الفصل السادس

أشباه البشر القدامى والانتقاليون

أتحدث في هذا الفصل عن كائناتٍ من شبه المؤكد أنها من أشباه البشر؛ إذ تشترك مع الإنسان الحديث في كمٍّ من صفاتها التكوينية أكبر بكثيرٍ مما تشترك به مع الشمبانزي. ومع ذلك لا تظهر عليها التغيرات في حجم الفك والأسنان وفي حجم الجسم وشكله التي تميز أنواع أشباه البشر التي نصنفها تحت جنس «الهومو»؛ لذلك نطلق عليها اسم أشباه البشر «القدامى». وفي نهاية هذا الفصل أستعرض أيضًا مجموعةً من أشباه البشر يُشبهون جزئيًّا أشباه البشر القدامى وجزئيًّا البشر؛ لذا نطلق عليهم اسم أشباه البشر «الانتقاليين».

(١) أشباه البشر القدامى من شرق أفريقيا

بعد مرور نصف مليون سنةٍ بالتوقيت الجيولوجي على أرديبيتيكوس راميدوس، بين ٣ و٤ ملايين سنةٍ مضت، بدأنا نرى علاماتٍ على كائنٍ لديه سجلٌّ حفريٌّ أكثر اكتمالًا من أي أشباه بشرٍ بدائيين محتمَلين تحدثنا عنهم في الفصل السابق. يُسمَّى هذا الكائن، الذي هو دون شكٍّ من أشباه البشر، «أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس».

أُطلق هذا الاسم عام ١٩٧٨ على الحفريات المُستخرجة من منطقة لايتولي في تنزانيا ومن موقع عفار الإثيوبي. يشتمل السجل الحفري للأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس على قحفٍ وعدة جماجمَ جيدةِ الحفظ، وعدةِ فكوكٍ سُفلية، وعددٍ من عظام الأطراف يكفي لإعداد تقديراتٍ موثوقٍ بها عن حجم الجسم ووزنه.

يضمُّ الجزء من المجموعة الذي عُثر عليه في منطقة عفار هيكل «لوسي» الشهير، وهو ما يقرب من نصف هيكلٍ عظميٍّ لأنثى بالغة. تصدَّر هذا الاكتشاف الذي أجراه دونالد جوهانسن وفريقه عناوينَ الصحف؛ لأنها كانت أوَّل مرةٍ يَستخرج فيها الباحثون أحد أشباه البشر الأوائل المحفوظين جيدًا على هذا النحو. كانت معرفة أن العظام كلها تنتمي إلى الفرد نفسه تعني أن يتمكن الباحثون من مقارنة الفكين والأسنان بعظام الأطراف، وعظام الذراع بعظام الساق؛ يعني هذا أيضًا أنهم يستطيعون معرفة طول الجسم ووزنه والطول النسبي للأطراف.

تُخبرنا الصورة التي تظهر عن شبيه البشر أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس أن وزنه يتراوح بين ٧٥ و١٢٥ رطلًا. ويتراوح حجم دماغه بين ٤٠٠ و٥٠٠ سنتيمتر مكعب، وهو أكبر من الحجم المتوسط لدماغ الشمبانزي وأكبر بكثيرٍ من الحجم المُقدر لدماغ إنسان تشاد السواحلي الذي يتراوح بين ٣٠٠ و٣٢٥ سنتيمترًا مكعبًا. ومع هذا، عند مقارنة حجم الدماغ بحجم الجسم (الحوت الأزرق دماغه أكبر من دماغ الإنسان الحديث، لكنه يزن أكثر منا) فإننا نجد أن دماغ الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس أكبر بقليل من دماغ الشمبانزي المساوي له في الحجم. كما أن أسنانه القاطعة (الأسنان الأربع التي تظهر في كلِّ فكٍّ عندما يبتسم الناس) أصغر بكثيرٍ من أسنان الشمبانزي، لكن أسنان المضغ لدى الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس (اثنين من الضواحك وثلاثة ضروس على كل جانبٍ في الجزء الخلفي من الفك، لا بد أن تجعل شخصًا ما يضحك بشدة حتى تراها) أكبر من الموجودة لدى الشمبانزي. يشير هذا إلى احتواء نظامه الغذائي على أشياءَ صعبةِ المضغ أكثر من نظام الشمبانزي الغذائي. هذا ويشير شكل بقايا الحوض والأطراف السفلى وحجمها إلى أن الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس كان قادرًا على السير على قدمين لكن ربما لمسافاتٍ قصيرةٍ فقط.

fig11
شكل ٦-١: إعادة تكوين هيكل «لوسي» العظمي (A.L.288) على يد بيتر شميت في معهد الأنثروبولوجيا في جامعة زيورخ.

إن أقدم مساراتٍ محفوظةٍ لآثار أقدام أشباه البشر، وأقدم حفرياتٍ لآثار أشباه البشر هي تلك التي تبلغ من العمر ٣٫٦ ملايين سنة، واكتشفتها ماري ليكي في لايتولي في تنزانيا. إن آثار أقدام أشباه البشر هي واحدة فقط ضمن العديد من الآثار التي تركتها حيوانات ضخمة وصغيرة، يتراوح حجمها بين الخيول والأرانب البرية. وقد حُفظت آثار الأقدام والحوافر جيدًا بسبب تصادف سير الحيوانات فوق منطقةٍ مسطحةٍ مغطاةٍ بطبقةٍ من الرماد البركاني المُبلل حديثًا بفعل عاصفةٍ مطيرة. إن نوع الرماد البركاني الناعم الموجود في لايتولي له محتوًى كيميائيٌّ يجعله مثل الإسمنت؛ لذلك عندما جففت الشمس هذه الطبقة أصبحت قاسيةً مثل الحجارة. تشبه هذه العملية الأسلوبَ المُستخدم خارج أحد مطاعم هوليوود من أجل حفظ بصمة الكف والقدم لنجوم الأفلام. تمدنا هذه الآثار المتحجِّرة بأدلةٍ تصويريةٍ على أن أحد أشباه البشر المعاصرين لهذه الفترة، المفترض أنه أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، كان قادرًا على السير على قدمين. يتماشى حجم آثار الأقدام وطول الخطوة مع تقديرات ارتفاع الجسم التي استُخدمت عظام أطراف أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس للتوصُّل إليها؛ مما يُشير إلى أن طول الأفراد عند الوقوف كان يتراوح بين ٣ و٤ أقدام.

تنتمي الحفريات المُستخرجة من موقعٍ في كينيا يُدعى كانابوي — ويرجع تاريخها إلى ٣٫٩–٤٫٢ ملايين سنةٍ مضت — إلى نوعٍ مختلفٍ من أشباه البشر هو «أسترالوبيتك أنامنسيس»، الذي ربما يكون سلف أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس. تشبه أنياب أسترالوبيتك أنامنسيس الشمبانزي أكثر من أنياب أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، ومع هذا تختلف أسنان المضغ لديه عن أسنان الشمبانزي كثيرًا. نُسبت حفريات أشباه البشر التي تبلغ من العمر ثلاثة ملايين ونصف مليون سنةٍ والتي جُمعت من بحر الغزال في تشاد في عام ١٩٩٥ — ليس بعيدًا عن الموقع الذي سيُكتشف فيه إنسان تشاد السواحلي فيما بعد — إلى «أوسترالوبيثيكوس بحر الغزال»، مع هذا يَدَّعي بعض الباحثين، ربما على نحوٍ صحيح، أن هذه البقايا لا تنتمي إلى نوعٍ منفصلٍ من أشباه البشر، وإنما إلى نوعٍ مختلفٍ جغرافيًّا من الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس.

أما النوع الرابع من أشباه البشر القدامى في شرق أفريقيا، «أوسترالوبيثيكوس جارحي» الذي عُثر عليه في بوري في وسط منطقة أواش في إثيوبيا، فهو الأغرب من عدة جوانب؛ حيث تشير عظام الأطراف التي عُثر عليها مع الحفرية إلى أنه كان يسير على قدمين، لكن أسنان المضغ لديه أكبر بكثيرٍ من الموجودة لدى أنواع الأوسترالوبيثيكوس الثلاثة الأخرى التي عُثر عليها في شرق أفريقيا. لم يُعثَر على أدواتٍ حجريةٍ مع حفريات أوسترالوبيثيكوس جارحي، لكن تظهر على عظام الحيوانات التي عُثر عليها على مقربةٍ منه علاماتٌ واضحةٌ على أن الجلد قد أُزيل بأداةٍ حادة؛ فلا يمكن أن يَسمح بإزالة الجلد بمثل هذه الدقة إلا قِطع حجرية حادة استخدمها أشباه البشر. وحاليًّا، هذا هو أقدم دليلٍ على أن أشباه البشر منذ مليونين ونصف مليون سنةٍ كانوا يُزيلون عن عمدٍ جلدَ جثث الحيوانات.

(٢) أشباه البشر القدامى من جنوب أفريقيا

عُثر على كل أصنوفات الأوسترالوبيثيكوس التي عرضتُها حتى الآن في شرق أو وسط أفريقيا في مواقعَ في أماكنَ مفتوحة. لم تكن مواقع العثور على أشباه البشر بالضرورة الأماكنَ التي عاشوا أو خيَّموا فيها؛ فقد كانت ببساطةٍ أماكنَ في المشهد الطبيعي تجمعت فيها، لسببٍ أو لآخر، عظامُ واحدٍ أو أكثر من أشباه البشر؛ فربما انتقلت إلى هناك بفعل فيض مياه الأمطار الناتجة عن إحدى العواصف المطيرة، أو ربما كان هذا الموقع قريبًا من مخبأ طعامِ أحد المفترسات أو عرينه. وقد تحدد تاريخ معظم هذه المواقع عن طريق تطبيق طرق التأريخ بالنظائر على الرماد البركاني الموجود إما في الطبقة نفسها التي يُحتمل أن يكون الدليل الحفري لأشباه البشر قد استُخرج منها، أو في الطبقات الموجودة فوق الطبقة الغنية بالحفريات وتحتها.

إلا أنه في عام ١٩٢٤، قبل نحو خمسين سنةً من اكتشاف البقايا المنسوبة إلى الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، اكتُشفت جمجمة طفلٍ من أشباه البشر في جنوب أفريقيا في سياقٍ مختلفٍ تمامًا؛ فقد عُثر عليها بين أجزاءٍ من عظامٍ أُخذت من كهفٍ صغيرٍ ظهرت خلال عمليات التعدين في موقع بكستون لايم ووركس في مدينة تونج. لَفَت شبيهُ البشر الجديد هذا اهتمامَ البروفيسور رايموند دارت، الذي كان أوَّلَ خبيرٍ يدرك أهميته.

أطلق دارت على هذه الأصنوفة الجديدة اسم «أوسترالوبيثيكوس الأفريقي»، الذي يعني حرفيًّا «القرد الجنوبي من أفريقيا». عندما كتب عن هذا الاكتشاف الجديد مقالًا في مجلة نيتشر عام ١٩٢٥، لم يتلقَّ ترحيبًا حماسيًّا؛ فقد كان معظم الباحثين إما يجهلون، أو تناسَوْا، توقع داروين بأن أفريقيا هي منشأ البشرية. مع هذا، تمكَّن دارت من تكوين تحالُفٍ مميزٍ مع عالِم الحفريات روبرت بروم الذي اشتُهر عن طريق جمعه حفريات الزواحف التي تُشبه الثدييات. كان بروم مقتنعًا للغاية بأنَّ دارت اكتشف رابطًا مهمًّا بين أسلافنا من القرود والإنسان الحديث، حتى إنه بحث عن كهوفٍ أخرى ربما تحتوي على عظام الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي، أو كائناتٍ تُشبهه.

بحث بروم لأكثر من عقدٍ من الزمن قبل اكتشاف موقعٍ آخرَ لكهفٍ يحتوي على أشباه البشر، يُسمى ستيركفونتاين. احتوى هذا الموقع على بقايا يفسرها الباحثون حاليًّا بأنها تنتمي إلى نفس نوع طفل تونج. تبع هذا على الفور اكتشافاتٌ في كهفين آخرين، هما كرومدراي وسوارتكرانس، لكائناتٍ تختلف أسنانها وفكوكها عن أسنان وفكِّ الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي. نُسبت هذه البقايا إلى جنسٍ ونوعٍ مختلفَيْن هو «بارانثروبوس (التي تعني «الإنسان الموازي») روبستوس». وأسنان المضغ الأكبر حجمًا إلى حدٍّ ما تجعله يندرج تقريبًا تحت فئة «أشباه البشر القدامى ذوي الأسنان الضخمة» المنتمين إلينا. عُثر مؤخرًا على حفريات أشباه البشر في مواقعِ كهوفٍ أخرى في جنوب أفريقيا (مثل دريمولن وجلاديسفيل)، لكن يبدو أن جميع هذه الاكتشافات الحديثة تنتمي إما إلى الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي أو البارانثروبوس روبستوس.

(٣) تفسير أشباه البشر من جنوب أفريقيا

إحدى المشكلات الموجودة في تفسير أشباه البشر المُستخرَجين من كهوف جنوب أفريقيا عدم القدرة على تحديد عمرهم على نحوٍ موثوقٍ به مثل الحفريات المُستخرجة من مواقعَ في شرق أفريقيا؛ ففي جميع مواقع الكهوف هذه الموجودة في جنوب أفريقيا تختلط حفريات أشباه البشر البدائيين بعظام حيواناتٍ أخرى في الصخور الصُّلبة وجدران الكهف المليئة بالعظام أو البريشة. يحاول الباحثون العثور على طرق تأريخٍ مطلقٍ يمكن تطبيقها على بريشة الكهوف، لكن في غضون ذلك لم تؤرَّخ معظم هذه المواقع إلا عن طريق مقارنة بقايا الثدييات التي يُعثر عليها داخل الكهوف بحفرياتٍ عُثر عليها في مواقعَ مؤرخةٍ على نحوٍ أفضلَ في شرق أفريقيا. هكذا تحدد عمر البريشة التي تحتوي على الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي إلى ما بين ٢٫٤ و٣ ملايين سنةٍ مضت. هذا وقد عُثر على هيكلٍ عظميٍّ مكتملٍ على نحوٍ مذهلٍ لأحد أشباه البشر، رقمه Stw 573، من مكانٍ عميقٍ في كهف ستيركفونتاين ربما يكون أقدم بكثير، يرجع إلى نحو ٤ ملايين سنة، لكن من المبكر للغاية التصريح بأنه ينتمي إلى أوسترالوبيثيكوس الأفريقي. كما أن أشباه البشر الذين يشبهون أوسترالوبيثيكوس الأفريقي واستُخرجوا من أماكنَ أكثر عمقًا في مجموعة كهوف ستيركفونتاين، من موقع جاكوفيك كافرن؛ ربما يزيد عمرهم على ٤ ملايين سنة.

إن فكرتنا الحالية عن الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي أن بنيته الجسمانية كانت تُشبه كثيرًا الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، لكن أسنان المضغ لديه أكبر وجمجمته لا تُشبه جمجمة القرود، أما متوسط حجم دماغه فهو أكبر قليلًا من الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس. هذا ويُشير الهيكل العظمي تحت القحفي إلى أنه رغم قدرة الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي على السير على قدمين، فإنه كان قادرًا أيضًا على تسلُّق الأشجار. وتُشير حفريات الحيوانات الأخرى وبقايا النباتات التي عُثر عليها مع الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي إلى أن موطنه كان الغابات العشبية. تختلف الصورة الموجودة لدينا عن البارانثروبوس الذي يتراوح عمره بين ١٫٥ و٢ مليون سنةٍ مضت؛ من حيث كون أسنان المضغ لديه أكبر، ووجهه أعرض ودماغه أكبر قليلًا. يعتقد بعض الباحثين أن حركة البارانثروبوس روبستوس ربما كانت مختلفةً عن حركة الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي، لكن لا تُوجد أدلة كافية للتأكُّد من ذلك.

لا توجد علامة على أن الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي أو البارانثروبوس روبستوس قد عاشا داخل الكهوف؛ فعظامهما إما سقطت في مداخل الكهوف على يد النمور، وإما أدخلتها الضباع أو النيص إلى داخل الكهوف. وربما تنتمي بعض البقايا الأكثر اكتمالًا، مثل هيكل Stw 573 العظمي الذي عُثر عليه في ستيركفونتاين، إلى أفرادٍ إما سقطوا داخل الكهوف وإما استكشفوها ووجدوا أن الدخول فيها أسهل كثيرًا من الخروج منها.

(٤) أشباه بشرٍ قدامى ضخام الأسنان في شرق أفريقيا

ظهر دليلٌ آخر على أن البارانثروبوس يختلف عن الأوسترالوبيثيكوس الأفريقي في عام ١٩٥٩ عندما اكتشف كلٌّ من ماري ولويس ليكي جمجمة مفتتة تبلغ من العمر ١٫٩ مليون سنة في منطقة أولدوفاي جورج في تنزانيا. كانت أسنان المضغ الموجودة في هذه الجمجمة، OH 5، وفكاها أكبر بكثيرٍ من البارانثروبوس روبستوس، لكن القواطع والأنياب كانت صغيرة، في المطلق ومقارنةً بحجم الضواحك والضروس. فأيًّا كان ما تأكله هذه الكائنات، فمن الواضح أنه لم يكن بحاجةٍ إلى قواطعَ ضخمةٍ لقضمه.
أصبحت الجمجمة OH 5 العينةَ القياسيةَ «لزينجينثروبوس بويزي»، لكن معظم الباحثين يُسقطون جنس زينجينثروبوس ويُدرجون هذه الأصنوفة التي عُثر عليها في شرق أفريقيا إما تحت الأوسترالوبيثيكوس أو البارانثروبوس؛ لذلك سأُشير إليها باسم بارانثروبوس بويزي. ظهر دليلٌ آخر على البارانثروبوس بويزي مع اكتشاف فكٍّ سفليٍّ مع جسمٍ ضخمٍ وقوي، وأسنانِ مضغٍ ضخمة، وقواطعَ وأنيابٍ صغيرةٍ في نهر بنينج على ضفاف بحيرة النطرون في تنزانيا. منذ ذلك الحين عُثر على المزيد من الحفريات المنسوبة إلى بارانثروبوس بويزي في أولدوفاي، وفي مواقع في إثيوبيا وكينيا ومالاوي.

تُوجد السمات التي تميِّز بارانثروبوس بويزي في جمجمته وفكه السفلي وأسنانه؛ فهو شبيه البشر الوحيد الذي يجمع بين وجهٍ ضخمٍ عريضٍ مسطحٍ مع أسنانِ مضغٍ ضخمةٍ وقواطعَ وأنيابٍ صغيرة. ورغم كِبَر حجم فَكَّيه وأسنان المضغ، فإن دماغه (نحو ٤٥٠ سنتيمترًا مكعبًا) في نفس حجم دماغ فصيلة الأوسترالوبيثيكوس، مثل أوسترالوبيثيكوس الأفريقي. وكان أقدمَ دليل على البارانثروبوس عُثر عليه في شرق أفريقيا لنوعٍ له وجه أكثر نتوءًا وقواطع أكبر وقاعدة قحفه أقرب شبهًا إلى القرد. ينسب بعض الباحثين هذه الحفريات التي ترجع إلى أبعد من ٢٫٣ مليون سنة إلى نوعٍ منفصلٍ هو «بارانثروبوس الأثيوبي».

رغم غِنى الأدلة القحفية للبارانثروبوس بويزي، لم تُكتشف أي بقايا تحت قحفية مع البقايا القحفية يمكن التأكُّد من أنها تنتمي إليه؛ لذلك لا توجد لدينا أدلة مؤكدة، فقط مجرد تخمينات، عن وقفته أو حركته.

يفسر معظم علماء الحفريات البشرية أسنان المضغ الضخمة ذات الطبقة السميكة من المينا والفكوك السفلية الضخمة بتمتُّع هذه الكائنات بأجسامٍ عريضة، ويفسرون الثنيات الموجودة على جماجم الأفراد الضخمة على أنها دليل على خصوصية نظام البارانثروبوس بويزي الغذائي للغاية، ربما كان يتكوَّن فقط من البذور أو الفاكهة ذات القشور الخارجية الصلبة. يختلف آخرون مع هذا ويقولون إن البارانثروبوس ربما كانت أعلى الرئيسيات تمامًا مثل خنزير الآجام. وربما مكنتها أسنان المضغ الضخمة لديها وفكها السفلي الضخم من التكيف مع نطاقٍ واسعٍ من العناصر الغذائية تضم اللحوم والأطعمة النباتية والحشرات.

يوجد لدينا عدد كافٍ من الجماجم والقحوف لنرى وجود زيادةٍ متوسطةٍ لدى بارانثروبوس بويزي في حجم الدماغ بمرور الوقت. لا يوجد سبب مورفولوجي يفسر عدم صنع بارانثروبوس بويزي أو بارانثروبوس روبستوس أدواتٍ حجريةً بدائية؛ فيظهر على العصا المدببة التي وُجدت مع البارانثروبوس روبستوس تآكلٌ يُشبه الذي يُحدثه الصيادون وجامعو الطرائد المعاصرون عند استخدامهم العصا في اقتحام تلال النمل الأبيض من أجل الحصول على النمل الأبيض الشهي والغني بالطاقة.

كانت أكبر عينات بارانثروبوس بويزي، التي كانت لذكورٍ بالتأكيد، تقريبًا ضعف وزن أصغر الأفراد، الذي يُحتمل أن يكون أنثى (نحو ١٥٠ رطلًا مقارنةً بنحو ٧٥ رطلًا). وفي الرئيسيات الموجودة حاليًّا يرتبط مثل هذا التفاوت الواسع في حجم الجسم بنظامٍ اجتماعيٍّ تُوجد فيه منافسة بين الذكور من أجل الوصول إلى الإناث. بين الرئيسيات الشبيهة الموجودة حاليًّا يرسخ الذكور هذا التسلسل الهرمي عن طريق تهديداتٍ تُسوَّى عن طريق إظهار الأنياب الضخمة. ويشير غياب الأنياب الضخمة لدى البارانثروبوس إلى أنه في حال وجود تسلسلٍ هرميٍّ لهيمنة الذكور، فلا بد أن ذكور البارانثروبوس كانوا يستخدمون أساليب أخرى لترسيخه. ربما كان حجم وجوههم الكبير، مع ربما طيات الجلد التي تُشبه الموجودة لدى الأورانجوتان، الطريقة التي استخدموها في ترسيخ مكانهم في التسلسل الهرمي.

(٥) إنسان كينيا

نُسب أحدث شبيهٍ مكتَشَفٍ للبشر إلى جنسٍ ونوعٍ جديدَيْن يُطلق عليهما إنسان كينيا «كينيانثروبوس بلايتوبس». وهذا هو الاسم الذي أطلَقَتْه في عام ٢٠٠١ ميف ليكي وزملاؤها على مجموعةٍ من الحفريات استُخرجت من طبقاتٍ تحدد تاريخها بطريقة التأريخ المطلق إلى ما بين ٣٫٣ و٣٫٥ ملايين سنةٍ ماضية. إن أفضل عينةٍ لهذا النوع هي قحف، لكنه مُشَوَّهٌ بالعديد من الشقوق المليئة بالحجارة المتغلغلة في الوجه وباقي أجزاء القحف. ورغم هذه الشقوق تُوجد سمات للوجه لا تُشبه وجه الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، شبيه البشر الأشهر خلال هذه الحقبة الزمنية. يقتنع فريق ميف ليكي أن اكتشافهم مُخْتَلِفٌ عن الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، ويشيرون أيضًا إلى أوجه التشابه بينه وبين أصنوفةٍ أخرى سأتحدث عنها في الجزء القادم؛ هي إنسان بحيرة رودولف «هومو رودولفينسيس». ومع هذا، فإنهم في هذه المرحلة من بحثهم غير متأكدين مما إذا كانت هذه التشابهات في الوجه موروثةً من سلفٍ مشتركٍ حديثٍ (صفة مشتقة) أم أن هذا التكوين المشترك للوجه قد نشأ على نحوٍ منفصلٍ في أصنوفتين (تجانس التقويم والشكل).

(٦) أشباه البشر الانتقاليون

في عام ١٩٦٠ في منطقة أولدوفاي جورج، بالقرب من موقع استخراج قحف البارانثروبوس بويزي في عام ١٩٥٩، أجرى لويس وماري ليكي أوَّل سلسلةٍ من الاكتشافات المذهلة لما اعتقدا أنه شبيه البشر الأقرب إلى البشر الحاليين من أشباه البشر القدامى الذين تحدثتُ عنهم حتى الآن. حتى في وقتنا الحالي يتجادل الباحثون فيما إذا كانت هذه البقايا تنتمي إلى نوعٍ بدائيٍّ من جنس «الهومو» الذي ننتمي إليه، أم أنها تنتمي إلى أحد أشباه البشر القدامى ذوي الأدمغة الأكبر حجمًا.

fig12
شكل ٦-٢: مخطط زمني لأنواع أشباه البشر «القدامى» و«الانتقاليين».

اشتملت الاكتشافات الأولى على بعض الأسنان، وجزءٍ من أعلى القحف وبعض عظام الأيدي ومعظم أجزاء القدم اليسرى. وفي العام التالي عثر لويس وماري ليكي على جمجمةٍ غير مكتملةٍ لمراهق، والمزيد من الأجزاء القحفية وفكٍّ سفليٍّ وأسنان. لم تُظهر البقايا القحفية أي علامةٍ على الثنايا العظمية التي تُميِّز أفراد بارانثروبوس بويزي ذوي الأجسام الضخمة، كما كانت الضواحك والضروس أصغر بكثيرٍ من أسنان البارانثروبوس بويزي. ورغم صغر حجم الدماغ، فإن لويس ليكي وفيليب توبياس، عالم تشريحٍ بارزٍ من جنوب أفريقيا من جامعة فيتفاترسراند استعان به في البداية لويس وماري ليكي من أجل وصف قحف الزينجينثروبوس الذي اكتشفاه في عام ١٩٥٩؛ كانا مقتنعَين بأن الآثار الموجودة داخل تجويف القحف تُقدِّم دليلًا على منطقة بروكا، الجزء من الدماغ الذي اعتقد العلماء في هذا الوقت أنه كان مركز التحكم الوحيد في العضلات المستخدمة في الكلام.

قال لويس ليكي وفيليب توبياس وجون نابير، زميلهم عالِم التشريح، إن هذه الأشياء تبرر إنشاء نوعٍ آخر، هو «هومو هابيليس» الذي يعني حرفيًّا «الإنسان الماهر»، داخل جنس الهومو. قبل اقتراحهم هذا كانت جميع الآراء تقضي بأن يكون حجم دماغ كل أنواع جنس الهومو على الأقل ٧٥٠ سنتيمترًا مكعبًا. ومع هذا، كانت الأدمغة في اكتشافات أولدوفاي الحديثة تتراوح فقط بين نحو ٦٠٠ و٧٠٠ سنتيمتر مكعب. أشار لويس ليكي وزملاؤه إلى أن أدلة أولدوفاي على الإنسان الماهر تستوفي المعايير الوظيفية لجنس الهومو، وخاصةً المهارة (لأنهم في هذا الوقت كانوا مقتنعين بأن الإنسان الماهر وليس البارانثروبوس بويزي هو من صنع الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في المستويات نفسها في أولدوفاي)، والوقفة المنتصبة والحركة على قدمين بالكامل.

منذ ذلك الحين عُثر على حفرياتٍ مشابهة من مواقعَ أخرى في شرق أفريقيا وجنوبها، لكن أكبر إضافةٍ إلى المجموعة استُخرجت من موقعٍ في كوبي فورا في كينيا. يتراوح حجم الدماغ للعينة المُكبرة للإنسان الماهر بين أقل من ٥٠٠ سنتيمتر مكعب ونحو ٨٠٠ سنتيمتر مكعب. تتَّسِم بعض الوجوه بصِغَر حجمها ونتوئها، في حين يتَّسم البعض الآخر بكِبَر حجمه وتسطُّحه، كما تتفاوت أحجام الفك السفلي وأشكاله. تُظهِر عظام الأطراف التي عُثر عليها مع بقايا قحف الإنسان الماهر أن هيكله العظمي كان يُشبه هيكل أشباه البشر القدامى من حيث وجود أذرعٍ طويلةٍ مقارَنةً بطول ساقيه. هذا وتُوجد أدلة حفرية كافية تُمكِّن من تقدير أبعاد الأطراف، وهي لا تختلف عن أبعاد أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس.

عند وضع كافة الأدلة الجديدة في الاعتبار، نجد بالكاد ما يميِّز الإنسان الماهر عن جنس أشباه البشر القدامى الأوسترالوبيثيكوس؛ فعندما نقارن حجم فكه وأسنانه بالحجم التقديري لجسمه، نجد أن الإنسان الماهر أقرب شبهًا بالأوسترالوبيثيكوس من جنس الهومو الذي ظهر بعده. هذا وقد اعتمد استنتاجُ أن الإنسان الماهر كان قادرًا على التحدُّث عن العلاقات المزعومة بين منطقة بروكا في المخ وإنتاج اللغة، التي لم تَعُدْ صحيحة؛ إذ أصبحنا نعرف أن وظيفة اللغة موزعة على نطاقٍ أوسع في جميع أجزاء المخ. يختلف هيكل الإنسان الماهر العظمي تحت القحفي اختلافًا ضئيلًا عن هيكل الأوسترالوبيثيكوس والبارانثروبوس. وتُشير عظام اليد التي عُثر عليها في منطقة أولدوفاي إلى أن الإنسان الماهر كانت لديه المهارة اليدوية المطلوبة لصنع الأدوات الحجرية واستخدامها، لكن هذا ينطبق أيضًا على أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس والبارانثروبوس روبستوس.

يتفق الباحثون كذلك على أن أنياب الإنسان الماهر وفَكَّيه وأسنانه أكثر تنوُّعًا مما يتوقع المرء وجودَه في نوعٍ واحد. ويقسِّمها كثيرٌ من الباحثين حاليًّا، لكن ليس كلهم، إلى نوعين: الإنسان الماهر الصحيح (الذي يُسمَّى فنيًّا «سينسو ستريكتو» بمعنى «بالمعنى الحقيقي») وإنسان بحيرة رودولف «هومو رودولفينسيس». مقارنةً بالإنسان الماهر الصحيح يتمتع هذا النوع الثاني بدماغٍ أكبر حجمًا (٧٠٠–٨٠٠ سنتيمتر مكعب)، كما أن وجهه أكبر وأعرض ومسطحٌ أكثر وأسنان المضغ لديه أكبر حجمًا؛ مما يشير إلى أن نظامه الغذائي ربما كان مختلفًا عن الإنسان الماهر. ولا نعلم شيئًا مؤكدًا عن أطراف إنسان بحيرة رودولف.

نقاط ختامية

  • ربما يُظهِر المزيد من الأدلة الحفرية أن أسترالوبيتك أنامنسيس وأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، بالإضافة إلى بارانثروبوس الأثيوبي وبارانثروبوس بويزي، أمثلةٌ على أنواعٍ جديدةٍ تكوَّنت إثر عملية انتواعٍ تُسمَّى التخلق التجددي.

  • ما زال من غير المؤكد ما إذا كان أشباه البشر ذوو الأسنان الضخمة الذين عُثر عليهم في شرق أفريقيا وجنوبها أقربَ صلةً بعضهم ببعضٍ من صلتهم بأي نوعٍ آخر من أشباه البشر المنقرضين. وسيُحَل هذا الأمر بالعثور على أدلةٍ حفريةٍ جديدة، أو على طرقٍ جديدةٍ لاستخدام الأدلة الموجودة، من أجل إظهار أن السمات الموجودة في كل أصنوفات البارانثروبوس من غير المحتمل أن تكون أشكالًا لتجانس التقويم والشكل.

  • ستحظى أسباب إبقاء أصنوفات أشباه البشر الانتقاليين، الإنسان الماهر وإنسان بحيرة رودولف، داخل جنس الهومو بدعمٍ كبيرٍ إذا كانت عظام أطراف إنسان بحيرة رودولف تُشبه عظام الإنسان العامل. يتطلَّب هذا اكتشافَ واستخراجَ هيكلٍ عظميٍّ ينتمي إلى إنسان بحيرة رودولف.

  • يستخدم الباحثون أدلةً من دراساتٍ مورفولوجيةٍ ووظيفيةٍ ودراسات النظائر من أجل إعادة تصوُّر النظام الغذائي لأنواع البارانثروبوس من أجل تحديد ما إذا كانت صفاتهم التكوينية المشتقة (خاصةً صفات بارانثروبوس بويزي) قد تطوَّرت استجابةً لحاجتها إلى التركيز على أنواع أطعمةٍ جديدةٍ بوصفها أطعمة «بديلة»، أم كطريقةٍ للتكيف مع العديد من أنواع الطعام المختلفة.

  • يود الباحثون معرفة أنواع الأدوات الحجرية التي صنعها أشباه البشر القدامى. قد يكون هذا أمرًا صعبًا؛ لأن المراحل المبكرة لصنع الأدوات ربما كانت على نطاقٍ ضيقٍ للغاية بحيث يصعب ظهورها في المواقع الأثرية التقليدية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠