الفصل الأول

مِن «الأوبيلوس» إلى «النقد الإلكتروني»

نقود جديدة … نقود ورقية. ما الذي قد يكون أكثر إثارةً وتحفيزًا من حَفنة من أوراق نقدٍ جديدة تمامًا لم تُثْنَ قط؟ ربما لا ينطبق هذا على بعض الناس؛ مثل هاوَرد هيوز، قُطب النفط الأمريكي الذي يكتنفه الغموض. كان هيوز يُعاني من فوبيا النقود؛ وهو اضطراب موثَّق إكلينيكيًّا. ويا لَسخرية القدر! نُمرِّر أناملنا على تضاريس ورقة النقد الخالية من الثنيات ونسمع طقطقتها عند الضغط عليها بين أناملنا، ونستطيب رائحة حبر طباعتها. في عالمنا الحديث، بما ينطوي عليه من تقسيمٍ للعمل، لا تُتصور الحياة دون نقود؛ فنحن نستخدمها كوحدة قياس في تسعير المعاملات، ونقدِّمها كوسيطِ دَفْع عند سداد الديون، ونجعلها مخزنًا للقيمة عندما ندَّخِر. هذا هو الشيء الذي يحقِّق الأحلام. لكن متى وكيف بدأنا نفضِّل هذه «النقود» المجرَّدة المسمَّاة «السلعة الثالثة» على القيمة العينية التي تتمتع بها سلعة حقيقية في معاملاتنا التجارية؟ الإجابة مستترة في فجر التاريخ. فقد استُخدمتْ أشد وسائط الدفع غرابة أثناء الانتقال البطيء من المقايضة البسيطة إلى التجارة الحرة، كقوالب أوراق الشاي المضغوطة في التبت وسيبيريا الجنوبية، وألواح الحجر المثقَّبة في جزيرة ياب، وأقراص الملح والفئوس وحلقات النحاس والخرز الزجاجي والصَّدَف في أفريقيا، وغيرها الكثير والكثير. كانت الندرة واستقرار القيمة المادية، وأحيانًا مجرد متانة الوسيط، هي التي تُحدِّد الاختيار.

ربما كان كهنة العصور القديمة أول مَن فكَّر في اختراع السلعة المجرَّدة المسمَّاة «النقود». كانوا يُريدون إتاوةً ذات قيمة دائمة، يُريدون مدفوعات يُمكن المقارنة بينها، نظير الخدمات المقدَّسة التي يؤدونها كطقوس الإنجاب والعِرافة. بدأتْ فكرة النقود بدايةً مبكرة نسبيًّا في بلاد ما بين النهرين في الألفية الرابعة قبل قياسنا للزمن الحديث؛ حيث حدَّد السومريون مقادير أو وحدات ثابتة من المعدن (ذهب وفضة وأحيانًا نحاس)؛ لأنهم سَئِموا القياس والوزن وفحص كل صنف على حِدَةٍ، مرة تلوَ أخرى. كانت تلك أُولَى صُوَر أشباه النقد. لكنَّ فيدون، طاغية أرجوس بحسب الحوليات الإغريقية، كان أول مَن اتَّخذ خطوات نحو سكِّ العملة المعدنية في شمال شبه جزيرة بيلوبونيز في نهاية القرن الثامن ومطلع القرن السابع قبل ميلاد المسيح. كان في بالِهِ هدفان: تعزيز التجارة وتقوية سلطته. كانت تلك بداية ظهور حقِّ سكِّ العملة. كان القُضاة في ذلك الزمان يتقاضَوْن مقابلَ الأحكام التي يُصدِرونها أجرًا على هيئة أسياخ شَيٍّ تُسمَّى «أوبيلوس»،1 يحصلون بموجبها على عدد معيَّن من قطعيات اللحم من حيوانات القرابين. جمع فيدون هذه الأسياخ بأحجامها غير الملائمة، واستبدل بها قِطَعًا نقديةً سمَّاها الناس «أوبولوس» (بتغيير لُغوي طفيف). أما قطعة النقد المعدنية الأرقى مستوًى التي تَلَتْ ذلك فسُمِّيَتْ آنذاك الدراخمة، وكانت ترمز في الأصل إلى «مجموعة من أسياخ الشي». وهكذا كان استحداث النقود عملًا شبهَ ديني! هناك بالتأكيد مصادر أخرى تُشير إلى ظهور النقود في زمان متأخِّر وفي مكان آخر. وفقًا لهذه المصادر، أمر ألياتس ملك ليديا (حوالي ٦١٩–٥٦٠ق.م) بسكِّ أول نقود معدنية حقيقية في غرب وسط الأناضول. وليست مصادفة أن ألياتس هو أيضًا الذي أقام أول محالِّ بيعٍ دائمة في التاريخ. استخدم ألياتس لسكِّ نقوده الكهرمان المعدني، وهو سبيكة من الذهب والفضة موجودة على هذه الحال في الطبيعة. كان محتوَى الذهب والفضة في هذه القِطَع النقدية يتفاوت على نطاق واسع؛ مما كان يعوق قبولها؛ ولهذا أمرَ ابنُه كروسيوس (٥٦٠–٥٤٦ق.م)، الذي ما زالت ثروتُه مضربَ الأمثال إلى يومنا هذا، بسكِّ أول قطع نقدية من الذهب والفضة، وضَمِن محتواها من المعدن الثمين. على أيِّ حال، ذلك ما نقله إلينا المؤرخ الإغريقي هيرودوت. ويدَّعي هيرودوت أيضًا أنه لم يكن معجبًا بشدة باقتصاد ألياتس الجديد. وقد حُوفِظ على علاقة الدِّين بالنقود المعدنية (بدائل قطعيَّات لحم حيوانات القرابين) زمنًا طويلًا. وفي روما القديمة، سكَّ الكهنةُ النقود المعدنية في معبد جونو مونيتا، الكائن حاليًّا فوق تل كابيتولين.

يَعود الفضلُ إلى الصينيين في اختراع النقود الورقية، كما اخترعوا أيضًا الورق في القرن الأول الميلادي. ظهرتْ أول نقود ورقية موثَّقة تاريخيًّا في عهد أسرة تانج الأولى (٦١٨–٩٠٧م) — وهي حقبة سياسية واقتصادية مزدهرة في الصين — وكانت هذه النقود الورقية عبارة عن شهادات إيداع، وتحديدًا إيصالات معادن ثمينة محتفَظ بها على سبيل الأمانة لصالح شخص آخر. كان يُحرِّر هذه الإيصالات أشخاصٌ عاديُّون، وكانت مقبولة على نطاق واسع كوسيطِ دَفْع في التجارة. ثم أعلن الإمبراطور هين تسونج (٨٠٨–٨٢١م) أن إصدار شهادات الإيداع هذه أحد امتيازات سلطته المالية. ويُقال إن النحاس الذي كان يستخدمه في ضرب عُملته شحَّ وندر. ومن الجائز أنه كان أيضًا يبحث عن مصدر إيرادات جديد؛ لأن حامل شهادات إيداع الإمبراطور كان يدفع فائدة، وفي مقابل ذلك كان يستطيع تقديمها في كل مكان من أرض الإمبراطورية إلى السلطات الإمبراطورية كضمان للمدفوعات، بل وكانت هذه الشهادات مقبولة لسداد الالتزامات الضريبية. كانت تلك أول نقود ورقية حكومية في التاريخ. ثم بدأتِ الإصدارات المنتظمة للأوراق النقدية بمجيء أسرة سونج (٩٦٠–١٢٧٩م). أخذ الناس يتحدَّثون عمَّا أُطلق عليه «النقود الطائرة»؛ وهي نقود ورقية خفيفة الوزن. راقت الأوراق للتُّجَّار، فشهدتِ التجارة الخارجية انتعاشًا غير متوقَّع. ويوجد نموذج لهذه الورقة النقدية التي تُعَدُّ أقدمَ ما وصلَنَا من أوراقِ نقدٍ محفوظة في متحف النقود بالبنك الاتحادي الألماني في فرانكفورت، وهي عبارة عن قطعة مستطيلة من الورق (٣٤سم × ٢٢سم) ملوَّنة باللونين الأزرق والأسود، ومصنوعة من لُبِّ لحاء شجرة التوت. ويُظهِر النقش أنها «ورقة نقدية حكومية صدرت في عهد إمبراطورية مينج» قيمتها ١٠٠٠ وحدة نقدية (الاسم الذي أُطلق على العُملة)، وأصدرها الحُكَّام المَغُول الجُدُد في «حقبة الحرب الرهيبة» (١٣٦٨–١٣٩٨م). وقعت رزمة كاملة من هذه الأوراق النقدية في أيدي فيلق الحملة الدولية عند اقتحام بكين أثناء «تمرُّد الملاكمين»، عندما حَطَّمتْ قنبلة يدوية تمثالًا لبوذا، فانهالتِ الأوراق النقدية المخبَّأة في قاعدته.

كان البندقيُّ ماركو بولو (١٢٥٤–١٣٢٤م) أول مَن ذكر هذا الاختراع الصيني في وصفه أسفارَه. كانت باكورة البنوك بدأت تتطوَّر في إيطاليا في الوقت نفسِه تمامًا،2 وكان يَجري تحرير الأوراق التجارية والسندات الإذنية بأعداد كبيرة متزايدة؛ إذ كانت توفر مستوًى أفضل من الحماية ضد خسارة الأصول في الأسفار البرية والبحرية المحفوفة بمخاطر بالغة في تلك الأزمنة، بعد أن كانت العملات الذهبية والفضية تضيع في حال وقوع حادثة أو جريمة سَطْو، فلم يكن مسموحًا بصرف السندات الإذنية لغير الأشخاص المفوَّضين. شقَّتْ هذه القصاصات الورقية التي تحمل كتابةً بخط اليد طريقها إلى أقاصي ربوع العالم المعروف، ومع ذلك لم تكن تمثِّل بعدُ أوراقَ نقدٍ. وستظل هيمنة النقود المعدنية دون تغيُّر لقرون، على الرغم من عمليات التزييف الكثيرة والتلاعب المتعمَّد وانخفاض قيمة العُملة الذهبية والفضية. كان علينا أن ننتظر مجيء يوهان جوتنبرج واختراعه نظام طباعة الأحرف المنفصلة، التي تضم حروفًا يمكن إعادة استخدامها للطباعة، قبل أن يتعرَّف العالم الغربي على مزايا النقود الورقية.3 وحتى بعدَ ذلك كان انتشار النقود الورقية بطيئًا. كان تأسيس بنك فيسلبنك (بنك أمستردام) في أمستردام عام ١٦٠٩م مرحلةً مهمَّة على الطريق إلى أوراق النقد؛ حيث أصدر البنك شهاداتٍ مُغِلَّة لفائدة مقابل ودائع، واستحدث نظامًا لمقاصة الكمبيالات. ثم جاءت إيصالات العُمَلاء مقابل المعادن الثمينة المودعة والمخزَّنة لدى البنك، والتي كان يمكن استخدامها، عند تظهيرها، عوضًا عن النقد لتسوية المدفوعات دون نقود.4 كانت رسالة هذا البنك وهدفه فيما يخص الكمبيالات هما تشجيع حركة المدفوعات دون نقدية، فلا غَرْوَ أنْ لعب الهولنديون آنذاك دورًا قياديًّا في التجارة الخارجية. لكنَّ بنك فيسلبنك لم يُسمح له بتقديم ائتمان. كان الإنجليز هم الذين اتخذوا هذه الخطوة. كان المَلِك تشارلز الأول (١٦٠٠–١٦٤٩م) قد أمَرَ بمصادرة موجودات رعاياه من الفضة المخزونة في برج لندن — ستُقطع رأسُه جرَّاء هذا فيما بعدُ — إذ كان آنذاك بحاجة إلى أموال من جديد لتمويل حروبه الاسكتلندية. بعدئذٍ تولَّى صاغةُ لندن الأقوياء مهمَّة حفظ المعادن الثمينة لعملائهم الخائفين في سراديبهم التي كانت أكثر أمانًا. كانوا عند الطلب يُصدرون شهادات إيداع تسمَّى «كمبيالات الصاغة» مقابل الكميات المسلَّمة إليهم، وكانت هذه الكمبيالات قابلة للتداول، بل وكان يجوز صرفُها إلى كسور قيمتها الاسمية.
أول ورقة نقدية حقيقية في أوروبا أُصدرتْ في السويد عام ١٦٦١م. كان الناس هناك يحملون ألواحًا من النحاس يَصِل وزنُها إلى ٢٠ كيلوجرامًا كمصروف جيب. وبناءً على اقتراح من يوهان بالمستروك المولود في مدينة ريجا، أصدر بنك ستوكهولمس بَنكو أوراقًا نقدية مقوَّمة بعُملة «الطالر» الفضية أو النحاسية. سرعان ما أعسر البنك — الذي كان في البداية خاصًّا ثم خضع لإدارة الحكومة لاحقًا — نتيجة إفراطه في منْح القروض. كُتب لهذه المتوالية أن تتكرَّر بانتظام معيَّن أثناء القرن التالي. غير أن حق إصدار النقود الورقية آنذاك كان ما زال مملوكًا للبنوك، ولم يكن هناك إشراف على أنشطة الإصدار التي تُزاوِلها، ولا هي كانت تشغل بالها بتنسيق التباينات في آجال استحقاق الودائع قصيرة الأجل (المعدن الثمين) والقروض التي كانت في أغلبها طويلة الأجل؛ ومِن ثَمَّ كان الإعسار أمرًا حتميًّا. جاء الاختراق المنتظر للنقود الورقية على هيئة أوراق نقد عام ١٦٩٤م بتأسيس بنك إنجلترا — أبي كلِّ البنوك المركزية — على يد اتحادٍ من مستثمري القطاع الخاص. أُسس البنك كرَدِّ فعل لعملية نهب مَلَكية أخرى لبرج لندن جرتْ آنذاك على يَدِ وليام الثالث الهولندي (١٦٥٠–١٧٠٢م)، الذي كان على عرش بريطانيا وقتَها، وكان يُعاني نقصًا في الأموال اللازمة لتمويل حملته العسكرية ضد الفرنسيين. سُمح لبنك إنجلترا الخاص بإصدار أوراق النقد ومِنح الائتمان، لكنه كان ملزمًا بالاحتفاظ بنسبة تغطية معينة إلى ودائعه من المعدن الثمين.5 حلَّتْ سنداتُ بنك إنجلترا الصادرة مقابل ودائع العملاء والمسموح بتبادُلها بحُريَّة محلَّ سندات الصاغة. وأخيرًا رسَّختِ النقود الورقية أقدامَها. عُوِّضت بريطانيا بقروض سخية نظير الامتياز الممنوح لبنك إنجلترا الخاص. وصارت الحروب والحاجة إلى تمويلها مُذ ذاك فصاعدًا القوةَ الدافعة وراء المسيرة المظفَّرة للنقود الورقية.
شهدت النقود الورقية ازدهارَها الأول — الذي كان مع ذلك قصير الأجل — في القارة الأوروبية في بداية القرن الثامن عشر بفضْل خيالِ وقُدْرةِ مُقامِر اسكتلندي محترِف على الإقناع كان يعمل في خدمة الفرنسيين. كان جون لو مِن لوريستون (١٦٧١–١٧٢٩م) زيرَ نساء سيِّئَ السمعة، ولاعبَ ورق يمتلك ذاكرة غير عادية وعبقرية مالية في آنٍ واحد. حَكمتْ عليه بالإعدام إحدى محاكم لندن بتهمة القتل غير العَمْد في مبارزة مُميتة، لكن أصدقاء ذوي نفوذ في الخارج أنقذوا حياته، ثم عاود جون لو الظهور في فرنسا عندما عصفتْ بها أزمة اقتصادية. فلويس الرابع عشر، ملك الشمس، لم يَترُك خَلْفَه لرعاياه لدى وفاته في عام ١٧١٥م مجرد مكاسب إقليمية كبيرة ونصب تذكارية، بل أيضًا دَيْنًا قوميًّا هائلًا يعادل ٢٥ مثل الإيرادات الضريبية السنوية. لم يكن ممكنًا ولو دَفْع أقل مبلغ فائدة على السندات. في مذكرة إلى بريطانيا، أوصَى الرجل الاسكتلندي بسياسة مالية عامة توسُّعية لإنعاش الاقتصاد، مفادها أنه ينبغي ألَّا تظلَّ كمية النقود (الورقية) مقيَّدة بتغطيتها بمعادن ثمينة، وينبغي، بدلًا من ذلك، استحضارُ الأصول القومية كالموارد الطبيعية والسكان والتكنولوجيا كأساس لقياس كمية أوراق النقد. كان من المفترض أن يكون هذا بمنزلة رأسمالٍ استثماري لتنمية مستعمرات فرنسا في الخارج، ولا سيما لويزيانا في أمريكا. وبشَّر جون لو التاجَ البريطاني بأنه سرعان ما سيُنعش هذا الإجراء التمويل الحكومي والاقتصاد في البلد الأم. لم يكن هناك حدٌّ للخيال عند اعتبار «الموارد القومية» معيارًا ضابطًا. فالنقود الورقية يُمكن عمليًّا إصدارُها حسب المشيئة. حَظِيَ جون لو بمقابلة مع الوصيِّ على العرش أمير أورليون. اضطلع جون لو بالدَّيْن الوطني غير المسدَّد كله، ووعد بسداد الورق الذي يكاد يكون عديم القيمة بقيمته الاسمية على هيئة معدن ثمين عندما يَحِلُّ أجَلُ استحقاقه. كلُّ ما طلبه في مقابل ذلك هو الإذن له بتأسيس بنك خاص، ومَنحه امتياز إصدار أوراق نقد. بل إن رأس مال هذا البنك، الذي حمل اسم «لو آند كومباني»، كان يمكن الاكتتاب فيه جزئيًّا بالدفع على هيئة أوراق حكومية. والحقيقة أن بنكه أخذ يمنح آنذاك القروض بغزارة، بشكل منفصل عن ودائعه من المعادن الثمينة. كانت تلك هي لحظة ميلاد النقود الورقية؛ ميلاد ثروة قائمة على الورق. مجَّد جوته، الحاذق أيضًا في الأمور الاقتصادية، نظريةَ جون لو النقدية بأسلوب أدبي، وذلك في جزئه الثاني من مسرحيته «فاوست»؛ حيث قدَّمتِ المسرحية اختراع النقود الورقية كامتداد للخيمياء — محاولة تحويل الرصاص إلى ذهب — بوسائل أخرى، وأشارت — من طرف خفي — إلى عملية تكوين المال كمظهر كاذب.6

كان الاسكتلندي قد وعد الوصيَّ على العرش بأنْ يَجعَل كلَّ المواطنين أثرياء، كما أنه أورث الأزمنة الحديثة مصطلح «مليونير». حقَّق تصوُّرُه نجاحًا كبيرًا في البداية لدرجة أن البلاط عَاجَل بتأميم «لو آند كومباني»، وأعاد تسميته ليصبح اسمه بنك جنرال. هذا النجاح الأوَّلي تحديدًا هو الذي أشعل المضاربة بسهم البنك الذي أصدره جون لو، فتلا ذلك الانهيار الحتمي. أخفقتْ تجربة رجل اسكتلندي واسع الخيال بنقوده الورقية بسبب توقعات الأرباح المبالَغ فيها التي يُمكن أن تُجنَى من الأعمال التجارية في المستعمرات الخارجية، وبسبب لا مبالاة المقترضين — بمَن فيهم الأعداء السياسيون الكثيرون الذين أثار جون لو عداءهم في البلاط — بالاستثمارات المنتجة. ساهم رأس المال المتدفِّق من إنجلترا وهولندا (ما يُسمَّى اليوم «النقود المحمومة أو المتداوَلة») مساهمة كبيرة في الانهيار. أفلس بنك جنرال عام ١٧٢٠م، بعد ثلاث سنوات مضطربات، واضطُرَّ جون لو إلى الفِرار، ومات مُعدمًا في البندقية بعد ذلك ببضع سنين. بالمناسبة، كانت العملة الفرنسية آنذاك تُسمَّى «إيكو»، ومنطقيٌّ أنْ وجد الخبراء بعد ذلك بثلاثمائة سنة هذا الاسم غير لائق للعملة الأوروبية المشتركة. أيضًا وبسبب ذلك الاضطراب، ظلَّ موضوع النقود الورقية والاستقرار النقدي مرتبطَيْن ارتباطًا لا ينفصم. كان التآكُل الجوهري في قيمة النقود المسكوكة قد أغضب بالفعل الفيلسوفَ الإغريقي ديوجين في القرن الثالث قبل ميلاد المسيح؛ إذ كان يقول ساخطًا إن النقود المسكوكة هي «لعبة نرد الساسة». كما أن تآكل القيمة من خلال سوء الإدارة العامة شوَّه أيضًا استحداث النقود الورقية؛ لأن كلًّا من الحُكَّام المطلقين والساسة المنتخبين ديمقراطيًّا تعامَل مع «تعهُّد الحكومة بضمان القيمة» — الذي كان ضروريًّا لجعل النقود الورقية وسيطَ دفْع مقبولًا بوجْه عام — بلا مبالاة محضة على مرِّ القرون. قُدِّر أنْ تتضاءل قيمة النقود الورقية بمعدل أسرع حتى مِن النقود المسكوكة من الذهب والفضة. كان لفضيحة جون لو والبنك الخاص به، بالمناسبة، عواقب مدمِّرة بالنسبة إلى أوروبا؛ حيث هوى بنصف القارة معه إلى الحضيض. ولم يتعافَ اقتصاد فرنسا من الصدمة إلا بعد ذلك بسنين طويلة عندما انفجرتِ الثورة الفرنسية وأمَّم حكام البلد الجُدد ممتلكات الكنيسة كطريقة للوفاء بالنفقات الهائلة التي نجمتْ عن الثورة وحروبها. ومن ثم أُصدرتْ سندات دفع مُغِلَّة للفائدة تُسمَّى «أسِنيا» بكميات كبيرة؛ ترقُّبًا للعوائد المتوقعة من بيع أصول الكنيسة المصادَرة. اضطرَّ الدائنون إلى قبول هذا الورق عوضًا عن النقد. ربما لم تكن الفكرة أخلاقية، لكنها كانت سليمة من الناحية المالية، بما أن أوراق الأسِنيا كانت مدعومة بأصول، وهي أراضي رجال الدين. بدأ الاقتصاد الفرنسي يتعافَى ببطءٍ بعد عقود من الركود والفاقة. لكن هذا التعافي كان قصيرًا؛ حيث قلَّص سوء الإدارة والفساد العوائد من مبيعات الثروة المؤمَّمة إلى ما دون التوقعات بكثير؛ مما خفَّض قيمة سندات الأسِنيا. بالإضافة إلى ذلك، كانت تغمر فرنسا كميات كبيرة من سندات الأسِنيا الزائفة، التي استطبعها أفراد الأسرة المالكة النازحون في بريطانيا العظمى بمباركة صريحة من حكومة ويليام بِت، وجُلِبتْ إلى القارة بالتهريب. بعد بضع سنوات لم تكن سندات الأسِنيا تساوي حتى ثمن الورق المطبوعة عليه. قُوِّضتْ بذلك آخِر ذرة من الثقة في النقود الورقية، وقد عُزي تفضيل الفرنسيين الدائم للذهب كمخزن للقيمة إلى تلك التجربتين السيئتين مع نقود جون لو الورقية وسندات الأسِنيا.

في واقع الأمر، كُتبتِ الفصول الحاسمة في تاريخ النقود الورقية في العالم الجديد، في «أرض الإمكانيات غير المحدودة» التي كانت تُتداول فيها على نطاق واسع حتى «عُملة من ورق التبغ» منذ الثلث الأول من القرن السابع عشر.7 ارتفع العبء الضريبي الذي فرضه الحكام الاستعماريون البريطانيون باطِّرادٍ هناك، وكلما ازدادت ندرة المعادن النفيسة؛ ومِن ثَمَّ النقود، في أمريكا، عَلَتْ نغمة المطالبات بالاستقلال عن بريطانيا العظمى. لقد استُخدمتْ حتى أوراق اللعب المقطعة قطعًا في بعض الأحيان بديلًا للنقود. كان بنجامين فرانكلين، الذي تُزيِّن صورتُه اليوم ورقة اﻟ ١٠٠ دولار، قد دعا من قبلُ إلى مَنْح المستعمرات مزيدًا من الحرية في طبع النقود الورقية في مقال له عام ١٧٢٩م. كانت صَنعة فرانكلين طبَّاعًا؛ مما قد يُفسِّر أيضًا اهتمامه بالنقود الورقية.8 ساهم آنذاك رفضُ لندنَ المتكرِّرُ النظرَ في هذه المطالب وقيام البنوك بموجب صلاحياتها بإصدار نقود ورقية في المستعمرات المنعزلة في اندلاع الثورة الأمريكية عام ١٧٧٥م. تم الحصول على الاستقلال، لكن الاستقرار النقدي تبدَّد. انتهى إصدار النقود الورقية بغزارة من قِبَل الكونجرس القاري لتمويل الجيش الثوري — وهي النقود التي أضعفتْها النقودُ الزائفة التي طَبَعَها بغزارة حكَّام المستعمرات المحاصَرون — بحالة من التضخم المفرط. ففيما بين يونيو ١٧٧٥م ونوفمبر ١٧٧٩م، اعتمد الكونجرس ما لا يقل عن ٤٢ إصدارًا دولاريًّا بإجمالي ٢٤١٫٦ مليون دولار، وهو مبلغ يصعب استيعابه في تلك الأيام.9 بل إن فقدان «الكونتِنِنْتال» (بمعنى قارِّيٍّ؛ وهو اسم عُملة الولايات الانفصالية) قيمتَه صار مضرب الأمثال، فكان يُقال في تهكُّم: «لا يُساوي كونتِنِنْتال.»

استغرق الأمر وقتًا طويلًا قَبْلَ أن تتمكَّن الولايات المتحدة الأمريكية المستقلة من استعادة الاستقرار النقدي بمشقَّة. تَلَتْ ذلك عقودٌ من الإصدار دونما رقابة. كانت هناك أوراق نقدية ورقية صادرة من آلاف البنوك المحلية التي كانت أحيانًا بالغة الصغر، وطوفان متزايد من النسخ الزائفة من هذه الأوراق النقدية البسيطة. كان اسم «البنوك المتطرفة أو المغامرة» هو الاسم الذي أطلقه عامة الناس على تلك البنوك التي كانت تطبع الأوراق النقدية بلا مبالاة، وقلَّما تكترث بدعمها بمعادن ثمينة. كان المواطنون يَشكون من خفاء مقارِّها الرئيسية على نحو يجعل من الصعب الوصول إليها. لكنَّ المرءَ لم يكن يستطيعُ استبدال الذهب أو الفضة بالنقود الورقية إلا في تلك المقار الرئيسية. كانت الحكومة منقسمة حيال مسألة ما إذا كان ينبغي أن تضطلع الحكومة المركزية بإصدار أوراق النقد وتضمن قيمتها أم لا. ثار نزاع مرير بشأن هذا بين الساسة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. كان طوفان أوراق الدولار — الأصلية منها والزائفة، المدعومة بذهب وفضة وغير المدعومة — يمكِّن المهاجرين المتدفقين على الولايات المتحدة من أوروبا من شراء الأملاك على نحو يُتيح استيطان بلد شاسع شبه خالٍ. لم يُقْدم الكونجرس على إيقاف قابلية تحويل كل أوراق النقد المتداوَلة هذه، التي كان أغلبها زائفًا، ويقرِّر من خلال «قانون المصارف الوطنية» استحداث أوراق النقد الوطنية الموحَّدة حتى عام ١٨٦٣م، عاهِدًا بإصدارها إلى وزارة الخزانة حصريًّا. كانت تلك لحظة ميلاد الدولار أو «أخضر الظهر» الذي سمي بهذا الاسم لغلبة اللون الأخضر على ظهره.

كل هذا لم يخدم فكرة أوراق النقد إلا قليلًا؛ حيث ظلَّ نِطاقُها محدودًا، في أوروبا على الأقل. في البداية كان ذلك يتَّسِق تمامًا مع مصالح البنوك المصدرة، التي كانت مُلزَمة دون شك بدفع القيمة المكافئة للورقة المقدَّمة إليها بالمعدن الثمين عند الطلب. عبارة: «أتعهَّد بأنْ أدفَعَ لحامِلِه عند الطلب …» مطبوعة حتى في يومنا هذا على أوراق النقد البريطانية، على الرغم من أنه لم يَعُد متصوَّرًا حاليًّا صرف قِطع من الذهب عوضًا عن الورقة النقدية المقدَّمة. كان الخوف من التزييف كبيرًا بالفعل في تلك الأيام، وكان إنتاج أوراق النقد مكلِّفًا. كان يُخشَى أن يكون للأوراق من الفئات الصغيرة أثرٌ مزعزِع للاستقرار في حالة وقوع أزمة؛ نظرًا لاتساع انتشارها، فتجنَّبتِ البنوك إصدار أوراق نقد ذات قيمة اسمية منخفضة، فظلت أوراق النقد حكْرًا على التجارة وطبقات المجتمع الثرية. بل إن لائحة بنك إنجلترا كانت تحظر عليه حتى عام ١٧٩٣م إصدار أوراق نقد تَقِلُّ قيمتُها الاسمية عن ٢٠ جنيهًا استرلينيًّا، وهو مبلغ لا بأس به في ذلك الزمان. كان الناس في الريف الفرنسي يمارسون حياتهم في الغالب من دون نقود ورقية حتى نهاية القرن التاسع عشر؛ إذ كانوا يستخدمون في مدفوعاتهم بدلًا منها النقود المعدنية. ولم يُصدِر بنك فرنسا أوَّل ورقة نقدٍ له تَقِلُّ قيمتُها الاسمية عن ٥٠٠ فرنك — الأجر السنوي لعامل في ذلك الزمان — حتى عام ١٨٤٧م. وفي الإمبراطورية الألمانية، لم يأتِ إصدار بنك الرايخ ورقةَ نقدٍ دون ١٠٠ مارك حتى عام ١٨٧٦م. ومع ذلك شكا أحد أعضاء مجلس إدارة بنك الرايخ في بداية القرن العشرين قائلًا بضرورة إجبار الشعب الألماني على الحَذِر من استخدام النقود الورقية.

بحلول ذلك الوقت كانت النقود الورقية قد رسَّختْ أقدامها منذ زمن طويل حتى في أوروبا نفسها؛ ذلك أنه بعد الحروب النابليونية، اضطلع مزيد ومزيد من البلدان بإنتاج النقود الورقية بنفسها، معلنة أن أوراقها النقدية هي وحدها «العملة القانونية»، فيما قُلِّص الدعم بالمعادن النفيسة على مراحل، ثمَّ تَمَّ التخلِّي عنه تمامًا. منذ ذلك الحين فصاعدًا، أصبح يتعيَّن على جميع المواطنين والحكومة قبول النقود الورقية استيفاءً للديون، على الرغم من أن المواطن لم يكن ملزَمًا باستخدامها للمدفوعات الأخرى. غير أنه حتى الالتزام بقبول العملة الرسمية، المعدنية والورقية على السواء، لم يكن إجباريًّا. ويستشهد القسم القانوني بالبنك المركزي الأوروبي بمثالٍ للرفض المبرَّر، وذلك لو أعلن الدائن من طرف واحد شروطًا معينة للدفع قبل إبرام العقد، أو لو اتفق هو والعميل المرتقب مسبقًا على تعويض بخلاف الدفع النقدي (شيك، بطاقة خصم النقد الإلكتروني، تحويل مالي)، أو لو كان المدفوع المقدَّم سيَنتهِك مبدأَيِ المنطق والعدالة المعترف بهما. فتذكَرة رحلة طيران متجهة إلى منتجع استوائي لا يمكن دفع ثمنها بمحتويات حصالة مهما كانت محشوةً بالقطع النقدية. على أيِّ حال، أساءت نوبات التضخم المتكرِّرة إلى سمعة النقود الورقية بشدة. على سبيل المثال، كانت ألمانيا مغمورة بالمعنى الحرفي للكلمة بأوراق نقد اضطرارية لا قيمة لها أثناء فترة التضخم المفرط بعد الحرب العالمية الأولى. في الصورة الأشد تطرفًا، وصل الحال بهذه الأوراق أن صارت تُطبع على جانب واحد وترسل بالبريد في دفاتر. انتهى عهد الدعم بالذهب نهائيًّا عام ١٩٧١م، عندما استغنَى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عن التزام مبادلة أرصدة الدولار بالذهب لتجنُّب تخفيض قيمة الدولار. بحلول ذلك الوقت، لم يكن ذلك الالتزام قائمًا إلا تجاه البنوك المركزية على أي حال. لقد أُزيلت العقبة الأخيرة في طريق طبع النقود الإلزامية. إن كلَّ ما تفعله النقود الورقية هو أنها تُتيح للسُّلطات سبيلًا أرخص مما كانت عليه الحال في زمن النقود المعدنية لغِشِّ الناس، كما يقول فريدريش إيه فون هايك، الاقتصادي القومي الليبرالي الحائز على جائزة نوبل، معبِّرًا عن انتقاده للنقود الورقية في مقالاته اللاحقة، ومضيفًا أن أفضل شيء هو التخلِّي عنها مجددًا.10
كان الصينيون — وهم مخترعو النقود الورقية — قد راودتْهم هذه الفكرة لفترة وجيزة في القرن الثالث عشر. كانت النقود المزيَّفة قد بدأتْ تَظهَر بكثرة شديدة. كانت عبارةُ «مَن يُسلِّم نقودًا مزيفة إلى السُّلطات يحصل على مكافأة وما يصادَر من موجودات المُجرِم» مكتوبةً مباشرةً على الأوراق النقدية المذكورة. وهكذا خرج الصينيون أيضًا بالحكم العقابي في الوقت نفسه، وهو مكتوب على أوراق النقد بصيغة مخفَّفة إلى يومنا هذا. لكن المارد كان قد خرج من القمقم. كانت النقود (الورقية) قد سهَّلت التجارة والتنمية بشدة. لم يَعُد هناك مِن أحدٍ يَوَدُّ العَيْشَ من دونها، ولا حتى كارل ماركس وتلاميذه. واضطر فلاديمير لينين، أبو الثورة الاشتراكية في روسيا، إلى «تأجيل» إلغاء النقود الذي خطَّط له. كان من المفترض أن تُلغَى رسميًّا عندما يتوافر للمواطنين السوفييت كلُّ ما يَفِي باحتياجاتهم اليومية من سِلَعٍ على نحوٍ لا يعودون معه بحاجة إلى المال كوسيط تبادل؛ فلم يتحوَّل الفردوس الاشتراكي إلى حقيقة قط، بل ولا حتى ثوريٌّ يوطوبيٌّ مثل ماو تسي تونج كان يمكنه تصوُّرُ حياة بلا أوراق نقد. فعندما وصل جنوده أخيرًا إلى ملاذهم في كهوف يونان المتربة في نهاية مسيرتهم الطويلة المفعمة بالخسائر عبر الصين، كان طَبْع العُملة الشعبية الخاصة بهم «الرِّنمِنبي» أحد التدابير الإدارية الأولى التي اتخذتْها دولة العمال والفلاحين الاشتراكية المعلَنة حديثًا. ونظرًا لعدم وجود ورق، فقد استخدموا قماش الكتان، فقطَّعوه قِطَعًا مستطيلة طَبعوا على أحد جانبيها لتكون بذلك النقود الثورية. وتضم مجموعة النقود الورقية التي يحوزها بنك هِبوفِراينزبنك في ميونخ العديدَ من هذه الأوراق النقدية المطبوعة على قماش الكتان.11 جاءت المحاولة الجادَّة الوحيدة للعيش دون «رمز الاستغلال الرأسمالي» هذا من «شيوعية العصر الحجري» في بول بوت. فعندما وصل الخَمير الحُمْر إلى السُّلطة في كمبوديا عام ١٩٧٥م، كما روى أحد شهود العيان، اقتحموا سرداب البنك المركزي وألقَوْا رِزَم النقد من النوافذ، واستمتعوا بمرأَى الأوراق المطبوعة حديثًا تُطيِّرها الرياح عبر الشوارع. وحتى هؤلاء عادوا إلى صوابهم في وقت لاحق. لكن قبلَ أن يَجِدَ هؤلاء الشيوعيون وقتًا لإصدار أوراقهم النقدية، وضع الجار الآتي من فيتنام الشيوعية نهايةً لنظام حكمهم الدموي.
لا تُقاس قيمة الأوراق النقدية بالأرقام فحسب؛ إذ هي للحكومات مثل «الكروت الشخصية» للأفراد، بل وتحمل رسائل سياسية دقيقة.12 فالقائمون برحلات عمل والسياح يتفحَّصون النقود الورقية الغريبة عليهم في أيديهم لدى وصولهم إلى الخارج، فيستمدون بذلك دون وعي منهم أوَّلَ انطباع لهم عن المجهول الذي ينتظرهم. وفي كثير من البلدان صارت أوراق النقد رمزًا للهُوية الوطنية وعاملَ اندماج؛ حيث يُغدَق أعظم قدر من العناية الفنية والجمالية والتقنية على إعدادها لهذا الغرض أيضًا. فقد اختار البنك الحكومي الفنلندي مثلًا جانبًا من النصب التذكاري الذي أقامه الفنلنديون في وسط هلسنكي للقيصر الروسي ألكسندر الثاني ليضعه على ورقته فئة ٢٠ ماركًا فنلنديًّا سنة ١٨٩٧م.13 كانت تلك رسالة مبطَّنة إلى نيقولا الثاني، القيصر الحاكم آنذاك في سان بطرسبرج، لئلا يتدخل في الاستقلال الذي منحه ألكسندر لدوقية فنلندا الكبرى (الروسية) عام ١٨٠٩م. وكان القيصر فِلهِلم الثاني أقل توريةً في هذه المسائل؛ إذ لم يَكتَفِ بتزيين ورقته النقدية فئة ١٠٠ مارك التي أصدرها عام ١٩٠٨م بصورة ﻟ «جرمانيا» تُطِلُّ من عينيها نظرةٌ حذرة، جالسةً تحت شجرة بلوط ألمانية، قابضةً على سيف على نحو يوحي بالتهديد، بل اتخذ أيضًا على هذه الورقة صورة تشكيل قتالي من سفن حربية تجوب بحار العالم باعثةً برسالة مفادها أن الإمبراطورية الألمانية ستتقدَّم لتصبح ثاني أكبر قوة بحرية في العالم.14
كما تخضع أوراق النقد، بوصفِها رموزًا للبلدان المصْدرة، للتمحيص الدوري من قِبَل البنوك المركزية للتأكُّد من أصالتها وحالتها المادية، بمتوسط ثلاث مرات سنويًّا. ويتم هذا الإجراء بطريقة مُؤَتْمَتَةٍ تمامًا، على الأقل في مجال العُملة الأوروبية المشترَكة، وهو بمنزلة ضمانة لأن تكون أوراق اليورو عمومًا بحالة جيدة في البلدان الأعضاء الاثني عشر، أو على الأقل هذا هو المفترض. حتى الجوانب الصحية لأوراق النقد تُفحَص باستمرار وفي سرية تامة في المختبرات. فبسبب القلق من المواد المسرطِنة مثلًا، استعاضت البنوك المركزية بمنتجات اصطناعية عن الجيلاتين الحيواني المعتاد المستخدم كطبقة سطحية لأوراق النقد؛ مما أدَّى إلى إطالة عُمر أوراق النقد، وأيضًا زيادة تلوثها بالبكتيريا. ومع ذلك فإن انتشار فيروس الإيدز عن طريق أوراق النقد ما هو إلا خرافة. كما أن خوف الصين أوائل سنة ٢٠٠٣م من احتمال انتشار فيروس «سارس» الفتَّاك عن طريق أوراق النقد يُعزَى ببساطة إلى الهستيريا الجماهيرية لا إلى النتائج المختبرية.15 وعلى الرغم من ذلك كان بنك الصين يحتجز على نحوٍ ممنهج كلَّ أوراق النقد المسلَّمة إليه لمدة ٢٤ ساعة، وهي العمر المفترض لفيروس سارس، قبل إعادتها إلى التداول. أمرٌ طبيعي أنَّ البكتيريا والفيروسات قد تنتقل أيضًا عبر أوراق النقد، لكن احتمال انتقالها عبر لمس مقبض باب سبق أنْ لَمَسَه منذ فترة قريبة شخصٌ مصاب إصابة حادة بالمرض أكبر. كشف اختبار النظافة الصحية الذي أجراه معهد بريستول عام ١٩٩٩م عن أنَّ ٩٩ في المائة من الأوراق المستعملة التي سلَّمها إليه بنك إنجلترا أظهرتْ آثار كوكايين، فتدخَّل البنك خشية أن يتصوَّر أحدٌ أن الطفرات السعرية غير المنطقية التي شهدتْها فُقَّاعة تكنولوجيا المعلومات هي ثمرة خَبَل مدمني شمِّ الكوكايين في المدينة. قيل في بيان صحفي صيغ على عجل صادر من «أولد ليدي أوف ثرِدنيدل ستريت» (اللقب الذي يُطلَق على بنك إنجلترا) إن الأمر لا يتعلَّق بآثار كوكايين، بل إن بعض الأوراق شديدة الاتساخ لوَّثتْ آلات الفرز.16 وبحلول ذروة صيف ٢٠٠٢م، كان «تلوُّث الآلات» هذا فيما يبدو قد انتشر فوَصَل إلى ألمانيا؛ حيث أظهَر اختبارٌ أجراه معهد البحوث الطبية الحيوية والدوائية في نورمبرج أن تسعًا من أصل عشر أوراق يورو فحصها تضمَّنتْ بقايا كوكايين.17

حتى وإن كانت ورقة النقد «ملوَّثة»، فالواجب أن يفكر المرء أكثر من مرة قبل إتلافها. فعندما حاولتْ محظيةٌ شهيرة من محظيات بلاط لويس الرابع عشر استعراض ثروتها بالتهام سند إذني بقيمة ٥٠٠ ألف فرنك في حفلة ذات مساء، لم تشغل رجال البلاط إلا العافية المالية لولي نعمتها. لكنْ عندما أشعل المغنِّي الفرنسي سيرج جينزبورج النار في ورقة فئة ٥٠٠ فرنك أمام كاميرات التليفزيون عام ١٩٨٤م احتجاجًا على ما اعتبره فرض ضرائب مفرطة على دخله، تردَّد صدى هذه الصرخة في أنحاء الجمهورية، واعتُبرتْ فعلتُه هذه إهانةً لشيء مقدَّس! أعقب ذلك وابلٌ من التهم، لكن جينزبورج نجا من العقوبة؛ لأن القانون الذي يُجرِّم هذا الفعل كان قد أُلغي منذ فترة وجيزة بأمْر من المحكمة. لم يكن هذا المطرب المتمرد لينجو بفعلته بمثل هذه السهولة في الولايات المتحدة؛ فالإتلاف العَمْدي لورقة خضراء الظهر هناك يمثِّل إهانةً للكبرياء الوطنية. أما البنك الاتحادي الألماني فهو أكثر تسامحًا؛ حيث قال باقتضاب عندما سُئل عن ذلك إن خسران المال بإتلاف ورقة مارك ألماني عَمْدًا هو عقوبة كافية للفاعل. ولم يتغير شيء من هذا الموقف البراجماتي في ظل البنك المركزي الأوروبي.

لم ينجح المذهبيون في توجيه ضربة قاضية إلى النقد؛ ومع ذلك فإن مسألة النقود، وتحديدًا أوراق النقد، لم تنتَهِ، وما ظل شيئًا اعتياديًّا لقرون لن يظلَّ بالضرورة كذلك إلى الأبد. يعكف الخبراء في كثير من البنوك المركزية والمعاهد البحثية على مسألة تحديد كمية النقود الورقية التي ربما نظلُّ بحاجة إليها في السنوات المقبلة. ويأتي التهديد من اتجاهين: من المزيِّفين، ومن أدوات الدفع البديلة. فهناك أجهزة تزداد تطورًا وتنخفض تكلفةً، من حواسيب وماسحات ضوئية وطابعات ملوَّنة، تستخدم تكنولوجيا نسخ رفيعة متاحةً لِمَن يُريدون تزييف النقود، مع إمكانية توليفها في مزيج يلائم المتطلبات الفردية. وباستخدام هذه الأجهزة يستطيع المزيِّفون إذا شاءوا استنساخ أوراق النقد بجودة لم تكن متصوَّرة منذ عشرين سنة. إنَّ مستقبل أوراق النقد كوسيطِ دفعٍ يعلو ويهبط مع ثقة المواطن التي لا تهتز في أمن أوراقه النقدية. وكلما كان الجهد المبذول لزيادة التأمين ضد التقليد أكبر، ازدادت تكلفة إنتاج النقود. فتصنيع النقود يستهلك نقودًا، وهي نقود دافعي الضرائب. والواضح أن صُنع نقود ورقية بأعلى قَدْر من الأمن، وبتكاليف مقبولة في ذات الوقت، يزداد أهميةً أكثر فأكثر.

أُوصي مرارًا، كسبيل إلى تقليص التكلفة، بالاستعاضة بأوراق النقد المصنوعة من البوليمرات البلاستيكية عن تلك المصنوعة من الورق. كانت هايتي أوَّلَ مَن استخدم عام ١٩٧٤م أوراقَ نقدٍ بلاستيكية من إنتاج مؤسسة «أمريكان بنكنوت»، التي خرجتْ منذ ذلك الحين من قائمة شركات طباعة أوراق النقد. أخفقتِ الخُطوة إخفاقًا ذريعًا؛ حيث تلاشَى حبر الطباعة تمامًا في غضون بضعة أسابيع في ذلك المناخ المداري الرطب، واضطُرَّ إلى سحب الأوراق من التداول. مضت عشرون عامًا أخرى قبل أن تتحوَّل أستراليا بالكلية إلى البلاستيك — هذه المرة إلى ركيزة بوليمر — لصنع أوراقها النقدية. منذ ذلك الحين، قام نحو ١٢ بلدًا في المناطق الحارة على الأقل بتجربة إصدار مثل هذه الورقة المصنوعة من البوليمر؛ منها البرازيل وبروناي وإندونيسيا والمكسيك وبابوا غينيا الجديدة ورومانيا وتايوان وتايلاند. وحتى فيتنام الاشتراكية تعكف حاليًّا على تحويل كل أوراقها النقدية إلى أوراق البوليمر. تَمَّتْ عمليات التحول في الأغلب بمساعدة من الأستراليين، الذين أرادوا تصدير ركيزة البوليمر لدفع تكلفة إنتاجها المرتفعة من خلال الطلب الإضافي. تتكلَّف أوراق البوليمر أكثر بكثير من النقود الورقية في صنعها، لكنها أيضًا تعيش أطول منها؛ مما يجعلها أرخص في النهاية. على الأقل هذا ما يقوله أنصارها، وهم بالدرجة الأولى صُنَّاع البتروكيماويات الذين يعملون كمورِّد. ويردُّ معارضو النقود البلاستيكية بأنه لا يمكن، لأسباب أمنية، إبقاءُ ورقة نقد بلاستيكية في التداول طيلة صلاحية الخامة المصنوعة منها وطيلة المدة اللازمة أيضًا لاسترداد تكلفتها. كما أنَّ إعدام الجبل الهائل من النقد البلاستيكي الذي لم يَعُدْ صالحًا للتداول كل سنة سيصير أيضًا مشكلة بيئية. من الطبيعي أنَّ مَن يتزعَّمون الحملة ضد النقود البلاستيكية هم مصنِّعو الورق المُؤَمَّن، الذين هم أيضًا كبار شركات طباعة النقد من القطاع الخاص. على أيِّ حال، ولأسباب جمالية محضة، تبدو النقود البلاستيكية أشبه بكابوس؛ فهي في ملمسها أشبه بحقائب «ألدي» المخفضة المعاد تدويرها التي تُحمل فيها البقالة، وهذه ملحوظة لم تُبدِها مجلة الأعمال «فِرتشافتسفوخِه» وحدها.18

التهديد الثاني الذي يُواجِه أوراق النقد مصدرُه أدوات الدفع البديلة. يظهر هؤلاء المنافسون الأخف ضررًا على هيئة بدائل اقتصادية ذات جذور في الكبرياء الأهلية المحلية. فحَوْلَ العالم كله، في أستراليا والبرازيل وإنجلترا وفرنسا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة، هناك آلاف الأصوات التي تتعالَى وتروِّج ﻟ «نقودها المحلية»، مستغلةً بذكاءٍ ثغرات قانونية؛ حيث تُسدد أثمان الخدمات هناك بقسائم تخضع لنظام تقييم ثابت، ويَقبَل التجار المحليون هذه القسائم كوسيط دفع. ويُفترض أن هذا يوقِف تدفق الأموال إلى الخارج؛ مما يُحفِّز الاقتصاد المحلي ويخلق فرص عمل. ولا يُفترض أن تُلغِي هذه النقودُ المحلية العملةَ الرسمية، بل تكمِّلها.

ثمة تحدٍّ أشدُّ خطورة يصعب قياسُه يشكِّله العصر الإلكتروني، و«النقد الإلكتروني» أو «النقود الإلكترونية»، و«التجارة الإلكترونية» والأنشطة البنكية عبر الإنترنت. كثيرة هي التنبؤات بنهاية أوراق النقد. ففي مؤتمرٍ عُقِدَ في واشنطن في منتصف تسعينيات القرن العشرين، تنبَّأ ممثلٌ لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بالفعل بأن يُستعاض بحركات الحسابات المفعَّلة إلكترونيًّا عن النقود يومًا ما مثلما حلَّتِ النقود الورقية محل الدعم بالمعادن الثمينة. بل وتنبَّأ المتحدث بإمكانية أن تُنافِس النقود الإلكترونية التي تُنشِئها كيانات خاصة ذات يوم القِطَعَ والأوراق النقدية التي تُصدرها الحكومات.19 ويذكِّرنا هذا بالجدل الذي دار في أمريكا منذ مائتي سنة حول دور الحكومة في إصدار النقود الورقية. وإذا نظرنا تاريخيًّا إلى الوراء نجد أن النقود فقدت جوهرها المادي، وهو ما أكَّده أيضًا البنك الاتحادي الألماني في دراسة موسَّعة حول هذا الموضوع.20 فلا تشكِّل المعاملات النقدية الآن إلا ٥ في المائة من إجمالي حركة المدفوعات في ألمانيا.21 فلماذا إذن تكون لدينا نقود ورقية إذا كان يتسنَّى الوصول إلى رصيد حساب بنكي في الزمن الحقيقي، وإذا كانت التجارة الإلكترونية تتيح على الفور مقارنة الأسعار والشراء، وإذا كانت البطاقة البلاستيكية أو الأنشطة المصرفية عبر الإنترنت تمكِّن المرء من دفع ثمن أيِّ مشتريات دون مشكلات؟ مقارنةً بأكثر من تريليونَيْ دولار (٢ وأمامها ١٢ صفرًا) على هيئة أموال محاسبية افتراضية تتواثب يوميًّا حول الكوكب برقيًّا، أو عن طريق الأقمار الصناعية، فإن المائتي مليار قطعة ورق نقدية المُصْدَرة لا تبدو مثار إبهار شديد في يومنا هذا بغض النظر عن مدى كبر فئتها. إن النظام المصرفي والتجارة ليسا صديقين للنقد، وهما على استعداد تامٍّ للعيش من دونه؛ لأن التعامل مع النقود يكلِّفهما كثيرًا من النقود. فالفرز والفحص والعدُّ واجبات يومية مرهقة. والتكلفة المتراكمة تساوي عشرات المليارات من اليوروهات في منطقة اليورو وحدها. ومع ذلك، في خضم النشوة الأولية لمزوِّدي خدمات الإنترنت، استهانوا بمشكلات الدفع. يجب أن يكون الدفع الإلكتروني سهلًا، ولا بد أن يكون بمأمن من التلاعب، ولهذا أهمية خاصة بالنسبة إلى العميل؛ فالضرر الناجم عن الاحتيال داخل أنظمة الأنشطة المصرفية عبر الإنترنت والدفع الإلكتروني يتجاوز بكثير الخسائر الناجمة عن أوراق النقد الزائفة. استعصَتْ هذه القضايا على حلٍّ فنيٍّ حتى الآن. وما زالت اللحظة التي يَدفَع فيها المرء دون سَحْبِ ورقة نقد من محفظته شيئًا لن يتحقَّق على ما يبدو إلا في المستقبل البعيد. النقود عَقْد اجتماعي مثلما هي شيء مادي أو تكنولوجيا، حسبما حذَّر متحدث آخر في ذلك المؤتمر نفسِه. ومنفعتُها بهيئة معينة تتوقَّف بالكلية على القبول العام لتلك الهيئة.22 وما زالت هذه الهيئة هي النقود الورقية.

هناك حُجَج مفحِمة تقِفُ في صفِّ أوراق النقد؛ فهي رخيصة بشكل لا يقبل المقارنة في الاستخدام اليومي؛ نظرًا لعدم ارتباطها بمصاريف خدمة — على الأقل لا توجد مصاريف يلاحظها العميل — حتى وإن كانت تحمِّل على عاتقه في التسعير غير الشفاف للمنتج الذي يحصل عليه. وهي تقدِّم له درجة عالية من الأمن؛ لأنه لا يُوجَد لصٌّ حاسوبي يستطيع التجسُّس على المعاملة واستنفاد رصيد حسابه. كما يستطيع المرء استخدامها كلما شاء، تقريبًا. وهي مجهولة الهوية تمامًا؛ لأن أوراق النقد لا تترك أثرًا وراءها (وهذا مدعاة لأسف دائرة ضريبة الدخل). تؤكِّد المسوح الاستقصائية في أوروبا والخارج بالإجماع أن المواطنين يتشبَّثون بعناد بعادات الدفع باستخدام النقود الورقية. أدَّى انتشار المخاوف من التلاعب، بالإضافة إلى الجهل واللامبالاة، فضلًا عن تكلفة التدابير الاحتياطية الإضافية للاتصال بين البطاقة والشبكة حتى الآن، إلى عرقلة الارتقاء إلى النقود الإلكترونية. وقد أظهرتْ دراسة البنك الاتحادي الألماني المذكورة هنا بالفعل أن ٦٧ في المائة فقط من حركة المبيعات في قطاع بيع التجزئة الألماني كانت لا تزال تُسدَّد نقدًا عام ٢٠٠٢م، مقارنةً بنسبة ٧٩ في المائة عام ١٩٩٤م، في حين أن حصة المشتريات التي نُفِّذت بأدوات معتمدة على البطاقات في تلك الفترة ذاتها ارتفعت من ٦ إلى ٢٩٫٥ في المائة. ومع ذلك عُزِي هذا النمو إلى بطاقة الخصم بنظام «ادفع الآن» المجهزة حاليًّا برقم تعريف شخصي مثل بطاقة النقد الإلكترونية تمامًا. في عام ٢٠٠١م، سُويت أكثر من ١٫٢ مليار معاملة تعادل نحو ٩٠ مليار يورو ببطاقات الخصم هذه؛ مما يعني أن عدد المعاملات ببطاقات الخصم وقيمتها تضاعفا في أربع سنوات فحسب. ومن ناحية أخرى، فإن بطاقة الائتمان بنظام «ادفع لاحقًا» شهدت وقتًا عصيبًا بسبب التمحيص المملِّ للجدارة الائتمانية وصعوبة التسوية وارتفاع التكاليف الإضافية لفائدة السحب على المكشوف. ومقارنةً ببطاقة الخصم، لم تستحوِذ إلا على ثلث قيمة حركة المبيعات، ولم تحقِّق ذلك إلا بفضل شهرتها في حجوزات الطيران والفنادق. أما حصة بطاقة النقد بنظام «ادفع مسبقًا» — التي يلزم أن يحوِّل إليها المستخدم مبلغًا من حسابه — فصغيرة جدًّا الآن، لدرجة أنها لا تلعب دورًا في الإحصائيات.

المسألة لا تتعلَّق بما إذا كانت ستظل هناك نقود ورقية في المستقبل أم لا، بل تتعلَّق بماهية الدور المستقبلي الذي ستلعبه أوراق النقد في الحياة الحديثة والسُّمعة التي ستتمتع بها آنذاك، وهذا ما خلص إليه توماس إيه فِرجسون مدير مكتب سك وطباعة العملة في كلمته.23 إن ملمس النقود الجميل في اليد سوف يُبقي أوراق النقد لوقت طويل آتٍ، وذلك حسب اعتقاد فِرجسون، الذي لا ننسى أن مطبعته الحكومية تطبع عُملة الاحتياطي العالمي؛ الدولار. سوف يستغرق الأمر وقتًا قبل أن تحلَّ النقود الإلكترونية محل أوراق النقد وتبدأ البنوك المركزية في إصدار النقود الإلكترونية الافتراضية بدلًا من أوراق النقد النضرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١