الفصل الثاني والعشرون

تكوين السلاح المصري

الآن وقد عرَفْنا مُستلزمات سِلاح الطيَران بوجهٍ عام، واستعرضنا طرقَ تعليمِ الموظَّفين وبسَطْنا آراءَنا فيها، ونوَّهْنا بالطرق التي تنفَع مِصر، فلنتكلمْ عن كيفيَّة تكوينِ السلاح المصريِّ: أول ما تحتاج إليه الحكومةُ المصرية أن تُنشئ مصلحةَ طيرانٍ خاصَّةٍ، وتُعين لها مديرًا مصريًّا يكون خَبيرًا فنيًّا مهمَّتُه تكوين السلاح تكوينًا مصريًّا من مبدأ الأمر، أذكر هذه النقطة وأكرِّرها وأؤكِّد بضرورتها؛ لأنه إذا كانت مصرُ ستعين لهذه المصلحة مديرًا أجنبيًّا فلن تحصل من الفوائد التي ذكَرناها على شيءٍ يُذكر، وهي ستَقع من غير شك في الشِّباك التي تنصِبُها لها الشركاتُ الأجنبية؛ لأنها لا تستطيع أن تعتَمِد على أجنبيٍّ في السَّهَر على مصلَحة مصرَ من هذه الوجهة.

وبعد أن تُنشئَ الحكومةُ هذه المصلحةَ تفاوض الحكومات المختلفة بطريقٍ غير رسميٍّ في مبدأ الأمر للحصول على بعثة أجنبية فنية مؤلفة من طيارين فنيين وحَربيين، ومن مهندسي طيران وميكانيكيين، ومن خبير بإدارة المطارات بوجهٍ عام. وهؤلاء يقومون بإنشاء السِّلاح على الوجه الذي سنفصِّله بعد قليلٍ تحت إشراف مدير مصلحة الطيران المصري.

ولا بد للسلاح من مَطار كبير ومدرسة للطيران لتعليم الطيارين والملاحظين، ومَدرسة فنية لتعليم الميكانيكيين إن لم يَلتحقوا بوِرَش سلاحِ الطيران البريطاني. وهذه المدرسةُ تتطور بعد إتمام التعليم فتصبحُ مستودعَ التصليح والتوريد اللازم للسلاح أو تندَمِج فيه، ويقوم مديرُ مصلحة الطيَران (بمشورة أعضاء البعثة الفنية الأجنبية قبل وصولهم إلى مصر، وبعده في كل ما له مَساس بمهمتهم) بإنشاء المباني وإعداد المعدات اللازمة، ينشأ المطارُ والمدرستان قربَ القاهرة ما أمكن؛ حتى يكونَ الكلُّ موضعَ المراقبة الفعلية باستمرار، وفيها تركز جميع المجهودات الفنية عند البَدء حتى يكون الأساس الذي سيُبنى عليه متينًا، ويكون المتخرِّجون في هذه المعاهد أكْفاءً بالمعنى الصحيح.

ويجِب أن تتبع مصر في هذه المرحلة القواعدَ التي اتبعتْها مَثيلاتُها من الدُّوَل الصغيرة والتي ذكرناها في [الباب الخامس: الجهود الحالية في سبيل الطيران – الفصل التاسع عشر: حالة الطيران في الممالك المختلفة – جهود الأمم الصغيرة مثيلات مصر]، فتبدأ بمَجهُود صغير، وتبذل جهودها الأوَّلية في تَدعيم الأساسِ وتكوينِ النواة، فيكفِي أن ترمي في مبدَأ الأمر إلى إنشاء سلاحٍ صَغير مكوَّن من فِرقة واحدةٍ تتألف من نحو ثلاثة أسراب أو أربعة على الأكثَر، وأن تطالب الهيئة الفنية بتركيز مجهوداتها في تعليمِ رجال هذا السلاح الصغير — وعددُهم قليل — تعليمًا صحيحًا عاليًا، يُعدُّهم لأن يصيروا خبيرين مهَرةً يستطيعون أن يخلفوا الأجانب بعد سنواتٍ قليلة في الإدارة والإشراف على السِّلاح بعد أن يتمرَّنوا على ذلك معهم، ثم يتحملوا بعدهم المسئولية وحدهم، فالمسئوليةُ هي التي تعرُك الرجال وتشحذ أذهانهم وتكسبهم الخبرة الحقيقية.

هذا ويجب ألا يشرع في تنمية السلاح وتكبيره إلى أي حجم نريده، إلا بعد الحصول على هؤلاء الرجال المصريين الخبيرين الأكفاء ليُعهَد إليهم بالقيام بهذه المهمة، فيرقون بالسلاح على الطريق الذي ينفع مصر حسب ما توحيه إليهم تجاربُهم، ومن ثم تظهَر أهميةُ عدم ادِّخار أيِّ وُسعٍ في إجادة تعليمهم؛ لأنَّ على مقدرتهم يتوقَّف نجاحُ السِّلاح في المستقبل.

والآن فلنقُل كلمةً عن كل من المطار والمدرسة والمُستودَع.

(١) المطار

تكلَّمنا عن المطارات في البابِ الرابع [راجع الباب الرابع: التقدم الحديث للطيارة – الفصل الثالث عشر: المطارات]، وعرَفنا ما يلزَمُ لها من مبانٍ وآلاتٍ ومعدَّات وموظَّفين، ولن تجدَ الحكومة صُعوبةً في إعداد ذلك كلِّه تحت إشراف الخَبيرين القائمين بالأمر في مصلحة الطيَران الجَديدة، وبمُعاونَة الهيئَةِ الفنيَّةِ الأجنبيةِ التي ستُشرف على التَّعليم في مَبدأ الأمرِ، وفيها كما قدَّمنا مَن يستطيعُ تعليم بعضِ المصريِّين واجباتِ الموظفين الإداريين والفنيين بالمطار. ويصحُّ أن يُرسلَ بعض هؤلاء (المُجيدون منهم بالطبع) إلى أوروبا فيما بعدُ لزيارة أشهرِ المطاراتِ الأُوروبيَّة، والتعمُّق في دَرس نُظُمها وقوانينِها، علَّهم يقتَبسون منها شيئًا جديدًا ويُدخلون على مطاراتِ مِصر في المستقبل ما يَرَونَه من تحسيناتٍ.

(٢) مدرسة الطيران

تُنشأ هذه كما قدَّمنا قُرب القاهرة، ويُجلَب لها طائفةٌ (نحو ستة) من الخَبيرين الماهرين الأجانب يقُومون بالتعليم فيها فترةً من الزَّمَن لا تتجاوزُ الأربعَ السنينَ، ويتعهَّدون بأن يُعلِّموا فيها في هذه الفترةِ عدَدًا من الطيَّارين لا يقلُّ عن قَدرٍ مُعيَّنٍ (ستين مثلًا)، وأن يَصلوا ببعضِ هؤلاء (نحو ستة) في بَحر الثلاث السَّنوات الأُولى إلى درجةٍ من المهارة والمقدِرة تمكِّنهم من الحُلول محلَّهم.

فإذا دخل إلى المدرسة في مبدأِ الأمر خمسةٌ وعشرون طالبًا مثلًا فإنَّ ثمانيةَ أشهرٍ تكفِي لأن يُتمَّ ثلثاهم تقريبًا التعليمَ الابتدائيَّ، وعندئذٍ يصحُّ إنشاءُ سربٍ واحد يُستخدم فيه خِيرةُ هؤلاء (نحو ثمانية)، وتكون قاعدةُ هذا السِّربِ بجوار المدرسة حتى يُشرف المعلمون الأجانبُ على سيره ونظامِه وعمله، ويلقِّنون الطيارين المصريين فيه دروسَ الطيران العالية أثناءَ قيامِهم بالخدمة الفعليَّة. أما بقيةُ الذين أتمُّوا دراستَهم الابتدائية فيواصلون دراستَهم العالية في المدرسة، فإذا مضتْ نحو ستة أشهر أخرى أمكن تكوينُ سربٍ آخر بقرب المدرسة بدل السِّربِ الموجود هناك الآن بعد أن يُنقل هذا إلى مكانٍ بعيدٍ عن قاعدةِ المدرسة، وينتقلُ معه في بادئِ الأمر أحدُ المعلِّمين ليراقبَ استقرارَه إلى الحياةِ العمليةِ والخدمةِ الفعلية مستقلًّا عن غيرِه وعن مُرشديه نوعًا ما.

وهكذا يتدرَّج الطيارون المصريون في تحمُّلِ المسئولية، ويتبدَّلون فيما بينهم في مختلف الأماكن (المدرسة، والسرب القريب، والأسراب البعيدة)، ويكونون دائمًا تحت المراقبة الدقيقة حتى يستطيعَ معلِّموهم انتقاءَ الأكفاء منهم، وهؤلاء الأكْفاء الذين يَظهَر تفوُّقُهم يُعَدُّون للحلول محلَّ معلميهم بتعليم خاص. ولكي يتفرَّغ المعلمون الأجانبُ لذلك لا يدخل المدرسة من المُستجدين كلَّ ستة أشهر إلا العددُ القليلُ الذي يَسمحُ لهم وقتُهم بتعليمه علاوةً على تعليم الطيارين تعليمًا عاليًّا. فإذا مضى نحو الثلاثين شهرًا انتقَوا نخبةً (نحو الستةِ) من خِيرة طيَّاري السِّلاح، وهؤلاء النابهون يُرسلون إلى أوروبا ليُمضوا بضعةَ أشهر يَختبرون في خلالها طرقَ التعليم المختلفة، ويُشاهدون المجهوداتِ التي تبذُلها الأممُ الأوروبية في سبيلِ ترقيةِ الطيران من كلِّ وُجوهه، وتسنَح لهم بهذا السَّفرِ فرصةُ الطيران في أنواعٍ مختلفة من الطيارات في أجواءٍ متباينَة، وبذلك يَكتسبون خِبرةً لا غِنى لمعلمي الطيران عنها. ومتى عاد هؤلاءِ إلى مصر تقلَّدوا وظيفةَ التعليمِ تحت إشراف المعلمين الأجانب الأصليِّين حتى تنتهي مدة خدمتِهم، فيحلُّوا محلَّهم وينفردوا وحدهم بتعليمِ بقيةِ الطيارين اللازمين والطيارين الاحتياطيين في المستقبل الذين يحلون محلَّ من يخرُج من الخدمة أو من يموت.

أما طياراتُ التعليم فلا بدَّ أن تكون جيدةً سهلةَ القِيادة، ويحسُن أن تكون بسيطةً ومدرَّجة، فيها السهل للتعليم الابتدائي، وفيها الصعبُ للتعليم العالي. وتكون هذه الطياراتُ مجهَّزة بأجهزةِ قيادةٍ مزدَوجة وبمعدَّات وآلات من أحدَث طِراز، كما يجب أن تكون محركاتها مجربة مضمونة موثوقًا بها. ولا بد من أن تكون الطياراتُ ومحرِّكاتُها جديدةً لم يسبق استعمالُها في أسلحةٍ أخرى، فهذه مخاطرةٌ لا يصحُّ أن نُساقَ إليها، ولأَنْ تدفعُ الحكومةُ بضعةَ آلافٍ من الجنيهات في السنين الأولى في نظيرِ الحُصول على أنواع جديدة خيرٌ من أن توفِّرها بشراء الآلات القديمة وتُعرِّض أبناءَها للخطَر، فحادثةٌ واحدة يعقبُها موتُ أحدِ الطيارين تقضِي على سُمعة السلاح وتُنفِّر الناسَ منه، وقد تكون سببًا في فشَلِ سياسة الطيران المرسومة للبلد.

أما الطلبة الذين يدخُلون المدرسة فيحسُن أن يكونوا ضباطًا حربيين؛ لأن نظامَ العمل بالمدرسة يجِب أن يكون نظامًا حربيًّا دقيقًا، وإذا حدَث وانتُخب للمدرسة شخصٌ من غير الضباط فليرسَل قبل التحاقِه بمدرسة الطيران إلى مكان يتلقَّى فيه مبادئ النُّظُم العسكرية مدةَ ستة أشهر مثلًا.

(٣) المستودع الرئيسي للتصليح والتوريد

يُنشأ هذا بجوار مدرسة الطيران، وتُفتح فيه ورشٌ جيِّدةُ المعدات والعدد والآلات، كاملتُها بقَدر الإمكان وفيه تُركَّز المجهوداتُ الفنية كلُّها وتصلح الطيارات والمحركات، وتُمتحن المواد والآلات، وإليه تُجلبُ الأجزاءُ الزائدة الاحتياطية وكلُّ لوازم السلاح، وفيه تخزن ومنه توزع على الطيارات والموظَّفين. ويقوم مقامَ المستودع في مبدأ الأمر المدرسةُ الفنية إذا أُريدَ تعليمُ الميكانيكيين المصريين فيها، وعندئذٍ يقوم بعض أعضاء البَعثةِ الأجنبيَّة الفنيَّة بالتعليم فيها.

وتتكونُ الهيئةُ المشرِفة على هذا المعهد من رئيسٍ ماهرٍ ومساعدَينِ أو ثلاثة، وبعض الميكانيكيين المهرة في الحِرَف المختلفة، مثل النِّجارة والبِرادة والسِّباكة والخِراطة، إلخ، يُؤتى بهم جميعًا بعقودٍ لمدة محدودة من الزمَن أيضًا، يتعهَّدون بتعليم العَدد الكافي من المصريين في خلالها، وبتَمرينِ بعض المهندسين الذين سيحلون محلهم، ومتى تمَّ تعليمُ الميكانيكيين اللازمين اندمجَت المدرسة في المستودع وأصبحَ هو المكانَ الدائم، وفيه يُعلَّم الميكانيكيون الاحتياطيُّون اللازمون في المستقبل.

أما الذين يَلتحقون بهذه المدرسة الفنيَّة في أول الأمر فيحسُن أن يكونوا مجموعة منتقاةً من العمال الذين لهم تجربة ومقدرة لا شكَّ فيها، وإلمامٌ بأعمال محركات السيارات أو التركيبات الكهربائية أو النِّجارة الدقيقة، وهناك طبقة من العمال يجب إدماجُها في سِلك هؤلاء، وهم العمَّال الميكانيكيون الذي سبَق لهم الاشتغال مع سلاح الطيرانِ البريطاني في مصر أثناء الحَرب وبعده وبرهَنوا على كفاءَتهم، هؤلاء يكونونَ نواة طيبة يُبنى عليها.

هذا ولضَمان حسن إدارة هذا المستودع ودَوام تقدُّمه في المستقبل تقدُّمًا علميًّا وفنيًّا: يحسُنُ أن يُنتقى كما قدمنا من خيرة المهندسين الحاصلين على دبلوم مدرسة الهندسة من القِسم الميكانيكي، ويُفضَّل الذين لهم خبرةٌ عمليَّة بعد الدراسة، يُنتقى منهم ثلاثة أو ستة (على الأفضل) يُرسَلون إلى أوروبا، فيتخصَّصُ منهم واحد أو اثنان في المحرِّكات الهوائية، وواحدٌ أو اثنانِ في تصميمِ الطيارات وبنائِها، وواحدٌ أو اثنان في التركيبات الكهربائية (وفيها اللاسلكي) والآلات الصغيرة المختلفة. وتكون مدَّة الدراسةِ لكل منهم حوالي ثلاث سنوات حتى يَصيروا مهَرة في العمَل، ومتى أتموا دراستهم وزاروا بعضَ المستودعات الأوروبية عادوا إلى مِصر وتسلَّموا إدارة المستودع تحتَ إشراف المعلمين الأجانب، يُلقِّنونهم نظامَ الإدارة التبَع ويُوقفونهم على دقائق المستودع ومقدار تقدُّم موظَّفيه، ومتى انتهتْ مُدد خِدمة الأجانب تحمل المهندسون المصريون المسئوليةَ الفنية كلها في المستودع، وبذلوا جُهدهم لرفع مستواه وتسييره على أكمل وجه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠