المسألة الخامسة والعشرون: مسألة طبيعية

لِمَ كانت النجابة في النِّحَاف أكثر؟
ولِمَ كانت الفُسُولة في السِّمان أكثر؟

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

هذه المسألة كأنها عن الحال الأغلب والوجود الأكثر.

والسبب فيه أنه لما كانت الحرارة الغريزية سبب الحياة، وسبب الفضائل التابعة للحياة — أعنى الذكاء والحركة والشجاعة وما أشبهها — كانت الأبدان التي حظها منها أكثر أفضل.

والحكم الصحيح في هذا أن الأبدان المعتدلة في النحافة والسمن والطول والقِصَر وسائر الكيفيات الأُخر أفضل الأبدان.

ولما كانت مسألتك مخصوصةً بالنحافة والسمن خصصنا الجواب أيضًا، فنقول:

إن الحرارة إذا قاومت أخلاط البدن فأذابت فضول الرطوبات منه ونفت البرد الغالب عليه الذي هو ضده كان ذلك سببًا للحركة واليقظة وسببًا للإقدام والنجدة، ويتبع هذه الأشياء سائر الفضائل اللازمة لها، وذَكْو الحرارة التي في القلب، وهي أول هذه الفضائل كلها، وإذا غلبت الرطوبات عليها أطفأتها وغمرتها وحالت بينها وبين أفعالها وعاقتها عنها، فكان ذلك سببًا للفُسُولة ولواحقها من الكسل والبلادة والجبن وسائر الرذائل التي تتبعها.

والنحافة والسمن، وإن كانا جميعًا قد خرجا عن الاعتدال، فأحدهما وهو النحافة خروجه عن الاعتدال بإفراط الحرارة التي هي سبب الفضائل، وهي أولى بها من الطرف الآخر الذي ضدها، أعني السمَن الذي هو خروج عن الاعتدال إلى جانب البرد وعدم الحرارة المؤدي إلى بطلانها وزوالها.

وقد تبين في كتاب الأخلاق أن أطراف الفضائل كلها مذمومةٌ ولكن بعضها أقرب إلى المدح، وإن كان البعد من الوسط فيهما واحدًا كان الاعتدال الممدوح بالجود والسخاء له طرفان: أحدهما البخل والآخر التبذير، وهما جميعًا مذمومان وخارجان من الاعتدال، إلا أن أحد الطرفين وهو التبذير أشبه بالجود من الطرف الآخر؛ لأن أحد الطرفين بالإمعان يتأدى إلى بطلان الشيء الممدوح وعدمه والآخر يتأدى إلى الزيادة فيه بالإفراط، ولعمري إنهما في فقد الاعتدال سواء، ولكن أحدهما أشبه به من الآخر، وهذا هو موضع لا يُدفَع ولا يُنكَر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١