الفصل الثاني

تحديد موضعنا

قبل أن يبدأ الباحثون بزمنٍ طويلٍ في جَمْع الأدلة المادية على أَوْجُه الشبه المتعددة بين الإنسان الحديث والحيوانات الأخرى، وقبل أن يضع تشارلز داروين وجريجور مندل أُسُس فهمنا للمبادئ والآليات التي يقوم عليها الترابط في عالم الأحياء؛ كان فلاسفة الإغريق قد توصَّلوا إلى أن البشرية الحديثة كانت جزءًا من العالم الطبيعي، وليست منفصلةً عنه. متى إذنْ بدأتْ عملية استخدام العقل في محاولة فَهْم أصول الإنسان، وكيف تطوَّرت؟ ومتى طُبق الأسلوب العلمي لأول مرةٍ في دراسة تطوُّر الإنسان؟

قدَّم أفلاطون وأرسطو في القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد أوَّل أفكارٍ مسجَّلةٍ عن أصل البشرية؛ إذ أشار هذان الفيلسوفان الإغريقيان إلى أن العالم الطبيعي بأكمله، بما في ذلك الإنسان الحديث، يُشكِّل نظامًا واحدًا؛ يعني هذا أن الإنسان الحديث لا بد أنه نشأ تمامًا مثل الحيوانات الأخرى. وقد اقترح الفيلسوف الروماني لوكريتيوس، الذي كتب مؤلفاته في القرن الأول قبل الميلاد، أن البشر القدامى لم يكونوا يُشبهون الرومان المعاصرين، وقال إن أسلاف البشر كانوا سكانَ كهوفٍ يُشبهون الحيوانات، ولم يملكوا أدواتٍ أو لغة. لقد رأى كلٌّ من المفكرين الإغريق والرومان القدامى أن صُنع الأدوات والنار واستخدام اللغة الشفهية عناصرُ أساسية للبشرية؛ ومن ثَمَّ نشأتْ فكرة تطوُّر الإنسان الحديث من شكلٍ بدائيٍّ أقدم في الفكر الغربي في وقتٍ مبكر.

(١) الإيمان يحلُّ محل المنطق

عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي حلَّت محلَّ الأفكار الإغريقية الرومانية عن خلق العالم والبشرية القصةُ المذكورةُ في سِفر التكوين؛ وبذا حلَّت التفسيراتُ الدينيةُ محلَّ التفسيرات المنطقية.

إن الأجزاء الرئيسية في هذه القصة معروفة؛ فقد خلق الله البشر في شكل رجل، هو آدم، ثم سيدة؛ حواء. ولأن آدم وحواء كانا من صُنع الله لم يكن بُدٌّ من أن يُزوَّدا باللغة والعقول العاقلة والمثقفة. ووفقًا لهذه النسخة من أصول الإنسان، استطاع البشر الأوائل الحياة معًا في انسجام، وكانوا يمتلكون جميع القدرات العقلية والخُلقية التي تجعلهم — وفقًا لرواية الإنجيل — أعلى مكانةً من الحيوانات الأخرى وتُميِّزهم عنها.

أما تفسير الإنجيل للأعراق المختلفة للإنسان الحديث، فهو أنها نشأتْ عندما هاجرت ذرية نُوحٍ إلى أجزاءٍ مختلفةٍ من العالم عقب الطوفان العظيم الأخير المذكور في الإنجيل. نحن نُطلق على أي شيءٍ بالغ القدم كلمة «عتيق»، أو يرجع تاريخه إلى «ما قبل الطوفان». كما كان لتفسيرات خلق عالم الكائنات الحية التي تشتمل على حدوث فيضاناتٍ متتاليةٍ دلالاتٌ للعلم الذي سيُعرف فيما بعدُ باسم علم الحفريات؛ فكل الحيوانات التي تُخلق عقب أحد الفيضانات لا بد أن تموت في وقت حدوث الفيضان التالي؛ لذا لا يمكن أبدًا أن تكون حيوانات «ما قبل الطوفان» قد عاشتْ مع الحيوانات التي حلَّت محلها. وسنعود إلى الحديث في هذا الشأن والدلالات الأخرى لنظرية تأثير الطوفان العظيم في موضعٍ لاحقٍ من هذا الفصل.

احتوى الإنجيل أيضًا على تفسيرٍ للتنوُّع الغني في لغات البشر؛ فيقول إنَّ الله أراد زيادة الارتباك بين الناس الذين يبنون برج بابل، وإنه فعل ذلك عن طريق إيجادِ لغاتٍ لا يفهم بعضُهم بعضًا بها. وفي رواية سِفْر التكوين لأصول الإنسان كان نجاح إغواء الشيطان لآدم وحواء في جنة عدن هو ما أجبرهما وذريتَهما على أن يتعلَّموا من جديدٍ الزراعةَ وتربية الحيوانات. وكان لزامًا عليهم إعادة اختراع كل الأدوات اللازمة للحياة المتحضرة.

أيَّد فلاسفة الغرب الذين عاشوا في العصور الوسطى والفترة التالية لها مباشرة (من القرن الخامس وحتى القرن الثاني عشر) — باستثناء عددٍ قليلٍ للغاية منهم — تفسيرَ الكتاب المقدس لأصول الإنسان، لكن تغيَّر هذا مع إعادة اكتشاف الفلسفة الطبيعية ونموِّها السريع، وهي ما عُرف فيما بعدُ بمصطلح العلم. لكن للمفارقة لم يمضِ وقت طويل على بدء تطبيق المنهج العلمي على دراسة أصول الإنسان في القرنين التاسع عشر والعشرين حتى استجابت بعض المجموعات الدينية لمحاولات العلماء تفسيرَ الإنجيل على نحوٍ أقل حَرْفيةً بالتشدُّد أكثر بشأن حرفية الكتاب المقدس. ونشأ من رد الفعل هذا نظرية الخَلْق، وما يُعرف خطأً ﺑ «علم الخَلْق».

خلال العصور الوسطى لم ينجُ إلا عددٌ قليل للغاية من النصوص الإغريقية الكلاسيكية في أوروبا. قرأ الفلاسفة والعلماء المسلمون هذه النصوص الباقية واحترموها، وترجموا بعضًا منها إلى اللغة العربية. وعندما طُرد المسلمون من إسبانيا في القرن الثاني عشر الميلادي كان لدى بعض علماء القرون الوسطى المسيحيين فضولٌ كافٍ لترجمة هذه المخطوطات من العربية إلى اللاتينية، وكان بعض هذه المخطوطات يتحدث عن العالم الطبيعي، بما في ذلك أصل الإنسان. على سبيل المثال، دمج الفيلسوف الإيطالي المسيحي توما الأكويني في القرن الثالث عشر الأفكارَ الإغريقيةَ عن الطبيعة والإنسان الحديث مع بعض التفسيرات المسيحية القائمة على الإنجيل. وقد وضعت أعمالُ توما الأكويني ومعاصريه الأسسَ التي قام عليها عصر النهضة، عندما أُعيد إدخال العلم والتعلم المنطقي إلى أوروبا.

(٢) إعادة ظهور العلم

كان الابتعادُ عن الاعتماد على العقيدة الإنجيلية مهمًّا بدرجةٍ كبيرةٍ للمهتمين بما نُطلِق عليه حاليًّا اسم العلوم الطبيعية، مثل علم الأحياء وعلوم الأرض. وقد كان لرجلٍ إنجليزي، هو فرانسيس بيكون، تأثير كبير على أسلوب تطوُّر البحث العلمي. يستخدم علماء اللاهوت أسلوب الاستنتاج؛ فيبدءون باعتقادٍ ما ثم يستنتجون العواقب المترتبة على هذا الاعتقاد. أما بيكون فقد اقترح أن يعمل العلماء بطريقةٍ مختلفةٍ أطلق عليها اسم «الاستقراء». يبدأ الاستقراء بملاحظات، يُطلق عليها أيضًا أدلة أو «بيانات»، ثم يخترع العلماء تفسيرًا، يُطلق عليه «فرضية»، من أجل تفسير هذه الملاحظات، ثم يختبرون هذه الفرضية عن طريق التوصُّل إلى مزيدٍ من الملاحظات، أو عن طريق إجراء تجارب، في حالة علوم مثل الكيمياء والفيزياء والأحياء. وأسلوب الاستقراء هذا في التعامل مع الأشياء هو الطريقة التي يُفترض بالعلوم المتضمنة في أبحاث تطوُّر الإنسان استخدامها.

لخَّص بيكون اقتراحاته بشأن الطريقة التي يجب دراسة العالم بها في مجموعةٍ من الحِكَم، عرَضها في كتابٍ بعنوان «نوفوم أورجانوم» أو «اقتراحات واقعية لتفسير الطبيعية»، نُشر في عام ١٦٢٠. كانت رسالته فيه بسيطة: لا تَكْتَفِ بالقراءة عن تفسيرٍ في أحد الكتب؛ فعليك الخروج وتسجيل ملاحظاتٍ والبحث في الظاهرة بنفسك، ثم وضع فرضياتٍ واختبار هذه الفرضيات.

(٣) التشريح يتخذ شكلًا علميًّا

قبل أن ينشر بيكون هذه النصيحة بنحو ثلاثة أرباع قرنٍ كان قد حدث بالفعل تغيُّرٌ كبيرٌ في مجال التشريح، وهو أكثر العلوم الطبيعية قربًا لدراسة تطوُّر الإنسان، وكان هذا التغير نتيجةً لعمل أندرياس فيزاليوس. وُلد فيزاليوس في عام ١٥١٤ في المنطقة التي تُعرف حاليًّا باسم بلجيكا، وأنهى دراسته في الطب في عام ١٥٣٧. وفي العام نفسه عُيِّن لتدريس التشريح والجراحة في مدينة بادوفا في إيطاليا.

تعلَّم فيزاليوس التشريح بالطريقة التقليدية لعصره؛ فقد كان الأستاذ يجلس على كرسيه (ومن ثَمَّ تُسمى مناصب الأساتذة «كراسي»)، ويقرأ بصوتٍ مرتفعٍ من كتابٍ دراسيٍّ متوافرٍ محليًّا فقط. وكان يجلس على بُعد مسافةٍ آمنةٍ من جسدٍ بشريٍّ شرَّحه مساعده. ولم يمضِ وقت طويل حتى أدرك فيزاليوس أن ما يخبره الأستاذ به هو وزملاءه الطلاب يختلف عما يرونه على يدِ مساعده. وفي عام ١٥٤٠ زار فيزاليوس مدينة بولونيا حيث استطاع، لأول مرة، مقارنة الهيكل العظمي لأحد السعادين بالهيكل العظمي للإنسان. وأدرك أن الكتب الدراسية التي يستخدمها أساتذته تعتمد على خلطٍ محيِّرٍ بين تشريح الإنسان والسعدان والكلب؛ لذا قرر تأليف كتابه الخاص الدقيق عن تشريح الإنسان. وكانت النتيجة كتاب «حول بناء جسم الإنسان» الذي يتكوَّن من سبعة مجلداتٍ ونُشر في عام ١٥٤٣. أجرى فيزاليوس عمليات التشريح ورسَم مسودات الرسومات التوضيحية بنفسه؛ فقد كان هذا الكتاب أحد أكبر الإنجازات في تاريخ علم الأحياء. ضمنتْ مجهوداتُ فيزاليوس الناجحة في جعْل علم التشريح أكثرَ دقةً وصولَ العلماء إلى معلوماتٍ موثوقٍ بها بشأن تكوين جسم الإنسان.

(٤) ظهور علم الجيولوجيا

أحد المجالات العلمية الأخرى ذات الصلة بالوصول في النهاية إلى دراسة أصول الإنسان هو علم الجيولوجيا (الذي يُشار إليه في الوقت الحالي عادةً ﺑ «علم الأرض»)، وقد تطوَّر على نحوٍ تدريجيٍّ أكثر من علم التشريح. إن إحدى دلالات تفسير قصة سِفْر التكوين حرفيًّا أن العالم، ومن ثَمَّ الإنسان، لا يمكن أن يوجدا منذ زمنٍ بعيد. ثَمَّةَ تاريخ طويل من التقسيمات الزمنية القائمة على أساس الإنجيل، بَدْأً من أشخاصٍ مثل إيزيدور الإشبيلي والقديس بيدا المكرم في القرنين السادس والسابع الميلاديَّيْن على التوالي. ونُشر أكثرها ذِكرًا على الإطلاق في عام ١٦٥٠ على يد جيمس آشر، الذي كان يتولى في هذا الوقت منصب رئيس أساقفة أرماج في أيرلندا؛ فاستخدم أرقام «المواليد» في كتاب سِفْر التكوين كي يحسب بدقةٍ سنةَ خلق الإنسان، التي كانت وفقًا لحساباته في عام ٤٠٠٤ قبل الميلاد. ثم جاء عالِم لاهوت آخر، هو جون لايتفوت من جامعة كامبريدج في إنجلترا، ونقَّح تقدير آشر وأعلن أن خلق الإنسان حدث بالضبط في الساعة التاسعة صباحًا في يوم ٢٣ من أكتوبر عام ٤٠٠٤ قبل الميلاد. قدَّم علم الجيولوجيا، وخاصةً عمل جيمس هَتون، تقويمًا بديلًا أشار فيه إلى أن تاريخ وجود الأرض وسكَّانها أقدم من هذا بكثير.

تأثَّر تطوُّر علم الجيولوجيا كثيرًا بالثورة الصناعية؛ إذ أعطتْ عمليات الحفر التي اشتملت عليها عمليات إنشاء «مسارات» لحفر القنوات وإقامة السكك الحديدية للجيولوجيين الهواة؛ فرصةً لرؤية التكوينات الصخرية التي كانت مخبأةً من قبل؛ فمهَّد الجيولوجيون الرواد أمثال ويليام سميث وجيمس هتون الطريقَ أمام تشارلز لايل في عام ١٨٣٠ ليُقدِّم نسخةً منطقيةً عن تاريخ الأرض في كتابه «مبادئ الجيولوجيا». أثَّر كتاب لايل في كثيرٍ من العلماء، منهم تشارلز داروين، وساعد في إنشاء التفسيرات القائمة على حركة المجاري المائية وسَيْر الكون على وتيرةٍ واحدةٍ باعتبارها تفسيراتٍ بديلةً عن التفسيرات الطوفانية المعتمدة على ما ورد في الإنجيل لحالة المشهد الطبيعي. أشارت تفسيرات حركة المجاري المائية إلى أن التآكُل الذي حدث بفعل الأنهار والجداول المائية قلَّل من ارتفاع الجبال وأدَّى إلى تكوُّن الأودية؛ ومن ثَمَّ لعب دورًا كبيرًا في تشكيل معالم الأرض. أما نظرية وحدة التشكُّل فقد أشارت إلى أن العلميات التي شكَّلت سطح الأرض في الماضي، مثل التآكُل وثوران البراكين، هي العمليات نفسها التي نرى تأثيرها في عصرنا الحالي. دافع لايل أيضًا عن مبدأ أن الصخور وطبقات الأرض يزيد عمرها بوجهٍ عامٍّ كلما زاد عمقها في أي تسلسلٍ جيولوجيٍّ بسيطٍ نسبيًّا. وباستثناء الاضطرابات الكبرى والواضحة والدفن المتعمَّد، فإن المبدأ نفسه ينطبق بالضرورة على أي حفرياتٍ أو أدواتٍ حجريةٍ موجودةٍ داخل هذه الصخور؛ فكلما زاد عمق حفريةٍ ما في طبقاتٍ من الصخور، زاد احتمال أن تكون أكبر سنًّا.

كانت دلالات علم الجيولوجيا الجديد عميقة. فلم تكن تُوجد حاجة إلى الاستشهاد بالفيضانات المذكورة في الإنجيل ولا التدخُّل الإلهي من أجل تفسير شكل الأرض. وقد قال الجيولوجيون الرواد في هذا الوقت أيضًا إن العمليات التي شكَّلت سطح الأرض الحالي قد استغرقت أكثر بكثيرٍ من السنوات الستة آلاف المشار إليها ضمنيًّا في رواية سِفْر التكوين لإحداث التغييرات التي لاحظها هؤلاء الجيولوجيون الرواد.

(٥) الحفريَّات

أدرك الكُتَّاب الإغريق والرومان الكلاسيكيون وجود الحفريات، لكنهم فسَّروها في الأغلب على أنها بقايا لوحوشٍ قديمةٍ ظهرت بوضوحٍ في خرافاتهم وأساطيرهم. وفي القرن الثامن عشر بدأ الجيولوجيون تقبُّل أن التكوينات التي تُشبه الكائنات الحية الموجودة في الصخور هي بقايا لحيواناتٍ ونباتاتٍ منقرضة، وأنه لا حاجة إلى تفسير وجودها بأسبابٍ خارقةٍ للطبيعة. كما أن الربط بين الأدلة الحفرية لحيواناتٍ غريبةٍ منقرضةٍ وكائناتٍ قريبة الصلة بنماذجَ حيَّةٍ في الطبقات نفسها قد دحض فعليًّا نظرية الطوفان؛ إذ إن هذه النظرية، كما أشرت سابقًا في هذا الفصل، لم تسمح بأي خلطٍ بين الحيوانات الحديثة والقديمة أو تلك التي ظهرت قبل الطوفان العظيم.

بالإضافة إلى الاستنتاجات المهمة التي توصَّل إليها الجيولوجيون الروَّاد بشأن تاريخ الأرض؛ أثَّر العديد من العوامل الأخرى في علماء القرنين السابع عشر والثامن عشر، ودَفَعَهم إلى التفكير في بدائل لرواية سِفْر التكوين عن أصول الإنسان؛ فقد كان المستكشفون يعودون من أراضٍ بعيدةٍ برواياتٍ عن مشاهدتهم لبشرٍ معاصرين يعيشون في مآوٍ بدائيةٍ ويستخدمون أدواتٍ بسيطةً ويعيشون على الصيد وجمع الطرائد. كان هذا بعيدًا كلَّ البُعد عن حال البشر في أوطانهم؛ حتى إن الرحالة الأوروبيين وصفوا الناس الذين رأَوْهم أنهم يعيشون في حالةٍ من «الهمجية». ووفقًا لرواية سِفْر التكوين لا بد ألا يعيش أي إنسانٍ خلقه الله في هذه الحالة.

(٦) دليل مصور للحياة

كذلك جاء المستكشفون والتجار أنفسهم الذين عادوا إلى أوروبا بقصصٍ عن سلوك الناس البدائيين بأوصافٍ للعديد من النباتات والحيوانات الغريبة وبعض العيِّنات الجيدة الحفظ، وعندما أُضيفت هذه الاكتشافات إلى النباتات والحيوانات المعروفة أكثر الموجودة في أوروبا نَتَجَ عن ذلك مجموعةٌ كبيرةٌ محيرةٌ من الحياة النباتية والحيوانية. كان عالَم الكائنات الحيَّة في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى نظامٍ يصف هذه الكائنات وينظمها. طُرح العديد من النُّظم، أشهرها على يدِ جون راي الذي أدخل مفهوم الأنواع. ومع ذلك فإن الأسلوب الذي صمد على مرِّ السنين اخترعه عالمٌ سويديٌّ يُدعى كارل فون لينيه، ويُشتهر أكثر بصيغته اللاتينية كارولوس لينيوس.

حاولتْ أساليبُ التصنيف تجميع الأشياء المتشابهة معًا في فئاتٍ أكثر اتساعًا أو شمولًا. فكِّرْ في المثال التالي لتصنيف السيارات؛ إن للسيارات سبعة مستويات، أو فئات، تبدأ من الفئة الأكثر شمولًا وتنتهي بمجموعةٍ صغيرة، هذه الفئات هي: «المركبات» و«المركبات التي تعمل بالطاقة» و«السيارات» و«السيارات الفاخرة» و«سيارات رولز رويس» و«سيارات سيلفر شادو» و«سيارات سيلفر شادو تو موديل عام ١٩٧٠». يحدد نظام تصنيف لينيوس أيضًا سبعة مستويات؛ الفئة الأكثر شمولًا، التي تشبه «المركبات» في المثال السابق، هي المملكة، يليها الشُّعبة والطائفة والرتبة والفصيلة والجنس، ثم النوع، وهو الفئة الرسمية الأصغر على الإطلاق والأقل شمولًا. توسَّع نظام لينيوس الأصلي المكوَّن من سبعة مستوياتٍ بإضافة فئة «القبيلة» بين الجنس والفصيلة، وأيضًا عن طريق إدخال كلمة «فوق» على اسم الفئة ووضع الفئة الجديدة فوقها، وإدخال كلمتَي «تحت» و«دون» على اسم الفئة، ووضع الفئتين الجديدتين تحتها؛ وهكذا زادت هذه الإضافاتُ العددَ المحتمل للفئات تحت مستوى الرتبة إجمالًا إلى ١٢.

يُطلَق على المجموعات الموجودة في كل مستوًى من التسلسل الهرمي للينيوس اسم «المجموعات التصنيفية»، ويُطلق على كل مجموعةٍ مميزةٍ اسم «أصنوفة» (الجمع «أصنوفات»)؛ من ثَمَّ فإن نوع الإنسان العاقل (هومو سيبيان) هو أصنوفة، وكذا نوع الرئيسيات الأقدم. وعندما يُطبَّق النظام على مجموعةٍ من الكائنات ذات الصلة، فإن الأسلوب يُسمَّى تصنيف لينيوس، ويُختصر عادةً فيُقال عليه التصنيف. يُعرَف تصنيف لينيوس أيضًا باسم التصنيف الثنائي؛ بسبب تكوُّن الأسماء اللاتينية للأنواع من اسم الجنس واسم النوع (مثلًا: هومو سيبيان = الإنسان الحديث، وبان تروجلودايتس = الشمبانزي).

يمكن اختصار اسم الجنس ولكن لا يمكن اختصار اسم النوع؛ لذا يمكنك كتابة الاسم «ﻫ. سيبيان» و«ب. تروجلودايتس» لكن ليس «هومو س.» أو «بان ت.»؛ إذ يمكن أن يوجد اسم أكثر من نوعٍ واحدٍ داخل الجنس ويبدأ بالحرف نفسه، مثل «هومو سيبيان» و«هومو سولونسيس».

(٧) أدلة على العلاقات

إن الأشجار هي إحدى الاستعارات الشائعة الاستخدام؛ ففي الدين المسيحي، على سبيل المثال، يُرمز أحيانًا لسلسلة الوجود العظمى بالشجرة. يأتي الإنسان الحديث على قمة هذه الشجرة، في حين توجد الحيوانات التي تعيش في عصرنا الحالي داخل الشجرة على ارتفاعاتٍ تتناسب مع مستوى تعقيدها. ومع ذلك، في علوم الحياة المعاصرة ليست شجرة الحياة استعارة، وإنما تُستخدم على نحوٍ حرفيٍّ أكثر. في شجرة الحياة العلمية الحديثة يعكس الحجمُ النسبيُّ لجزء الشجرة المُعطى لأي مجموعةٍ معينةٍ من الكائنات الحية عددَ الأصنوفات، كما يعكس نمطُ التشعُّب داخل الشجرة الطريقةَ التي يرى العلماء بها وجود صلةٍ بين النباتات والحيوانات.

عندما وُضعت أولى أشجار الحياة القائمة على أساسٍ علميٍّ في القرن التاسع عشر، لم يكن بدٌّ من تقييم مدى قرب الصلة بين أي نوعين من الحيوانات باستخدام الأدلة المورفولوجية (المستمَدَّة من الشكل والتكوين)، التي يمكن دراستها بالعين المجردة أو باستخدام مجهرٍ ضوئيٍّ تقليدي؛ فكان الافتراض السائد أنه كلما زاد عدد التكوينات المشتركة زاد قرب الأغصان من بعضها داخل شجرة الحياة. وقد نتج عن التطوُّرات التي حدثت في مجال الكيمياء الحيوية خلال النصف الأول من القرن العشرين أن أصبح باستطاعة العلماء استخدام الأدلة على الخصائص الفيزيائية للجزيئات، بالإضافة إلى طريقة الأدلة المورفولوجية التقليدية هذه. إن المحاولات الأولى لاستخدام المعلومات الكيميائية الحيوية من أجل تحديدِ العلاقات اعتمدتْ على جزيئات البروتين الموجودة على سطح خلايا الدم الحمراء والموجودة داخل البلازما. وقد أكَّد هذين النوعين من الأدلة قربُ العلاقة بين الإنسان الحديث والشمبانزي.

تُمثِّل البروتينات أساسَ الآلية التي تُصنِّع الجزيئات الأخرى، مثل السكريات والدهون، التي تُصنِّع في النهاية الأنسجة التي تتكوَّن منها أجزاء أجسامنا، مثل العضلات والأعصاب والعظام والأسنان. في عام ١٩٥٣ اكتشف جيمس واطسون وفرانسيس كريك، بمساعدة روزاليند فرانكلين، أن طبيعة البروتينات — عناصر البناء الأساسية في أجسامنا — تُحدِّدها تفاصيل جزيء الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين (دي إن إيه). وأظهر العلماء منذ ذلك الوقت أن الدي إن إيه المنقول من الوالدَين إلى أطفالهما يحتوي على تعليماتٍ مشفرة، تُسمَّى الشفرة الوراثية. يحدد هذا إلى حدٍّ كبيرٍ الشكل الذي ستصبح عليه أجسام هذه الذُّرية. أدَّت هذه التطوُّرات في علم الأحياء الجزيئي إلى أنه بدلًا من الاعتماد في معرفة العلاقة بين الأنواع على المقارنة التقليدية للشكل، أو على فحص شكل جزيئات البروتين، يستطيع العلماء تحديد العلاقات عن طريق مقارنة الحمض النووي الذي يوضح بنية البروتينات وشكلها.

عند تطبيق هذه الأساليب؛ أولًا التشريح التقليدي، ثم فحص جزيئات البروتين، وأخيرًا مقارنة بِنْيَة الحمض النووي (سأوضح فيما يلي طريقة مقارنة الحمض النووي)، على المزيد من الكائنات في شجرة الحياة أصبح واضحًا أن أنواع الحيوانات المتشابهة في تشريحها لديها أيضًا جزيئاتٌ وتعليماتٌ وراثيةٌ متشابهة. أوضح الباحثون أيضًا أنه على الرغم من أن جناح الحشرة وذراع الحيوان من الرئيسيات يبدوان مختلفَيْن تمامًا، فإن التعليمات الأساسية نفسها تُستخدم في أثناء تكوينهما. هذا دليل آخر دامغ على أن كل الكائنات الحية مرتبطة بعضها ببعضٍ داخل شجرةِ حياةٍ واحدة. والتفسير الوحيد لهذا الترابُط الذي أثبته الفحص العلمي هو التطوُّر، والآلية الوحيدة للتطوُّر التي أثبتها الفحص العلمي هي الانتقاء الطبيعي.

(٨) التطوُّر: تفسير شجرة الحياة

يعني التطوُّرُ التغيُّرَ التدريجي. في حالة الحيوانات يعني هذا عادةً (وليس دائمًا) التغيُّرَ من حيوانٍ أقلَّ تعقيدًا إلى حيوانٍ أكثر تعقيدًا. وقد أصبحنا نعرف الآن أن معظم هذا التغيرات تحدث خلال عملية الانتواع، وهي عندما يتحوَّل نوعٌ «قديم» بسرعةٍ كبيرةٍ إلى نوعٍ «جديد» مختلف. ورغم أن الإغريق كانوا مقتنعين بفكرة أن سلوك الحيوان يمكن أن يتغير، فإنهم لم يتقبلوا أن تكوين الحيوانات — بما في ذلك الإنسان — قد تغيَّر منذ ظهورها تلقائيًّا. وفي الواقع أيَّد أفلاطون فكرة أن الكائنات الحية ثابتة لا تتغير، وأثَّرتْ آراؤه في الفلاسفة والعلماء حتى منتصف القرن التاسع عشر.

عرض عالم فرنسي يُدعى جان بابتيست لامارك في كتابه «فلسفة علم الحيوان» الذي نُشر في عام ١٨٠٩ أوَّلَ تفسيرٍ علميٍّ لشجرة الحياة. وفي العالم المتحدِّث بالإنجليزية انتشرت أفكار لامارك في كتابٍ مؤثرٍ بعنوان «بقايا التاريخ الطبيعي للخلق» (١٨٤٤). نحن نعرف أن هذا الكتاب أثَّر في رجلين، هما تشارلز داروين وألفريد راسل والاس، وهما اللذان توصَّلا — كلٌّ على حدة — إلى مفهوم أن الآلية الأساسية المحركة للتطوُّر هي الانتقاء الطبيعي.

لم يتمثَّل إسهام تشارلز داروين العلمي في طرح فكرة التطوُّر ذاتها، وإنما تمثَّل في تقديم نظريةٍ مترابطةٍ منطقيًّا عن الطريقة التي يمكن أن يحدث بها التطوُّر. فكما سنرى، تُفسِّر نظرية داروين للانتقاء الطبيعي كلًّا من التنوُّع ونمط التفرُّع في شجرة الحياة. ومن الكتب الأخرى التي أثَّرتْ في تفكير داروين كتاب روبرت مالتوس «مقال عن مبدأ السكان» (١٧٩٨)، وكتاب تشارلز لايل «مبادئ الجيولوجيا». أكَّد مالتوس على أن الموارد محدودة؛ فأشار هذا على داروين بأن عدم التوازن بين الموارد المتاحة والطلب عليها قد يكون القوةَ الدافعة وراء الانتقاء الضروري من أجل حدوث التطوُّر. أما تفسير لايل الترسيبي لتطوُّر سطح الأرض فقد كان يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ التغيُّر التكويني التدريجي الذي اقترح داروين مسئوليته عن تغيُّر الأنواع الحالية لتُنتج أنواعًا جديدة. أيضًا من الأشياء التي حثَّت داروين على العمل أبحاثُ ويليام بيلي وفلسفته. كان بيلي مؤيدًا لفكرة أن الحيوانات متكيفة جيدًا مع بيئتها لدرجة أن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث نتيجةً لصدفة، وقد اقترح أنها لا بد أن تكون صُمِّمت لذلك، وفي هذه الحالة لا بد لها من مصمِّم، وأن هذا المصمم لا بد أن يكون الله. حثَّ بيلي داروين على التفكير في بديلٍ لتفسيراته القائمة على فكرة الخلق.

كان لتشارلز داروين إسهامان مهمَّان في علم التطوُّر؛ الأول الاعتراف بعدم وجود حيوانَيْن متماثلَيْن؛ فلا يمكن أن يكونا نسخة طبق الأصل. والإسهام الآخر لداروين المرتبط بهذا هو فكرة الانتقاء الطبيعي. بإيجاز، تقترح فكرة الانتقاء الطبيعي أنه بسبب كَوْن الموارد محدودة، وبسبب التنوُّع العشوائي، سيكون بعض الأفراد أفضل من غيرهم في الوصول إلى هذه الموارد، عندها سيحظى هذا النوع المتغير بميزةٍ كافيةٍ تُمَكِّنه من إنتاج ذريةٍ أكثر من الأفراد الآخرين المنتمين إلى النوع نفسه. يشير علماء الأحياء إلى هذه الميزة على أنها زيادة في «صلاحية» الحيوان. تمتلئ دفاتر ملاحظات داروين بأدلةٍ على فعالية نوع الانتقاء الصناعي الذي يستخدمه مُربُّو الحيوانات ومهجِّنُو النباتات. وتمثَّلتْ عبقرية داروين في التفكير في طريقةٍ يمكن أن تحدث بها العملية نفسها طبيعيًّا.

ينجح الانتقاء، ومن ثَمَّ التطوُّر، فقط في حالة الانتقاء الطبيعي إذا ورثت الذرية الناتجة عن التزاوج بدقةٍ السمةَ أو السماتِ التي تمنح كفاءةً وراثيةً أكبر. لكن ما لم يدركه داروين (ولا أي عالمِ أحياءٍ آخر مشهورٍ من معاصريه) أنه عندما كان يضع اللمسات الأخيرة لكتابه «أصل الأنواع»، كان الأساس الوراثي للتنوُّع والقواعد الأساسية للوراثة تُدرَس بعناءٍ في حديقة ديرٍ في مدينة برنو في المنطقة التي تُعرف حاليًّا باسم جمهورية التشيك.

(٩) ازدهار علم الوراثة

تأسس مجال علم الوراثة على أساس الاستنتاجات التي خرج بها جريجور مندل (جريجور هو الاسم الذي حصل عليه عندما أصبح راهبًا أوغسطينيًّا، أما اسمه الأول الأصلي فقد كان يوهان) حول مجموعةٍ من نباتات البازلاء التي هجَّنها صناعيًّا في حديقة ديره. قدَّم مندل نتائج تجاربه عن تهجين هذا النبات إلى جمعية العلوم الطبيعية في برنو في عام ١٨٦٥، لكنه لم يستخدم مصطلحات الجين (بمعنى أصغر وحدةٍ للوراثة) أو علم الوراثة. لم تُخترع كلمة «جين» حتى عام ١٩٠٩، بعد تسعة أعوامٍ من ملاحظة علماء التطوُّر لتجارب مندل الرائدة. وقد كان من حسن حظ مندل أن قدَّمت تجاربُه المتعددة عن تهجين النبات العديدَ من الأمثلة على الصلة الأحادية البسيطة بين الجين والسمة، ويُعرف هذا باسم تأثير الجين الواحد، أو التأثير «الأحادي الجين».

يُطلق على انقسامات مندل الثنائية؛ أصفر أو أخضر، أملس أو مجعد، اسمُ المتغيرات «المنفصلة». في علم حفريات الرئيسيات وأشباه البشر يجب علينا عادةً التعامل مع متغيراتٍ «متصلة» مثل حجم السِّن أو سُمك عظام أحد الأطراف. وتُوجد توزيعات منحنية وملساء لهذه المتغيرات، لا تشبه الأعمدة المتسقة الناتجة عن بيانات مندل. كيف نحصل إذنْ على منحنياتٍ متصلةٍ من أعمدةٍ منفصلةٍ من البيانات؟ تتمثَّل الإجابة عن هذا السؤال في أن كثيرًا من الجينات يدخل في تحديد حجم السِّن أو سُمك عظام أحد الأطراف؛ لذلك ما يبدو منحنيًا هو في الواقع مزيج من مجموعاتٍ كثيرةٍ من الأعمدة.

(١٠) أقرباؤنا المقربون

منذ وقتٍ قريبٍ كان من شأن أيِّ كتابٍ عن أصول الإنسان أن يخصِّص عددًا كبيرًا من الصفحات لوصف الأدلة الحفرية على تطوُّر الرئيسيات. ويرجع هذا جزئيًّا إلى افتراض أنه في كل مرحلةٍ من تطوُّر الرئيسيات من الممكن الإشارة إلى إحدى حفريات الرئيسيات بوصفها السلف المباشر للإنسان الحديث. ومع ذلك، أصبحنا الآن نعرف أنه، لعدة أسباب، من غير المحتمل أن تكون الرئيسيات العليا الموجودة حاليًّا قد انحدرتْ من كثيرٍ من هذه الأصنوفات. بدلًا من ذلك سيركِّز هذا الكتاب على ما نعرفه حاليًّا عن التطوُّر والعلاقات بين القردة العليا. سيستعرض الكتاب منذ متى عرف علماء الغرب عن القردة العليا، وسيُظهر كيف تغيَّرت الأفكار بشأن علاقتها بعضها ببعضٍ وبالإنسان الحديث. كذلك سيستعرض أيٌّ من القردة العليا الموجودة حاليًّا أقرب صلةً بالإنسان الحديث.

من بين الروايات عن الحيوانات الغريبة التي سردها المستكشفون والتجار عند عودتهم إلى أوطانهم كانت أوصاف ما نعرفه الآن بالقردة العليا؛ وهي الشمبانزي والغوريلا من أفريقيا، والأورانجوتان من آسيا. أشار أرسطو إلى «القِرَدَة» وإلى «السعدان» و«البابون» في كتابه «تاريخ الحيوان»، وكانت «القِرَدَة» التي أشار إليها هي نفسها «القِرَدَة» التي شرَّحها علماء التشريح الأوائل، فكانت عبارة عن قِرَدَة مكاك قصيرة الذيل مأخوذة من شمال أفريقيا.

كان توماس هنري هكسلي أحد أوائل من أجرَوْا عرضًا منظمًا لأوجه الاختلاف بين الإنسان الحديث والشمبانزي والغوريلا؛ ففي مقالٍ بعنوان «عن العلاقات بين الإنسان والحيوانات الأقل مكانة»، الذي شكَّل الجزء المحوري في كتابه الصادر عام ١٨٦٣ بعنوان «دليل على مكان الإنسان في الطبيعة»، استنتج أن الاختلافات التشريحية بين الإنسان الحديث والشمبانزي والغوريلا كانت أقلَّ وضوحًا من الاختلافات بين نوعي القردة الأفريقية هذين وبين الأورانجوتان.

استخدم داروين هذا الدليل في كتابه «أصل الإنسان» الذي نُشر في عام ١٨٧١، كي يقترح أنه نظرًا لأن القردة الأفريقية كانت أقرب في تكوينها إلى الإنسان الحديث من القرد الوحيد المعروف في آسيا المنتمي إلى القردة العليا، فثَمَّةَ احتمالٌ أكبر للعثور على أسلاف الإنسان الحديث في أفريقيا عن أي مكانٍ آخر. لعب هذا الاستنتاج دورًا مهمًّا في توجيه معظم الباحثين نحو أفريقيا بوصفها مكانًا يُحتمل العثور فيه على أسلاف البشر. وكما سنرى في الفصل القادم، فإن الذين اعتبروا الأورانجوتان أقرب الكائنات إلينا وجَّهوا أنظارهم إلى جنوب شرق آسيا بوصفها أكثر مكانٍ يُحتمل العثور فيه على أسلاف الإنسان الحديث.

سمحت التطوُّرات في الكيمياء الحيوية وعلم المناعة التي حدثت في النصف الأول من القرن العشرين بتحوُّل البحث عن أدلةٍ على طبيعة العلاقات بين الإنسان الحديث والقردة من التكوين التقليدي للجسم إلى تكوين الجزيئات. أُجريت المحاولات الأولى لاستخدام البروتينات في تحديد العلاقة بين الرئيسيات عقب مطلع القرن مباشرةً، لكن أُعلنت أولى نتائج الجيل الجديد من التحليلات في أوائل ستينيات القرن العشرين. صكَّ عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي الشهير لينوس باولنج مصطلح «الأنثروبولوجيا الجزيئية» اسمًا لهذا المجال البحثي. وقد قدَّم تقريران، نُشر كلاهما في عام ١٩٦٣، أدلةً مهمة. وقدَّم إميل زوكرلاند، وهو عالم رائد آخر في مجال الأنثروبولوجيا الجزيئية، وصفًا لطريقة استخدامه للإنزيمات في تفكيك بروتين الهيموجلوبين من خلايا الدم الحمراء إلى مكوناته الببتيدية، ووصف أنه عندما فصل هذه المكونات باستخدام تيارٍ كهربائيٍّ صغير، كانت الأنماط التي أظهرتها الببتيدات الناتجة من خلايا الإنسان الحديث والشمبانزي والغوريلا متشابهة. حدث الإسهام الثاني على يد موريس جودمان، الذي قضى حياته في العمل في مجال الأنثروبولوجيا الجزيئية، والذي استخدم تقنياتٍ مستمدةً من علم المناعة في دراسة عيناتٍ من بروتين مصل الدم (والمصل هو ما يتخلف عقب تجلُّط الدم) المُسمى الألبومين، مأخوذة من الإنسان الحديث والقردة والسعادين، وقد توصَّل إلى نتيجةٍ مفادها أن بروتينات الألبومين المأخوذة من كلٍّ من الإنسان الحديث والشمبانزي متشابهة في تكوينها لدرجة عدم إمكانية التمييز بينها.

تتكوَّن البروتينات من سلسلةٍ من الأحماض الأمينية. وفي كثيرٍ من الأحيان قد يُستبدل أحد الأحماض الأمينية بآخر دون تغيير وظيفة البروتين. في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته استغلَّ فينس ساريش وآلان ويلسون، وهما عالما كيمياء حيوية من بيركلي مهتمَّان بتطوُّر الرئيسيات والإنسان، هذه التنويعات الصغيرة في تكوين البروتين من أجل تحديد التاريخ التطوُّري للجزيئات؛ ومن ثَمَّ، كما يُفترَض، التاريخ التطوُّري للأصنوفات الخاضعة للدراسة. وقد استنتجا هما أيضًا أن الإنسان الحديث والقردة الأفريقية تربطهما علاقة وثيقة.

(١١) اختبار الجينوم

دلَّ اكتشاف التركيب الكيميائي لجزيء الحمض النووي على أنه أصبح من الممكن دراسة أوجه التشابه بين الكائنات على مستوى الجينوم. ألغى هذا فعليًّا الحاجةَ إلى الاعتماد على تكوين الكائن — سواءٌ أكان هذا في صورة علم التشريح التقليدي أم تكوين البروتينات — من أجل الحصول على معلوماتٍ عن أوجه الصلة. فبدلًا من استخدام وكلاء، يمكن للباحثين دراسة أوجه الصلة عن طريق مقارنة الحمض النووي. يوجد الحمض النووي داخل الخلية؛ إما داخل النواة مثل الحمض النووي للنواة، وإما داخل العُضيات التي تُسمى الميتوكوندريا في حالة الحمض النووي للميتوكوندريا. وفي تحديد تتابع الحمض النووي تتحدَّد التتابعات القاعدية لكل حيوانٍ ثم تُقارَن.

طُبِّقَت أساليب تحديد التتابعات على القردة العليا الموجودة حاليًّا، ويزيد عدد الدراسات كل عام. وقد تحدَّد تتابع الجينوم لعددٍ كبيرٍ من أفراد الإنسان الحديث وعددٍ قليلٍ من الشمبانزي، وتُشير المعلومات المأخوذة من كلٍّ من الحمض النووي للنواة وللميتوكوندريا إلى أن التشابُه بين الإنسان الحديث والشمبانزي أكبر من التشابُه الموجود بين أيٍّ منهما والغوريلا. وعندما تُقاس هذه الفروق باستخدام «أفضل» دليلٍ حفريٍّ على انفصال القردة عن عالم السعادين القديم، وإذا افترضنا أن الاختلافات في الحمض النووي محايدة، فلنا أن نتوقع أن السلف الافتراضي للإنسان الحديث والشمبانزي قد عاش بين نحو ٨ و٥ ملايين سنةٍ مضت. وعندما تُستخدم قياسات أخرى أقدم، يكون التاريخ المتوقع للانفصال أقدم إلى حدٍّ كبير (مثلًا أكثر من ١٠ ملايين سنةٍ مضت).

(١٢) دلالات تفسير السجل الحفري البشري

تتفق كذلك نتائج التحليلات المورفولوجية الحديثة لكلٍّ من تشريح الهياكل العظمية والأسنان، وتشريح الأنسجة الرخوة مثل العضلات والأعصاب، مع الدليل القوي للغاية المستمد من الحمض النووي على أن الشمبانزي أقرب إلى الإنسان الحديث منه إلى الغوريلا. إلا أن بعض محاولات استخدام نوعية الأدلة المورفولوجية التقليدية المستخدمة عادةً في فحص العلاقات الموجودة بين حفريات أصنوفات أشباه البشر؛ لم تكتشف وجود علاقةٍ وطيدةٍ بوضوحٍ بين الإنسان الحديث والشمبانزي. بدلًا من ذلك، صُنِّف الشمبانزي مع الغوريلا.

كان لهذا الأمر دلالاتٌ مهمة للباحثين الذين يدرسون العلاقات بين أصنوفات أشباه البشر؛ فهم إما بحاجةٍ إلى استخدامِ نوعيةِ المعلومات عن الجماجم والفكوك والأسنان القادرة على تأكيد العلاقة الوطيدة بين الشمبانزي والإنسان الحديث، وإما بحاجةٍ إلى العثور على مصادرَ أخرى من الأدلة المورفولوجية، مثل معلوماتٍ عن شكل عظام الأطراف، ورؤية ما إذا كانت هذه البيانات قادرةً على إعادة الكشف عن العلاقات الموجودة بين الرئيسيات العليا الموجودة حاليًّا مدعومة بأدلة الحمض النووي.

تُظهر التوزيعة التالية تصنيفًا تقليديًّا (أ) وتصنيفًا حديثًا (ب) يأخذان بعين الاعتبار الأدلةَ الجزيئية والوراثية القائلة بأن الشمبانزي أقرب صلةً إلى الإنسان الحديث منه إلى الغوريلا، وقد كُتبت الأصنوفات المنقرضة بالخطِّ العريض (حقوق الطباعة محفوظة لبرنارد وود):

(أ) الفصيلة العليا: القرود

فصيلة الجيبونات: جنس الجيبون.
فصيلة البُنجيدات: جنس الأورانجوتان – جنس الغوريلا – جنس الشمبانزي.
فصيلة القردة العليا:
  • «تحت فصيلة أستراليوبيثيسين»: جنس أرديبيتيكوس – جنس أسترالوبيثيكوس (القردة الجنوبية)، جنس إنسان كينيا – جنس أورورين، جنس بارانثروبوس – جنس إنسان تشاد السواحلي.

  • «تحت فصيلة الإنسانيات»: جنس البشر.

(ب) الفصيلة العليا: القرود

فصيلة الجيبونات: جنس الجيبون.
فصيلة القردة العليا:
  • «تحت فصيلة الأورانجوتانات»: جنس الأورانجوتان.

  • «تحت فصيلة الغوريلات»: جنس الغوريلا.

  • «تحت فصيلة الإنسانيات»:

    – قبيلة البعام (الشمبانزي والبونوبو): جنس الشمبانزي.

    – قبيلة أشباه البشر.

    – تحت قبيلة الأستراليوبيثيسين: جنس أرديبيتيكوس – جنس أسترالوبيثيكوس – جنس إنسان كينيا – جنس أورورين – جنس بارانثروبوس – جنس إنسان تشاد السواحلي.

    – تحت قبيلة الهومينيا: جنس البشر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠