المسألة الخامسة والثمانون

ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامةً له ولغيره؟
وما علة جزعه واستكثاره وتحسُّره إذا خصَّته المَسَاءة ولم تَعْدُه المصيبة؟
وما سر النفس في ذلك؟
وهل هو محمود من الإنسان أم مكروه؟
وإذا نَزَا به هذا الخاطر فَبِمَ يعالجه وإلى أي شيء يرُده؟
ولِمَ يتمنى بسبب محنته أن يَشْرَكُه الناس؟ ولِمَ يستريح إلى ذلك؟ وأصحابنا يروون مثلًا بالفارسية ترجمته: من احترق بَيْدَرُه أراد أن يحترق بَيْدَرُ غيره.

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

الجزع والأسف والحزن من عوارض النفس، وهي تجري مجرى سائر العوارض الأُخر كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة، وسائر الأخلاق التي يُحمَد الإنسان فيها إذا عرضت له كما ينبغي، وبسائر الشروط التي أحصيناها مرارًا كثيرة، ويُذَمُّ بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط.

وإنما تُهَذَّب النفس بالأخلاق لتكون هذه العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي؛ فالحزن الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة لحقت الإنسان لذنب اجترحه، أو لعمل فرَّط فيه أو كان له فيه سبب اختياري، أو لسوء اتفاق خصَّه دون غيره وهو يجهل سببه؛ فإن هذا الحزن وإن كان دون الأول فالإنسان معذورٌ به.

فأما ما كان ضروريًّا أو واجبًا فليس يحزن له عاقل؛ لأن غروب الشمس مثلًا لما كان ضروريًّا لم يحزن له أحد، وإن كان عائقًا عن منافع كثيرة وضارًّا بكل أحد ومَنَعَ النظر والتصرف في منافع الدنيا، وكذلك هجوم الشتاء والبرد وورود الصيف بالحر لا يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أُهْبَتَه.

وأما الموت الطبيعي فليس يحزن له أحد؛ لأنه ضروري، وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد في غير الوقت الذي كان ينتظره أو بغير الحالة المحتسَبة؛ ولذلك يجزع الوالد على موت ولده؛ لأن الذي احتسبه أن يموت هو قبله.

فأما الولد فيقل جزعه على والده؛ لأن الأمر كما كان في حسابه إلا أنه تقدَّم مثلًا بزمان يسير أو كما ينبغي.

فأما ما يعرض للمسافر ولراكب البحر أن يُخَصَّ دون من يصحبه بمحنة في ماله أو جسمه، فإنما حزنه لسوء الاتفاق ورداءة البخت؛ فإن هذا النوع مجهول السبب؛ ولذلك يُعذَر فيه أدنى عذر.

وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له فهو شر في طبعه، لا سيما إذا لم يُجْدِ عليه شيئًا ولم يَعُدْ له بطائل، وحينئذٍ يحسُن توبيخه وتأديبه، وقد أحسن الشاعر في قوله:

ليس تَأْسُو كُلُومُ غيري كَلْمِي
ما بهم ما بهم وما بِيَ ما بِي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١