعْل الغَضُوب كيف تتخاذل أعضاؤه ويظهر عليه أثر التكلُّف، فربما أضحك مِنْ نفسه وضحك هو أيضًا في أحوج ما كان إلى قوة الغضب، فيحتاج في تلك الحال إلى إثارة القوة الغضبية بتذكُّر أمر يهيج تلك القوة حتى يصدر فِعْله على ما ينبغي.

وهذه الحال تعرض في الحرب إذا لم يخص المحارب أمرها، وأعني بذلك أن المحارب ربما حضر الحرب التي لا يخصُّه أمرها بل لمساعدة غيره أو لأجرة يأخذها، فإذا شهد الحرب لم تأخذه الحميَّة والأنَفَة فيحتاج حينئذٍ إلى الاعتزاء، وهو تذكُّرٌ لأحوال شجاعاتٍ ظهرت لأولين ليكون ذلك قدحًا له وإثارةً لشجاعته وسببًا لحركةٍ قويةٍ من نفسه، فإذا ثارت هذه القوة كان مَثلها مثل النار التي تبتدئ ضعيفةً وتقوى بمباشرة الأفعال وبالإمعان فيها حتى تصير تلك الأفعال لها بمنزلة المادة للنار تتزيَّد بها إلى أن تلتهب وتستشيط ويصير بمنزلة السكران في قلة الضبط والتمييز، وهي الحال التي يلتمسها المحارب من نفسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١