الفصل التاسع عشر

حالة الطيران في الممالك المختلفة

(١) مركز القُوى الحربية

إلى الآن لم يتحدد مركز القُوى الحربية الهوائية تمامًا، فبعض الممالك يجعل الطائرات البرية سِلاحًا تابعًا لوزارة الحربية، والطائرات البحرية سلاحًا تابعًا لوزارة البحرية. ولكنَّ بعض الممالك يجعل تلك القوى الهوائية هيئة مستقلة كالقُوى البرية، والبحرية تعاون هاتين القوَّتين، كما يتعاونان هما فيما بينهما في الدِّفاع والهجوم.

وتكون طريقةُ تأليفِ القُوى الهوائية عادةً كما يأتي: تُقسَّم المملكة إلى مناطق areas، وكلُّ منطقة تقسَّم إلى مجموعتَين أو أكثر groups، وكلُّ مجموعة إلى جناحَين أو أكثر wings، وكلُّ جناح إلى فرقتين أو أكثر squadrons، وكلُّ فرقة إلى ثلاثة أسراب أو أكثر flights، وكل سِرب يتألَّف غالبًا من أربع طيَّارات على الأقلِّ، وثمانٍ على الأكثر، ويغلب أن يتألَّفَ من سِت. وعلى هذا الحساب لا يقل عدد طيارات الفرقة عن ١٢، ولا عدد طيارات الجناح عن ٢٤، ولا المجموعة عن ٤٨، ولا المنطقة عن ٩٦. وتكون طيارات أسراب الفرقة الواحدة غالبًا من نوعٍ واحد، ولكن الفِرق تختلف طيَّاراتها، فإما أن تكون محارِبة أو مستكشفة، إلى غير ذلك من الأنواع التي فصَّلناها سابقًا.
ويكون للقوى الحربية الهوائية أو لأسلحة الطيران air forces كما تسمَّى أحيانًا مدارسَ لتعليم الطيَّارين والملاحظين flying training schools، تُلقى عليهم فيها علاوةً على دروس الطيران دروس علمية، نظرية وعملية، في المحرِّكات واستعمال الآلات ومبادئ الفلَك والملاحة وضرب المَدافع، إلى غير ذلك. كذلك تنشأ تبعًا للسلاح مستودعات للتصليح والتوريد repair & supply depots، بعضها رئيسي كبير وبعضها صغير يُستخدم لإجراء التصليحات البسيطة. ويكون مركز تلك القوى في المطارات التي تكلَّمنا عن نظامها بإسهاب في الباب الفائت.

(٢) جهود الأُمم الكبيرة

تختلف الممالك باختلاف مقدار الاستعداد في هذه المدارس والمستودَعات والمطارات، وباختلاف جَودة طلاقة طيَّارات أسلحتها وضبطِ آلات تلك الطيارات، ومقدرة الطيارين والملاحِظين وعدد أولئك، وحُسن الإدَارة بوجهٍ عام. ولا نزاعَ في أنَّ فرنسا تبذُل مجهودًا يفوق مجهوداتِ كلِّ ممالك العالم في سبيل تفوُّقها في هذا المِضمار، وقُوَّتها الهوائيةُ الآن أكبر من أيِّ قوة أخرى، وتعدل نحو ثلاثة أمثال قوة إنجلترا، وتفوق طلاقةُ طياراتها طلاقة نظيراتها الإنجليزية؛ ولذلك يضاعف الإنجليز مجهوداتهم الآن ليتفوَّقوا على فرنسا.

والغالبُ أن الآلات الفرنسية أقلُّ ثمنًا من الإنجليزية، وأساس هذا غلاء المعيشة بإنجلترا وارتفاعُ أجور العمال فيها، ويتزاحم التجار الفرنسيُّون والإنجليز على أسواق العالم التجارية للطيران، ويتنافسان تنافُسًا عظيمًا، وبدأ يُزاحمُهما أيضًا فكر الهولندي، حيث يوجد لديه عُمال ألمان كثيرون يشتغلون بأجور قليلة. أما أمريكا فهي بعيدة عن هذا الصراع، ولا يتعدَّى استعمال طيارتهما أمريكا نفسها، ولكنها جادَّة في سبيل تحسين طيَّاراتها والإكثار منها، ولا سيما بعد أن عرفتْ في السنتين الأخيرتين أن الروسيا واليابان نشِطَتا نشاطًا عظيمًا.

فاليابان عدوُّتها الطبيعية تستعدُّ حقيقةً استعدادًا كبيرًا، وتتكتَّم أعمالها تكتُّمًا يثير الشبه، فلا تسمَح بنشر أي معلومات عن أسلحتها، وتسعى جُهدَها للحصول على معلومات عن أسلحة الغير، والدليل على ذلك أن اليابانيين أشدُّ الناس في العالم إقبالًا على شراءِ كُتب الطيران بإنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا.

أما الروسيا فبعد أن قوَّت جيشَها ونظمته، حتى صيَّرته مُخيفًا ركَّزت مجهوداتها في الطيران، وهي تحاول إنشاءَ أسطولٍ هوائيٍّ كبير تسيطر به على أوروبا يومًا ما سيطرةَ إنجلترا على البحار، وهذا خطَر كبير تحسِب له أوروبا حسابًا عظيمًا، لا سيَّما وأن المشرفين على تنظيم تلك المجهودات الروسية وعلى الأعمال الهندسية فيها من تصميمات وإنشاءات، إلخ، هم المهندسون الألمان الذين دفعَهم تضييقُ معاهدة الصلح عليهم وتصميم فرنسا على سَحق الطيران بوطنهم إلى المهاجرة إلى حيثُ يرتزقون من مزاولة صِناعتهم، وهم يعملون الآن بجدٍّ ونشاطٍ مؤمِّلين أن ثمرة مجهوداتهم قد تُوجَّه في المستقبل القريب إلى محاربةِ أعدائهم القديمين. ولا شكَّ في أن فرنسا أحسَّتْ بهذا الخطر؛ فعضَّدت الأمم الصغيرة التي ظهَرت في غرب روسيا بعد الحَرب، والتي كانت هناك قبله، وأقرَضَتْها المبالغ العظيمة نظير تعهُّدها بشراء المعدات الحربية من عندها، وبذلك تأمُل فرنسا أن تحكم وسائل الدِّفاع في تلك الممالك؛ لتقومَ كحاجز يصد روسيا عن اكتساح أواسط أوروبا والوصول إلى غَربها، حين يأتي اليوم الذي يأنس فيه البلشفيك من أنفسهم القوة التي تمكنهم من تلك الإغارة الجريئة التي لا يستطيع أحد التنبُّؤ بنتائجها.

ولا شكَّ أن وراء المجهودات الحربية الحالية في الطيران نذيرَ حُروب تقشعرُّ من هَوْلها الأبدَان.

(٣) جهود الأمم الصغيرة مثيلات مصر

نكتفي بهذا القدرِ عن جُهود الأمم الكبيرة، ونُحدِّث القارئَ قليلًا عن جهود الأمم الصغيرة؛ لأننا في الواقع أحوَج لتعرف مجهودات هذه الأمم مِنَّا إلى الإحاطة بمجهودات الأمم الكبيرة، فنحن بطَبيعة الحال أمةٌ صغيرة، ونحن على وَشك ولوج هذا الميدان وإدخال الطَّيَران بمصر، فيهمُّنا أن نعرفَ كيف بدأت الأمم المشابهة لنا في إدخاله ببلادها حتى نتدبر ذلك ونختط خطة نافعة، تعود على البلاد بالخير حقيقةً وبالرُّقيِّ الفعلي.

لن نحدِّث القارئ عن مجهودات تشيكوسلوفاكيا أو رومانيا أو اليابان، تلك الأمم التي خطَتْ خطوات واسعة في ستِّ سنوات فقط، ولكنا نكتفي بأن نحدِّثه عن أمم أقلَّ همةٍ من هذه. ولما كان المجال لا يتَّسع للإيضاحات الطويلة فسنقرر أولًا القواعد العامة التي سارت عليها تلك الأمم، ثم نشير لما يستحقُّ الذكر من مجهودات بعضها، وإلى القارئ تلك القواعد العامة:
  • أولًا: استغلَّت كلُّ تلك الدول الصغيرة تنافُسَ الدول الكبيرة، واستفادَت من ذلك فائدة عُظمى سواء أكان ذلك من حيث مقدرة الرجال الأجانب الذين انتقوهم للقيام بالتعليم في مبدأ الأمر، أم من حيثُ جودَة المعدات التي اشتروها، أو أثمان تلك المعدَّات.
  • ثانيًا: بدأت معظم تلك الدول بمجهودات صغيرة في حجمها كبيرةٍ في الاستعداد والدقة والسهر على النجاح، ونمَّتها ببطءٍ واطِّراد يتناسبان مع الزمن والحاجة وتراكم تجارب الوطنيين ومِرانهم على تحمُّل المسئوليَّة.
  • ثالثًا: ركزت تلك الدول مجهوداتِها الأولية في تَدعيم الأساس، أو تكوين النَّواةِ، واتخذَت في هذه المرحلة الأولى منتهى الحيطة، فبُولغ في إحكام تخيُّر المعلِّمين الخبيرين الأَكْفاء، والطلبة المُجيدين الأمناء، والمعدَّات البسيطة المَضمونة بقَدر الإِمكان.
وسنذكُر الآن كلمةً عن بعض تلك البِلاد، مبتدئين بجمهوريات جنوب أمريكا التي بدأت جهودها في الطيران بعد الحرب:
  • أولًا: أرجواي: تعدادها نحو مليونٍ ونصف فَقط، وجيشُها نحو عشرة آلاف، اشترتْ بضعَ طيارات قَديمة وتعلَّم بعض أبنائها في ممالكَ مختلفة، ثم اشترَتْ طيارات تعليم، وفتحتْ مدرسةً صغيرة يُديرها رجلٌ هو أمهَر الطيارين في الجمهورية، وقد ذهَب حديثًا إلى فرنسا للزيارة والاستفادة، واشترى ست طيارات جَديدة تكفي لمساعدة ذلك الجَيش الصَّغير.
  • ثانيًا: شيلي: تعدادها نحو مليون، عهِدت في تعليم طياراتِها إلى بَعثة إنجليزيَّة مؤلَّفة من سبعة أشخاص، على رأسهم خبير شهير اسمه الماجورسكوت Scott، ذهبت البعثة إلى شيلي في أواخر سنة ١٩٢٠، واستخدمت ١٣ طيارة تعليم (أفرو)، فعلمت بواسطتها ٧٤ طيارًا في بحر سنة واحدة، وسلمت الثلاث عشرة طيارة في آخر السَّنة كاملة سليمة، وهو عمل جليل يدعو إلى الفخر والإعجاب. وعند شيلي الآن مدرسةٌ للتَّعليم ووِرش للتصليح كاملة المعدَّات بسيطتُها، وعندها نحو ٧٠ طيارة حربيَّة إنجليزية. وكان أولو الأمر في أوائل سنة ١٩٢٥ يُفاوضون فكر الهولندي في شِراء طيَّارات منه يستخدمون لها محرِّكات إنجليزية.
  • ثالثًا: الأرجنتين: تعدادها نحو ١٠ مليون، وبها نَهضة حديثة عامَّةٌ أجلى مظاهرها الاهتمام بالطيران. علَّمَت طياريها بواسطة الفرنسيين، وأمدَّت سلاحَها بطيارات فرنسية، ثم رحَّبَت بالإيطاليين والإنجليز، فقدَّموا لها أنواعًا جديدة، فاختارَتْ طيارات إيطالية لفِرَقِها المُحاربة، وطيارات إنجليزية لفرقها المستكشفة؛ ولذلك سلاحها الآن قويٌّ جيِّد المعدَّات، وطياروها على جانبٍ عظيم من الحِذق والمهارة، وعندها نحو ٨٠ طيَّارة من أنواع مختلفة، وبها مدرسة تامَّة المعدات مركزُها في البالومار، وأشهر طيَّاريها الماجور زاني الذي حاول الطيران حوَّل الدنيا على طيارة هولندية كما قدمنا.

    وبعد أن أحكمت هذه الجُمهورية تنظيمَ طيرانها البري حولت اهتمامها إلى الطيران البحري، فأنشأتْه ونظَّمَتْه. وتحاول كلٌّ من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا منذ سنتين نوالَ امتيازات لمدِّ خطوطٍ هوائيَّة بتلك الجمهورية وإليها، ولكنَّ الحكومةَ تتلاعبُ بالثلاث حتى تستغلَّ ذلك التنافس أعظمَ استِغلال. وتستعدُّ ألمانيا بالاشتراك مع إسبانيا، الأولى تُقدِّم المعدَّات والثانية تقدِّم المالَ، لإنشاء مواصلاتٍ بالمناطيد بين بونس إيرس عاصمة الأرجنتين وإشبيليَّة بإسبانيا، وسيُفتتح هذا الخطُّ قريبًا لأن الاستعداداتِ له على وشكِ الانتِهاء.

  • رابعًا: البرازيل: تَعدادُها نحو ٣٠ مليون، نكتفي بأن نذكُر عنها أنها عهدت إلى بعثة فرنسية مؤلَّفة من ثمانيةِ أشخاصٍ بتعليم الطيَّارين الحربيين والميكانيكيين اللازمين لمُساعدة جَيشها، أما الذين يتعلمون لمساعدة البَحرية فعهِدت بتعليمهم إلى الأمريكان، وفتحت للاثنين مدرستين مُستقِلَّتين، وحديثًا زاد اهتمامُها بالطيران فأرسلت أربعَ بعثات إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وأمريكا مؤلَّفة من الضبَّاط المجيدين؛ ليُكملوا تعليمَهم.
  • خامسًا: ننتقل الآن إلى الكلام عن المَمالك الصَّغيرة التي انتُزعت من الروسيا على البَلطيق: خلَّفتِ الحرب لكلٍّ من هذه الممالك بعضَ طياراتٍ ألمانية، واستعانَتْ كلٌّ منها بطيَّارين من عند الحلفاء لمدة سنة واحدة يُعلمون الطيارين الوطنيين، ثم اشترتْ من الحلفاء ومن هولندا طيَّارات أخرى كوَّنت بها أسلحةً قوية.

    وأكبر تلك الممالك: فنلند، وقد أرسلت بَعثتين إحداهما إلى ألمانيا وعددُها ٣٠، والأُخرى إلى فرنسا وعدَدُها ١٢، ولما عاد هؤلاء أنشأَت مدرسةً للطيران عهِدت إلى المُجيدين منهم بالتَّعليم فيها. كما أنشأت فنلند وِرَشًا على أتمِّ الاستعداد، عهِدت بالإشراف عليها إلى أربعة مُهندسين وطنيِّين كانت قد أرسلَتْهم إلى باريس؛ لإعدادهم لهذا الغرض.

  • سادسًا: سيام: هذا وليس التقدُّمُ قاصرًا على الممالك الأوروبية والأمريكية، فهناكَ الشُّعوب الشرقية التي أمثلُها بسيام وتَعدادها ٨ مليون فقط. أرسلت سيام إلى فرنسا قبلَ الحرب بعثةً مؤلَّفةً من ثلاثة أشخاص، ولما عادَت البعثة نظَّمَت لبلادها الطيران الحربي والمدني. وعند سيام الآن سلاحٌ حربيٌّ منظَّم على القَواعد الفرنسية يَستخدم طيارات فرنسية أيضًا. وفي سيام مدرستان للطيران، واحدةٌ إبتدائيةٌ والأُخرى عالية، يقوم بالتعليم فيهما وطنيون، وقد أنشأَت هذه المملكة مواصلَتين بريديَّتين هوائيتين داخل حدودِهما. ويقوم الطيَّارون السياميون بإعداد مسحٍ فوتوغرافي دقيقٍ لبِلادهم. وحدَث هُناك في سنة ١٩٢١ وباءٌ عَظيم لم يُنقذ البلاد من شرِّه غيرُ الطيارات التي كانت تعمَل باستمرار في نقلِ الأطبَّاء والأدوية من مكانٍ لآخر بسُرعة، والمرضى كذلك لعزلهم عن الأصحَّاء. أورَدنا ذلك لندلَّ به على أن السِّلاح الذي تملِكُه سيام سلاحٌ مَتين به طيَّارون مَهَرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠