الفصل الحادي والعشرون

نوع المجهود المناسب

بعد أن عرفنا فوائدَ الطيرانِ لمصر وحاجةَ مصالحِ حُكومتها له، بقيَ علينا أن نبحث عن خير الطرق التي يصح أن تبدأ بها الحكومةُ مجهوداتِها. إنَّ على الحكومة واجبَين: أوَّلُهما وأجدرُهما بالعِناية والبَحث والاهتمام: هو إعداد المصريين اللازمين للعمَل في هذا الميدان على أكمل وَجهٍ. وثانيهما: سدُّ حاجة مصالحها المختلفة، ولا تَستطيع كل واحدة من هذه المصالح القيام بتأسيس سِرب خاص من الطيارات وإدارته لخدمتها، بل إن كان هذا ميسورًا لبَعضها بالفعل فليس من حُسنِ الإدارة أو من الاقتصاد في شيءٍ تشتيتُ المجهود الذي تبذله الحكومة في هذا السبيل. فما خيرُ الوسائل للجَمع بين رغَبات جميع المصالح وبين حُسن الإدارة والاقتصاد، وضمان حصول الموظفين على أحسن التجارب وأكثرها، حتى يصيروا على علمٍ تامٍّ وفي درجة عالية من المقدرة؟

خير وسيلةٍ لذلك في نظرنا هي إنشاءُ مصلحةِ طيران واحدة بمصر، وتركيز كلِّ المجهودات فيها حتى تكون بمثابة نواةٍ صالحة تخلُق الطيران في البلد، وتسهَر على حراستِه وتنميته، وتقوم لكل مصلحة من تلك المصالح التي أشَرْنا إليها بما تتطلبه من خدمات هوائية. وتقوم كذلك بإعداد كل ما يَلزم لتشجيع الطيران التجاري ومراقبتِه وتنفيذ قوانينه من معدَّات ورِجال، كل ذلك نظيرُ أجورٍ خاصة تخفف عبءِ الصَّرف عن عاتق مَصلحة الطيران نفسها، وكل هذه أعمال تَزيدُ رجالها تجربةً ومقدرةً وكفاءة. هذا ويجب أن يبدأ المجهود صغيرًا ثم ينمو مع الزمن والحاجة وتراكم تجارب الموظفين المِصريين.

(١) إنشاء سلاح طيران حربي

فإذا أُنشِئَت مصلحةُ الطَّيَران فخير صديقٍ تبدأ به العملَ هو إنشاءُ سلاح طيران حربي، وهذا هو الطريقُ الذي سلكَته ممالكُ العالم كبيرها وصغيرُها؛ ذلك لأنَّ الطيرانَ الحربي هو خيرُ وسيلةٍ لتكوين النَّوَاة الصالحة، وخلقِ الأخصائيين والفَنِّيِّين المهَرة في جوٍّ (أو وَسَط) يضمَن حُسنَ تهذيب الموظفين وتدريبِهم على الطَّاعَة والدِّقَّة والنشاطِ والأمانة في العمل وتقديرِ المسئولية واحتمالِ أشدِّ العقوبات، وكلُّها صفاتٌ لا غِنى لرجال الطيران عنها لخطورة العمل الذي يقُومون به؛ ومن أجلِ ذلك اقترَن تقدُّم الطيارة بالمجهود الحربي إلى يَومنا هذا، حتى إنَّ الطياراتِ لا تزال أقربَ إلى الصبغة الحربية منها إلى الصبغة المدَنية، فالطيَّارة المنشأة إنشاءً يجعلها صالحة للنَّقل التجاري صلاحيةً تامَّة لم تظهر بعد في عالم الوجود كما قدَّمنا.

فلنبحث الآن عن مستلزمات القُوى الهوائية أو أسلحة الطيران؛ لنقرِّر الخطةَ التي يجمل بالحكومة أن تسلُكَها لإنشاء سلاحٍ مصري صغير فعَّال بغير كبير نفقة:

(١-١) مستلزمات سلاح الطيران

يحتوي السلاح كما قدمنا [راجع الباب الخامس: الجهود الحالية في سبيل الطيران – الفصل التاسع عشر: حالة الطيران في الممالك المختلفة – مركز القوى الحربية] على مناطقَ أو مجاميعَ أو أجنحةٍ أو فِرَقٍ من الطياراتِ بأسرابها المختلفة تقومُ بأعمالها العسكرية، وبالسِّلاح أيضًا مستودَع تُعمل التصليحات في وِرَشه، ويقوم رجاله باستيراد الأدواتِ والمعدَّات اللازمة وخزنِها، وهناك مطاراتٌ وإدارة عامة أو مركبة قيادة headquarters، وهذه كلها تحتاج عقلًا إلى مبانٍ ومعدَّات (من طيَّارات، ومحركات، وآلات، وعِدد)، وموظفين (إداريين، ومهندسين، وطيارين، وملاحظين، وميكانيكيِّين mechanics)، أما المباني فأمرها ميسور، وأما المعدات والأجزاء الاحتياطية spare parts اللازمة لها فيجبُ في مبدأ الأمر استيرادُها من الخارج لمدة طويلة، حتى يتمرَّن الميكانيكيون المصريون على صُنع بعض تلك الأجزاء بالتدريج في مصر كما قدمنا، فأمرُها إذن سهل، ليس فيه سوى حُسن اختيارها وحُسن انتخاب المصانع الأوروبية التي تُشترى منها. بقيَتْ مسألة إعداد رجالِ السلاح أو موظَّفيه personnel، وهي أصعَب بكثير من إعداد المعدَّات، إن لم تكن عُقدةَ العقد.

(١-٢) إعداد رجال السِّلاح أو موظَّفِيه

لتعليم هؤلاء الموظَّفين المصريين طرقٌ ثلاثة: فإمَّا أن يُرسلوا إلى أوروبا، وإما أن تُفتح لهم بمصر مدارس، وإما أن يُلحقوا بسلاح الطَّيَران البريطاني بمصر ليتلقوا هذا التعليمَ هناك، إذا سمحَتْ بذلك القيادةُ العليا للسلاح البريطاني. وفي رأينا أنه يجِب ألا يُبحثَ في طرق تعليم كل الموظفين دفعة واحدة، بل يحسُن أن تُفصَل طريقة تعليم كل فريق من الموظفين، وتُفحَص كلُّ واحدةٍ منها على حِدَة، فإن ما يصلُحُ لطائفةٍ منها قد لا يكونُ الأصلحَ للآخر.

رجال السلاح كما قدَّمنا على أنواعٍ عَديدة: من طيَّارين وملاحظين ومهندسين وميكانيكيين وإداريين، وفي المطارات فوق هذه الأنواعِ مفتِّشون للملاحة ومفتشون فنيون لامتحان الطائرات وامتحان الرُّخص وشهادات المقدرة والصَّلاحية للطيَران، ولكن أهمَّ أنواعِ هذه الطوائف هم الطيَّارون (والملاحظون معهم)، والميكانيكيون والمهندسون الذين يُشرفون على عمَل الميكانيكيين في مختلَف الورش، ومن هاتين الطائفتين الأخيرتين يصِحُّ انتخابُ رجالٍ ليتدرَّبوا على وظائف التفتيش الفَنِّي في المطارات، كما يصِحُّ انتخابُ بعض الطيَّارين (والملاحظين) للتدرُّب على وظائف التفتيش على الملاحة، هذا إلى أن الرجالَ الذين قد يُصيبهم أيُّ ضرر يعطِّلهم عن الاستمرار في الخدمة الفعلية كطيارين أو ملاحظين أو ميكانيكيين، يُمكن إعدادُهم للقِيام ببعض الوظائف الإدارية التي لها مساس بسيطٌ بالفنِّيات.

فلنفحصْ إذَنْ طرقَ تعليمِ الطيَّارين (ومعهم الملاحظون) والميكانيكيين؛ لنقرِّر أليَقَها بكلٍّ منهم وأنفعها له.

تعليم الطيارين

أما إرسالُ هؤلاء إلى السلاح البريطاني المقيم بمصر فيكلف الحكومة المصرية نفقاتٍ باهظة، فقد نشرت الجرائد في العام الماضي وذكر الثقاتُ أيضًا أن الحكومةَ الإنجليزية تطلب عن كلِّ طيَّارٍ واحدٍ مبلغ ٣٠٠٠ جنيه في السنة أجرًا فقَط، أي عدا مصاريفِ التعييش maintenance، وأما تعليمُهم في الخارج فتتفاوتُ تكاليفُه في الممالك المُختلفة، وقد روَتِ الجرائد في الأيام الأخيرة بمناسبة ما شاع عن اعتزامِ الحكومة إرسالَ بعثة إلى إنجلترا: أنه تقرر لذلك مبلغ ٢٠٠٠ جنيه لكلِّ طيار واحد. أما إذا أُرسل الطيار إلى ممالك غير إنجلترا فلن تصِلَ جميع نفَقاته إلى نصفِ ذلك القَدر (ألف جنيه)، بل إن هناك بعضَ حكوماتٍ تتمنى أن تُرسَل هذه البعثة إليها فتُعلِّمَها بنفقة قليلة جدًّا، ولا غرابةَ في ذلك، فالحكومة التي تنال من مِصر هذا الامتياز وهو تعليمُ الطيَّارين المصريين تضمَن في نفس الوقت (أدبيًّا وعمليًّا) لنفسها أو لمواطنيها جميعَ الطلبات التي ستطلُبها الحكومة المصرية من المعدَّات — ولو في أوَّل الأمر — ليستَخدِمَها في السلاح المصري هؤلاء المتعلمون المصريُّون، وهذا في الحقيقةِ هو مصدرُ الربح لها.
ومع كلِّ هذا فخير الوسائل لتعليم هؤلاء الطيَّارين والملاحظين هي في نظَرنا تأسيس مدرسة للطيران من أول الأمر؛ وذلك للأسباب الآتية:
  • أولًا: لأن الحكومةَ ستَشعُر بالحاجة القُصوى إلى هذه المدرسة إن عاجلًا وإن آجلًا كما تدلُّ على ذلك تجاريبُ جميعِ الأمم الأخرى، وقد أنشأَتْ بالفعل مثل هذه المدارسِ كلُّ الحُكومات الصغيرة التي بدأتِ الطيرانَ العسكري ببلادها [راجع الباب الخامس: الجهود الحالية في سبيل الطيران – الفصل التاسع عشر: حالة الطيران في الممالك المختلفة – جهود الأمم الصغيرة مثيلات مصر]. ولا شكَّ أن مصر ستضطر إلى فتحِ هذه المدرسة يومًا ما وتصرف عندئذٍ في سبيل إنشائها مبالغَ تساوي ما يُصرف في سبيل ذلك إذا فُتحت المدرسة في أوَّل الأمر. فكأنَّ المبالغ الطائلة التي ستُصرف في تعليم الطيارين قبل إنشاء المدرسة ضائعةٌ، كان يصح توفيرها إذا أُنشئَت المدرسة حالًا.
  • ثانيًا: لأنَّ جوَّ مصر خير الأجواء لتعليم الطيران، وكانت إنجلترا أولَ من قدَّر هذه الحقيقة قدرَها، وقليل جدًّا من الناس من يعرف أن ٦٠٪ تقريبًا من مجموعة ضباطِ أسلحة الطيران في الإمبراطورية البريطانية عقِبَ انتهاء الحرب الكبرى كانوا قد تعلَّموا الطيران في مصر. إذا تقرَّر هذا فما الذي يحملنا على أن نزجَّ بأبنائنا في بلاد قلَّ أن تجد في أيامها يومًا صالحًا للطيران صلاحية جميع أيام السنة في مصر تقريبًا، ومعظم أيامها مُعتِمة مُمطرة ممتلئة بالغَمام، وكثيرًا ما يصحب ذلك رياحٌ غير منتظمة، فالطيران هناك يكون أصعب من هنا، وتعرُّض المتعلم للأخطار يكونُ أكثر منه في مصر، فلماذا نعرِّض أبناءَنا لهذه الأخطار؟

    زِد على ذلك أن هذه العواملَ الجويَّةَ التي تغلب في إنجلترا تُطيل زمنَ تعليم الطيارين؛ لانقطاعهم عن الطيران في كثير من الأيام، ولصعوبة مغالَبة الريح في بعض الأيام الأخرى، ولتأثير هذا الجوِّ المقبض على الأعصاب.

  • ثالثًا: لأن في وجود الطيارين بمدرسة مصرية داعيًا لاهتمام الناس في مصر بمصيرهم، ومُرغِّبًا لهم في العمَل بجدٍّ ونشاط، وهو في ذاتِه ينشر دعوةً صادقةً نافعة بين السكان للاهتمام بهذا الفنِّ الجديد.
  • رابعًا: لأنه لما كان العملُ الذي سيقوم به هؤلاء الطيَّارون في غاية الأهمية والخطورة؛ وجبَتْ مراقبتُهم أثناء التعلُّم مراقبةً شديدة، وفصل مَن يظهر عليه أيُّ تراخٍ، ومن لا يكون عمله في المرتبةِ المَرغوب فيها من الإتقان. كل ذلك يكونُ سهلًا مُيسَّرًا إذا تعلَّموا بمصر، أما إذا أُرسلوا إلى الخارج فالمُراقبةُ عليهم لن تكونَ في دقَّة المراقبة هنا من جِهة، والخسارة المالية التي تنجُم عن فَصل أحدِهم تكون عظيمة، بل إن النفقةَ الباهظةَ التي تُصرَف على الواحِد منهم قد يكون اعتبارُها حاملًا لأولي الشأن على التساهُل معه، وعدم فصله إذا بدا منه ما يدعو لهذا، وفي ذلك مجازفةٌ قد تضرُّ في المستقبَلِ بسمعة السلاح إن ترتَّب عليه حادثٌ سببُه إهمال هذا الشخص.
  • خامسًا: لأنه متى وُجِدت المدرسة أمكنَ تعليمُ أيِّ عدَد يُراد من الطيَّارين بغير مضاعفة النفَقات كما في الحالتين الأُخرَيين، فالمدرَسة إذن تُزيل القيودَ التي تحدد عدد المتعلمين.

تعليم المهندسين

هم الذين سيُشرِفون على جميع الأعمال الفنِّية في الوِرَش، ولا مناصَ من إرسالهم إلى أوروبا يتعلَّمون في الجامعات التي بها أقسامٌ مستعدَّة للطيَران — وهي قليلة العَدَد — أو يتمرنون في أحد المصانعِ الكبيرة، والأحسَنُ أن يجمعوا بين الاثنين وينتفعوا بالتعليمين. ومتى عاد هؤلاء تسلَّموا وظائفهم كمساعدين للأجانب الذين سيشرفون على مُستودَع التصليح والتوريد ووِرَشِه في مبدأِ الأمر، فيتمرَّنون معهم على العمَل حتى يستطيعوا الحلولَ محلَّهم متى انتهَتْ مُدَد عقود خدمتهم. وإذا أُجيد تعليمُ هؤلاءِ المهندسين أمكنَهم القيامُ بتجاربَ وأبحاثٍ قد تؤدِّي إلى ابتكاراتٍ نافعة، وبذلك يكون لهم قِسطٌ في تقدُّم الطيرانِ العملي والعِلمي.

هذا وإنا نرَى من المُستحسنِ تعليمَ هؤلاء المهندسين في ممالكَ مختلفة؛ حتى تكونَ الهيئةُ المصرية على علمٍ بالمجهوداتِ المتنوعة والأجناس المختلفة من الطائرات والمحركات وآلاتِها في العالم.

تعليم الميكانيكيِّين

هؤلاء يقومون بعَمَلٍ على جانبٍ عظيمٍ من الأهمية؛ ولذلك لا بد من ضرورة الاعتناء الشديد في انتخابهم، والمراقبة البالغة أقصى درَجات الدِّقة على تقدمهم ونموهم (فنيًّا وخلقيًّا)، فغلطة الواحد منهم لا يترتب عليها ضياع أموال فحسب، بل ضياع أرواح وتجارب قد يصعُب علينا تعويضُها، كما أنها ترغِّب الناسَ عن السلاحِ والخدمة فيه، وتقلِّل الثقةَ به أو تعدِمُها، والثقة في أمرٍ كهذا أساس النجاح.

أما تعليمُ الميكانيكيين في أوروبا فليس من الحِكمة في شَيء، فهم غالبًا من طبقةٌ لا تعرِفُ لغةً أجنبية، وإن عرفتها فتكون معرفةً سطحية جدًّا، وعلاوة على ذلك فعدَدهم كبير وذهابهم إلى أوروبا وإيابُهم منها يكلِّف الحكومة كثيرًا، فضلًا عن أَجرِ تعلِيمهم ونفَقاتِ تعيُّشهم التي تزيدُ كثيرًا عن مِثلِها في مصر. هذا إلى أنه إذا احتاجَ الأمر إلى فصل أحدِهم بسبَب إهمال أو غير ذلك من الأسباب والاستعاضة عنه بآخَر، ضاعتْ على الحُكومات نفقاتٌ كثيرة كما فصَّلنا في حالة الطيارين.

فلم يبقَ إلا أن يتعَلَّمُوا بمصر، وفي ذلك مَيزةٌ أُخرى، وهي تمكِّن مدير مصلحة الطيران وغيرَه من الرؤساء من مراقبةِ عمَلهم باستمرار وفصل من لا يُرجى منهم فَلاح، وتشجيع من يُظهرون تفوقَهم ويمتازون بحُسن سِيَرهم. ويتمُّ تعليم هؤلاء بمصر بإحدى طريقتَين، فإمَّا أن يُرسلوا إلى السِّلاح البريطاني بمصر إذا كان أولو الأمرِ فيه راغِبين في ذلك، وإما أن تُفتح لهم مدرسةٌ فنية يُجلب لها مُشرِفون من الأجانب في مبدَأ الأَمر، ريثما يتم تعليم المصريين الأكفاء ليحلوا محلَّهم، كما تُجلب لهم الآلات والنماذج والعِدد اللازمة. وبعد تعليم العَدَد اللازمِ في مبدَأ الأمر تندَمِجُ هذه المدرسة في المستودع الرئيسي المصري للتَّصليح والتوريد الذي سيَنشَأُ في السلاح، وفي هذا المستودع يتعلَّم الميكانيكيون الزائدون الاحتياطيون على يدَي المصريين المُشرفين عليه والقائمين بإدارَته بعد رحيل الأجانبِ عنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠