المسألة السادسة والثلاثون والمائة

لِمَ صار الإنسان إذا صام أو صلَّى زائدًا عن الفرض المشترك فيه حقَّر غيره واشْتَطَّ عليه وارتفع على مجلسه، ووجد الخُنْزُوَانَة في نفسه، وطارت النُّعرة في أنفه حتى كأنه صاحب الوحي أو الواثق بالمغفرة والمنفرد بالجنة، وهو مع ذلك يعلم أن العمل مُعَرَّض للآفات وبها يحبط ثواب صاحبه؛ ولهذا قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا.

ولِمَا يعرض له من هذا العارض علةٌ ستنكشف في جواب المسألة؟

وكان بعض أصحابنا يضحك بنادرةٍ في هذا الفصل قال:

أسلم يهوديٌّ غداة يومٍ فما أمسى حتى ضرب مؤذنًا وشتم آخر وغضب على آخر، فقيل له: ما هذا أيها الرجل؟!

فقال: نحن معاشر القراء فينا حدَّة.

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

كل من استشعر في نفسه فضيلةً، وكان هناك نقصانٌ من وجهٍ آخر، وخَشِيَ أن تَنْكَتِم تلك الفضيلة أو لا يعرفها غيره منه عرَض له عارض الكِبْر؛ لأن معنى الكِبْر هو هذا، أي إن صاحبه يلتمس من غيره أن يُذعِن له بتلك الفضيلة ويعرفها له، فإذا لم يعرفها تحرك ضروب الحركة المضطربة؛ ولهذا صدق القائل: ما تكبَّر أحدٌ إلا عن ذلةٍ يجدها في نفسه.

وإنما السلامة من هذا العارض هو أن يلتمس الإنسان الفضيلة لنفسه لا لشيء آخر أكثر من أن يصير هو بنفسه فاضلًا لأن يُعرَف ذلك منه أو يُكرَم لأجله؛ فإن اتفق له أن يُعرَف فشيءٌ موضوعٌ في موضعه، وإن لم يُعرَف له ذلك لم يلتمسه من غيره ولم يكترث لجهل غيره به، فقد علِمنا أن التماس الكرامة ومحبتها رذيلة.

ولأجل محبة الكرامة تعرَّض قوم للمتالف، وعرض لقومٍ الصلف، ولآخرين الهرب من الناس، إلى غير ذلك من المكاره.

والذي يجب على العاقل هو أن يلتمس الفضائل في نفسه ليصير بها على هيئة كريمةٍ ممدوحةٍ في ذاته، أُكْرِمَ أم لم يُكْرَمْ، وعُرِفَ ذلك له أم لم يُعْرَف، ويجعل مثاله في ذلك الصحة؛ فإن الصحة تُطْلَب لذاتها ويحرص المرء عليها ليصير صحيحًا حَسْبُ لا ليُعتقَد فيه ذلك ولا ليُكرَم عليها.

وكذلك إذا جُعِلَتْ له صحة النفس بحصول الفضائل لا ينبغي أن يطلب من الناس أن يكرموه لها ولا أن يعتقدوا فيه ذلك، ومتى خالف هذه الوصية وقع في ضروب من الجهالات التي أحدها الكِبْر والحالة التي وصفت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠