الفصل الثالث

كيف حقَّق السنيور جوري احتكارًا عالميًّا بطابعاتِهِ؟

«جوهرة خالصة من جواهر الهندسة الميكانيكية.» «مَثَلُها بين الطابعات مَثَلُ بورش بين السيارات.» كانت شركات الطباعة المُؤَمَّنة تُعبِّر عادةً عن حماسها بمثل هذه الكلمات عند الحديث عن طابعات السندات المالية التي يُنتجها جوالتيرو جوري. إن اسمه يرمز لتطوير وتوريد وصيانة الآلات الخاصة لطبع أوراق النقد والسندات المالية. لقد أحدث ثورةً في طبع أوراق النقد، ويكاد يكون فَعَلَ ذلك بمفرده. أكثر من ٩٠ في المائة من كل أوراق النقد المطبوعة في هذا العالم يُنتَج على آلات تَحمِل اسمَه. هذا النجاح المدهش هو نتاج تكنولوجيا طباعية فائقة، ونتاج موهبة تسويقية مميزة جدًّا.

لم يخترع جوالتيرو جوري تكنولوجيا طباعة الإنتاليو المتعددة الألوان والطباعة المتزامنة لخلفية أوراق النقد والسندات المالية جميعها بمفرده. لكنْ بالخيال والتصميم والحس التجاري المرهف، جعل هذا المهندس الموهوب تلك العمليات هي المعيار المُتَّبع في الصناعة؛ مما مكَّنها من الانتشار. كانت الطباعة المُؤَمَّنة تَجرِي في عروقه؛ إذْ ولد في ميلانو. تعلَّم الصنعةَ مِن أدنَى السُّلَّم في مطبعة السندات المالية التي أسَّسها جدُّه دينو كُوِن عام ١٨٧٦م. كان ذلك بعد فترة قصيرة من فَتْح الدولة البابوية عام ١٨٧٠م الذي أسفر عن توحيد إيطاليا بالكامل. كان ذلك زمن النفوذ السياسي والاقتصادي في «البلد الجميل». كانت هناك حاجة إلى أعداد متزايدة من الأسهم والسندات والشيكات، وكانت شركة أوفِتشينِه جرافِكِه كُوِن إي كومبانيا تطبعها بجودة عالية. لم تتلقَّ شركة الطباعة هذه طلبيَّتَها الأُولَى لطبع أوراق النقد حتى عام ١٩٣٩م. بحلول ذلك الوقت كانت الشركة العائلية تحت قيادة ابنَيْهِ أوجستوس وريناتو، وكانت قد أُعيدت تسميتُها كالكوجرافيَّا إي كارتيفالوري (وتعني: حفر الصفائح النحاسية والسندات المالية). كان ذلك تدبيرًا احتياطيًّا؛ ذلك أنَّ الفاشية كانت أيضًا آخِذَةً في الانتشار في إيطاليا. علاوةً على ذلك فإن تلك الطلبيَّة الطباعية الأولى جاءتْ من حكومة الجنرال فرانشسكو فرانكو في إسبانيا.

بُعيدَ انتصارِهِ في الحرب الأهلية وإعلانه الجمهورية، عَهِدَ «الزعيم» عام ١٩٣٦م بأول طلبيَّة لطبع نقد بلده إلى بلد حلفائه الألمان، فذهبتْ إلى شركة الطباعة المُؤَمَّنة جيزيكه أوند ديفريَنت في ليبزيج. طبعتْ جيزيكه أوند ديفريَنت إجمالًا حوالي ٣٠٠ مليون ورقة بيزيتا بين عامَيْ ١٩٣٦ و١٩٣٩م لصالح إسبانيا بزعامة فرانكو. كانت تلك أكبر طلبيَّة تلقَّتْها مطبعة ليبزيج وفق ما نوَّهتْ إليه بافتخار مطبوعة الشركة التذكارية بمناسبة العيد السنوي المائة والخمسين. لم تكن هناك مشكلات؛ حيث تلقَّتِ الشركة العديدَ من الطلبيات اللاحقة. لكنْ في منتصف عام ١٩٣٩م، قُبيل الهجوم الألماني على بولندا، غيَّر فرانكو شركة طباعة النقد التي يتعامل معها. كان الحَذَر السياسي يُملِي الاعتمادَ بدرجةٍ أقلَّ على ألمانيا بزعامة هتلر، على الأقل في مجالٍ حسَّاسٍ كطبْع أوراق النقد. وأي مورِّد، حتى لو كان من إيطاليا الفاشية، كان يُتيح مزايا لا تقتصر على الجغرافية منها. عُهد بتلبية هذه الطلبية إلى جوالتيرو ذي الستة والعشرين عامًا، أحدِ ابنَيْ ريناتو والمدير الفني للمطبعة المُؤَمَّنة. كان ذلك أولَ اتصال بينه وبين جيزيكه أوند ديفريَنت، وكان لا يَزَال اتصالًا غير مباشر. تمَّ الطبع في ميلانو على آلات من إنتاج الفرنسي سيرج بون. كان الأب ريناتو قد حصل على ترخيص التوزيع العام لهذه الآلات في إيطاليا، لكنَّ آلات بون التي اشتراها كانت لاستخدام المطبعة فقط. فالمرء ليس بحاجة إلى تقوية منافسيه.

كانت عائلة جوالتيرو قد اضطُرَّتْ إلى الفِرَار عند نشوب الحرب. كان والدُه قد هاجر قبل ذلك إلى الأرجنتين، وعَبَرَتْ بقيةُ العائلة الحدودَ إلى سويسرا. أما جوالتيرو — الذي غيَّر اسمَه العائلي مِن كُوِن متَّخِذًا اسمَ أمِّه العائلي قَبْلَ زواجها؛ وهو جوري — فقد بقي من خلفهم. كان ينوي إنقاذ المطبعة وآلاتها الثمينة من الألمان، الذين فرضوا سيطرتهم على المنشأة، ومن قنابل الحلفاء. نجح جوالتيرو في هذا بقَدْر هائل من الشجاعة والدهاء. تمكَّن مرات عديدة من الفرار بأعجوبة من إحدى الوحدات الخاصة التابعة للقوات الألمانية، واضطُرَّ إلى العيش تحت الأرض. وعندما عاد الأب ريناتو لفترة وجيزة إلى إيطاليا بعد نهاية الحرب، باعَ حصَّتَه في شركة الطباعة.

لقاء الإسكندرية

كانت طباعة أوراق النقد، باعتبارها قِطَاعًا مُربِحًا ومرموقًا، مُركَّزة في أيدي قِلَّةٍ قليلة من شركات طباعة النقد الخاصة في نهاية الحرب العالمية الثانية؛ وهي: شركة الطباعة البريطانية ذات التدابير الأمنية الصارمة توماس دي لا رو آند كومباني، وووترلو آند صنز، وهارِسون آند صنز، بالإضافة إلى المُنافِسين الأمريكيين بقيادة أمريكان بنكنوت مع شركتها البريطانية التابعة برادبيري وِلكِنسون، ويو إس بنكنوت، وبرِتِش أمريكان بنكنوت. كان البريطانيون يُهَيْمِنون على سوق طباعة أوراق النقد والسندات المالية في جنوب أوروبا وفي أفريقيا وآسيا. كانت تلك عمومًا بلدان الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية الآخِذة في الانهيار. كانت للمنافَسة الأمريكية — التي لم يتمَّ إشراكُها قطُّ في طبع دولاراتها الأمريكية — اليدُ العُلْيا في البلدان العالية التضخم في أمريكا الوسطى والجنوبية، وأيضًا في الصين القومية والفلبين. كانت آلاتها الطباعية في أغلبها من تصميمها. كان طَبْع أوراق النقد على ألواح مسطَّحة يستغرق وقتًا طويلًا. وكان طَبْع الخلفية والإنتاليو كلاهما أُحاديَّي اللون، ويتطلَّبان دورة تشغيل منفصلة لكل لون.

كانت فكرة تطوير آلة طباعة إنتاليو متعددة الألوان عالية الأداء تتميَّز في الوقت نفسه بالدقة العالية تُداعِب خيال جوالتيرو. كان المطلوب أن تكون هذه الآلة قادرةً على طبع ألوان متعدِّدة في دورة تشغيل واحدة. لم يكن يرغب في بيع هذه الآلات إلى شركات طباعة نقد خاصة بقدْر رغبته في بيعها إلى تلك البلدان الكثيرة التي كانت تفتقر إلى مطابع نقد خاصة بها. كان سيرج بون — الذي كان جوالتيرو جوري على دراية من قَبْلُ بآلاته بفضْل مطبعة ميلانو — قد طوَّر التصوُّر الأساسي لطباعة الإنتاليو المتعددة الألوان. كان الفرنسي مهندسًا قديرًا ومخترعًا، لكنه لم يكن بالمقدرة ذاتها كرجل أعمال. اشترى جوالتيرو براءات اختراع بون، وبدأ يُدخِل مزيدًا من التطوير على آلة طباعة الإنتاليو بمساعدة فريق من المُصمِّمين والميكانيكيين الإيطاليين. صُنِعتْ أُولَى آلات حفْر جوري المتعددة الألوان ذات اللوح الفولاذي، التي تُسمَّى «بيلوتو»، في عام ١٩٤٧م بمعرفة مصنع مينو للآلات بمدينة الإسكندرية الصناعية بإقليم بيدمونتي. كانت تربط والد جوري صلات طيبة برئيس دولة الأرجنتين خوان بيرون، وهكذا اشترت المطبعة الحكومية كاسا دي مونيدا الكائنة في بوينس آيرس النموذج الأوليَّ. انتقل جوالتيرو إلى الأرجنتين التي كانت تُعتبر آنذاك «بلدَ المستقبل» في نصف الكرة الجنوبي. رافقه فريقه الإيطالي إلى هناك، لكنَّ إنتاج الآلة ظل في الإسكندرية. لم تُعانِ الصناعةُ الإيطاليةُ إلا قليلًا نسبيًّا من الحرب، وكانت الهندسة الميكانيكية الإيطالية تتمتَّع بسُمعة قوية. بعلاقات العمل التي أقامها مع «كاسا دي مونيدا»، سرعان ما نجح الإيطالي البارع في بيع نصف دستة من طابعاته بيلوتو إلى بلدان من أمريكا اللاتينية من ضمنها البرازيل وشيلي وكولومبيا، وقد استخدمتْها هذه الدول على مرِّ السنين في إنتاج بعض أجمل أوراق النقد المتعددة الألوان في العالم. لكنَّ إحراز تقدُّم في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، موطِنَيْ قادة العالم في طبع السندات المالية، استغرق وقتًا. كانت التكنولوجيا المتعددة الألوان المستخدمة في بيلوتو معقدة أكثر مما ينبغي، وكانت آلات الطباعة عُرضة لأعطال كثيرة.

عندما سعى جوري أخيرًا إلى تقديم آلاته إلى المتخصصين محبِّي الاستطلاع في هذا القطاع من الأوروبيين في مقرِّ مينو الرئيسي في مطلع خمسينيات القرن العشرين، توقَّف البيان العملي عدة مرات بسبب أعطال فنية. كان ضمن ضيوف جوري رجلٌ ألماني، وهو سيجفريد أوتو، مدير عام جيزيكه أوند ديفريَنت الكائنة في ميونخ. كان أوتو يُريد طبع أوراق نقد وسندات مالية توفران أعلى درجة ممكنة من الحماية ضد التزييف والتزوير. وحتى قبل استعادة ألمانيا سيادتها، كان أوتو قد اقترح في مذكرة إلى قيادة بنك دويتشر لاندر، الذي تحدَّر منه البنك الاتحادي الألماني، ضرورةَ طبع أوراق النقد الألمانية في ألمانيا من جديد. كان ذلك لا يزال يُقلِق شركات طباعة النقد الأمريكية والبريطانية والفرنسية التي تَطبَع لمناطق الاحتلال الغربية الثلاث. لم يكن قد سُمح لجيزيكه أوند ديفريَنت بأنْ تَطبَع لبنك الرايخ إلا في حالات استثنائية قليلة جدًّا. كان على أوتو أن يُقدِّم جَوْدة لا يَمْلِكُها بلدٌ آخَرُ إذا أراد لمطبعة السندات المالية الخاصة به أن تَنَالَ فرصةً في فترة ما بعدَ الحرب. كانت مطبعتُه تعمَل في ذلك الوقت بطابعةِ ألواح نحاسية محفورة اشتراها مستعمَلةً من شركة طباعة النقد وصناعة الورق الحكومية السويدية تومبا بروك. تلك الطابعة كانت شيئًا نادرًا في ألمانيا في ذلك الوقت، لكنَّها على الرغم من ذلك كانت عتيقة الطراز من الناحية التكنولوجية. كانت آلة جوري تُتِيح طباعة إنتاليو متعددة الألوان من لوح طباعي فولاذي محفور واحد على مستوًى عالٍ من الدقة. إجمالًا، كان ذلك يَعنِي تحسُّنًا هائلًا في أداء الطباعة وجودتها. لكنْ كان واضحًا أيضًا لأوتو أنَّ التقنيات الحساسة بآلة طباعة السندات المالية تتطلَّب جودةَ تصنيعٍ ربما لا يَقدِر عليها صانع آلات عادي. كانت آلة جوري واحدة من كثيرات في برنامج إنتاج مينو. ومِن ثَمَّ عرض أوتو تدبيرَ اتصال بين جوري ومصنع الآلات كوينج أوند باور صاحب سنوات الخبرة الطويلة في هذا القطاع من الآلات. حتى في زمن تأسيسها قبل ذلك بمائة سنة، كانت جيزيكه أوند ديفريَنت قد حصلتْ على أوَّلِ طابعة خاصة ثقيلة تَملِكها بنظام الألواح النحاسية المحفورة من فورتسبورج، وكانت لا تزال تربطها علاقات ودية بشركة كوينج أوند باور.

الرابطة الإيطالية

كوينج أوند باور، هي بلا جدال أقدم صانع آلات طباعة في العالم، كما أن مبيعات المجموعة البالغة ١٫٤ مليار يورو تجعل هذا الصانع الأصيل لطابعات الصُّحف وطابعات المهامِّ الصغيرة ثالثَ أكبر مزوِّد أنظمة طباعية ومعدات مساعِدة في العالم. تُعتبر هذه الشركة العريقة من بين أرقى الشركات في مجال الهندسة الميكانيكية الألمانية الذي يتسم بالقوة والثقة بقدراته الذاتية. ما زالت الشركة تحتَ سَيْطرة العائلة المؤسِّسة بامتلاكها أغلبيةَ أسهُم رأسمالها. دُشِّنت الشركة رسميًّا في لندن عام ١٨١٧م على يد فريدريش جوتلوب كوينج وصديقه أندرياس فريدريش باور. حدث ذلك بعد أنْ كان المهندسان قد عَمِلا مِن قبلُ معًا في إنجلترا لسنوات، وهي فترة طوَّر أثناءَها الثنائيُّ أولَ طابعة أسطوانية في العالَم. في أوروبا القارية، في البلاطات الملكية في برلين وفيينا وسان بطرسبرج، لم يكن هناك اهتمام بهذا الاختراع الذي كُتب له أن يُحدِث ثورةً في طباعة الصحف؛ إذْ كان خوف الحكَّام من الكلمة المطبوعة عظيمًا؛ ومِن ثَمَّ كانت أولُ طابعة أسطوانية سريعة مِن إنتاج المهندسَيْن الألمانيَّيْن من نصيب لندن تايمز. مكَّن الأداءُ الطباعي المنقطعُ النظير الذي حققتْه هذه الآلةُ في ذلك الزمان الصحيفةَ اللندنيةَ مِن زيادة كمية نُسَخها اليومية المطبوعة بدرجة كبيرة. لقد أتاحت الظروف التي جعلتْ أولًا تايمز جريدةً ذاتَ انتشار جماهيري ثم صحيفةً ذاتَ شأن عالمي. صارت تايمز تُسمَّى «الصاعقة» بفضل تأثيرها السياسي الهائل. بدعوةٍ من مَلِك بافاريا، عاد المهندسان إلى الولايات الألمانية المتشرذمة عام ١٨١٧م، فذهبا إلى فورتسبورج عبر نهر الماين الصالح للملاحة، والذي كان يسمح بالنقل الاقتصادي لقوالب الطابعات الثقيلة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بستِّ سنوات، لم يَكُن يُلمَح شيء من البريق القديم في فورتسبورج. كانت المدينة عبارة عن أنقاضٍ، وألمانيا المقسَّمة في الحضيض اقتصاديًّا. كان المصنع الرئيسي قد صار هدفًا للقصف، وأُحرِقت المسوَّدات الهندسية. بِيعتْ طابعة واحدة في البداية عام ١٩٥١م إلى صحيفة محلية هي دارمشتاتر إكو. كان هانز بولتسا، رئيس الشركة، يكافح لإحياء أعماله الخارجية، فسافر دوريًّا إلى أمريكا الجنوبية، التي كانت ذات يوم سوقًا مهمة لطابعات الصحف والسندات المالية التي تُنتِجها كوينج أوند باور. وفي طريقه، توقَّف في مدريد؛ حيثُ تفاوض مع عميل قديم هو فابريكا ناثيونال دي مونيدا إي تيمبري بشأن توريد آلة ثقيلة مصمَّمة خِصِّيصَى لطباعة أوراق النقد.1

كانت آلة الطباعة الرباعية الألوان من سطح بارز المعروفة باسم «إيريس» التي عرضها بولتسا قد طرحتْها كوينج أوند باور في السوق عام ١٩٢٣م، وتمثل تكنولوجيا متأخِّرة نوعًا عن عصرها؛ ومع ذلك كان الأمل يَحدُوه في توقيع عَقْد مع الإسبان في رحلة عودته. وعندما طرق الباب مجددًا في مدريد، كشف له شركاء أعماله أنهم تلقَّوْا في غضون ذلك زيارةً من مصمِّم آلات طباعية إيطالي يُسمَّى جوالتيرو جوري. كان هذا المهندس الشابُّ قد أبلَغَهم بمعلومات مثيرة عن خُططه المتعلِّقة بطباعة أوراق النقد المتعددة الألوان. قالوا إن الموقف تغيَّر تغيُّرًا جذريًّا وإنَّ على فابريكا ناثيونال دي مونيدا إي تيمبري أنْ تُعيد التفكيرَ في كلِّ شيء. علم بولتسا أيضًا أنَّ هذا المبتدئ سافر بطائرته الخاصة واستدعى ممثلي فابريكا ناثيونال دي مونيدا إي تيمبري إليه في المطار. كان الرجل الآتي من فورتسبورج قد سمع بهذا الشخص من قبلُ. كان كبير مهندسيه هانز فرِتس موجودًا في الإسكندرية لإعطاء عرض غير موفَّق عن الآلات. كان فرِتس قد كتب أيضًا تقريرًا لم يقرأْه أحد، حالُه كحال تقاريرَ أخرى كثيرة جدًّا. أما الآن فكان بولتسا مهتمًّا، ومنزعجًا في الوقت نفسِه.

جرى اللقاء الأول في ميونخ بترتيب من سيجفريد أوتو، وسرعان ما نَمَتْ أواصر مودَّة بين هانز بولتسا وجوالتيرو جوري الأصغر منه سنًّا بكثير، كما روى هانز بي بولتسا-شونِمان، ابن بولتسا بالتبنِّي، بعدَ ذلك بسنوات عديدة. ثمة تفصيلة ثانوية كان لها أنْ تلعب دورًا كبيرًا هنا. كان أسلاف بولتسا قد تحدَّروا من منطقة بُحيرة كومو في شمال إيطاليا، وقد حرص بولتسا دائمًا على الحفاظ على هذه الصلة العائلية بالجنوب، وكان يتحدَّث الإيطالية بطلاقة من بين ما يتحدث من لغات. كان لهذا أنْ يُصبح أساس علاقة وثيقة بين رائدَيْ أعمال صاعدَيْن.2 في مارس ١٩٥٢م، أبرم جوالتيرو جوري وهانز بولتسا اتفاقًا أوَّليًّا تُوِّج بعد ذلك بست سنوات بعَقْدِ تعاونٍ طويل المدى. كان ذلك يعني الضربة القاضية لشركة مينو التي كانت عليلةً من قبلُ، فأفلستْ.
في اللحظة التي وَضَع فيها بولتسا توقيعَه على الاتفاق الأَوَّلي مع جوري، كانت كوينج أوند باور تتمتع بالفعل بأكثر من ١٣٠ سنة من الخبرة في صناعة الآلات، وقد شكَّلتْ مَعينًا ثمينًا من المعرفة الفنية. ومن هذا المنظور نَجِد أنَّ المبتدئ جوري حصل على شروط سخيَّة. فلم يكن الأمر يقتصر على أن تقوم الشركة الكائنة في فورتسبورج بعملية التوريد بأسعار ثابتة، محسوبة في ذلك الوقت بالمارك الألماني لكل كيلوجرام من زنة الآلات،3 بل كان على الشركة أيضًا أن تتنازل عن التوزيع بالكلية، بما في ذلك التوزيع للسوق الألمانية المحلية. علاوة على ذلك، كان عليها أن تقطع التزامًا بأن تَتَنَازَل لجوري، دون مقابل، عن كل طلبات براءات الاختراع المستقبلية الخاصة بآلات طباعة السندات المالية هذه. لكن بولتسا لم يكن ساذجًا؛ فالتعاون أتاح له أيضًا مزايا. لم تكن جِراحُ الحرب قد اندملتْ بعدُ، ولم يكنِ الجميعُ في الخارج على استعداد لشراء آلة ألمانية من جديد. والآنَ بات بمقدور كوينج أوند باور أن تصنع مجموعات عديدة كاملة سنويًّا من طابعات السندات المالية، التي طلبها جوري مسبقًا على حسابه. في مجال أعمال الطابعات الدوَّارة للطباعة التجارية الشديد التقلب، ضَمِنَ له هذا استغلالًا مستدامًا لمستوًى أساسيٍّ من الطاقة التشغيلية. لم يكن على فورتسبورج أن تَقلَق بشأن الإعلان والمبيعات وأسعار الصرف. كما أن صيغة الدفع التي وضعها جوري كانت مريحة أيضًا. فبِمُوجِب العَقْد، كانت نسبة ٣٠ في المائة عند الطلب، و٥٠ في المائة عند التسليم، ونسبة اﻟ ٢٠ في المائة الباقية عند شراء الآلات. لكن جوري لم يكن يسدِّد الدفعة الأولى إلا عند حصوله على مشترٍ للآلة.

كان ارتباط جوري تعاقديًّا بشركة فورتسبورج كصانع حصري بمنزلة لحظة التقاط أنفاس بالنسبة إليها. ولا ننسَ أن حصة آلات الطباعة الخاصة هذه ساهمت بنسبة ٣٠ في المائة من مبيعات مجموعة كوينج أوند باور إيه جي في سنوات الذروة. وبمبالغ نقدية معتبرة، تُدفع بشكل غير رسمي، وفي غضون ساعات إذا دعتِ الحاجة، قدَّم جوري أيضًا المساعدة لشركة فورتسبورج في مأزقها المالي الممتد. اشترى جوري أيضًا أسهُم كوينج أوند باور المسجَّلة في السوق خلال زيادات رأسمالها العديدة. كان ذلك دعمًا سِعريًّا مُرحَّبًا به في السوق الرأسمالية الألمانية التي كانت لا تزال ضعيفة؛ مما جعل جوالتيرو جوري مستثمرًا استراتيجيًّا مهمًّا في كوينج أوند باور بمرور الوقت. لم تكن هناك مشاركة متبادَلة في أسهُم رأسمال شركة جوري في لوزان.

مطوِّر ومورِّد ومزوِّد خدمات في واحد

أثبت اختيار جوري شريكًا صحَّتَه من كل النواحي. كانت خبرة شركة فورتسبورج ومقدرتها هما العنصرين اللذين ضمنا النجاح الفني للطابعات الجديدة التي تُغذَّى بالصفحة. لكنها عبقرية جوالتيرو جوري التسويقية، بلسانه الطلق المتعدد اللغات، هي التي حقَّقت نصرًا تجاريًّا. كان جوري يُفكِّر بالفعل «عالميًّا» قبل أن يُصبح مصطلحُ «عالميٍّ» على كلِّ لسان في كل خطاب رسمي. من الناحية السياسية، كان مجال عمله شديد الحساسية؛ ومِن ثَمَّ، بناءً على نصيحة صديقه ألبير عمون، نقل إلى لوزان المقر الرئيسي لشركة أورجنايزيشن جوري التي كان يوزِّع من خلالها حصريًّا آلاته. لم يقتصر ما تُتِيحه الكانتونات السويسرية على المعدلات الضريبية الجذَّابة، والحسابات البنكية المجهولة الاسم، والتسامح الكريم مع «النفقات المفيدة» — كما ذكرنا من قبلُ — بل كانت سويسرا أيضًا بلدًا مُحايِدًا يستطيع المرء انطلاقًا منه مزاولة الأعمال بشكل مثالي مع الغرب والشرق في زمن كانت تتصاعد فيه حرارة الحرب الباردة. اتخذ جوري مقرًّا لنشاطه في واحد من القصور الأرستقراطية البعيدة عن الأعيُن في شارع رو دي لا بيه في لوزان. كان هذا المقرُّ يُستعمل في الوقت نفسِه مقرًّا إداريًّا لمصنع أحبار عمون «سيكبا»، الذي سنروي عنه الكثير في موضع آتٍ. ومن هناك لم تَحُزْ أورجنايزيشن جوري السيطرة على توزيع آلات كوباو-جوري التي تمتدُّ من الطبع إلى التحزيم النهائي لأوراق النقد فحسب، بل حازتْ أيضًا على تدريبِ موظَّفِي وعمالِ الطباعة. بالإضافة إلى ذلك، كانت أورجنايزيشن جوري تقدِّم أيضًا خدمات ما قبل الطبع، من تصميم ورقة النقد أو الورقة المالية، بما في ذلك تجميلها بالخصائص الأمنية، مرورًا بصنع النماذج الأولية، وانتهاءً بصنع اللوح الطباعي. كما اشتغل جوري بإنشاء مطابع السندات المالية بنظام تسليم المفتاح بالإضافة إلى تقديم التوجيه الفني لتشغيلها خلال فترة انتقالية.

أُنشئتْ دائرة واسعة للبحث والتطوير في ضاحية سيفِلِن في لوزان، وأُنشئ مركز العروض البيانية في لو مونت المجاورة. كان جوري قد اتخذ هناك نموذجًا عاملًا كاملًا لصالة طبع سندات مالية، جُهِّز بكل ما لديه من آلات كبيرة للطبع والمعالجة والتحزيم النهائي، بما في ذلك البنية التحتية الكاملة التي تحتاج إليها أيُّ مطبعة. كان بمقدور العملاء مراقبة تصميم أوراق النقد أو النقش اليدوي للصور التي تحملها أوراق النقد في هذين المركزين المحميَّيْن، الخاضعين لرقابة مُحكمة بأحدث الأنظمة الأمنية. كان يمكنهم ممارسة طبع أوراق النقد على آلات أصلية ومتابعة تدريب موظفيهم. مجرد القيام برحلة في صالة الطبع في لو مونت، مصحوبة بالموسيقى والمؤثرات الضوئية بطريقة الصوت والضوء، بمنزلة تجربة لا تُنسى لكل زائر. تكشف الستائر التي تنفتح أوتوماتيكيًّا عن مرأى قاعة تضم طابعات تزن ٥٠ طنًّا متريًّا بطول ١١ مترًا. في عالم طباعة أوراق النقد والسندات المالية المتَّسم بالكتمان، والذي لا يُسمح لأحد فيه بالاطلاع مباشرةً على طريقة عمله، والذي كانت المعرفة التقنية فيه تخضع لحراسة مشدَّدة، بدا عرض خدمة جوالتيرو جوري بمنزلة ثورة. كانت هذه الخدمة الكاملة — التي عُرفت باسم «منظومة جوري» — هي التي ستفتح الطريق أمام النجاح.

بعد سنة من التوقيع على العقد، طرح جوري وكوباو في السوق أول طابعة متعدِّدة الألوان تُغذَّى بالصفحة بلوح فولاذي في العالم. وبلوح طباعي محفور بالحامض أو بالإزميل، كان يمكن للمرء في خطوة طباعية واحدة آنئذٍ أنْ يُنتِج صورة مطبوعة متعددة الألوان ذات تضاريس بارزة يمكن تحسُّسُها بلمسةِ إصبع. كان هذا يتطلَّب ضغط الأسطوانة الطباعية على الورق بقوة تقدر ﺑ ٨٠ طنًّا متريًّا، وهو ما كان مستحيلًا من الناحية التقنية حتى ذلك الحين. بهذه الطريقة يُنقل الحبر الموجود في التجاويف المحفورة في اللوح الطباعي إلى الورق.4 الإنتاليو طباعة نافرة، يحدِّد فيها ضغط الأسطوانة الدوارة كمية الحبر المستخدَمة. وجهٌ واحدٌ فقط هو الذي يطبع في المرة، ويجب قلب الورقة وتمريرها في الآلة من جديد لطبع الوجه الآخر بالإنتاليو. سُرعان ما أُضيف إلى هذا البرنامج آلة طباعية تُنجِز تلك الخُطوتين في آنٍ واحدٍ، فسَمحتْ للمرة الأولى بالطباعة المتعددة الألوان المتزامنة لخلفيةٍ بدرجات ألوان بالغة الدقة على كلا وجهَيِ الورقة. كانت هذه الألوان تتألَّف من أنماط متشابكة متطابقة تمامًا. وعندئذٍ كان يمكن طبع النمط على شفَّافة على نحوٍ لا تشوبه شائبة، فتصبح رؤية الصورة الكاملة غير ممكنة إلا برفعها في مواجهة الضوء. كان يجب أن يَمضِيَ أكثر من عشرين سنة قبل أن يتم تضمين هذه الخاصة الأمنية — صارت الآن معترفًا بها عالميًّا — في طباعة أوراق النقد. لكنْ سرعان ما تبلور خط آلات، من طبع الخلفية إلى الإنتاليو وطابعة ترقيم ثنائية اللون بنظام تنضيد الحروف — المعروف باسم «نوميروتا» — إلى مرحلة التحزيم النهائي، وجميع هذه المراحل كانت متناغمة تمامًا بعضها مع بعض. كان ذلك أيضًا شيئًا جديدًا في عالم الطباعة المُؤَمَّنة.

كان جوري بحاجة مُلِحَّة إلى مشروع أو اثنين يستخدمهما كمرجع كي تُتاحَ له فرصة الحديث إلى البنوك المركزية المعروفة بحَذَرِها. ساعدَه في ذلك شركة طباعة النقد الهولندية الخاصة إنسخيده — التي كانت تطبع الجلدر الهولندي — وجيزيكه أوند ديفريَنت بميونخ؛ إذ حصلا على أول آلات طباعة إنتاليو تُغذَّى بالصفحة. وعند تقديم النموذج الأوَّلي لآلة الطباعة المتزامِنة في فيينا، اشتراه البنك الوطني النمساوي. كان الباب المؤدِّي إلى البنوك المركزية قد انفتح. احتفظتْ فورتسبورج لنفسها بتصنيع طابعات الإنتاليو وطابعات الترقيم بنظام تنضيد الحروف، وأسندت صُنع آلات الطباعة المتزامِنة إلى ماشينِن فابريك مودلِنج الكائنة بالقرب من فيينا. بُرِّر هذا بانخفاض تكاليف الإنتاج هناك، على الرغم من وجود دوافع سياسية أيضًا. كانت كوينج أوند باور منخرطة في مفاوضات صعبة مع الحكومة في فيينا بشأن استعادة مصنع مودلِنج. كان المصنع في الحقيقة مملوكًا أصلًا لشركة فورتسبورج على مدى أربعين سنةً لكنَّه صُودِرَ في نهاية الحرب بصفته «أحد أصول الأعداء». لذا اضطرت كوينج أوند باور إلى شراء مصنعها مرة ثانية. في غضون ذلك كانت الآلات سوبر سيمولتان وسوبر نوميروتا وكتْباك (آلة تقطيع وتحزيم) وأجزاء من آلة طباعة الإنتاليو تُصنَّع في مودلِنج، التي كانت قاعدة إنتاجية بشكل صِرْف، وكانت كل التصميمات تأتيها من القاعدة الرئيسية في فورتسبورج.

حقَّق الإصدار العادي البطيء نسبيًّا نجاحًا تجاريًّا عظيمًا من منظورنا اليوم؛ حيث ظلَّ يُصنَّع لعشرين عامًا، ولم يُستبدل به إصدار «سوبر»، بأدائه الأعلى مستوًى، إلا في سبعينيات القرن العشرين، وعلى مراحل. اشتُقَّ اسم الآلة الجديدة من صفحات الورق الكبيرة «السوبر» التي كانت تطبع عليها. كان القَطْع الجديد يُشكِّل تحدِّيات كبيرة لتكنولوجيا الطباعة؛ إذ كانت هذه الصفحات الكبيرة بالغة الحساسية للرطوبة، وتتشوَّه عادةً عند الحواف على شكل شبه منحرف تحت ضغط الأسطوانة الشديد، وهما مشكلتان من شأن كلتَيْهما أنْ يجعلا أوراق النقد بلا قيمة. لكنْ تحقيقًا لمستوًى رفيع من الدقة، عُولِجت حتى هذه التشوهات منذ البداية بوضع علامات مائية في الورق وبتصميم الألواح الطباعية. قُرب نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كانت آلة الإنتاليو ذات القطع السوبر والتحكم الإلكتروني الكامل إيذانًا ببلوغ ذروة هذا التطور. لُقِّبت الآلة «أورلوف» تيمُّنًا بإيفان أورلوف — مهندس عاش في زمن القيصر — وبشركة موسكوفسكيا بتشاتنايا فابريكا جوزناكا (جوزناك). ستمضي هذه الشركة، بمطبعتَيْها الكائنتَيْن في موسكو وبيرم، على مر السنين لتصبح ثاني أكبر مشترٍ لآلات كوباو-جوري.5 بفضل عملية طباعية خاصة، أتاحت طابعة الإنتاليو أورلوف صورةً مطبوعةً أوضحَ، وتوفيرًا ملحوظًا في الحبر، وزيادةً تثير الإعجاب في الأداء الطباعي. كان «الأداء الطباعي الفني» للآلات السائدة يبلغ ٣ آلاف صفحة من القَطْع الصغير في الساعة، تضم كل صفحة ٣٢ ورقة نقد، وهو ما لم يتسنَّ الوصول إليه في ظل ظروف الإنتاج الصناعي. وفي المقابل نَجِد أنَّ الجيل الأخير من طابعات الإنتاليو أورلوف المُؤَتْمَتة تُطرَح في الأسواق في يومنا هذا بأداءٍ فنيٍّ أقصى يَبلُغ ١٢ ألف صفحة سوبر في الساعة، تضم كل صفحة ٦٠ ورقة نقد. يتوقَّف العدد الفعلي لصفحات أوراق النقد التي يمكن أن تُنجِزَها طابعة معينة على عدة أمور، وهذه الأمور هي تركيبة ورقة النقد والخبرة الفنية للعاملين وقواعد النقابة. كانت الرسوم الميكانيكية للطابعات ما زالت تأتي حصريًّا من جوري. انتقل التطوير اللاحق بالتتابع إلى فورتسبورج، ولا سيما تطوير الطابعات التي اشتملت على زيادة في الأداء الطباعي. لكنَّ الالتزام بالتنازُل عن براءات الاختراع كافة ظل قائمًا. على سبيل المثال، قدَّم ألبرخت جرمان — الذي عمل لأربعين سنةً مهندسًا في كوينج أوند باور، وكان في النهاية مسئولًا عن الطابعات الدوَّارة التي تغذَّى بالصفحة — وحده ١٤٥ طلبَ براءة اختراع لصالح جوري.

رينو وسيج

كذلك آذن اللقاءُ بين ضابط المدرعات السابق بالجيش الألماني سيجفريد أوتو وجوالتيرو جوري في الإسكندرية ببداية شراكة دائمة دامتْ عَقدًا من الزمن بين هذين الرجلين، اللذين كانت سيرتاهما الحياتيتان مختلفتين تمام الاختلاف. كان رينو وسيج — كما كانا يُسمِّيان أنفُسَهما — مهووسَيْن بعَمَلِهما، وكانا يتَّسمان ﺑ «أنا» قويةٍ. نَجَمَ عن هذا تعاونٌ حافلٌ بالتوتُّرات ومليءٌ بنَوْبات الغضب الشديدة والمصالحات التي لا تَقِلُّ دراماتيكية عنها. كان لأوتو الفضل في ترتيب لقاء بين جوري وبولتسا. كانت الصفقة تُبشِّر بالنجاح، وأراد أن يكون له نصيب منها، فاقترح على جوري أن يختبر الطابعات الإيطالية في الظروف الصناعية في مطبعة السندات المالية الخاصة به. كانت النتيجة «اتفاقًا بشأن التعاون الفني والتطوير» قابلًا للتمديد تلقائيًّا. حصل أوتو على امتيازِ أن يكون الوحيد المسموح له بأن يَطبَع باستخدام آلات جوري الخاصة في ألمانيا. كما نجح أيضًا في التفاوض على تخفيضٍ مُغْرٍ على آلات كوباو-جوري التي كان يحتاج إليها لاستخدامه الذاتي. بل كان هناك تخفيض في السعر — وهو بلا شك أكثر تواضُعًا — على المُعدَّات المورَّدة إلى طرف ثالث في إطار صفقةٍ توسَّطَ فيها أوتو. لكن جوري لم يكن بالتأكيد راغبًا في تَرْك أوتو يتولَّى عمليات التوريد؛ إذ كان جوري يعتبر تلك المسألة مجالَه الذي تفوَّق فيه. كانت الصراعات حتمية. كان شرط الحصرية موضعَ شُبْهة بموجِب قانون الاحتكار، وكان يصطدم بمصالح البنك الاتحادي؛ ومِن ثَمَّ لزم أن يُلغَى عاجلًا أو آجلًا. في نهاية خمسينيات القرن العشرين، عندما قسَّم البنك الاتحادي فعليًّا الطبع الأوَّلي لأوراق المارك الألماني مناصفةً بين المطبعة الاتحادية ومطبعة جيزيكه أوند ديفريَنت الخاصة، برزت الحاجة إلى تجهيز كلتا المطبعتين بآلات متطابقة. كان أوتو ذكيًّا بما يَكفي لئلَّا يُصِرَّ على الوفاء بشرط الحصرية. ومن ناحية أخرى، صار السعر الأكثر تفضيلًا لشراء آلات الطباعة آنذاك ميزة بالنسبة إلى ميونخ في المنافسة الدولية؛ مما أثبت من جديد بُعْدَ نظر سيجفريد أوتو في مجال الأعمال.

فيما يخص التبادل التكنولوجي، كان جوري، الشكَّاك دومًا في الآخرين، شريكًا يقظًا في تعامُله مع صديقه. فعلى الرغم من أن فورتسبورج كانت تبعد أقل من ثلاث ساعات بالسيارة عن ميونخ، أصرَّ جوري من حيث المبدأ على أن تمرَّ المعلومات كافة عبر لوزان. وكان هناك مبررٌ وجيه لذلك. كان سيجفريد أوتو يتطلَّع صراحةً إلى مجال تجارة المُعدَّات المُربِح. وبتأسيسه شركة سِكيوريتي برنتِنج — التي سنقول عنها الكثير — عام ١٩٥٨م في جلاروس بسويسرا، اتخذ تحرُّكًا ملموسًا في هذا الاتجاه؛ مما استفزَّ لوزان إلى ردِّ فِعْلٍ مُهتاجٍ من الردود التي اتَّسَم بها غالبًا أسلوب تعامل مديرَيِ الشركة أحدهما مع الآخر. لم يَسمح جوري باتصال مباشر بين شركة الطباعة الخاصة الكائنة في ميونخ وشركة صناعة الآلات الكائنة في فورتسبورج ريثما اتضح أنَّ أوتو لن يظلَّ منخرطًا في تجارة معدات الطباعة. لكنه ظل يُصرُّ على أن يُحاط عِلمًا بكل شيء. وما زال الناس في فورتسبورج يَذكُرون كبير مهندسيه جاتسولا كشريك صعب خلال تلك الفترة.

لكنَّ جوري نفسَه كان يُضطَرُّ أحيانًا إلى الاعتماد على مساعدة أوتو في تجارة المعدات. مشكلات جوري مع مصر ما زالت اليوم موضوعًا للحديث عندما يلتقي موظَّفو لوزان القدامى. كان المصريون قد دَأَبوا على استطباع نقدهم في إنجلترا، لكنْ في ظل التوترات المتزايدة مع لندن بشأن أزمة السويس عام ١٩٥٦م، قرَّروا بناء مطبعة نقد خاصة بهم، وكان يُفترض أن تحتلَّ موقعًا له رمزيته على الطريق الواصل بين القاهرة وأهرامات الجيزة، وأن تُكلَّف أورجنايزيشن جوري بإقامة المطبعة. كان فالتر شارف — وهو مهاجر ألماني كان يملك مطبعةً في مدينة الإسكندرية الساحلية المصرية — ممثل جوري في مصر. غضبت دي لا رو لاحتمال خسارة عميلها التقليدي. كان ذلك إبان حكم الجنرال اليساري القومي جمال عبد الناصر والتوترات المتزايدة مع إسرائيل، التي أفضتْ فيما بعد إلى حرب الأيام الست. وهكذا حرص البريطانيون على إيصال معلومة سرية إلى حكومة عبد الناصر مفادُها أنها توشك على الارتباط ﺑ «المصالح التجارية لليهود» — من بين كل مَن سواهم — في مسألة بمثل هذه الأهمية لأمنها القومي. وجاءت الاستجابة على مستوى التوقعات؛ حيث تلمَّس المصريون أعذارًا للتراجُع، وصار جوري مهددًا بفقدان هذا العقد المُهِمِّ.

في خضمِّ هذا المأزق، طلب جوري من شريك أعماله في ميونخ أن يتولَّى إقامة مطبعة النقد. كان أوتو، الضابط السابق بالجيش الألماني، فوق كل شبهة من وجهة نظر المصريين، بل وربما كان مرحَّبًا به في مصر في ضوء ما عُرف عن عبد الناصر من تفضيله المهندسين الألمان، وخصوصًا مهندسي التسليح. أبرم البنك المركزي المصري عقدًا مع جيزيكه أوند ديفريَنت عام ١٩٦٠م لإقامة مطبعة ذات تدابير أمنية صارمة وبطاقة تشغيل أوَّلية مقدارها ٨٠ مليون وحدة نقد. كما تولَّتْ ميونخ أيضًا تدريب العاملين وتصميمات الإصدار الأول من أوراق النقد المصري والتوجيه الفني للمطبعة خلال مرحلة بدء التشغيل. لكنَّ بدء التشغيل تأخَّر عدة سنوات بسبب تأخُّر أعمال الإنشاء. تسبَّب هذا بدوره في مشكلات مع مورِّدي الآلات والبنوك. أرسل أوتو موظفًا شابًّا هو مانفرِد بِك إلى مصر كمدير مشروع. كان بِك يبلغ من العمر تسعًا وعشرين سنة ولا خبرة لديه في الخارج. لكنْ بعد ذلك بعامين، وفيما كانت حرب الأيام الست تلوح في الأفق، تمكَّن من الإعلان عن بدء إنتاج أوراق النقد، وفي ١٩٦٩م تمكَّن أخيرًا من تسليم المطبعة إلى القيادة المصرية. ومنذ ذلك الحين ومصر تُلبِّي احتياجاتها من أوراق النقد — حوالي مليار وحدة سنويًّا في الآونة الأخيرة — من إنتاج هذه المطبعة وحدَها التي زِيدتْ طاقتُها الإنتاجية فيما بعدُ. لقد أُزيح المنافس الإنجليزي من الملعب، بل وتمكَّنتْ جيزيكه أوند ديفريَنت بعد فترة من كسب المصريين كعميل لمصنع الورق التابع لها في لويزنتال. وبدا أن الحظ خان المورِّد التقليدي بورتالز. لكن تلك الفرحة لم تَدُمْ طويلًا؛ فعندما بدأتِ المطبعة الاتحادية الألمانية في طبع النقد لإسرائيل وحصلت على الورق اللازم من لويزنتال، أعطتِ الاستخباراتُ البريطانية الزملاءَ المصريين إخباريةً سرِّية ودية، ففقد مصنع لويزنتال عميلَه من جديد. هذه هي الطريقة التي ما زالت تسير بها الأمور في يومنا هذا.

لم تكن القاهرة سابقةً فيما يخص التعاون، ولا حتى فيما يخص مشروع أوتو المنفرد في مجال المعدات. كان جوري يحاول جاهدًا الإبقاء على صديقه الجشع بعيدًا في هذا الشأن. سرعان ما تبيَّن ذلك فيما بعدُ في بورما؛ حيث كانت جيزيكه أوند ديفريَنت قد أبرمتْ عقدًا لتأسيس وتوفير التوجيه الفني لصالح مديرية مشروع فازي؛ وهو مجمع ذو تدابير أمنية صارمة يتألَّف من مطبعة نقد ومصنع ورق مُؤَمَّن ودار سكٍّ للنقود، وكلها تحت مسئولية الجيش. في الواقع كان ذلك المشروع مساعدةً من ألمانيا الشرقية بقيادة شركة بوليجراف العامة في فرايبيرج بولاية ساكسونيا. لكنَّ الرفاق من جمهورية ألمانيا الديمقراطية كانوا ينفِّذون ما يُلقِّنهم إيَّاه سادتُهم في موسكو تنفيذًا حرفيًّا أكثر مما ينبغي. ولأنهم كانوا مُلحِدِين شيوعيين مخلصين، فقد انتشروا في القرى وحاولوا تحريض السكان في بورما المُتدَيِّنة ضد رهبانهم البوذيين. أمر الجنرال ني وين، رئيس الحكومة الذي كان ميَّالًا إلى ردود الأفعال السريعة الغضب، بطرد رجال جمهورية ألمانيا الديمقراطية قبل أن تُشرِقَ عليهم شمس اليوم التالي، على الرغم من أنهم لم يكونوا قد قاربوا على الفراغ من مهمتهم في فازي. سُلِّم المشروع إلى جيزيكه أوند ديفريَنت بناءً على وساطة من شركة دويتشِه إندَسْتري أنلاجن المملوكة لدولة ألمانيا الغربية الاتحادية، والتي كانت تضم شركة صناعة الأدوات فريتس فيرنر التي كانت تساعد على بناء صناعة الأسلحة في بورما. في ظل «تنافس الأنظمة» الذي شهدتْه تلك الفترة، وفي ظل المجاملة العامة لتلك الدولة الجنوب شرق آسيوية التي تنتمي إلى دول عدم الانحياز، كانت شركة ميونخ قد حصلتْ على مباركة صريحة من حكومة بون على مشروعها. لكن مع ذلك كانت هناك مشكلات. كان جوري قد سبق أن باع آلات الطباعة الخاصة بمشروع فازي إلى المورِّد المطرود من ألمانيا الشرقية الشيوعية بالعُملة الصعبة. ما كان ناقصًا هو طابعة إنتاليو ثانية؛ لأن البورميين كانوا يُريدون طبْع نقدهم طباعة إنتاليو على الجانبين. عندما طرح أوتو مسألة شراء آلة الطباعة الإنتاليو هذه أمام شريكه، كان جوري مصمِّمًا على إثنائه عنها. وكما يقول موظَّفو لوزان، احتدَّت المناقشة. لكن أوتو حصل في النهاية على آلته. جعل هذا بورما مشروعًا خارجيًّا مُربِحًا، لا سيما بالنسبة إلى جيزيكه أوند ديفريَنت، لكن كان أيضًا مشروعًا جدليًّا من منظور المناخ الجيوسياسي المعاصر.

كل مثلث تام

غَزَتْ طابعات كوباو-جوري سوق طباعة أوراق النقد والسندات المالية ببُطء. لكنَّ جوري لم يكن قد سبق له قطُّ أن تمكَّن من الفوز بواحدة من أهم جهات طباعة أوراق النقد كعميل؛ وهي مكتب سكِّ وطباعة العملة الحكومي الأمريكي. كان الخبراء يقولون إنَّ مَن يستوفي المتطلبات الصارمة التي يفرضها المكتب على آلات الطباعة يمكنه فعلًا أن يطبع لأي جهة. في منتصف خمسينيات القرن العشرين كان المكتب قد تحوَّل من الطباعة بالألواح المسطحة إلى الطباعة الدوَّارة بطريقة التغذية بالصفحة، والتمس عطاءات لتوريد طابعات لمطبعته الكائنة في واشنطن (مطبعته الوحيدة في ذلك الوقت). كان عطاء جوري يتضمَّن إصداره القياسي، لكنَّ عَقْد توريد ١٠ طابعات إنتاليو أُسند إلى دي لا رو. كانت أوراق الدولار في ذلك الزمان لا تزال تُطبَع على الوجهين بلوحٍ فولاذي محفور، لكنْ باللَّوْنَيْن الأخضر والأسود التقليديين فقط. لم يكن المكتب يستخدم على الإطلاق آلات طباعة الإنتاليو المعقَّدة المتعددة الألوان. كانت خيبة الأمل كبيرة في لوزان وفورتسبورج، وكان فقدان ماء الوجه مؤلمًا. لم تكن آلات الطباعة التي كان يصنعها لِدي لا رو صانعون متعدِّدون ناجحةً بمعنى الكلمة. كانت آخر طابعة إنتاليو — وهي من صُنع رولز رويس واعتُبرتْ ردًّا على طابعة كوباو-جوري الإنتاليو — فاشلةً تجاريًّا. كانت دي لا رو شركة ذات حضور في العالَم كلِّه وبمقدورها أنْ تُسبِّب متاعب لجوري. زادت تجربة جوري مع المصريين رغبتَه في تحسين علاقاته مع هذا المنافس. كانت دي لا رو قد عرضت عليه التعاون ذات مرة في أوائل خمسينيات القرن العشرين، وهو ما كان سيتضمَّن بيع تقنيته للبريطانيين، فرفض لهذا السبب. أما الآن فقد تواصل جوري مع دي لا رو عارضًا على الشركة المشاركة في أورجنايزيشن جوري. قال لدي لا رو إن عدد العملاء محدودٌ، وتكاليف التطوير والتسويق مرتفعة، فلماذا لا نتعاون؟ بعد مفاوضات مطوَّلة، وافق البريطانيون عام ١٩٦٥م، فدَشَّنَتْ أورجنايزيشن جوري مشروعًا مشتركًا. على الرغم من تَساوِي حصص المِلْكية، كان التحكُّم في العمليات التشغيلية لا يزال في يَدَيْ جوري، فأصبح «الرئيس التنفيذي» ورئيس المجلس الإشرافي للمشروع المشترك المُسمَّى دي لا رو جوري. كان يُفترض أن يضمن له تركيزُ السلطة غير الاعتيادي أن يظل رئيس المشروع. كان ذلك في أعيُن كثير من الناظرين زواجَ مصلحة «ضد قوانين الطبيعة». كانت شركة الطباعة الخاصة تُريد إنتاجَ أكبرِ قَدْر من أوراق النقد للآخرين، فيما كان مورِّد آلات الطباعة يُريد أخْذ أولئك العملاء تحديدًا منه. كان التحالف يناقض منطق السوق. لكن صداقة جوري الوثيقة مع بيتر أورتشارد — الذي صار فيما بعد رئيس دي لا رو التنفيذي — كانت ضمانًا لحماية مصالح كلا الطرفين. والحقيقة أن دي لا رو ظلَّت لسنوات طويلة تُعرِب عن رضاها بأرباح الأسهم المتدفِّقة، وامتنعتْ عن التدخل في تحكُّم جوري في العمليات التشغيلية. كانت كوينج أوند باور قد وافقتْ على دخول الشريك البريطاني، بشرط أن يكون دخول دي لا رو مقصورًا على الترتيبات التعاقدية الحالية. رفضتْ كوينج أوند باور رفضًا باتًّا طلب البريطانيين إشراكَهم في تصنيع آلات الطباعة، على الرغم من أنها كانت قد أكَّدتْ على هذه النقطة بقوة في شركة جوري خلال جولة غير عادية في مصنع فورتسبورج. لكنَّ التوسع المرتقب للعمل جعل الاستثمار الإضافي ضروريًّا في شركة فورتسبورج. كان مركزها المالي لا يزال ضعيفًا تمامًا؛ لذا وافق جوري ودي لا رو على أن يشتري كلٌّ منهما حصةً بنسبة ١٢٫٥٥ في المائة في كوينج أوند باور بشكل منفصل عن العَقْد.6 وبعد ذلك كانت الطابعات تخرج من المصنع حاملةً الاسم المعدل «كوباو-جوري-دي لا رو». لكن لم يفضح رضا جوري عن ضربته الموفقة — ووَلَعه بالإيماءات الفخمة — شيءٌ بقْدر ما فضحه شعار الشركة الجديد. كان مُثَلَّثًا متساويَ الأضلاع يحتوي نقشًا لاتينيًّا يقول: «كل مثلث تام»، وأسماء شركات الشركاء الثلاث. وقد حملت كل الآلات المستقبلية هذا الشعار.

غير أن استحضار الوفاق على هذا النحو لم يمنع جوري من السعي لتحقيق مصالحه التجارية الخاصة. فكلما حصل شريكُه دي لا رو على عَقْد لطبع أوراق النقد في أي مكان في العالم، سافر جوري إلى هناك وأوعز إلى ذلك البلد مخلِصًا أنَّ بمقدوره أيضًا تولِّيَ طبْع نقدِه بنفسِه. والحقيقة أنه كانت هناك قائمة حَظْر وضعتْها دي لا رو تضمَّنتْ، في الأغلب، المستعمرات البريطانية السابقة التي لم يكن من المفترض أن يَعرِض فيها جوري أيَّ آلات. لكن ماذا كان بمقدوره أن يفعل إذا كان هناك عميل لديه «رغبة مُلِحَّة» في آلاته؟ كان منحازًا بشكل خاص إلى البلدان الحديثة الاستقلال في أفريقيا وآسيا. كانت رسالته التي تجمع بين البساطة وإثارة الإعجاب في آنٍ واحدٍ: «إذا أردتَ أن يكون لك شأن في دائرة البلدان المستقِلَّة، فلا بدَّ أن تَطبَع أوراقك النقدية بنفسِك.»

الدَّوْر الآن على الدولار

مهَّد الشريك الجديد أيضًا الطريق إلى أمريكا أمام آلات جوري؛ لأنَّ دي لا رو انسحبتْ من تصنيع الآلات. في بداية ستينيات القرن العشرين، إبان حكم كينيدي، كان جوري قد عرض أيضًا في واشنطن تصوُّرَه بشأن الطباعة المتعددة الألوان لأوراق الدولار، لكن الكونجرس الأمريكي — المسئول عن هذا الأمر — رفض الاقتراح. نتيجة لذلك، اضطلعتْ لوزان وفورتسبورج، بتكلفة باهظة، بتطوير آلة طباعة إنتاليو مصمَّمة خِصِّيصَى لتلبية المتطلبات الأمريكية. وعندما دعا المجلس والمكتب من جديد إلى تقديم عطاءات لتوريد آلات طباعة في منتصف ستينيات القرن العشرين، كان عطاء جوري يتضمَّن هذه الآلة المطوَّرة خِصِّيصَى؛ وهي «إنتاليو أحادية اللون». كان منافسُه آنذاك أمريكان بنكنوت. دخلت شركة طباعة السندات المالية الأمريكية هذه، التي كانت مشهورةً في ذلك الزمان، المناقصةَ بآلة إنتاليو «ماجنا» قام بتطويرها إيفاندو جاتسولا الذي كان ذات يوم كبير مهندسي جوري. كان الاعتماد على فورتسبورج دائمًا شوكةً في جنب هذا المصمِّم الطَّمُوح، فأدار ظهره لجوري عندما خابت خُطَطُه الرامية إلى تطوير عملية جديدة تمامًا لطباعة الإنتاليو في خضم عملية دمج دي لا رو، وذهب إلى برادبيِري وِلكِنسون؛ وهي شركة تابعة لأمريكان بنكنوت.

استشاط جوري غضبًا لهذه «الخيانة»، وكلَّف مُخبِرين خصوصيين بوضع جاتسولا تحت المراقبة، فأكَّدتْ تقاريرُهم أن جاتسولا يعمل على آلة طباعة إنتاليو. كان طلب العطاءات الأمريكي يشترط إجراء اختبار للآلات في مطبعة المكتب في واشنطن؛ إذ كان يلزم أن يقوم طاقم تشغيل آلات عادية بطبْع مقدار محدَّد من أوراق النقد في زمن معين. تذكَّر جرمان، الذي كان يدير العروض التوضيحية للآلات في مقرِّ كوباو-جوري، أن آلتَيْه الإنتاليو الأحاديَّتَي اللون مستوفيتان لهذا الشرط منذ زمن بعيد، في حين أن آلات جاتسولا الأربع طراز «ماجنا» كانت لا تزال قيد التعديل. على الرغم من ذلك، اشترى المكتب كل آلات ماجنا المعروضة، واشترى أيضًا ثماني آلات إنتاليو أحادية اللون من كوباو-جوري. لم تكن آلات ماجنا تعمل كما ينبغي. كانت أمريكان بنكنوت قد صنعتْها بمعرفة أمريكان كان كومباني، التي كانت خدماتها مقصورة — بخلاف ذلك — على قطاع الصناعات الغذائية، وتفتقر إلى أيِّ خبرة في صناعة آلات طباعة السندات المالية المعقدة. صار شراء المكتب آلات ماجنا موضوعًا لجلسة استماع مُحرِجة أمام اللجنة المعنية بمجلس الشيوخ في نهاية سبعينيات القرن العشرين، واضطُرَّ مدير المكتب آنذاك إلى ترك منصبه.

لقد حدث الاختراق. واجهتْ كوباو-جوري بطبيعة الحال صعوبات في الاستيراد لبعض الوقت بسبب «قانون اشترِ الأمريكي»؛ حيث كانت الحكومة في واشنطن قد سَعَتْ منذ سبعينيات القرن العشرين من خلال هذا التشريع إلى مكافحة مشكلاتها المتزايدة في ميزان المدفوعات، فاشترطتْ من بين ما اشترطتْ فيما يخص عقود المشتريات الحكومية، أن يتم اعتبار أيِّ منتَج أمريكي مماثِل منتَجًا منافسًا حتى إذا كان أغلى بنسبة ١٠ في المائة من السلعة المستوردة. وبطبيعة الحال كان الفارق السعري البالغ ١٠ في المائة يُحسب من سعر المنتَج المستورد شاملًا التكلفة والتأمين وأجور الشحن؛ ومن ثم كان ممكنًا أن تكون تكلفة المنتج الأمريكي أكبر، لكنه كان مع ذلك سيفوز في المزايدة.7 كان يمكن تجنُّب تسمية المنتَج بأنه منتَج مستورَد إذا كانت نسبة ٣٠ في المائة على الأقل من قيمته أمريكية الإنتاج. نفذت كوباو التحويلات المرهِقة للقِيَم المتريَّة إلى البوصة، وحاولتْ دمج دوائر كهربائية أمريكية أو محرِّكات أمريكية في الماكينات، فأدى هذا إلى خفض الأداء. وفي النهاية خسرت واشنطن؛ إذ لم يقبل المكتب المعايير الصناعية المترية الخاصة بشركة فورتسبورج فحسب، بل منح كوباو-جوري وضعيةَ «مورِّد المصدر الوحيد». لقد تمَّ الالتفاف على قانون «اشترِ الأمريكي»، وكُوفئَتْ جهود جوري وفورتسبورج بسخاء. وعلى الرغم من أنه لا يَجوز نشْر عدد ما يورَّد من آلات بدقة بناءً على طلب العملاء — وهم البنوك المركزية — يظل بوسع المرء أن يفترض الحصول على نحو ٨٠ آلة رئيسية من فورتسبورج منذ بداية العلاقة مع المورِّد. ولم يتفوَّق على هذا العدد إلا الهنود وجوزناك الروسية؛ حيث اشترى كلٌّ منهما نحو ٩٠ آلة. ثم عند مطلع الألفية اشترى المكتب خطًّا كاملًا من الطابعات المتعددة الألوان بنظام الألواح الفولاذية المحفورة وآلات طباعة متزامنة «سوبر» لطباعة الخلفية المتعددة الألوان لأول مرة. بالنسبة إلى أهل الصناعة، كانت هذه أمارة مؤكَّدة على أنَّ أيام الاقتصار على اللونين الأخضر والأسود معدودة. فالتقدُّم في تكنولوجيا النَّسْخ لم يَدَعْ خيارًا آخر.

ادفعْ ولا تَقُلْ شيئًا

كان جوري قد اضطلع بمهمةٍ طَمُوحةٍ لم يكن نجاحُها مضمونًا بأيِّ حال. كان العدد القليل من شركات الطباعة الخاصة لا يكاد يكون له وزن فيما يتعلَّق بإمكانية التوريد. كان يتعيَّن على جوري أن يستهدف البنوك المركزية. لكن هذه البنوك لم تكن كلها بحاجة إلى مطابع نقد خاصة بها. كان جوري على وَعْيٍ تامٍّ بهذا، كما يتبيَّن من حدث صغير في مرحلة البداية. ففي بحثه عن شعار لشركة أورجنايزيشن جوري، اختار الإيطاليُّ الحصانَ المجنح بيجاسوس. بحسب الأساطير الإغريقية، خرج بيجاسوس من رأس ميدوسا الفتَّاكة بعدَ بتْرِها. لكن عندما قدَّم له الفنان الإيطالي فلورنتسو بيسي-ماسينو — وهو خبير معروف دوليًّا في تصميم أوراق الليرة — مسوَّدة الشعار، صُدم جوري لمرأَى ما اعتبره جَنَاحَيْن مفرطَيِ الكِبَر، كما يذكر بول فِرْنلي الذي ظل لسنوات مسئولًا عن مشتريات المواد في دي لا رو جوري وعن التنسيق مع كوينج أوند باور. قال جوري شاكيًا إنه بمثل هذين الجناحين سيسقط سقوط إيكاروس مثيرًا سخرية القطاع الصناعي. كانت النتيجة شعارًا مفعمًا بالحيوية يتميَّز بذوق فني رفيع اعتُبر خروجًا عن المألوف بابتعاده عن صورة رأس جورج الرابع الجامدة التي اتخذتْها دي لا رو، وعن الطائر الجارح المخيف الذي اتخذتْه جيزيكه أوند ديفريَنت. وهكذا سكن قلق جوري.

كانت سوق جوري في واقع الأمر «سوق شراء» نمطية، الكلمةُ الأخيرةُ فيها للعميل، فجعلها الإيطالي الداهية «سوق بيع»؛ حيث استغلَّ الغَيْرة التقليدية بين البنوك المركزية — التي كانت حريصة على استقلالها — والساسة. كان يعرف كيف يلعب على الغرور القومي أو الشخصي ويُغري بالمزايا الاقتصادية (تخفيض تكاليف الطبع والحفاظ على العُملة الصعبة) التي ستصاحب طبع النقد محليًّا. في أحاديثه مع العملاء، كان جوري يَعرِف كيف يعزف على كل أوتار أسلوبه الفصيح وقدرته القوية على الإقناع. ساهمت الهيبة — وربما الرهبة — التي يتمتع بها هذا الإيطالي المخضرم المتعدد اللغات مساهمةً كبيرة في نجاحه هنا. كان يمثِّل النسخة الحديثة من أحد أمراء العصر الباروكي. عندما كان يزور الصين مع زوجته الأخيرة — تزوَّج خمس مرات — وحفيدته، كان يسافر طبعًا بطائرته الخاصة مصطحبًا ثماني عشرة حقيبة ثياب. وقد بدا كلام مَن زاروا فيلَّته الفخمة التي تعجُّ بالأنتيكات، الكائنة في لوناي بالقرب من لوزان، كحكاية من حكايات «ألف ليلة وليلة».8 كان كل شيء متناغمًا تمامًا. في النهاية كان جوري هو الذي يقرِّر في أغلب الأحوال ما سيطلبه العميل، أو ما سيتعيَّن عليه أن يطلبه. كانت البنوك المركزية تحت رحمته. كانت هذه البنوك تسير وراءه معصوبة العينين. كانت تفتقر إلى الخبرة. ومِن الطبيعي أنها كانت تحتاج إلى مطبعة نقد خاصة بها، حتى وإن كان هذا يتعارض تمامًا مع المنطق الاقتصادي. كم بلدًا لديه طلب كبير على أوراق النقد يُبرِّر شراءه خطًّا خاصًّا به من آلات الطباعة التي يمكنها إنتاج مليار ورقة؟ وبطبيعة الحال تبيَّن في كثير من الأحوال أن التوفير الذي كان يلوِّح لهم به مجرد وهم. وحتى عندما تكون المطبعة مستكمَلة وبدأتْ بالفعل عملها، يظل يتعيَّن دائمًا استيراد مواد عالية التكلفة، وقلما كان صِغَر إصدار أوراق النقد يترك أي مجال للتوفير في التكلفة.

لم يكن هناك أي عميل أصغر مما ينبغي في نظر جوري، وهو ما سبَّب له بعض الصعوبات فيما بعد. ففي عام ١٩٧٣م مثلًا — وبمساعدة فرد من الأسرة المالكة الإيطالية كان يعيش في المنفى في جنيف — نجح جوري في بيع المعدات اللازمة لإنشاء مطبعة نقد كاملة لصالح البنك المركزي الإيراني. في غضون عَقْد من الزمان، تمَّ تسليمُ خَطَّيْ آلات عاديَّيْن. لكن المطبعة كانت لا تزال قيد الإنشاء عندما أُطيح بالشاه رضا بهلوي على أيدي الملالي عام ١٩٧٩م. كانت الآلات الثمينة لا تزال قابعة في صناديقها في أحد المستودعات. كان الحكَّام الجدد في إيران معزولين دوليًّا. كانوا بحاجة إلى مطبعة النقد أكثر من أي وقت مضى، وأصرُّوا على تنفيذ العقد. كان ذلك ذا حساسية سياسية؛ لأن التوترات بين واشنطن والأصوليين الإسلاميين في طهران كانت في ذروتها، وكان مكتب سكِّ وطباعة العُملة الأمريكي أفضل عملاء جوري. وجد جوري عذرًا؛ تنازل عن تجهيز مطبعة النقد وتدريب أفرادها إلى كاسِمشِتا أسافاشِندا، المدير الفني لمطبعة تايلاند الحكومية، الذي أفاد جوري أيضًا في مهامَّ حسَّاسة أخرى. كان الملالي راضين تمامًا، لدرجة أنهم طلبوا أيضًا خَطَّيْ آلاتِ طباعة سوبر آخَرَيْن عام ١٩٨٧م.

في وقت يقترب من الوقت الذي وضع الإيرانيون فيه توقيعهم على العقد مع جوري، كان هناك أيضًا وفدٌ من كوريا الشمالية في لوزان لإجراء محادثات. كانت دي لا رو جوري قد أسكنت أعضاء هذا الوفد، كما هي العادة، في أفضل مكان في البلدة، لكن الزيارة التي أُريد في الأصل أن تكون زيارة قصيرة تطوَّرتْ إلى إقامة طويلة؛ إذ راقت لمبعوثي كوريا الشمالية المتقشِّفة على ضفاف بحيرة جنيف، لدرجة أنهم لم يَرغَبوا في الرحيل حتى بعد انقضاء أشهر. أطالوا إقامتهم أكثر وأكثر بطلبهم معلومات مفصَّلة على غير المعتاد، وخوضهم مفاوضات صعبة بشأن الأسعار. وعندما ضاقت عليهم ملابسهم في النهاية (إذ راقَهم المطبخ الغربي) واضطُرَّ جوري أيضًا إلى شراء ملابس جديدة لهم على حسابه، نُقل الرجال إلى حيٍّ جديد في فندق متواضع ومعقول في تكلفته. كان المطلَب الكوري الشمالي الذي قُدِّم بإصرار عظيم، والخاص بتمويلٍ طويل الأمد على غير المعتاد، يقف عَقَبة حقيقية. لم تكن بيونجيانج تملك عُملة صعبة، وكل البنوك الغربية التي طُرح عليها الأمر رفضتْ فتح خطاب اعتماد من أجل الصفقة. صارت عودة الوفد إلى كوريا الشمالية خاليَ الوفاض أمرًا غير مستبعد، وبدأ أعضاؤه يَقلَقون بشأنِ مستقبَلِهم. وأخيرًا عثر جوري على بنكٍ خاصٍّ منح اعتمادًا يسدَّد على عشرة أعوام، لكن بفائدة أكبر كثيرًا من سعر السوق السائد. حصلت بيونجيانج على مطبعة النقد التي تُريدها، متضمِّنة الخط العادي مع تجهيزات ألواح طباعية كاملة، وقام بتركيبها فنيون ألمان وإيطاليون بجوار ثكنة عسكرية على أطراف بيونجيانج. لكن البنك الكائن في زيورخ لم يحصل على أمواله قط؛ إذ توقَّفتْ بيونجيانج عن السداد لهذا «المستغِلِّ الرأسمالي» بعد قِسْطَيْن اثنَيْن لا غير.

كانت آلات طباعة جوالتيرو جوري رائجةً بشدة على كلا جانبي الستار الحديدي، بل وازدادت الطلبيَّات بعد انهيار الإمبراطورية السوفييتية. على سبيل المثال، اشترتْ أوكرانيا حديثة الاستقلال بسكانها اﻟ ٥٢ مليونًا أربعة خطوط طباعة كاملة رُكِّبتْ في مصنع صواريخ حُوِّل إلى مطبعة ذات تدابير أمنية صارمة. وربما ما زالت الآلات الغالية يعلوها الصدأ في القاعات العملاقة؛ لأن خطًّا واحدًا فقط منها يعمل بانتظام. وكان حكام كازاخستان، بسكانها اﻟ ١٧ مليونًا، وأوزبكستان، بسكانها اﻟ ٢٤ مليونًا، يعتقدون أيضًا أنهم يَدِينون لأنفسِهم بمطبعة نقد من أجل استقلالهم الذي نالوه حديثًا، فرُكِّبت في كلا البلدين آلات ذات طاقة طباعية كانت تكفي لتغطية احتياجات ألمانيا من أوراق النقد، ولزم نقل هذه المعدات بطائرات نقل روسية عريضة البدن من طراز «أنتونوف ١٢٤» على عدة رحلات؛ لأن الآلات الحساسة لم تكن تتحمَّل درجة حرارة التجمد عند نقلها بالقطار أو بالشاحنات. عهد الأوزبكيون أيضًا إلى جيزيكه أوند ديفريَنت بإنشاء مصنع ورق نقد بتكلفة ١٠٠ مليون دولار كانت طاقته تكفي تغطية احتياجات ٣٠٠ مليون نسمة. وبالمناسبة، لتمويل هذه الصفقة، بِيع جزءٌ من احتياطيِّ الذهب الأوزبكي في زيورخ. وبعد ذلك بفترة قصيرة أعلنتْ طشقند إعسارها لصندوق النقد الدولي.

كانت استراتيجية تسعير جوري إبداعية كاستراتيجية مبيعاته، وقد ظلَّت هذه الاستراتيجية بمنزلة رأسماله غير المنظور. كان العملاء يقولون شاكين إن شركة لوزان تحسب «تكلفة التصنيع زائد ١٠٠ في المائة». وكانت هذه المقولة تحمل الكثير من الحقيقة. وكان لهذا على الأرجح علاقة بكون هذه الصفقات يُدفع ثمنها من المال العام. بالنسبة إلى الآلات الجديدة، كان هناك بند لإعادة الشراء محدَّد بمدة زمنية، وهو ما لم يدرك المراقبون مغزاه على الفور. وكانت هناك خصومات سِعرية، تزيد أحيانًا وتنقص أحيانًا أخرى، على حسب مقدرة العميل المالية. كانت الاختلافات في المواصفات الفنية للآلة دائمًا مفيدة في تبرير التفاوت في الأسعار. كان على كل عميل أن يتعهَّد خطيًّا بالحفاظ على سرية سعر الشراء. كثير من العملاء تذمَّروا، لكن قليلًا منهم عارض ذلك علانيةً. وذات مرة رفض فرانس لِسيلولو — الذي كان يَشغَل آنذاك منصب رئيس مطبعة بِروم بِروري الإندونيسية ذات التدابير الأمنية الصارمة في جاكرتا — التوقيع على بند السرية؛ مما أحدث ضجة، لكن من دون أيِّ عواقب. بل حاول الكوريون الجنوبيون تأليب العملاء الآخرين ضد سياسة الأسعار. لكن رجال «أرض السَّكِينة الصباحية» (اسم كان يُطلق على كوريا الجنوبية) أغفلوا حقيقة أن أكثر من ٩٠ في المائة من آلات دي لا رو جوري كافة تُباع لمطابع حكومية، ولم يكن هؤلاء العملاء ينظرون بالضرورة إلى ارتفاع سعر البيع نظرةً سلبيةً. علاوة على ذلك، أحس لِسيلولو بضغط البيع الذي تُمارسه لوزان عندما غرقت السفينة باترايكوس وهي في طريقها إلى بِروم بِروري عام ١٩٩٦م في مضيق ملقا، وعلى متنها آلة «سوبر سومولتان» جديدة وآلتا معالجة. استُعيدت الآلات التي يبلغ ثمنها ١٠ ملايين يورو، لكن لوزان أرادت تكهين كل شيء كي تسلِّم طلبية جديدة. رفضت شركة التأمين الدفع واستدعت رولف فِستفال، المدير الفني المخضرم لطباعة النقد في جيزيكه أوند ديفريَنت، بوصفه خبيرًا، فنجح في الحقيقة في إنقاذ أجزاء كبيرة من الشحنة. ولم تكن لوزان سعيدة بذلك.

كان جوري، المعروف بحسن أدبه وعذوبة أسلوبه، يتحوَّل أيضًا إلى شخصية بغيضة، بالأخص مع شركائه. فالخطابات الناقمة التي كان يكتبها إلى دي لا رو كلما أحسَّ أن البريطانيين يضيِّقون عليه، أو إلى أوتو كلما اعتقد أنه خُدع، صارت مثار حديث الشركة. بل إن جوري قاضَى شريكَه البريطاني ليأتي بعد ذلك ويتنازل بطيب نفس عن دفع الشريك تعويضات إليه. وحتى كوينج أوند باور لم تَسلَم من سَخَطِه. فعندما أرادتْ شركة فورتسبورج ذات مرة التفاوض بشأن تيسير بند يتعلَّق بفرض سعر محدد، أزاح جوري بغضب الإحصائيات التي أتوا بها معهم من فوق الطاولة بذراعه. وفي النهاية لانَ، لكن الصياح والاهتياج منذ ذلك الحين فصاعدًا صارا من سمة طقوس التفاوض بين لوزان وفورتسبورج.

لم يكن التشكُّك أمرًا غريبًا على جوري. ففي مجال الأعمال كان يعتمد على مجموعة صغيرة من الأصدقاء كعائلة ساتشردوتي التي آلتْ إليه مِلكية مؤسَّسة الطباعة التي كان يملكها والده في ميلانو، والتي كانت تقوم بإصلاح آلات الطباعة المستهلَكة المرتجعة في مصنع أورماج للآلات التابع لها بموجب عقد مع جوري. في شركته، كان جوري — وهو ها هنا الإيطالي الحقيقي — يعتمد على «العائلة» بمَن فيها من أبناء عمومة وأبناء إخوة كثيرين. اضطلع جورجو كُوِن، المسئول عن أمريكا اللاتينية بأكملها، بدَوْر خاصٍّ تحت رئاسته. كان كُوِن قد نجا من الاحتلال الألماني كيتيم (إذ فقد أحدَ والدَيْه) مختبئ في دير كرملي في مونتسا. وفيما بعدُ هَاجَر إلى الأرجنتين، وأراد في الواقع أن يكون مهندسًا معماريًّا. في هذا القطاع، كان جورجو، الذي كان قد تقاعد آنذاك، يتمتع بشهرةٍ كواحد من أصحاب المواهب الطبيعية الذين يمكنهم أن يبيعوا لرجل من الإسكيمو ثلَّاجتين، على أن تكون الثانية احتياطًا لانقطاع الكهرباء. كان كُوِن مثلًا قد باع للبنك المركزي الفنزويلي خطَّيْن كاملَيْن من آلات الطباعة لتركيبهما في المركز المالي الذي كان يخطِّط لإنشائه في كراكاس. كان ذلك يتجاوز الحاجة الفعلية بكثير. لكن عندما امتدت عملية الإنشاء لأكثر من سبع سنوات، باع كُوِن أيضًا للفنزويليين نُسَخ الآلات التي حُدِّثت في تلك الأثناء، على الرغم من أن آلات الطباعة الأصلية، التي كانت قد سُلِّمتْ منذ فترة طويلة وما زالت في صناديقها، كانت تنتظر في حالة ممتازة في أحد المستودعات. وكُوِن هو أيضًا الذي تمكَّن — تتويجًا لمسيرته المهنية — من إقناع البرتغاليين ببناء مطبعة نقد خاصة بهم، وهو الشيء الذي كانت لشبونةُ قد ظلَّتْ ترفضه لسنوات عديدة. لم يُخفِق جورجو كُوِن إلا مرة واحدة؛ وذلك في بغداد. كان العراق يستطبع منذ زمن طويل نقدَه في الخارج بمعرفة دي لا رو، وبعد فرض الحظر التجاري عليه، اضطُرَّ البلد إلى طبع أوراق نقد صدَّام بنفسِه. وبما أنه لم يكن يملك آلات خاصة لطباعة أوراق النقد، كانت الطباعة تتم بطابعة كومباكتا قديمة من كوينج أوند باور. كانت الطابعة أوفست مخصَّصة للأغراض التجارية، وتَستخدم ورقًا عاديًّا. كان برزان إبراهيم حسين التكريتي، الأخ غير الشقيق لصدَّام، الذي كان آنذاك سفير بلاده لدى الأمم المتحدة في جنيف، قد ضغط شخصيًّا على كُوِن لتوريد خطٍّ من آلات الطباعة. ولم يكن معروفًا عن برزان، رئيس الاستخبارات السابق المُخِيف، أنه يَقْبَل الجدل. كان يُفترض أن تُسوَّى الصفقة في إطار برنامج المعونات التابع للأمم المتحدة «النفط مقابل الغذاء». سافر كُوِن إلى بغداد مرارًا بناءً على دعوة، ووطئ بقدمَيْهِ صورةً فسيفسائيةً لجورج بوش الأب في بَهْوِ فندق الرشيد. لكن لم يُسمَح له ببَيْع طابعاته للعراقيين في النهاية. لم يكن حظر الأمم المتحدة المفروض على العراق بعد حرب الخليج الأولى يسمح بخيار آخر. ربما يفترض المرء أن عمولةً كبيرة كانت ستحلُّ المشكلة في مثل هذه الحالة الصعبة. لم يرضَ روبرتو، ابن جوالتيرو جوري الذي كان قد مات بالفعل بحلول ذلك الوقت، بالرفض كنتيجة، فحاول أن ينقل بطائرته الخاصة إلى العراق على الأقل ملحقات إلكترونية للطابعات العراقية العتيقة. نما ذلك إلى علم الاستخبارات المركزية الأمريكية، فصار روبرتو قَابَ قَوْسَيْن أو أدنى من أنْ يَحُطَّ رِحالَه في سجن أردني بدلًا من أن تَحُطَّ طائرتُه في بغداد.

ظهور منافس جديد

المُحاكاة هي أعلى درجات الإعجاب كما يقول المَثَلُ الياباني. أما الحالة التي يمكن أن يؤدي هذا النوع من الإطراء إليها، فقد خاض تجربتَها المؤلمةَ عددٌ غير قليل من المورِّدين الغربيين في الأيام الأولى للمعجزة الاقتصادية اليابانية. وقد دفعتْ دي لا رو جوري أيضًا نصيبَها. اليابان بلدٌ لديه احتياجات كبيرة بشكل غير عادي من أوراق النقد، ويُعزَى هذا جزئيًّا إلى ثقافة النظافة، التي يتبنَّاها اليابانيون أيضًا فيما يخص أوراق نقدهم. فهل هناك بلد آخر في العالم يُتصوَّر مثلًا ضرورة أن تُدفَع أُجرة دروس البيانو التي يتلقَّاها الأطفال بأوراق نقد جديدة تمامًا تقدَّم إلى المُعلم في ظرف جديد مثلها؟ وقد اتبع بنك اليابان مثل هذا السلوك الذي يتبعه المواطنون، فكل ورقة نقد يَظهَر عليها حتى أقل اتساخ أو تَلَفٍ، تُسحَب فَوْرًا في اليابان؛ لذا فإن متوسط عُمْرِ تداول أوراق النقد في اليابان أقصر منه في أوروبا. وهذا هو السبب في طبع ٣ مليارات ورقة ين سنويًّا في مراكز الطباعة الأربعة الحالية التابعة لمكتب الطباعة الحكومي؛ وهي: هاكون، وأوداوارا، وشيزوكا، وتاكينوجاوا. إنها سوق مثيرة للاهتمام لكنها أيضًا سوق صعبة.

في بداية ستينيات القرن العشرين، كثُرت في اليابان أوراق النقد الزائفة فئة ١٠٠٠ ين. كانت ذات جودة عالية لدرجة أن وزارة المالية وبنك اليابان قرَّرا إصدار ورقة فئة ١٠٠٠ ين جديدة بالكلية. كان يُفترَض أن تُستخدم أحدث تكنولوجيا طباعية لتشديد الحماية ضد نَسْخ أوراق النقد الجديدة. كانت هناك شركة توريد محلية لآلات طباعة السندات المالية، وهي كوموري كيه كيه، ومقرُّها طوكيو. في واقع الأمر، هذه الشركة العريقة متخصصة في آلات الطباعة التجارية، وتَعتبر نفسَها اليوم، حسب زعمها، أكبرَ مورِّد لآلات طباعة الأوفست في العالم. في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين بدأ كوموري يُبدي اهتمامًا بطباعة السندات المالية؛ وهي القطاع الأشد تحدِّيًا في مجال تصنيع الآلات. لكن هذه الشركة المُصنِّعة للآلات واجهت مشكلات تتعلَّق بالتكنولوجيا المعقَّدة؛ ومِن ثَمَّ طلبتْ وزارةُ المالية — الجهةُ التي كانت آنذاك مسئولة عن مكتب الطباعة الحكومي — مِن لوزان توريد ٣٦ آلةً عاديةً للطباعة الخلفية والإنتاليو وطابعتَيْ ترقيم ثنائيتي اللون، وكانت آنذاك أكبر طلبية مفردة يتلقَّاها السنيور جوري وأول طلبية من «أرض الشمس المشرقة» (اسم يُطلق على اليابان)، كما قُدِّر لها أن تكون آخر طلبية يتلقَّاها جوري من هناك.

في البداية جاءت استفسارات من اليابان بشأن التحسينات التكنولوجية التي يفترض أن اليابانيين يحتاجونها. ثم تحدَّث فنِّيو التجميع التابعون لكوباو في المطبعة الحكومية بعد عودتهم عن غرفة لم يُسمَح لهم بدخولها. كانت الغرفة تُخفِي بداخلها آلةً للطباعة المتزامنة للخلفية وقد فُكِّكتْ إلى أجزاء. سُرعان ما وصل خطابٌ بعدَ ذلك من طوكيو إلى المقرِّ الرئيسي أعلنتْ فيه وزارة المالية اليابانية عن أَسَفِها لعدم إمكانية شراء المزيد من طابعات كوباو-جوري بعد الوفاء بعَقْد التوريد. كانت كوموري ستتولَّى تصنيع طابعات السندات المالية لصالح مكتب الطباعة الحكومي. لكن الحقيقة أن اليابانيين في سنوات معجزتهم الاقتصادية الناشئة كانوا يعيشون في خوفٍ من احتمال أن يَصحُوا ذاتَ يوم ليجدوا أنفسَهم دون العملة الأجنبية التي يَدفَعون بها ثمن واردات المواد الخام التي يعيشون عليها. كانت آلات جوري أغلى مما ينبغي بالنسبة إليهم؛ لذا أتاح مكتب الطباعة الحكومي للمنافِس المحلي على الفور آلة من آلات كوباو-جوري، سُمِحَ لمهندسي التطوير التابعين لكوموري بتفكيكها تمامًا، وعمل رسم فني لها حتى آخر برغي.

كُلِّفتْ كوينج أوند باور بمهمة حساسة، هي إقامة دعوى ضد الحكومة اليابانية، وباسم أورجنايزيشن جوري أيضًا. كان يُرجَى أن يُقام لشركة تصنيع الآلات الألمانية صاحبة الشهرة العالمية وزنٌ سياسي أكبر من تجار الآلات السويسرية. لكن الشكوى استغرقت وقتًا. كانت اليابان بعيدة جدًّا، والسوق اليابانية يَصعُب اختراقُها بسبب الحواجز اللغوية والثقافية. لذا كان ردُّ السنيور جوري كردِّ كثيرين غيره من روَّاد الأعمال الغربيين من قبله؛ حيث قدَّم لشركة الطباعة الحكومية رسوماته الأصلية الخاصة بالإصدار العادي لآلات طباعة الإنتاليو والطباعة المتزامنة. لم تكن الرسومات تشتمل بالضبط على أحدث الابتكارات التكنولوجية. وقد وافَقَ على إمكانية عرضها على كوموري شريطة أن يتعهَّد المنافس بعدم تصدير آلاته؛ فلا ينبغي السماح لعميل أجنبي بشراء هذه الآلات المنتَجة في اليابان. والحقيقة أنه تمَّ إبرام مذكرة بهذا المعنى تحت ضغط سياسي. وبمرور الوقت حلَّتْ منتجات كوموري محل آلات كوباو-جوري بالكلية، ورُقِّي المنتِج الكائن في طوكيو رسميًّا إلى مرتبة «المورِّد الحصري لمكتب الطباعة الحكومي». لكن سوق التصدير ظلت مغلقة أمام كوموري.

دامت الهدنة الخاصة عَقْدًا ونصف العقد من الزمن على الأقل. في هذه الفترة، أُطلِع اليابانيون أيضًا على تطوير خط «سوبر». ثم تقاعد المدير الفني للمطبعة الحكومية اليابانية، وخلصت كوموري إلى أن الموضوع راح طَيَّ النسيان. تأسَّس فرع كوموري كَرَنْسي تكنولوجي بالمملكة المتحدة في إنجلترا في ثمانينيات القرن العشرين. كان مركزًا لتطوير آلات طباعة السندات المالية مُلحقًا به خط إنتاج صغير. وفيما يخص التوزيع في الخارج، تَعاوَنَتْ كوموري مع شركة تجارية كبيرة، وهي مامبيني، كما هي العادة في اليابان، فأسَّستا معًا إم سي-كوموري كَرَنْسي برِس. وقد وفَّرت دي لا رو ما يلزم من خبراء. كانت تلك الشركة قد استحوذتْ لتوِّها على شركة طباعة النقد برادبيري وِلكِنسون، التي كانت تُعاني من ضائقة، وأوقفتْ طَبْع النقد في برادبِيري؛ ولهذا أُقيل خُبَراء على أعلَى مستوًى، وقدْ أسعَدَهم الالتحاقُ بخدمة كوموري.

لم يتأخَّر مجيءُ الخطر طويلًا. ربما كانت مطابع كوموري للسندات المالية بالقطع السوبر أقل مقدرةً فيما يَخُصُّ الألوان، وربما كانت طباعتُها الإنتاليو أقل جودةً، وربما كانت تتطلَّب مراحل عمل أكثر لطباعة الخلفية، لكنها كانت أرخص كثيرًا من الآلات التي يُنتِجها منافسُها في لوزان. هذه المرة أقامت دي لا رو جوري دعوى قضائية في اليابان ضد وزارة المالية؛ لأنه ثبت أن العملية الفنية والأفكار الخاصة بخطِّ آلاتها «السوبر» قد استُخدمتْ هنا؛ ممَّا يُعَدُّ تعدِّيًا على براءات اختراع جوري. وفي الوقت نفسِه أبلَغَ جوري كافة العملاء المحتملين حول العالم بأن أيَّ آلة كوموري لطباعة السندات المالية ستُصادَر فورًا بمعرفة الجمارك. لم يُحالِف لوزان الحظَّ في دَعْوَاها التي أقامتْها أمامَ المحكمة اليابانية ضدَّ أقوى هيئة حكومية في اليابان على الإطلاق. كانت آلات كوموري تشتمل على اختلافات بسيطة عن آلات كوباو-جوري؛ ومِن ثَمَّ حكم القاضي الياباني بأنَّ هذه الآلات طوَّرتْها كوموري بشكل مستقلٍّ، وليست نُسَخًا مقلَّدة من ماكينات جوري. كذلك خسرتْ لوزان أيضًا الاستئناف في صيف ٢٠٠٢م. وبعد عَقْد ونصف العقد من التقاضي، تنازلت كوباو-جوري عن حقِّها في اللجوء إلى المحكمة العليا في طوكيو كآخر درجة من درجات التقاضي. فمَن يُسَيْطر على ٩٥ في المائة من السوق العالمية يستطيع أن يكون كريمًا.

كان للتهديد بالمصادرة أثرُه. فمَن كان سيرغب في الدخول في معركة قضائية مع الإيطالي المشاكس تستمر سنوات، ربما تتآكل أثناءها الطابعات من الصدأ في عُهدة سلطات الجمارك؟ ومن ثم ظل نشاط التصدير صعبًا بالنسبة إلى اليابانيين. البنوك الوطنية حريصة في نفقاتها، ولم تكن تكنولوجيا كوموري لطباعة أوراق النقد مجرَّبة في الخارج، فلِمَ المخاطرة؟ جاءت أول دَفْعة إلى الأمام عام ١٩٨٩م عندما اشتَرَتْ جيزيكه أوند ديفريَنت طابعة عيِّنات صغيرة من كوموري. كانت الآلة مناسبة أيضًا لطباعة إصدار صغير جدًّا. تُطبَع نماذج أوراق النقد التي تُقدَّم إلى العميل للحصول على موافقته النهائية على مثل طابعات العيِّنات هذه. لم يكن لدى دي لا رو جوري آنذاك مثل هذه الآلة في خطِّ منتجاتها، لكن كوموري كان يُمكنها توريد الطلبية من إنجلترا فورًا وبنصف الثمن. انطلقتْ أجراس الإنذار في لوزان وفورتسبورج. وبالتوازي مع هذا، انتشرت شائعات في السوق تقول إن كوموري باعت لجوزناك، أفضل عميل لشركة لوزان، طابعتَي إنتاليو لاستخدامِهِما في مركز طباعة أوراق النقد في مدينة بيرم بسيبيريا. التزم الروس الصمت، لكن بيرم صارت فجأة «منطقة محظورة» حتى على الخبراء من لوزان أو فورتسبورج. وخلال السنوات الساخنة إبان الحرب الباردة، كانت المدينة مغلقة أمام الزوار الأجانب. من الواضح أن جوزناك لم تكن تريد تَجنُّب أيِّ إجراءات انتقامية محتمَلة من جوري فحسب، بل كانت بيرم أيضًا تُواجِه مشكلات فنية مع الطابعتين الإنتاليو اللتين ورَّدتْهما كوموري ولم يُرَدْ لهذه الحقيقة أن تنتشر. كانت المشكلةُ تحديدًا تكمن في أنَّ الألواح الطباعية قد انكسرتْ بعدَ طباعة مجرد بضعة آلاف من الصفحات. احتاج فنِّيُّو كوموري إلى نحو سنتين لإصلاح العطب. لم تخبر جوزناك لودفِج سِلهوبر — الذي كان مسئولًا عن السوق الروسية — وممثلي دي لا رو جوري الآخرين بأمْر الآلتين وتُطلِعهم على الكارثة حتى ١٩٩٢م؛ وذلك أثناء حصول اليابانيين على راحة من العمل. عادت جوزناك تائبة إلى حظيرة كوباو-جوري؛ حيثُ اشترت من لوزان آلاتِ طباعة وإنتاج بما يزيد عن ٤٠٠ مليون فرنك سويسري، وهي تَرضِيَةٌ كبيرة. لكنَّ الأثر التلطيفي لهذه الترضية ضعف عندما ضاع قِسْطٌ مقدارُه ٣٥ مليون مارك ألماني في ألمانيا خلال عبوره من روسيا إلى سويسرا. كان مسئولون تنفيذيون من شركة استيراد وتصدير تتبع جوزناك ولدَيْها اتصالات وثيقة بالنظام السوفييتي البائد، قد ضاربوا بهذا القسط في سوق العُملة الأجنبية. أهملت دائرة الحسابات في دي لا رو جوري في أداء مهمتها، فلم تلاحظ القسط المفقود إلا بعد فوات الأوان. دخل موظف ألماني السجن، لكن لوزان لم تَرَ المال مرة أخرى قط.

كذلك تجرَّأ الكوريون الجنوبيون — الذين كانوا قد شَكَوْا مرارًا من ارتفاع أسعار لوزان وسَعَوْا جاهدين لترسيخ أقدامهم بوصفهم شركة طباعة المنطقة المُؤَمَّنة — على شراء آلة كوموري، هذه المرة لطباعة الخلفية. ظلَّت تلك الصفقة أيضًا حدثًا شاذًّا. ففي حين أن الصينيين كانت لدَيْهم حاجة مُلِحَّة إلى مزيد من النقود الورقية في إطار إصلاحهم الاقتصادي، فإنهم ما كانوا لِيُمارِسوا نشاط أعمال مستدام مع اليابانيين، على الرغم من أن بنك الشعب الصيني اشترى فورًا عدة آلات لطباعة الخلفية من اليابان، وكانت طابعات أوفست من خط الآلات التجارية. لم تكن تورِّدها كوموري حتى، بل كانت تورِّدها ميتسوبيشي. استخدمها الصينيون في طبع الفئات الصغيرة من اليوان التي تُطبَع على كلا الوجهين بطريقة الأوفست. كَفَلَ الارتيابُ القديم والقَلَقُ الجديد على كلا الجانبين الياباني والصيني ألَّا تَقتَنِص طوكيو القريبة صفقات الصين الكبرى الخاصة بطباعة الإنتاليو وترقيم أوراق النقد والتحزيم النهائي، بل اقتنصتْها لوزان البعيدة. ومع ذلك فقد زال السحر.

من سالبوني إلى أبوجا

في أوائل تسعينيات القرن العشرين، دعا بنك الاحتياطي الهندي إلى تقديم عطاءات لإعادة بناء مطبعتَيْ نقد. كانت الهندُ آنذاك تشغِّل مطبعتَيْن ذواتَيْ تدابيرَ أمنية صارمة يَعمَل بهما آلاف الموظفين تُشرِف عليهما وزارة المالية؛ إحداهما في ناشيك بالقرب من بومباي بجوار مجمع عسكري كبير، وهي أقدم مطبعة نقد في البلد كله، والثانية في ديواس جنوب غرب بوبال، وقد عُرفتْ لبعض الوقت بأنها أكبر مطبعة نقد في العالم. كلتا المطبعتين كانتا مجهزتين بآلات من كوباو-جوري. كانت مطبعة ناشيك تضمُّ خطَّيْ طباعة، ومطبعةُ ديواس خمسةَ خطوط، وكانت الآلات مشتراة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. لكن شهية الهنود لأوراق النقد هائلة؛ فهناك أكثر من مليار هندي يدفعون ثمن كل شيء تقريبًا نقدًا. ومن ثم لَمْ تَعُدْ طاقة ناشيك وديواس مناسبة للنمو السكاني. كذلك تَقَلَّص الأداءُ الطباعي بفعل البيروقراطية الهندية الفظيعة. كانت هناك توقُّفات متقطعة في الإنتاج ظلَّتْ أسبابُها غامضةً. كانت حالة أوراق الروبية الهندية التي تدعو إلى الرثاء تتحدَّث عن نفسِها. بل لقد خلقتْ هذه الأوراق المهتَرِئة الشديدة القذارة فرصَ عملٍ بين أفقر الفقراء هناك على نحوٍ لا يُوجَد في أيِّ بلد آخر في العالم؛ وهي وظيفة «معالج الأوراق الممزقة»، الذي يَلصِق ويَرتق الأوراق المهترئة بحيث يَقْبَلُها أصحاب المتاجر مرة أخرى. اضطُرَّ البنك المركزي مرارًا إلى إسناد طلبيات لطبع الفائض إلى الخارج بشكل عاجل، يتضمَّن كلٌّ منها عدة مليارات من أوراق النقد. كانت هذه الطلبيات عادةً من نصيب شركة طباعة النقد البريطانية دي لا رو، التي كانت لا تزال تَملِك أفضل علاقات بالمستعمرة البريطانية السابقة. كانت هذه الطلبيات تَستَنزِف كثيرًا من الاحتياطيات الهندية من العُملة الأجنبية.

أرادت وزارة المالية والبنك المركزي تصحيحَ هذه التضاربات بتوسيع الطاقة الإنتاجية لكلتا المطبعتين القائمتين؛ ناشيك وديواس، وببناء مطبعتَيْن إضافيتين ذواتَيْ تدابيرَ أمنية صارمة. اختار بنك الاحتياطي الهندي، الذي ولي المسئولية عن هذا، مدينة ميسور جنوبي الهند بالقرب من بنجالور، وسالبوني بالقرب من كلكتا في الجزء الشمالي الشرقي من شبه القارة، كموقعين لهاتين المطبعتين. قُدِّرتْ تكلفة المطبعتَيْن الجديدتين وحدَهما رسميًّا بمبلغ ٣٧٥ مليونَ دولار، كان يفترض أن ينفق ٨٠ في المائة منها على الآلات والتجهيزات. في لوزان كان لُعابُهم يَسيل ترقُّبًا لهذه الطلبيَّة «المضمونة». ثم تَبيَّن لهم أن كوموري دخلت بقوة في عملية المناقصة لأول مرة. حتى ذلك الوقت، كان اتصالٌ هاتفيٌّ بطوكيو سيكفي وتنسحب كوموري، لكنَّ ذلك لم يَعُدْ يُفلِح. تدخَّل هانز بولتسا شونِمان، رئيس مجلس إدارة كوينج أوند باور آنذاك، شخصيًّا، فبذل كلَّ ما في وسعه، بل وذهب إلى أعلَى مستوًى دبلوماسي؛ لكَيْ يوقف اليابانيين. والمفترض أن لوزان كانت أكثر اقتصادًا حتى في عطائها إجمالًا. لم يُفلِح كلُّ هذا. نُقل عن وزير المالية السابق قوله إن الهند تلقَّتْ معونات إنمائية كثيرة جدًّا من اليابان بما يَتَحتَّم معَه الآنَ أنْ تُؤخَذ كوموري في الاعتبار. وفي النهاية، حصلت لوزان وفورتسبورج مع ذلك على نصيب الأسد من المشروع؛ وقاعدة ميسور الأكثر جاذبيةً من الناحية اللوجستية.

وُقِّعت العُقُود عام ١٩٩٥م. عرض اليابانيون أجلًا ائتمانيًّا طويلًا بشكل غير عادي لصفقة الآلات وسعرَ فائدة منخفِضًا للغاية. حصلت تأخيرات في أعمال الإنشاء في ميسور وفي سالبوني، لكن كوينج أوند باور ركَّبتْ بحُلولِ نهاية عام ١٩٩٩م سبعةَ خطوطِ آلات طباعية في ميسور، وفي الوقت نفسِه تقريبًا ركَّبتْ كوموري خطوطَها الثمانية في سالبوني الأصعب في الوصول إليها مقارنةً بميسوري. كُلِّفتْ كوباو-جوري أيضًا بتحديث المطبعتين القديمتين في ناشيك وديواس من الصفر. كانت الهند — وهي ليست فعليًّا من بين البلدان الغنية — قد اشترت بحلول ذلك الوقت ما مجموعُه ٩٠ آلةً من كوباو-جوري منذ بدْءِ علاقة العمل بينهما. كان إجمالي الطاقة الطباعية التقنية هناك هائلًا. فمطبعتا النقد الجديدتان وحدَهما في ميسور وسالبوني كان يُمكِنهما طبعُ نحو ٢٠ مليارَ ورقة سنويًّا عند تشغيلهما على ثلاث مناوبات، وذلك وفقًا لحسابات أَحَدِ ممثِّلي بنك الاحتياطي الهندي أمام مؤتمر العُملة المنعقد في سيدني عام ١٩٩٩م. في العام نفسِه لم يُطبَع فعليًّا إلا ٦٫٧ مليارات وحدة نقد، على الرغم من أنَّ حاجة الهند السنوية من أوراق النقْد قُدِّرت بنحو ١٥ مليار وحدة. كان نقص عُمَّال الطباعة المدرَّبين هو الذي عرقل الهند في المقام الأول.

حصلت كوموري على طلبية ثانية، هذه المرة من نيجيريا. بدَتْ نيجيريا، أكبر البلدان الأفريقية من حيث عدد السكان، أشبه بنسخة من الهند فيما يتعلَّق بنقْدِها المتداوَل. كان ذلك ينطبق على النمو السكاني السريع ومطبعة النقد التي تتبع «الشركة النيجيرية للطباعة المُؤَمَّنة وسكِّ العملة». في واقع الأمر لم يكُنْ أداء هذه المطبعة جيدًا قط على الرغم من مشاركة دي لا رو في رأسمالها بنسبة ٢٥ في المائة. لم تكن نيجيريا بما عليها من ديون تتمتع بسمعة جيدة آنذاك؛ لذا لم تَبذُل دي لا رو جوري جهدًا كبيرًا عندما دعا البنك المركزي النيجيري إلى تقديم عطاءات لبناء مطبعة نقد ثانية في أبوجا تضمُّ خطَّيْن كاملَيْن. كان الجنرال ساني أباتشا، حاكم نيجيريا آنذاك، وابنه مهتمَّين شخصيًّا اهتمامًا قويًّا بهذا العَقْد، وقد تمكَّنتْ كوموري مِن إبرامه عام ١٩٩٧م. كان مشروعًا كثير التكاليف. يفترض أن المطبعة ابتلعت ١٣٥ مليون دولار، دون حساب تكاليف العقار، حسبما أوردت هيئة الإذاعة البريطانية استنادًا إلى مصادر نيجيرية. يُقال إنَّ الخطَّيْن اللذين رُكِّبا هناك وحدَهما تكلَّفا نحو ١٠٠ مليون دولار.

كان من المقرَّر أن تُفتَتَح المطبعة عام ١٩٩٩م، وهو جدول زمني مضغوط نوعًا ما في بلد يُعاني من مثل تلك المشكلات الداخلية الهائلة بداية من الفساد ومرورًا بغياب البنية التحتية وانتهاءً بحرارة الطقس. وكما ذكرتْ صحيفة ذس داي إن لاجوس شاكيةً، تَعيَّن على نيجيريا تغطية نحو ٧٠ في المائة من حاجتها لإحلال أوراق النقْد بواردات عالية التكلفة، وفرتْ أغلبها دي لا رو أو جيزيكه أوند ديفريَنت. على الرغم من ذلك، بدا أن بعض الساسة المحليين يحاولون جاهدين تعطيل المشروع المقام في أبوجا. كذلك بَدَتِ المشكلات التي يُواجِهها بناء مطبعة النقد وتركيب الآلات لا تنتهي. فيحدث أن يرفض البرلمان تخصيص الأموال، أو تظهر مشكلات هيكلية في تصميم المطبعة الجديدة، أو يتعذَّر التحكم في درجة حرارة صالة الطبع في النهاية. ضاقَ مدير المشروع الذي أرسلَتْه كوموري ذرعًا. كان اليابانيون يُواجِهون خطرَ فقدان ماء وجههم. بعدَ التجربة التي جَرَتْ في بيرم، كان على كوموري أن تضطلع بالتزام تعاقُدي طويل فوق العادة لتدريب العُمَّال المبتدئِينَ والاختبار المَيْداني للطابعات. عندما أصبح خطَّا الطباعة كلاهما جاهزَيْن أخيرًا وبَدَآ يَعمَلان في المطبعة الجديدة في أبوجا في أوائل ٢٠٠٢م، سُرعان ما لزم وقف الإنتاج من جديد بسبب نقص الموادِّ من قَبِيل الورق والحبر. كانت نيجيريا على هذا النحو تُواجِه خطر استمرارها في الاعتماد على واردات أوراق النقْد على الرغم من امتلاكها مطبعتَيْن كبيرتَيْن.

تحذير من ميونخ

عندئذٍ مَنحتِ الألفية المنقضية كوموري انتصارًا. ثمة استطراد ضروري هنا للحديث عن العلاقة، التي لم تكن دائمًا بسيطة، بين لوزان وميونخ. كما بيَّنَّا، كان سيجفريد أوتو قد تفاوض على تخفيضٍ كبيرٍ جدًّا في اتفاقه مع جوالتيرو جوري بشأن التعاون الفني. عندما ضمَّ جوري إليهما دي لا رو عام ١٩٦٥م، اضطر أيضًا إلى مَنْح شركة طباعة النقد هذه خصمًا سعريًّا، على الأقل على احتياجاته الذاتية من آلات الطباعة. لكن هذا الخصم كان أقلَّ كثيرًا، وهو ما كان موضوع نقاش دائم. خَلَفَ روبرتو جوري والدَه المتوفَّى في شركة لوزان عام ١٩٩٢م، متولِّيًا رئاسة المجلس الإشرافي، لكن دون إشراكه في الإدارة التشغيلية التي فضَّل أبوه أن يُفوِّضها إلى سكرتيره. كان الابن، صاحب المهارة التقنية والطيار عاشق النفاثات والمروحيات، قد وقف في ظل أبيه القوي؛ حيث كان معجبًا به بشدة. كان يُنظَر إلى روبرتو — الذي وصفَتْه مجلة تايم بأنه واحد من أثرى الرجال في سويسرا وأشدهم خجلًا من الدعاية في آنٍ واحد — كشخص مندفع متقلِّب المِزَاج.9 بصفته الرئيس الجديد لمجلس دي لا رو جوري الإشرافي، واتتْه آنذاك فكرة إلغاء هذه الخصومات، فقاد سيارتَه إلى ميونخ وطالب بتكملة سعر آلة الإنتاليو التي كانت جيزيكه أوند ديفريَنت قد طلبتْها. كانوا في لوزان قد نَهَوْه عن القيام بهذه الرحلة. خاضت جيزيكه أوند ديفريَنت معركةً، وكانت لها الكلمة الأخيرة أيضًا. توسَّطتْ كوينج أوند باور. لكن الواقعة لم تَخْلُ من العواقب. كان روبرتو قد ضايق جيزيكه أوند ديفريَنت من قَبْلُ برفضِه في اللحظة الأخيرة عقدًا جاهزًا للتوقيع يتعلَّق بالتطوير المشترك لآلة تعمل على مراقبة جودة طباعة النقد. كانت شركة ميونخ تتميز بخبرة تمتد لسنوات في هذا المجال، وما كانت لوزان إلا لتستفيد من هذا التعاون. لم يُحمِّل قرار روبرتو، الذي اتخذه دون دراسة، شركته تكاليف تطوير مرتفعة لآلة لم يرغب أحد فيها فيما بعدُ فحسبُ، بل تسبَّبتْ في فتور العلاقة بين لوزان وميونخ.

لم تكن جيزيكه أوند ديفريَنت أكبر عملاء لوزان بين شركات طباعة النقد الخاصة، وإنما كانت شركة دي لا رو هي عميلها الأكبر؛ حيث كانت قد اشترت على مرِّ السنين ٤٥ آلة كبيرة، بينما لم تشترِ جيزيكه أوند ديفريَنت إلا ٣٨. يبين هذا أيضًا أهمية شركات طباعة النقد الخاصة الثانوية مقارنةً بالمطابع الحكومية. ومع ذلك، نظرًا لمتطلبات شركة ميونخ العالية الجودة في طباعة النقد، كانت لها أهمية تكنولوجية أكبر لدى لوزان، أهمية لا تتناسب مع حجم طلبياتها. كان هذا العميل قد أُغضب غضبًا دائمًا، وخُوِّف بتلميحات احتكارية. قلبتْ جيزيكه أوند ديفريَنت الطاولة، وبدأتْ تشكو في صخب من تأخُّر تكنولوجيا كوباو-جوري، واستفسرتْ من كوموري، بشكل لافت للأنظار، عن شراء آلة طباعة متزامنة للخلفية. كانت هذه صفعة قوية للوزان. لم يَفُتْ على دوائر المتخصصين في هذا القطاع أن البافاريين، على الرغم من كل الغضب الذي أظهروه، ظلوا حَذِرين في اختيارهم الآلات. فالمرء بالطبع يمكنه أيضًا الحصول على قطع غيار لطابعة الخلفية من خطوط الطابعات التجارية إذا حدث وتوقَّف ذات يوم مجيء آلات طباعة السندات المالية من طوكيو. ومع ذلك كانت القطيعة قد حدثت.

كان يوشيهارو كوموري، رئيس شركة طوكيو ورئيسها التنفيذي، يعتبر طابعات السندات المالية هوايته الشخصية، فرأى هذا الاستفسار هبةً من السماء. لم يكن ما عرضه على العميل الرفيع المقام القادم من ميونخ مجرد تخفيض إضافي على سعر لوزان التفضيلي، بل عرض آلة مصمَّمة خِصِّيصَى حسب متطلبات ميونخ. فعادةً ما تُنتج شركات طباعة النقد الحكومية إصدارات تستمر طباعتها فترة طويلة من أوراق النقد الوطني، أما شركات طباعة النقد الخاصة فتعيش على الصادرات؛ بمعنَى أنها تُضطرُّ إلى طباعة عدد كبير من العُملات المتغيرة باستمرار. ولطبع هذه الإصدارات الصغيرة، يجب دائمًا إعادة ضبط آلات الطباعة في كل مرة، وهو ما يتكلَّف وقتًا ومالًا. عرض كوموري حلًّا إلكترونيًّا للتحكُّم في تغيير الألواح ومعايرة سجل آلة طباعة الخلفية التي ينتجها. كان هذا يوفِّر الكثير من الوقت. وعلى الرغم من أن هذا الابتكار نبع من خط كوموري التجاري من ماكينات الأوفست، لم تكن كوباو-جوري في ذلك الوقت قد عرضت بعدُ أيَّ عناصر تحكُّم إلكترونية لطابعات السندات المالية التي تنتجها.

استفاد كوموري في إعلاناته أيَّما استفادة من قرار شركة ميونخ. ولا ننسَ أنه نجح بآلته في بلد منشأ آلات طباعة السندات المالية. وعلى الرغم من ذلك فقد ظل هذا الانتصار حدثًا منفردًا. فعندما دعا مكتب سكِّ وطباعة العملة في مطلع الألفية إلى تقديم عطاءات لتوريد طابعات الإنتاليو المتعددة الألوان وطابعات الخلفية المتزامنة السابق ذكرها، تقدَّم كوموري بعطائه مستشهدًا بنجاحه الأخير مع ميونخ. كانت تلك بداية دخول شركة يابانية لصناعة الآلات الطباعية «معركة مفتوحة» في بلد صناعي ضد دي لا رو جوري، على حدِّ وصف أحد ممثلي القطاع. لكن المعركة خُسرت. فبعدَ مَزَادٍ ساخن اشتمل على ضربات قوية غادرة، جاء قرار المكتب في صالح مورِّده المجرَّب والموثوق. كانت دي لا رو جوري قد سعت بقوة إلى الحفاظ على «سيطرتها الخانقة على السوق». كان هناك تحفُّظ له دلالته بين المصرفيين المركزيين عند شراء أي شيء بخلاف «منظومات جوري»، على حد شكوى شركة نيل إندستريز الإنجليزية المحدودة، أحد مورِّدي كوموري.

العقبات التسويقية أمام طابعات السندات المالية كبيرة إلى درجة لا تُقهر، كما نوَّه بنك هِبوفِراينزبنك الكائن في ميونخ ذات مرة في تحليل لكوينج أوند باور، وهو ما أكَّده مصير كوموري. فمنذ دخول كوموري السوق في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، لم تكن قد تمكنت إلا من توريد عدد قليل من الطلبيات الخارجية في هذا القطاع من الآلات. كان فرعها في بريطانيا يتكلَّف أموالًا طائلة. تَرَكتِ الأزمة الاقتصادية الطاحنة في اليابان، مضافًا إليها الركود في سوق آلات الطباعة العالمية، آثارًا عميقة على الميزانية العمومية للشركة الأم. في خريف ٢٠٠٢م، انسحبتْ شركة ماروبيني التجارية على نحو غير متوقَّع من المشروع المشترَك في إنجلترا، وبُرِّر ذلك بعدم وجود طلبيات لاحقة وبالطاقة الإنتاجية الزائدة بعد نشوة استثمار اليورو. قوبل انسحاب هذه الشركة التجارية برِضًا عظيمٍ في فورتسبورج ولوزان، وربما لم تكن الاثنتان بعيدتين بالكلية عما آلت إليه الأمور. كان خروج اليابانيين من مجال طباعة السندات المالية المتزايد الصعوبة مسألةَ وقتٍ فحسب، كما تكهَّن أحد أبناء هذا القطاع. ربما لم يُقدِّر هؤلاء كبرياءَ اليابانيين حقَّ قَدْرها.

سنوات سِمَان وأخرى عِجَاف

لكنَّ الأرض لم تكن تهتز من تحت أقدام كوموري وحدها. كانت آخر البلدان المشترية الكبرى — الجمهوريات السوفييتية السابقة والصين والهند وبلدان اليورو — قد زُوِّدتْ بآلات جديدة. كانت السوق تُظهِر علامات التشبُّع. كانت هناك ثماني عشرة طابعة غير مَبِيعة قابعة في مستودعات دي لا رو جوري عند مطلع الألفية. اضطرت الشركة إلى تسريح الموظفين في إطار برنامج اجتماعي، وهو موقف غير مسبوق بالنسبة إلى شركة اعتادت الحصول على الكثير. كانت هناك توترات بين روبرتو وشريكه البريطاني. اضطرت شركة طباعة النقد المتداوَل في البورصة إلى إصدار إنذار بانخفاض الأرباح في نهاية عام ١٩٩٩م؛ نتيجةَ دعوى تعويض عن ضرر رفعها روبرتو بقيمة ١٢٥ مليون جنيه استرليني بسبب نقل تكنولوجيا دون إذن. أُحيلت الدعوى إلى محكمة تحكيم. ظلَّت تهمة «نقل تكنولوجيا دون إذن» غامضة بشدة. مَن كانوا على علم ببواطن الأمور كانوا يتهامسون قائلين إن الشريك البريطاني كان سخيًّا حتى في إعطاء نفسه خصائص أمنية مطوَّرة حديثًا وتقنيات إنتاجية من مركز بحوث دي لا رو جوري. لم تَعُدْ مدفوعات أرباح أسهم دي لا رو — التي كانت ذات يوم أهم بند في حساب الأرباح والخسائر — تتدفَّق بقوة كبيرة؛ فقد أوقفها روبرتو في النهاية بدعواه القضائية.

جاء الإعلان في مايو ٢٠٠١م؛ إذ باعت دي لا رو كوينج أوند باور حصتها البالغة ٥٠ في المائة في دي لا رو جوري في لوزان مقابل ٥٠ مليون فرنك سويسري (٢٠ مليون جنيه استرليني). فلم يَعُدِ المشروع التجاري الذي تُديره لوزان يمثل أهمية استراتيجية لشركة دي لا رو. في الوقت نفسه، استحوذت الشركة الألمانية على اﻟ ٥٠ في المائة الأخرى من المالك الآخر الذي لم يُكشَف عن هُويته، وهو ما كان يعني روبرتو جوري وشركته الاستثمارية الخاصة ديْنافِست هولدنج آند كومباني. كان السعر مفاجأة. كان محاسبو إرنست آند يونج قد قدَّروا قيمة لوزان الإجمالية قبل ذلك بعامين فقط بمبلغ ٢٧٥ مليون فرنك سويسري. وكان روبرتو الذي كانت عينه على العمل باعتباره مستثمرًا ماليًّا دوليًّا بحصته من الدخل — فعلى أيِّ حال كان يملك أحسن الاتصالات في الأوساط المالية العليا، وكانت بورصة مشروعات «الاقتصاد الجديد» لا تزال مغرية — يَتصوَّر أحيانًا الحصول على سعر أعلى. ربما فسَّرت هذا الشائعاتُ التي قالتْ إن أوليفييه داسو، صديق روبرتو وسليل الأسرة الفرنسية صانعة الطائرات، أو الأمير الوليد بن طلال، أغنى رجل في المملكة العربية السعودية، أبْدَيَا اهتمامَهما بالشراء. كانت الحقيقة أن فورتسبورج تملك الخبرة التكنولوجية، ومركزًا ثابتًا كالصخر في السوق العالمية، وعَقْدًا مُلزِمًا يستمر فقط حتى عام ٢٠٠٧م.

تم التوصل أخيرًا إلى اتفاق على سعر بيع رسمي مقداره ١٠٠ مليون فرنك سويسري لحصة الأسهم بأكملها. اضطر البريطانيون إلى دفع مبلغ إجمالي إضافي مقداره ٥٫٩ ملايين جنيه استرليني إلى روبرتو جوري، وهي أمارة على أن شكواه لم تكن على الأرجح مختلَقة بالكلية، وعندئذٍ اعتُبرت كل المطالبات المتبادلة أمام محكمة التحكيم مدفوعة بالكامل. كانت تلك على الأرجح النتيجة الأفضل بالنسبة إلى لوزان. أيُّ مستثمر آخر بخلاف كوينج أوند باور كان سيشتري «نصف حريته فقط»، وهذا ما حَذَّر منه المدير العام أوليفييه بومون؛ لأن هذا المستثمر كان سيظل مع ذلك معتمدًا على كوينج أوند باور. كان ذلك تغيُّرًا ملحوظًا في القيادة من شركة عالمية يملكها أشخاص إلى شركة مساهمة نشطة دوليًّا مقرُّها ألمانيا. بعد ذلك بثلاثة أسابيع، أُعيدتْ تسمية شركة لوزان «كيه بي إيه-جوري».

كان هناك احترابٌ مرير داخل عائلة روبرتو بشأن حل الشركة. كان ذلك يعني نهاية قصة نجاح صناعي فريدة لا تنفصل عن اسم العائلة جوري/كُوِن. تسبَّب هذا الشجار مؤقتًا في قطع الروابط العائلية. كما قامت أُختان غير شقيقتين بمقاضاة روبرتو للحصول على تسوية كبيرة، وحُكم لهما بها أيضًا. مَن كانوا منخرطين انخراطًا مباشرًا التزموا صمتًا تامًّا حتى بعد البيع. بومون فقط عبَّر عن رضاه عن النتيجة في بيان صحفي وطمْأَنَ بقوة كوينج أوند باور على أن «الإدارة بأكملها تدعم دعمًا تامًّا» تغيير المِلكية. وعبَّر مرارًا أمام فئات منتقاة من الأشخاص عن استيائه من تهوُّرِ وتقلُّبِ مزاج رئيس مجلسه الإشرافي روبرتو جوري. حجم المشكلات الحقيقي في لوزان أُعلن عنه لأول مرة في تقرير أعمال المجموعة الصادر عن كوينج أوند باور عام ٢٠٠١م. كانت مبيعات السنة المالية المجزوءة (تسعة أشهر) قد تقلَّصتْ إلى ١١٧ مليون فرنك سويسري. وبتعميمها على سنة ميلادية كاملة، كانت النتيجة لا تعادل إلا ثلث رقم الذروة السابق. علاوة على ذلك، كانت هناك خسارة لم يُحدَّد مقدارُها هي الأولى في تاريخ الشركة.

استغرق بيع أول ١٠٠٠ آلة من إنتاج جوري، بعد البدء بالآلة «بيلاتو»، سبعة وأربعين عامًا، بينما لم تَحْتَجْ لوزان إلا إلى ثمانية أعوام أخرى، حتى نهاية عام ٢٠٠٢م، لبيع وحداتها الخمسمائة التالية. لكنَّ هذه الوتيرة لم تتسنَّ استدامتُها. صار آنذاك من الضروري أيضًا ترشيد النفقات في لوزان. بالنسبة إلى المستقبل كان المرء يعتمد على الابتكار تحت شعارات وُفورات التكلفة والتأمين من التزييف. في مؤتمر العُملة المنعقد عام ٢٠٠٢م في هونولولو، طرحتْ كيه بي إيه-جوري برنامجًا حاسوبيًّا جديدًا يُسمَّى «الكمبيوتر إلى لوح الإنتاليو»، يستطيع المرء بواسطته تنفيذ كل الترتيبات الأولية لطباعة الإنتاليو على الكمبيوتر وصولًا إلى اللوح الطباعي التام لصفحة ورق كاملة. تُعرَف هذه العملية في الطباعة التجارية باسم «الكمبيوتر إلى اللوح»، وصار من المفترض عندئذٍ أن تَجِدَ لها استخدامًا في طباعة الإنتاليو لأوراق النقد باستخدام أحدث تكنولوجيا ليزر. تُوفِّر هذه العمليةُ الوقتَ وتُعطِي جودةً عالية — إذ إن المؤهَّلين لسكِّ العُملة يزدادون ندرةً يومًا بعد يوم — وبفضل دقَّة صورتها العالية للغاية تفسح الطريق أمام دمج أسرع، لكن أشد دقةً، للخصائص الأمنية في طباعة أوراق النقد دون التضحية بأصالتها. اختبرَ بنك إيطاليا وأورِل فوسلي التقنية الجديدة، ونجحتْ شركة الطباعة الخاصة الكائنة في زيورخ في أوائل التسعينيات في المسوَّدة الأولى الرقمية بالكامل للإصدار الحالي من أوراق الفرنك السويسري. تُعتبر تقنية «الكمبيوتر إلى لوح الإنتاليو» مكلِّفة داخل الصناعة، لكنها منذ ذلك الحين استُخدمتْ من قِبَل فرنسوا شارل أوبرتور فيدوسيير، وكذلك — للمفاجأة — من قِبَل مكتب سكِّ وطباعة العملة الأمريكي.

منذ منتصف عام ٢٠٠٣م، تولى كلاوس بولتسا-شونِمان، الابن الثاني لهانز بولتسا-شونِمان، مسئولية تسويق آلات طباعة السندات المالية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة كوينج أوند باور. وينتظرُ هذا المهندسَ المعتَمدَ مجالٌ صعبٌ وقراراتٌ دقيقةٌ. منذ شراء دي لا رو جوري في مايو ٢٠٠١م، لم تتلقَّ الشركة طلبيةً واحدة لإقامة مطبعة نقد جديدة، كما تلاشتِ الآمال المعلَّقة على إقامة مطبعة في بغداد، على الرغم من ضعفها، في ظل تدهور الأمن الداخلي في العراق. وفقدت خطوط طباعة السندات المالية التقليدية، كشهادات الأسهم أو طوابع البريد بطباعة الإنتاليو، أهميتها أو اختفتْ تمامًا؛ ومن ثم تعتمد كوينج أوند باور على طلبيات الإحلال. تتعرَّض حاليًّا تجارة الآلات الطباعية ذات التدابير الأمنية الصارمة لتقلُّبات مفرطة، ولا يمكنها تحقيق ربح إلا على مدى فترة زمنية أطول، وفقًا لإدارة الشركة. بل إن بولتسا-شونِمان، حرصًا منه على التوفير، نقل إنتاج طابعات الإنتاليو الرفيعة المستوى إلى مودلنج في النمسا لتحقيق معدلات تشغيل أعلى، ولم يتبقَّ في فورتسبورج غير الهندسة والإلكترونيات والبرمجيات. لقد انقضتِ «السنوات السمان».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢