الفصل الثالث

كيف تركب الطيارة متن الهواء

لا بدَّ للطيارة — مع الأسَف الشديد — أن تجري على الأرض كالسيارة العادية مسافة طويلة taxying قبل أن تبرحَ الأرض وتستقلَّ الهواء takes off، فتتسلق لتعلو شيئًا فشيئًا climb؛ ومن أجل ذلك أُنشئت المطارات aerodromes في الممالك، وبعثرت بينها محطات للنزول والصعود landing grounds عند وقوع الخطر، مكوَّنة من أرض مُمهَّدة غير مُحاطة بأبنية عالية.

ملخص جدولي لأجناس الطائرات

هذا إلى أن الطيارات تختلِف باختلاف الأَغراض، فمنها: المحاربات، والمستكشفات، وحاملات المفرقعات، والتوربيد، والمستخدمة للتعليم، والإسعاف، وللمسابقات، وللعب والتسلِّي، وفي الخطوط الجوية التجارية.
والسبب في هذا الجري على الأرض أن الطيارة كما قدَّمنا تستمد القوة الرافعة من الهواء بواسطة الأجنحة، وهذه القوَّة تختلف باختلاف سرعة سير الطيارة، فلا بدَّ من بلوغ هذه السرعة حدًّا أدنى قبل أن تصير القوة الرافعة مساوية لوزن الطيارة وما فيها؛ لذلك نرى الطيار يخرج بها من الحظيرة hangar إلى أرض المطار، ثم يواجه الريح ويشغِّل المحرك ويجري، فتستجمع الطيارةُ سرعتها شيئًا فشيئًا picks up speed، وكلما زادت هذه خفَّت الطيارة من على الأرض، حتى إذا بلغت سرعتها ذلك الحد الأدنى الذي أشرنا إليه فارقَتْ عجلتاها أرضَ المطار واستقلَّتْ الهواء، وكلما زادت سرعتها زادت زاوية تسلُّقِها، ويعينها الطيار على ذلك أيضًا بجذب عمود القيادة إلى الوراء قليلًا١ حتى يرتفع السطح الرافع فتشمخ الطيارة بأنفها وتتوغَّل في طبقات الهواء العالية، فإذا بلغت العلوَّ الذي يريده لها الطيار (ويدلُّه عليه المقياس الذي أمامه)، كفَّ عن جذب عمود القيادة وضبطه بحيث تسير الطيارة أفقيًّا كما يدله على ذلك جهاز آخر، فإذا أراد الهبوطَ قليلًا فإما أن يقلل من قوة سير المحرك، أو يدفع عمود القيادة إلى الأمام إن كان يريد أن يهوي بسرعة كبيرة، ولكن إذا أراد الطيار النزولَ فلا بدَّ من اتخاذ السبيل الأوَّل حتى تقل سرعة الطيارة شيئًا فشيئًا، فالمحافظة عليها تقتضي أن لا تنزل إلى الأرض إلا بأقلِّ سرعة ممكنة تقليلًا لوطأة الصَّدمة، فإذا ما قربت الطيارة من الأرض عدلها الطيار في مستوًى أُفقي flattened it out حتى تلمس الأرض برفق، فلا يكاد الراكب يحس بنزولها إلا عند ما تعلو وتهبط من أثر عدم انتظام الأرض تحته، كما هو شأن السيارة تهتز إذا سارت على أرض غير ممهدة.
١  نقول قليلًا حتى لا ترتفع مقدِّمة الطيارة كثيرًا فتكبر زاوية السقوط angle of incidence كثيرًا، وهي الزاوية التي يميل بها الجناح على اتجاه السير وإلا حدثَ ما لا تُحمَد عُقباه، فإن لزاوية السقوط هذه حدًّا أعلى (لكل جناح حده الخاص) لو تجاوَزتْه حدث للطيارة ما يُسمَّى بالانهيار stalling، وهو نقص فُجائي في مقدار الرفع المُكتسب من الهواء بسبب انخفاض المقدمة، وغوص الطيارة برأسها nose diving في الهواء نحو الأرض، لا سبيل إلى إنقاذها منه وهي قريبة من الأرض، فيتحتم عندئذٍ وقوعها واصطدام مقدمتها بها، فتحدث لها حطمة crash شديدة. أما إذا كانت عالية فإن الطيار يدعها تهوي مسافة طويلة نحو الأرض حتى تستجمع سرعتها ثانيةً، وعندئذٍ يستطيع أن يعدلها كيفما شاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠