الفصل الرابع

تحليل حفريات أشباه البشر وتفسيرها

يستخدم علماءُ الحفريات البشرية العديدَ من الطرق من أجل معرفة أهمية الأدلة الحفرية المكتشَفة حديثًا. يجب أن تُنسب حفريات أشباه البشر إلى أصنوفة، أو أصنوفات، محددة، ولا بد أن تُصنَّف هذه الأصنوفات وتُحدد علاقاتها بأصنوفاتٍ أخرى متحجرةٍ وحيَّة، ويُعاد بناء سلوكها.

(١) التصنيف وعلم التصنيف

تُصنِّف العلومُ الغربية جميعَ الكائنات الحية وفقًا لمخططٍ اخترعه في عام ١٧٥٨ العالمُ السويدي في التاريخ الطبيعي كارولوس لينيوس. الوحدة الأساسية في هذا المخطط هي النوع، وهو مجموعة من الحيوانات المتشابهة في التكوين يتزاوج أفرادها بعضهم مع بعض. تنتمي جميع الحيوانات الفردية الموجودة حاليًّا إلى نوعٍ ما، وتُجمع الأنواع المتشابهة داخل أجناس، وتُجمع الأجناس داخل قبائل، والقبائل داخل فصائل، إلى آخره، حتى الوصول إلى فئاتٍ مثل الممالك. ينتمي الإنسان الحديث — الإنسان العاقل — إلى النوع «العاقل»، والجنس «الإنساني»، وقبيلة «أشباه البشر».

تَخصَّص أحد المجالات الفرعية في التصنيف، يُسمَّى «التسمية»، في وصف الطريقة التي يجب استخدام الأسماء بها في نظام لينيوس. ثَمَّةَ ميثاق رسميٌّ لتنظيم عملية التسمية، ويجب على العلماء الذين يرَوْن أنهم اكتشفوا نوعًا جديدًا اتباعُه. تُحدِّد القواعد الموجودة في الميثاق نوعيةَ الأسماء التي يمكن إعطاؤها إلى الأنواع أو الأجناس الجديدة. على سبيل المثال، يُحْذَر استخدام أسماء المنتجات التجارية؛ فمن غير المقبول استخدام اسم «برجركينج أيبودينسيس» على أنه اسمٌ ثنائيٌّ لنوعٍ جديدٍ من أشباه البشر. من المهم أيضًا التأكد من عدم استخدام اسم أصنوفةٍ موجودةٍ بالفعل دون قصدٍ لأصنوفةٍ جديدة، وإلا حدث خَلْط بينهما.

عندما يُقرِّر الباحثون إدخال نوعٍ جديد، يجب عليهم اختيار حفريةٍ واحدةٍ لتكون العينةَ «القياسية» له. عادةً ما تُختار حفرية جيدة الحفظ نسبيًّا من بين الحفريات التي يُعثر عليها في وقت الاكتشاف الأول، ولا ينبغي أن تكون الحفرية لعضوٍ نموذجي (عادي) من النوع. تتمثَّل أهمية هذه العينة القياسية في أن اسم الأصنوفة يرتبط بها على نحوٍ ثابت؛ لذا، على سبيل المثال، إذا وُجد أن العينة القياسية لنوع «إنسان نياندرتال» مختلفة عن كل الحفريات المُدرجة ضمن النوع نفسه، فلا بد إذن من نَسَبِ بقية الحفريات إلى نوعٍ جديد، وسيتحتم إعطاؤها اسمًا جديدًا؛ فلا يمكن استخدام اسم «إنسان نياندرتال» على نحوٍ منفصلٍ عن العينة القياسية؛ فأينما ذهبت، حملت الاسم عينه. وإذا قرَّر الباحثون في النهاية ضرورة نقل عينةٍ محددةٍ إلى نوعٍ جديد، فإنها تأخذ اسم نوعها معها. وتوجد أهمية للعمر في نظام التسمية؛ فإذا انتهت الحال بوجود عينتين نموذجيتين داخل النوع نفسه، فإن الاسم الأقدم هو الاسم الذي يجب استخدامه.

إن النوع مثالٌ على الأصنوفة؛ فكل فئات لينيوس هي أصنوفات، لكن عندما يكتب الباحثون عن «أصنوفة» تكون هذه عادةً إشارةً إلى نوعٍ ما. ويُطلق على الطريقة التي تُصنَّف بها الأنواع داخل تسلسلٍ هرميٍّ أكثر شمولًا (مجموعات أكبر وأكبر من الأنواع) اسم «علم التصنيف»، وهو حرفيًّا «مخطط للأصنوفات». والتحليل التصنيفي هو عمليةُ تحديدِ الأصنوفة التي يجب إدراج حفريات أشباه البشر تحتها. أولًا، يجب أن يُقرِّر الباحثون ما إذا كانت الحفرية المكتشَفة حديثًا تنتمي إلى أصنوفة أشباه البشر الموجودة بالفعل أم لا. وفقط حين يقتنعون بأنها لا يمكن أن تُنسَب إلى أحد الأنواع الموجودة بالفعل يبدءون في التفكير في اختراع نوعٍ جديدٍ باسم جديد. تنطبق المبادئ نفسها على الفئات الأعلى كلها في تسلسل لينيوس الهرمي؛ لذا يجب على الباحثين عدم إنشاء جنسٍ جديدٍ إلا، فقط، إذا اقتنعوا بأن النوع الجديد لا يمكن نسبته إلى أيٍّ من أجناس أشباه البشر الحالية، وهكذا كلما صعدنا في تسلسل لينيوس الهرمي.

يعتمد التحليل التصنيفي وطرق التحليل الأخرى المشروحة فيما يلي على تحليلٍ مفصَّلٍ لتكوين الحفرية؛ فتكوين الحفرية، أو نمطها الظاهري، هو شكل الحفرية الخارجي والداخلي معًا. يمكن لهذا التكوين أن يكون واضحًا، يمكن للعين رؤيته دون عناء، أو يكون تكوينًا مجهريًّا، يمكن رؤيته بأنواعٍ متنوعةٍ من المجاهر. يُعِدُّ الباحثون أوصافًا نوعية مفصلة لحجم الحفرية وشكلها، ولكنهم أيضًا يحاولون التعبير عن هذه المعلومات في شكل قياساتٍ تكون بمثابة وصفٍ كَمِّي. تشتمل أبسط أشكال الأوصاف الكمية على المسافات بين علاماتٍ تشريحيةٍ محددةٍ على الحفرية، ويُطلق عليها القياسات الخطية. حاليًّا، تسمح أشعة الليزر وغيرها من التقنيات المأخوذة من التصوير الطبي للباحثين بالحصول على تفاصيل عن التكوين الخارجي والداخلي للحفريات على نحوٍ أكثر دِقَّةً مما كانت عليه الحال في الماضي. على سبيل المثال، كان عالم الحفريات البشرية جلين كونروي ومتخصص التصوير الطبي تشارلز فانيير، اللذان يعملان في جامعة واشنطن في سانت لويس، أوَّلَ من استخدم التصوير المقطعي المحوسب في دراسة التكوين الداخلي لجمجمةٍ متحجرةٍ لأحد أشباه البشر استُخرجت من مدينة تونج في جنوب أفريقيا. وفيما بعد أَدخل متخصص التصوير الطبي فرانز زونيفيلد من أوترخت، وعالم الحفريات البشرية فريد سبور من كلية لندن الجامعية، المزيدَ من التطوير على هذه الطرق؛ بحيث أصبح باستطاعتها الآن أن تمدَّنا بمعلوماتٍ عن الأُذن الداخلية. يستخدم الباحثون هذه البيانات لتساعدهم في تصنيف حفريات أشباه البشر إلى أنواع، وفي إعادة بناء هيئتهم والكيفية التي يسمعون بها.

يجب أن يتأكد الباحثون من أن القياسات المأخوذة للحفريات تعكس بدقةٍ حجمَ العظام أو الأسنان وشكلها قبل التحجُّر. تتشقق العظام والأسنان إذا تعرضت لدورات الحرارة والبرودة اليومية. تدخل الحبيبات الصخرية داخل هذه الشقوق وتزيد صناعيًّا من حجم أبعاد العظام أو الأسنان. بالمثل، إذا ظلَّت إحدى العظام المتحجرة مكشوفة على سطح الأرض في الظروف الجوية الجافة والعاصفة قبل عملية التحجُّر وبعدها، فإن حبيبات الرمال التي تحملها الرياح يكون لها تأثير «السفح الرملي» وتُزيل جزءًا من الطبقة الخارجية من العظام القشرية. يُقلِّل هذا التآكل على نحوٍ غير طبيعيٍّ حجمَ العظام المتحجرة. تُقارَن قياسات الحفرية المكتشَفة حديثًا وبنيتها التكوينية غير المترية بقياسات وأشكال عيناتٍ مشابهةٍ في أصنوفاتٍ حفريةٍ موجودةٍ بالفعل. وعادةً ما تُستخدَم الحيوانات القريبة الشبه الموجودة على قيد الحياة (في حالة أشباه البشر يعني هذا الإنسان الحديث والقردة الأفريقية) كنماذج تساعد في تحديد كمِّ التنوُّع المسموح به داخل النوع الواحد. إلا أن كليف جولي، عالم دراسة الرئيسيات من جامعة نيويورك الذي قضى ٣٠ عامًا في دراسة ما يحدث في الحدِّ الفاصل بين مجموعات البابون المميزة، ويقول إن البابون وأقاربه المقربون في بعض الجوانب خير مثالٍ على تطوُّر أشباه البشر؛ فيشير إلى أن البابون ليس فقط أكثر انتشارًا من الشمبانزي والغوريلا، ولكنه يشبه أيضًا أشباه البشر فيما يتعلق بنمط تاريخ تطوُّرهم الحديث وتوقيته.

(٢) إعادة بناء حفرياتٍ كاملةٍ من البقايا الأثرية

نادرًا ما يُعثر على حفريات أشباه البشر التي يبلغ عمرها عدة ملايين من السنوات في حالةٍ جيدة. فيتسم قِحف الدماغ والوجه بالهشاشة البالغة ويسهل أن تطأهما الحيوانات ذات الحوافر وتهشمهما الصخور الساقطة من أسقف الكهوف. وأحيانًا لا يبقى من الجمجمة إلا جزء واحد فقط هو قِحف الدماغ. في حالاتٍ قليلةٍ يبقى المزيد من الأجزاء محفوظًا، لكن إذا كانت القِطَع صغيرة للغاية فإن إعادة جمعها يمثل تحديًا. يُشبه الأمر أحجية صورٍ مقطعةٍ تشغل السماء حيزًا كبيرًا منها، وليس بها سُحُب ولا صورة تساعدك في تجميعها. أحد الخيارات المتاحة أن تعيد تجميع القِطَع بعناءٍ بيديك، لكن هذا قد يستغرق مئات الساعات، حتى إن قام به خبير ماهر في علم التشريح يعرف كل تفاصيل الجمجمة.

يتمتع كلٌّ من مارسيا بونس دي ليون وكريستوف زوليكوفر من معهد الأنثروبولوجيا في جامعة زيورخ بخبرةٍ كبيرةٍ في مجالٍ بحثيٍّ جديدٍ يُدعى «الأنثروبولوجيا الافتراضية». فقد استخدما قدرة الكمبيوتر والتقدُّم في تصميم البرامج الإلكترونية في اختراعٍ بديل لإعادة تجميع حفريات أشباه البشر بالأيدي. فتتعرض الحفرية للمسح باستخدام الليزر وتُعرض نسخة «افتراضية» لها على شاشة الكمبيوتر. عندها يستطيع الباحثون تحريك كل قطعةٍ وتدويرها في أي اتجاهٍ لمعرفة أيُّ القطع المناسبة. يسمح هذا البرنامج أيضًا باستبدال أي قطعةٍ مفقودةٍ في أحد جوانب الجمجمة عن طريق استخدام صورةٍ منعكسةٍ لقطعةٍ مشابهةٍ من الجانب الآخر. وقد استخدم زوليكوفر وبونس دي ليون مؤخرًا هذه الطرق في صُنع نسخةٍ افتراضيةٍ لجمجمة «إنسان تشاد السواحلي»، وهو أحد أوائل أشباه البشر المحتمَلين. وتسمح برامج إلكترونية مشابهة مصحوبة بالتصوير المقطعي المحوسب برؤية تكويناتٍ مدفونةٍ عميقًا داخل العظام بوضوح، مثل الجيوب الهوائية أو القنوات العظمية الموجودة في الأذن الداخلية أو جذور الأسنان.

(٣) تحديد العمر والجنس

حتى إن كان الهيكل العظمي مكتملًا أو شبه مكتمل، فإن تحديد الجنس والعمر التطوُّري للبقايا الحفرية لأشباه البشر قد يكون أمرًا صعبًا. تزداد هذه الصعوبات عندما تكون كل البقايا أجزاءً صغيرةً من الجمجمة؛ فيصعب تحديد عمر الفرد المتحجِّر المكتمل النمو عند الوفاة بدقة. قد يساعد نمو الأسنان في تحديد عمر الأفراد غير الناضجين، لكن بمجرد اكتمال ظهور كل الأسنان وتكوُّن كل جذورها، يكون الدليل المستمَد منها أقلَّ نفعًا.

يمثل حجم العظام والأسنان وشكلها، وحجم علامات العضلات، وحجم الحوض وشكله (رغم أن أجزاء الحوض نادرة في السجل الحفري لأشباه البشر) الطرقَ المعتادة في تحديد جنس حفرية أحد الأفراد؛ فيتمثَّل الافتراض الأساسي في أنه نظرًا لكون الذكور أكبر من الإناث في كثيرٍ من الرئيسيات غير البشرية، إذن من المحتمل أن ذكور أشباه البشر الأوائل كانوا أيضًا أكبر من الإناث. هذا أحد مظاهر ازدواجية الشكل الجنسي، وهو مصطلح يُشير إلى كافَّة الاختلافات بين الأفراد المنتمين إلى جنسٍ معين. ومع هذا عندما تتعامل مع سجلٍّ حفريٍّ متناثرٍ فإن الحجم الكلي لا يكون دومًا دليلًا موثوقًا به على الجنس.

تُوجد تعقيدات أيضًا إذا أسقطنا دون تفكيرٍ ازدواجيةَ الشكل الجنسي الموجودة لدى الإنسان الحديث على أشباه البشر الأوائل. على سبيل المثال، يُوجد لدى الإنسان الحديث كثيرٌ من الازدواجية الجنسية في شكل الحوض بسبب التوفيق بين متطلبات السير على قدمين واحتياج الإناث إلى مساحةٍ في الحوض من أجل ولادة أطفالٍ ذوي أدمغةٍ كبيرة الحجم. إلا أن ازدواجية الشكل نفسها هذه قد لا تنطبق على أشباه البشر الأوائل ذوي الأدمغة الصغيرة، الذين لم يسيروا على قدمين مثل الإنسان الحديث؛ فقد يبدو على أحواضهم نمط فريد من ازدواجية الشكل الجنسي.

(٤) الأنواع وتحديدها

إن أكثر تعريفٍ مستخدَمٍ على نطاقٍ واسعٍ للنوع هو مفهوم النوع الحيوي المرتبط بعالِم الأحياء التطوُّري البارز من جامعة هارفرد، الراحل إرنست ماير. يشير هذا التعريف إلى أن النوع هو «مجموعة من الأفراد التي تتزاوج طبيعيًّا بعضها مع بعض، فتكون منفصلةً في تكاثرها عن المجموعات الأخرى المشابهة لها.» هذا التعريف مفيد جدًّا عندما تستطيع مراقبة الحيوانات الموجودة على قيد الحياة، وتعرف أيها يتزاوج مع الآخر، لكن من البديهي أن هذه الطريقة لن تنجح عندما نحاول التعرُّف على الأنواع في السجل الحفري. ومع ذلك، نظرًا لتزاوج أعضاء النوع نفسه بعضهم مع بعضٍ وليس مع أعضاء الأنواع الأخرى، فإن الشبه بينهم يكون أكبر من شبههم بالأفراد المنتمين إلى أي نوعٍ آخر؛ وعليه، في ظل غياب معلوماتٍ عن عادات التزاوج، نستطيع استخدام الشكل الخارجي والبنية والتكوين الوراثي (في حال وجود أي حمضٍ نوويٍّ محفوظ) لحفرية أحد الأفراد لتساعدنا في نسبتها لأحد الأنواع.

إلا أن الباحثين يواجهون مشكلاتٍ عند محاولة تطبيق هذه الطرق على السجل الحفري. تتمثَّل المشكلة الأولى في عدم وجود حيواناتٍ مكتملةٍ في السجل الحفري لأشباه البشر. من المعتاد تقسيم العناصر المكونة للحيوانات إلى فئتين؛ الأنسجة الرخوة مثل العضلات والأعصاب والشرايين، والأنسجة الصُّلبة مثل العظام والأسنان. يقتصر السجل الحفري لأسلاف البشر على بقايا للأنسجة الصُّلبة، وكثير منها مجرد شظايا عظامٍ وأسنان. لذا فإن المشكلة التي تواجه علماء الحفريات البشرية هي كيفية نسبة إحدى الحفريات إلى نوعٍ ما عندما يكون الدليل الوحيد المتوافر لديهم مجرد بضعة أسنانٍ متآكلةٍ أو مكسورة، أو قطعةٍ من الفك، أو جزءٍ من عظمة الفخذ.

تتمثَّل المشكلة الثانية في الوقت؛ فكلُّ نوعٍ له تاريخ له بداية (الانتواع) ووسط ونهاية. والأنواع إما تموت دون أن تترك أيَّ ذُرِّيةٍ مباشرة (تنقرض)، وإما تصبح الأسلافَ المشتركةَ لنوعٍ «وليدٍ» جديدٍ أو أكثر. تبقى أنواع الثدييات المتحجرة العادية لفترةٍ تتراوح بين مليونٍ ومليونَي سنة. وخلال هذا التاريخ الطويل من غير المحتمل أن يظل المظهر الخارجي لهذا النوع كما هو. فسيتسبَّب التنوُّع العشوائي واستجابته المورفولوجية للتغيرات المناخية في تغيُّر شكله. لكن ما دام أفراد النوع لم يتزاوجوا إلا من أفراد النوع نفسه، فإن هذا النوع يجب أن يظل متمايزًا. ومع هذا، إذا قضى أحد العلماء كل حياته المهنية في مراقبة نوعٍ واحدٍ فقط على قيد الحياة، فإنه سيدرس بذلك هذا النوع خلال فترةٍ قصيرةٍ للغاية من كامل وجوده. لذا فإن التنوُّع الذي تراه في مجموعات المتاحف من الهياكل العظمية التي تنتمي إلى أنواعٍ حديثةٍ جُمعت على مدار مئات السنوات، أو ما شابه، ليس نموذجًا مناسبًا لتحديد كمِّ التنوُّع المسموح به في عينةٍ مكوَّنةٍ من حفرياتٍ جُمعت من مواقعَ تعود إلى عدة مئات الآلاف من السنين.

من التشبيهات الجيدة سباقات العَدْو؛ فالحفرية هي بمنزلة صورةٍ واحدةٍ ساكنةٍ لأحد سباقات عَدْوِ المسافات الطويلة. إلا أن الأنواع التي تعيش لفتراتٍ طويلةٍ قد تؤخذ منها عيناتٌ عدةَ مراتٍ على مدار تاريخها. ويحتاج علماء الحفريات البشرية إلى التوصُّل إلى طُرِقٍ يحددون بها ما إذا كانوا يفحصون عدة صورٍ لسباق العَدْو نفسه، أم صورًا فردية لسباقات عَدْوٍ مختلفة. في حالة تطوُّر الإنسان يعني هذا فحصَ مجموعاتٍ من الإنسان الحديث، والهياكل العظمية للرئيسيات العليا، ثم استخدام التنوُّع في الحجم والشكل داخل هذه الأصنوفات التي لا تزال على قيد الحياة كدليلٍ على عدد التغيرات التي يمكن للباحثين السماح بها داخل مجموعةٍ من الحفريات التي تنتمي إلى نوعٍ واحد. إذا كان التنوُّع أقلَّ من الملاحَظ في الأصنوفات الموجودة على قيد الحياة، إذن توجد أسباب منطقية لاستنتاج أن هذه المجموعة من الحفريات تُعبِّر عن نوعٍ واحدٍ فقط. وبسبب الوقت الإضافي الذي تستغرقه عينات الحفريات يحاول علماء الحفريات البشرية أن يُخَمِّنوا على نحوٍ مدروسٍ مقدارَ التنوُّع المستعدين للسماح به داخل العينة الحفرية قبل إعلانهم أن التنوُّع «هائل للغاية» بحيث لا يمكن حصره داخل نوعٍ واحد. لكن هذا مجرد تخمينٍ مدروس.

زادت صعوبة تحديد عدد الأنواع المُمثَّلة في مجموعةٍ من حفرياتِ أشباه البشر الأوائل؛ لأن التنوُّع الحيوي الموجود بين أشباه البشر، بما في ذلك حفريات أشباه البشر، مستمر؛ ومن ثَمَّ فإن مكان وضع الحدود بين الأصنوفات الحفرية هي مسألة تخضع للرأي العلمي المنطقي والنقاش. يعني عادةً اكتشافُ حفرياتٍ جديدةٍ أو إدخالُ طرقٍ تحليليةٍ جديدةٍ أن هذه الحدود لا بد من تغيُّرها، أو يجب على علماء الحفريات البشرية إعادة التفكير في جدوى فئاتهم وتصنيفاتهم. ويجب إنشاء نوعٍ جديدٍ فقط في حال وجود أسسٍ جيدةٍ بالفعل لاعتقاد أن الدليل الحفري الجديد لا ينتمي إلى أي نوعٍ موجودٍ بالفعل. ولا بد من وجود أدلةٍ أقوى من أجل إنشاء جنسٍ جديد.

(٥) الانتواع

يعتقد بعض الباحثين أن الأنواع الجديدة تظهر نتيجةَ التغيُّر التدريجي الذي يشمل أفرادَ النوع بأكمله. يُطلَق على هذا التفسير للانتواع اسم «التدرُّج السلالي»، ويُعرف شكل الانتواع المرتبط به باسم «التخلق التجددي». بينما يرى آخرون أن الانتواع يحدث نتيجةً لدفعاتٍ من التغيُّر التطوُّري السريع متركزةٍ في مجموعةٍ فرعيةٍ محصورةٍ جغرافيًّا من أفراد النوع الواحد. يُطلَق على هذا التفسير للانتواع اسم نموذج «التوازن المتقطع». في هذا النموذج الثاني لا بد ألا يُوجد في الفترة الطويلة الموجودة بين فترات التغيُّر التطوُّري السريع أيُّ توجُّهاتٍ ثابتةٍ في اتجاه التطوُّر المورفولوجي؛ بل مجرد تقلباتٍ «عشوائية» في المورفولوجيا. يُطلَق على تكوُّن الأنواع بهذه الطريقة اسم «التخلق التفرعي» ويُستخدم مصطلح «الثبات» في وصف فترات الثبات المورفولوجي التي تحدث بين نوبات الانتواع. يتقبل جميع الباحثين حاليًّا فكرة أن معظم التغيُّر المورفولوجي الذي يحدث في التطوُّر يقع في فترة الانتواع.

في بعض الظروف قد يكون الانتواع نتيجةً لتغيُّراتٍ واسعة النطاق في النمط الوراثي تحدث نتيجةً لإعادة ترتيب الكروموسومات. هذا وقد أشار الباحثون إلى احتمال أن تكون هذه هي الآليةَ التي اعتمد عليها الانتواع في الرئيسيات العليا.

fig6
شكل ٤-١: الفرضيتان الأساسيتان «التدرج السلالي» و«التوازن المتقطع» بشأن توقيت التغير المورفولوجي الذي يحدث في أثناء عملية التطوُّر.

تُسمى فترات نشأة الأنواع والتنوُّع المكثفة على وجه الخصوص «الإشعاعات التكيُّفية». تكون هذه الفترات مصحوبةً بفرصةٍ لاستغلال بيئةٍ جديدة، أو تعني عند حدوث حالات انقراضٍ في مجموعاتٍ أخرى أن ثَمَّةَ فرصًا تكيفيةً أصبحت متاحةً في بيئاتٍ موجودةٍ بالفعل. في مثل هذه الأوقات تميل بعض السلالات إلى إنشاء أنواعٍ أكثرَ من غيرها، ويُشار إليها على أنها «وفيرة الأنواع».

ستصبح كل الأنواع، بما في ذلك الإنسان الحديث، منقرضةً في النهاية. إنما موضع الخلاف الحالي يتمثَّل فيما إذا كانت حالات الانقراض تحددها الخصائص الفطرية للنوع، أم عوامل خارجية مثل التغيرات في البيئة، أم خليط من الاثنتين معًا. يمكن اختبار هذه الفرضيات المتنافسة في المختبر عن طريق تغيير الظروف التي تُحفظ فيها كائنات سريعة التطوُّر مثل ذبابة الفاكهة. يمكن أيضًا التحقُّق من صحتها عن طريق مقارنة السجل الحفري بالأدلة المستقلة عن التغيرات التي حدثت في المناخ في الماضي.

(٦) الكليُّون والتقسيميون

يعترف علم التصنيف المستخدَم في هذه المقدمة القصيرة بعددٍ كبيرٍ نسبيًّا من أنواع أشباه البشر، لكن ليس كل الباحثين يعترفون بمثل هذه الأنواع العديدة. يُطلَق على الباحثين الذين يُشاركون في تصنيفاتٍ تعترف بالعديد من الأنواع اسم «التقسيميون»، وأما الذين يعترفون بأنواعٍ أقل فيُطلَق عليهم «الكليُّون». تفحص كلتا المجموعتين من الباحثين الأدلةَ نفسها، لكنها تفسرها على نحوٍ مختلف؛ فترجع معظم أوجه الاختلاف بين علماء الحفريات البشرية حول عدد الأنواع المعترَف بها في السجل الحفري البشري إلى اختلافاتٍ في طريقة تفسيرهم للتنوُّع. بوجهٍ عام، يفضل الباحثون الذين يؤكدون على أهمية الاستمرارية داخل السجل الحفري الأنواعَ الأقل، بينما يعترف الذين يؤكدون على التقطُّع داخل السجل الحفري بالمزيد من الأنواع. مع ذلك، عند وضع جميع الحقائق في الاعتبار، فإن جميع التصنيفات هي افتراضات. فإذا شرح العلماء تصنيفهم، يمكن لعلماء آخرين إعادة تفسير الأدلة بأي طريقةٍ يشاءون، ما دام أن كلًّا منهم يوضح العينات الحفرية التي ينسبها إلى أصنوفات الأنواع التي يختار الاعتراف بها.

(٧) تحليل الفرع الحيوي

بمجرد الانتهاء من تصنيف اكتشافٍ جديد، ينتقل الباحثون إلى المرحلة التالية. تتطلب هذه المرحلة استخدام طرق تحليل الفرع الحيوي من أجل معرفة كيف ترتبط أصنوفة متحجرة لأشباه البشر بالإنسان الحديث وبأصنوفاتٍ أخرى متحجرةٍ لأشباه البشر.

يشير المصطلح الفني «الفرع الحيوي» إلى جميع الكائنات (لا أكثر ولا أقل) المنحدرة من سلفٍ مشتركٍ حديث. يتكون أصغر فرعٍ حيويٍّ من أصنوفتين، أما أكبر الفروع الحيوية فيضمُّ كل الكائنات الحية. يصنف تحليل الفرع الحيوي الأصنوفات وفقًا لمقدار الصفات التكوينية المشتركة بينها، لكن هذه الصفات التكوينية لا بد أن تكون من نوعٍ معين. وحتى تساعد في معرفة العلاقات بين أنواعٍ قريبة الصلة بعضها ببعض، لا بد أن تكون الصفات التكوينية المستخدَمة مشتركةً بين أصنوفتين أو أكثر، لكنها لا بد أن تتفاوت أيضًا داخل المجموعة الخاضعة للبحث، حتى يمكن استخدامها في تقسيم هذه المجموعة إلى مجموعاتٍ فرعيةٍ أو فروعٍ حيوية. على سبيل المثال، الصفات التي تجعل كل الرئيسيات العليا من الثدييات، مثل وجود الحلمات والدم الحار، لا يمكن استخدامها في تصنيف العلاقات التفصيلية بين القردة العليا. لكن من ناحيةٍ أخرى، لا يمكن استخدام الصفات التكوينية الموجودة في أصنوفةٍ واحدةٍ فقط في معرفة العلاقات بين الأصنوفات.

جدول : عرض لفرضيتين في تصنيف السجل الحفري لأشباه البشر؛ إحداهما «تقسيمية» والأخرى «كُليَّة».
المجموعة غير الرسمية التصنيف التقسيمي العمر (مليون سنة) عينة قياسية مواقع الحفريات الرئيسية
أشباه البشر المحتمَلون والمرجَّحون إنسان تشاد السواحلي ٧-٦ TM 266-01-060-1 توروس-مينالا، تشاد
أورورين توجنسيس ٦ BAR 1000’00 لوكينو، كينيا
أرديبيتيكوس راميدوس (نظام تقسيمي) ٥٫٧–٤٫٣ ARA-VP-6/1 منطقة جونا ووسط أواش في إثيوبيا
أرديبيتيكوس كادابا ٥٫٨–٥٫٢ ALA-VP-2/10 وسط أواش، إثيوبيا
أشباه البشر القدامى والانتقاليون أسترالوبيتك أنامنسيس ٤٫٢–٣٫٩ KNM-KP 29281 خليج عالية وكانابوي، كينيا
أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس (نظام تقسيمي) ٤-٣ LH 4 بيلوديلي، وديكيكا، وفجيج، وعفار، وماكا، والرمال البيضاء في إثيوبيا؛ وخليج عالية، وتابارين، وغرب توركانا في كينيا
إنسان كينيا ٣٫٥–٣٫٣ KNM-WT 40000 غرب توركانا، كينيا
أوسترالوبيثيكوس بحر الغزال ٣٫٥–٣ KT 12/H1 بحر الغزال، تشاد
أوسترالوبيثيكوس الأفريقي ٣–٢٫٤ Taung 1 جلاديسفيل، وماكابانسجات (الموقع ٣ و٤)، وستيركفونتاين (الموقع ٤)، وتونج في جنوب أفريقيا
أوسترالوبيثيكوس جارحي ٢٫٥ BOU-VP-12/130 بوري، إثيوبيا
بارانثروبوس الأثيوبي ٢٫٥–٢٫٣ Omo 18.18 تكوين أومو شونجورا الصخري، إثيوبيا؛ وغرب توركانا، كينيا
بارانثروبوس بويزي (نظام تقسيمي) ٢٫٣–١٫٣ OH 5 كونسو، وتكوين أومو شونجورا الصخري، إثيوبيا؛ وتشيسوانجا، وكوبي فورا، وغرب توركانا، كينيا؛ وميليما، مالاوي؛ وأولدوفاي وبنينج (ناترون)، تنزانيا
بارانثروبوس روبستوس ٢–١٫٥ TM 1517 كوبرز، ودريمولن، وجوندولن، وكرومدراي (الموقع ٣)، وسوارتكرانس (الموقع ١ و٢ و٣)، في جنوب أفريقيا
الإنسان قبل الحديث الإنسان الماهر (نظام تقسيمي) ٢٫٤–١٫٦ OH 7 تكوين أومو شونجورا الصخري، إثيوبيا؛ كوبي فورا، كينيا؛ ستيركفونتاين و؟سوارتكرانس، جنوب أفريقيا: أولدوفاي، تنزانيا
إنسان بحيرة رودولف ٢٫٤–١٫٦ KNM-ER 1470 كوبي فورا، كينيا؛ أوراحا، مالاوي
الإنسان العامل ١٫٩–١٫٥ KNM-ER 992 ؟ دمانيسي، جورجيا؛ كوبي فورا وغرب توركانا، كينيا
الإنسان المنتصب (نظام تقسيمي) ١٫٨–٠٫٢ Trinil 2 كثير من المواقع في العالم القديم، مثل ميلكا كونتوري، إثيوبيا؛ زوكوديان، الصين؛ سامبونجماكان، وسانجيران، وترينيل، إندونيسيا؛ أولدوفاي، تنزانيا
إنسان فلوريس ٠٫٠٩٥–٠٫٠١٨ LB 1 ليانج بوا، وفلوريس، إندونيسيا
هومو أنتيسيسور ٠٫٧–٠٫٥ ATD6-5 جران دولينا، أتابويركا
إنسان هايدلبيرج ٠٫٦–٠٫١ Mauer 1 كثير من المواقع في أفريقيا وأوروبا، مثل ماور، ألمانيا؛ بوكسروف، إنجلترا؛ كابوي، زامبيا
إنسان نياندرتال ٠٫٢–٠٫٠٣ Neanderthal 1 كثير من المواقع في أوروبا، والشرق الأدنى، وآسيا
الإنسان الحديث الإنسان العاقل (نظام تقسيمي) ٠٫٢–العصر الحالي لم تُحدَّد كثير من المواقع في العالم القديم وبعض المواقع في العالم الجديد
المجموعة غير الرسمية التصنيف الكلي العمر (مليون سنة) الأصنوفات المأخوذة من التصنيف التقسيمي
أشباه البشر المحتمَلون والمرجَّحون أرديبيتيكوس راميدوس (نظام كُلِّي) ٧–٤٫٥ أرديبيتيكوس راميدوس، أرديبيتيكوس كادابا، إنسان تشاد السواحلي، أورورين توجنسيس
أشباه البشر القدامى والانتقاليون أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس (نظام كلي) ٤٫٢–٣ أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس (نظام تقسيمي)، أسترالوبيتك أنامنسيس، أوسترالوبيثيكوس بحر الغزال، إنسان كينيا
أوسترالوبيثيكوس الأفريقي ٣–٢٫٤ أوسترالوبيثيكوس الأفريقي
بارانثروبوس بويزي (نظام كلي) ٢٫٥–١٫٣ بارانثروبوس بويزي (نظام تقسيمي)، بارانثروبوس الأثيوبي، أوسترالوبيثيكوس جارحي
بارانثروبوس روبستوس ٢–١٫٥ بارانثروبوس روبستوس
الإنسان قبل الحديث الإنسان الماهر (نظام كلي) ٢٫٤–١٫٦ الإنسان الماهر (نظام تقسيمي)، إنسان بحيرة رودولف
الإنسان المنتصب (نظام كلي) ١٫٩–٠٫٠١٨ الإنسان المنتصب (نظام تقسيمي)، الإنسان العامل، إنسان فلوريس
الإنسان الحديث الإنسان العاقل (نظام كلي) ٠٫٧–العصر الحالي الإنسان العاقل (نظام تقسيمي)، هومو أنتيسيسور، إنسان هايدلبيرج، إنسان نياندرتال

يُشار إلى الأصنوفتين اللتين تشتركان في صفاتٍ تكوينيةٍ متخصصةٍ بالأصنوفتين الشقيقتين. ويوجد لهذا الزوج من الأصنوفات الشقيقة أصنوفة شقيقة خاصة (على سبيل المثال، الغوريلا هي الأصنوفة الشقيقة لفرع «الشمبانزي/الإنسان» الحيوي)، وهكذا. ويُطلق على المخطط التشعُّبي الناتج عن هذا اسم مخطط التفرُّع الحيوي. يمكن التعبير عن العلاقات نفسها كتابةً عن طريق استخدام مجموعاتٍ من الأقواس الهلالية للمجموعات الشقيقة (مثلًا (((الإنسان، الشمبانزي) الغوريلا) إنسان الغاب)).

يرتكز تحليل الفرع الحيوي على افتراض أنه إذا كان أعضاء هاتين الأصنوفتين يشتركون في الصفات التكوينية نفسها، فإنهم لا بد أن يكونوا قد ورثوها من السلف المشترك الحديث نفسه. عادةً ما يكون هذا الافتراض مُبرَّرًا، لكن ليس دومًا. فنحن نعلم أن الرئيسيات، بما في ذلك الرئيسيات العليا، قد شهدت تطورًا تقارُبيًّا، وهي عمليةٌ تُطوِّر فيها السلالاتُ المختلفةُ صفاتٍ تكوينيةً متشابهةً على نحوٍ منفصل. هذا ويشير مصطلح تجانُس التقويم والشكل إلى الصفات التكوينية المتشابهة التي تُلاحَظ في نوعين لكنها لا تنتقل إليهما من سلفٍ مشتركٍ حديث. على سبيل المثال، من المحتمل أن طبقة مينا الأسنان السميكة قد تطوَّرت أكثر من مرةٍ طوال عملية تطوُّر الإنسان؛ مما يجعلها أحد أشكال تجانس التقويم والشكل داخل الفرع الحيوي لأشباه البشر.

(٨) الحمض النووي الحفري

يعتمد أحدثُ شكلٍ من التحليل المستخدم في معرفة كيفية ارتباط أصنوفات أشباه البشر بعضها ببعضٍ على استخراج الحمض النووي وتحليله. في عائلتك، يشترك أقرب الأفراد إليك، مثل إخوتك وأخواتك، معك في مقدارٍ أكبر من الحمض النووي من أقاربك الأبعد. وينطبق الأمر نفسه على الأصنوفات؛ فعادةً ما يشترك الأفراد داخل الأصنوفة الواحدة في مقدارٍ من الحمض النووي أكبر من المشترك بين فردين من أصنوفاتٍ مختلفة. ومع هذا، ورغم أهمية الحمض النووي في حياتنا، فإن عملية التحجُّر تتسبب سريعًا في تحلُّل الأحماض النووية. على سبيل المثال، عقب ٥٠ ألف سنة، لن تبقى إلا كميات قليلة من الحمض النووي، وحتى هذه الكميات تكون متكسرة في صورة أجزاءٍ قصيرة. كان فريق بقيادة سفانتي بابو، عالم الأحياء الجزيئية من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطوُّرية في لايبتسيج، أولَ مَن استخرج حمضًا نوويًّا من حفريةٍ لأشباه البشر، وسأتحدث بمزيدٍ من الاستفاضة عن دليل الحمض النووي المتحجِّر عندما أتحدث عن إنسان نياندرتال في الفصل السابع.

fig7
شكل ٤-٢: مقارنة بين مصطلحَي الفروع الحيوية والأصناف كما ينطبقان على الرئيسيات العليا الموجودة على قيد الحياة.

يجب على الباحثين الذين يتَّبعون أسلوب تحليل الحمض النووي المتحجر توخي الحذر البالغ لمنع عدم نقاء العينة ورصده؛ فعندما يتعامل الناس مع الحفريات، من المحتمل أن يتركوا خلايا شعرٍ وجلدٍ على الحفرية وتكون هذه الخلايا مصدرًا محتملًا لعدم نقاء العينة. فلا بد أن يتأكد العلماء من أنهم يرصدون الحمض النووي الذي أنتجه شبه البشر المتحجر وليس حمضًا نوويًّا من مصادرَ أخرى؛ ففي دراسةٍ أُجريت مؤخرًا عن حفرية دُبِّ الكهوف رصد الباحثون أكثرَ من عشرين تتابُعٍ مختلفٍ للحمض النووي للإنسان الحديث على حفريةٍ واحدةٍ لدب الكهوف. لا بد أن يكون عشرات، إن لم يكن مئات، الأشخاص قد تعاملوا مع معظم حفريات أشباه البشر، خاصَّة التي عُثر عليها منذ سنواتٍ عديدة. ويكمن التحدِّي في معرفة أيٌّ من تتابعات الحمض النووي العديدة المأخوذة من حفرية الإنسان الحديث ينتمي بالفعل إلى هذا الإنسان.

(٩) الأصناف

يُعقِّد تجانس التقويم والشكل محاولاتنا لتصنيف أشباه البشر الأوائل في فروعٍ حيوية. والبديل لذلك هو تصنيف أصنوفات أشباه البشر في أصناف. والصنف هو فئة تعتمد على ما يفعله الحيوان أكثر من اعتمادها على علاقاته التطوُّرية؛ لذلك على سبيل المثال، تُشبه السيارة الرياضية المتعددة الأغراض الصنف، بينما تُشبه كافة السيارات الأخرى التي تُنتجها شركة فورد للسيارات — بما في ذلك مجموعة السيارات الرياضية المتعددة الأغراض — الفرع الحيوي. يمكن للأصناف أن تكون أيضًا فروعًا حيوية، لكنها لا تكون كذلك بالضرورة. على سبيل المثال، السعادين الآكلة لأوراق الأشجار هي صنف وليست نوعًا حيويًّا؛ لأن السعادين الآكلة لأوراق الأشجار من العالم القديم والحديث، على التوالي، هي مكوِّن واحد فقط من فروعٍ حيويةٍ أكبر لسعادين العالم القديم والحديث. فلا بد أن يشتمل الفرع الحيوي على كل المنحدرين من سلفٍ مشترك، وليس فقط بعضٍ منهم. من المرجح أن يتفق علماء الحفريات البشرية على الأصناف أكثر من اتفاقهم على الفروع الحيوية، لكن لا بد لهم من السعي وراء تحديد نمط التفرُّع في شجرة الحياة حتى إن كانت النتائج مثيرة للجدل. وسأتحدث عن بعضٍ من هذه الموضوعات الجدلية في الفصول التالية.

(١٠) التكوين الوظيفي والسلوكي

بالإضافة إلى تحليل الحفريات من أجل تصنيفها وترتيبها في مخططٍ للفرع الحيوي ثم في مخططٍ لتطوُّر السلالة، يستخدم علماء الحفريات البشرية أيضًا السجل الحفري في معرفة عمليات التكيُّف لدى أنواع أشباه البشر، وهم يفعلون ذلك من خلال محاولة إعادة تصوير الطريقة التي عاش بها الأفراد المنتمون إلى الأصنوفة نفسها، ثم يجمعون هذه المعلومات مع أدلةٍ عن البيئة ويُكوِّنون فرضياتٍ عن كيفية تكيُّف هذا النوع مع بيئته. فيحاول الباحثون معرفة قدرٍ كبيرٍ من المعلومات عن الحيوان المنقرض بقدر ما يتوقعون معرفته عن الحيوان الموجود على قيد الحياة. ماذا كان يأكل؟ كيف كانت حركته؟ هل كان يعيش في مجموعاتٍ اجتماعية، أم كان يعيش وحيدًا؟ يحاول علماء الحفريات البشرية الإجابة عن هذه الأسئلة عن طريق فحص التكوين الوظيفي أو السلوكي.

يعني التكوين الوظيفي دراسةَ العظام أو الأسنان ومعرفة الوظيفة التي كانت تؤديها على أفضل وجهٍ وفي معظم الأوقات. على سبيل المثال، سيحتاج الفرد إلى عظامِ أصابعَ مقوَّسةٍ فقط إذا كان يقضي وقتًا طويلًا في الإمساك بفروع الأشجار؛ لذلك تكون عظام الأصابع المقوَّسة علامةً على أن التسلق كان جزءًا من حركة هذا الحيوان. يقدم شكل مفاصل الأصابع أيضًا وطول الأصابع والإبهام معلوماتٍ عن مدى إحكام أشباه البشر الأوائل قبضتَهم على الأشياء؛ فيحتاج الإمساك بمقبض المطرقة إلى قبضةٍ محكمة، في حين أن القدرة على الإمساك بأداةٍ حجريةٍ صغيرةٍ وحادةٍ واستخدامها تحتاج إلى إمساكٍ محكمٍ باليد ومجموعةٍ مختلفةٍ من عضلات الذراع والساعد والعضلات الصغيرة في اليدين. بالمثل، فإن عظام الفخذ في الحيوانات التي تحمل كلَّ وزنها على أطرافها الخلفية تختلف في شكلها عن الحيوانات التي يتوزع وزنها على أطرافها الأربعة.

يمكن أن يساعد التكوين الوظيفي أيضًا في إعادة تصوير النظام الغذائي لأشباه البشر الأوائل. فيعكس شكلُ الأسنان نوعَ الطعام الذي كانت تتناوله. فالأسنان الضخمة ذات الأطراف القصيرة المستديرة المدببة المغطاة بطبقةٍ سميكةٍ من المينا من المحتمل أنها قد تطوَّرت من أجل التكيُّف مع نظامٍ غذائيٍّ يحتوي على أطعمةٍ صعبة المضغ، أو طعامٍ مغلَّفٍ بنوعٍ من الغطاء الخارجي القاسي، مثل قشرة المكسرات، والذي لا بد من كسره قبل تناوُل ما يحتوي عليه. يستخدم العلماء المجاهر في فحص الخدوش الصغيرة للغاية التي لا تُرى بالعين المجردة الموجودة على جميع الأسنان. إن أطعمةً مثل الدرنات التي تنمو تحت الأرض تحتوي على كثيرٍ من حبيبات الرمل الصغيرة، وتترك هذه الحبيبات تجويفاتٍ واضحةً على سطح المينا. أحيانًا تتعرَّض الأسنان للخدش عندما يضغط الحيوان عليها، أو عندما ترتطم بها حبيبات الرمل القاسية بفعل الرياح. لكن هذا النوع من الضرر يجب أن يؤثر على الجوانب وليس فقط السطح العلوي، أو الإطباقي، للسِّن. عند البحث عن أي معلوماتٍ عن النظام الغذائي لأشباه البشر الأوائل عن طريق البحث عن أدلةٍ على أي خدوشٍ مجهريةٍ تركها الطعام (تُسمى خدوش السطح)، لا بد أن يتأكد الباحثون من عدم الخلط بين الخدوش التي تحدث عقب الوفاة والخدوش التي تحدث في أثناء حياة الفرد (خدوش السطح السابقة على الموت).

تأتي الأدلة المباشرة على نوعية الأطعمة التي كان أشباه البشر يتناولونها من تحليل النظائر المستقرة. يقيس هذا التحليل نظائر الأكسجين والنيتروجين والكربون داخل عظام الحفرية أو أسنانها ثم يضاهي النمط الموجود في الحفرية مع الأنماط الملاحَظة في الحيوانات الموجودة على قيد الحياة التي تكون نظمها الغذائية معروفة. على سبيل المثال، الحيوانات التي تتغذى على أوراق الأشجار يمكن تمييزها عن تلك التي تتغذى على الحشائش وعن تلك التي تكون في الأساس آكلةً للحوم. باستخدام هذه الطريقة أظهرت جوليا لي-ثورب، الكيميائية المتخصصة في النظائر التي تعمل في قسم علوم الآثار في جامعة برادفورد، وزملاؤها أنه يوجد لدى أشباه البشر بارانثروبوس الذين يبلغون من العمر ١٫٥ مليون سنة، والمستخرجين من سوارتكرانس، أنماطُ نظائر مستقرة لا يمكن أن تأتيَ إلا من تناول اللحوم؛ ومن ثَمَّ دفع هذا الباحثين إلى إعادة النظر في وجهات النظر السابقة التي كانت تذهب إلى أن أشباه البشر هؤلاء في الأساس، إن لم يكن حصريًّا، نباتيُّون.

(١١) الفجوات والتحيز في السجل الحفري لأشباه البشر

على مرِّ العقود جمَّع علماء الحفريات البشرية حفرياتٍ لأشباه البشر من آلاف الأفراد الذين يرجع تاريخهم إلى ٦ و٧ ملايين سنةٍ ماضية. بينما قد يبدو هذا الرقم مبهرًا، فإن معظمه يتركز في الجزء الأخير من السجل الحفري لأشباه البشر. بالإضافة إلى هذا التحيُّز الزمني، فإن السجل الحفري لأشباه البشر يحتوي على أشكالٍ أخرى من التحيُّز ونقاط الضعف. والعلم الذي يختص بمعرفة أشكال التحيُّز هذه ويحاول تصحيحها هو موضوع علم دراسة عملية تكوُّن الحفريات. في حين يظهر بعضٌ من أكثر الأجزاء الصُّلبة في الهيكل العظمي مثل الأسنان والفك السفلي على نحوٍ جيدٍ في السجل الحفري لأشباه البشر، فإن الهيكل العظمي تحت القحف، المشتمل على العمود الفقري والأطراف، وخاصةً العمود الفقري والأيدي والأقدام، لا يظهر على نحوٍ جيد؛ فالصلابة النسبية لأجزاء الهيكل العظمي المختلفة (مثلًا الفك السفلي يكون بوجهٍ عامٍّ أكثر سُمكًا ويتكوَّن من عظامٍ أكثر كثافةً من الفقرات) تكون مسئولة جزئيًّا عن الحفظ المختلف لأجزاء الجسم؛ فالعظام الأقل وزنًا مثل الفقرات من المحتمل أن تنجرف في الفيضانات التي تعقب هطول الأمطار الغزيرة، ثم تؤخذ إلى بحيرةٍ حيث تختلط فيها بعظام الأسماك والتماسيح المتحجِّرة. وعلى العكس من ذلك، تسقط العظام الأثقل وزنًا إلى القاع في مياه الفيضان، وتُحبس داخل الصخور الموجودة في قاع المجرى المائي أو النهر؛ ومن ثَمَّ تُحفظ داخل الرواسب التي تحفظ العظام ثقيلة الوزن للحيوانات الأرضية الأخرى.

أحد العوامل الأخرى التي تؤثِّر في الحفظ المتباين للحفريات هو أي أجزاء الجثة تغري المفترسات لتناولها. تحب النمور تناول أيدي السعادين وأقدامها، وإذا كانت تفضيلات آكلات اللحم الضخمة المنقرضة تُشبه هذه التفضيلات، فإن هذه الأجزاء من أشباه البشر ستكون شحيحةً في الحفريات؛ ومن ثَمَّ، فإننا نعرف عن تطوُّر أسنان أشباه البشر المتحجرين أكثر مما نعرفه عن تطوُّر أيديها وأقدامها. كذلك فإن لحجم الجسم تأثيرًا مهمًّا في كون الأصنوفة لها سجل حفري أم لا؛ فيزيد احتمال تحجُّر الأصنوفات ذات الجسم الضخم عن ذوات الجسم الصغير، كما يزيد احتمال تحجُّر الأفراد ذات الجسم الأضخم داخل الأصنوفة عن الأفراد الأصغر جسمًا فيها. توجد أسباب وجيهة للاعتقاد في أن مثل هذ التحيزات ستؤثر في السجل الحفري لأشباه البشر.

من المرجح أن تؤديَ بعض البيئات إلى التحجر والاكتشاف اللاحق أكثر من بيئاتٍ أخرى؛ ومن ثَمَّ نحن لا نستطيع افتراض أن العثور على المزيد من الأدلة الحفرية من حقبةٍ معينةٍ أو مكانٍ معينٍ يعني وجود المزيد من الأفراد في هذا الوقت، أو هذا المكان؛ فربما كانت الظروف في حقبةٍ ما أو في موقعٍ ما مواتيةً بدرجةٍ أكبر للتحجر منها في أوقاتٍ أخرى، أو في أماكنَ أخرى. وبالمثل، فإن غياب الأدلة الحفرية لأشباه البشر في وقتٍ معينٍ أو مكانٍ معينٍ ليس لها نفس دلالة وجودها. فالحكمة تقول: «غياب الدليل ليس دليلًا على غياب الوجود.» يشير منطقٌ مشابهٌ إلى احتمال أن تكون الأصنوفات قد نشأتْ قبل ظهورها لأوَّل مرةٍ في السجل الحفري، وربما تكون قد بقيت عقب أحدث ظهورٍ لها في السجل الحفري؛ ومن ثَمَّ فإن معلومة أول ظهور، ومعلومة آخر ظهور، للأصنوفات في السجل الحفري لأشباه البشر ربما تكون تصريحاتٍ متحفظةً بشأن وقت نشأة الأصنوفة وانقراضها.

تنطبق التحفُّظات نفسها على التوزيع الجغرافي لمواقع الحفريات. من شبه المؤكد أن أشباه البشر قد عاشوا في مواقع أكثر من المواقع الحفرية الموجودة. وفي أغلب الأحيان كانت البيئات في الماضي مختلفةً عن التي نراها في وقتنا الحالي؛ فالأجزاء من العالم التي نراها الآن على أنها مواطن غير جذابةٍ لم تكن بالضرورة على هذا النحو في الماضي، والعكس صحيح.

أخيرًا لا تساعد كل البيئات على حفظ العظام والأسنان؛ فبعض أنواع التربة تكون شديدة الحموضة ونادرًا ما تظل العظام والأسنان فيها. لوقتٍ طويلٍ استمرَّ افتراض أن الحفريات لا يمكن أبدًا أن يُعثر عليها في البيئات القديمة الكثيفة الأشجار بسبب المستويات المرتفعة لحمض الهيوميك. واتضح أن هذه فكرة خاطئة، لكن ثَمَّةَ مواقع توقَّع علماء الآثار العثور فيها على أدواتٍ حجريةٍ وعظامٍ مع بعضها، ولم يعثروا فيها إلا على أدواتٍ حجريةٍ فقط؛ فقد ذابت العظام والأسنان قبل إمكانية تحجُّرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠