الفصل الثامن

الإنسان الحديث

(١) الحكمة التقليدية

طوال الجزء الأكبر من القرن الماضي كانت الحكمة التقليدية عن أصل الإنسان الحديث تقول إن التحوُّل من الإنسان القديم إلى الإنسان الحديث حدث على نحوٍ مستقلٍّ إلى حدٍّ ما في كل منطقةٍ من مناطق العالم القديم الرئيسية، وهي أفريقيا وأوروبا وآسيا؛ لذلك، على سبيل المثال، في أوروبا تطوَّر إنسان نياندرتال ليصبح الإنسان الحديث الأوروبي، وفي آسيا تطوَّر آخر الموجودين من الإنسان المنتصب ليصبح الإنسان الحديث الآسيوي. في شكلها المتطرف تتبنَّى فرضية تعدُّد المناطق هذه الفكرة التي أصبحت حاليًّا لحسن الحظ مشكوكًا في صحتها القائلة بأن الأشكال الجغرافية المختلفة للإنسان الحديث (مصطلح «عرق» ليس له معنًى بيولوجيٌّ تقريبًا بالنسبة إلى الإنسان الحديث) كانت أنواعًا منفصلة لها تاريخ تطوُّري مختلف بوضوح.

تبنَّى شكلًا أضعف من فرضية تعدُّد المناطق باحثون مثل فرانز فايدنرايش (الذي لعب دورًا مهمًّا في تحليل بقايا الإنسان المنتصب من زوكوديان). جمع هذا الشكل بين الفرضية التي تقول إن الأشكال الإقليمية المختلفة من الإنسان القديم قد تطوَّر كلٌّ منها ليصبح الإنسان الحديث، والاقتراح الذي يقول إنه عقب تطوُّر هذه الأشكال الإقليمية المختلفة المستقل تضاءلت الاختلافات بينها في النهاية إثر تدفُّق الجينات (إما عن طريق الهجرة أو التزاوج الداخلي) بين هذه المناطق. ومع هذا، يقول المؤيدون المعاصرون لهذا الشكل الضعيف من فرضية تعدُّد المناطق إنه رغم تدفق الجينات احتفظت كل منطقةٍ بما يكفي من طابعها الخاص لتجعل أفراد الإنسان الحديث فيها مميَّزين ومعروفين. إنهم يؤيدون هذا الشكل الضعيف من فرضية تعدُّد المناطق؛ لأنهم يرَوْن دليلًا مورفولوجيًّا على الاستمرارية بين أفراد الإنسان قبل الحديث والإنسان الحديث في كل منطقةٍ من مناطق العالم الرئيسية. على سبيل المثال، هم يدَّعون أن الأدلة القحفية وأدلة الأسنان تربط الإنسان المنتصب بالإنسان الأسترالي الحديث، وأن تكوين الوجه المميز يربط إنسان نياندرتال بالإنسان الأوروبي الحديث.

يصعب في هذا السيناريو لتطوُّر الإنسان الحديث التمييزُ بين إنسان نياندرتال مثلًا والإنسان الحديث الأول في أوروبا، وبين الإنسان المنتصب والإنسان الحديث الأول في آسيا. يقول مؤيدو الشكل الضعيف من فرضية تعدُّد المناطق إن هذه التدرجات، إلى جانب تأثير الخلط في تدفق الجينات الذي حدث بين المناطق الجغرافية، تفسر وضع الإنسان المنتصب وجميع أنواع أشباه البشر الإقليمية التي جاءت من بعده في نوعٍ واحد. وإذا افترضنا وجود نوعٍ واحدٍ يضم الإنسان المنتصب وجميع أشباه البشر التالين عليه، فإن هذا النوع يجب أن يكون الإنسان العاقل. فاسم النوع الذي أطلقه لينيوس على الإنسان الحديث له أفضلية تاريخية على غيره من كل الأسماء الأخرى (مثل إنسان نياندرتال وإنسان هايدلبيرج) التي أُطلقت فيما بعدُ على أنواع الإنسان قبل الحديث.

(٢) المركزية الأوروبية في علم الحفريات البشرية

fig16
شكل ٨-١: النسختان «القوية» و«الضعيفة» من نموذجَي تعدُّد المناطق والخروج حديثًا من أفريقيا المتعلقين بأصل الإنسان الحديث.

كان أول اكتشافٍ لحفريةٍ بشريةٍ يُعلن عنه هو على الأرجح استخراجَ الهيكل العظمي «السيدة الحمراء» (كانت العظام مصبوغة بالمغرة الحمراء) من كهفٍ في بافيلاند على شبه جزيرة جوير، غرب مدينة سوانزي في ويلز في عامَي ١٨٢٢ و١٨٢٣. ومع ذلك، فإن الاكتشاف الذي يُستشهد به تقريبًا طوال الوقت بوصفه أوَّل دليلٍ حفريٍّ على الإنسان الحديث (الإنسان العاقل) في أوروبا قد حدث في عام ١٨٦٨ في مخبأ كروماجنون الصخري في ليس إيزي في إقليم دوردوني في فرنسا. هذا وقد أشارت الأسبقية التاريخية الواضحة لكهف كروماجنون، مع الأدلة الأثرية، المتمثلة في مثاقبَ حجريةٍ صغيرةٍ متطورة، وإبر وخطاطيف صيد أسماكٍ مصنوعةٍ من العظام، التي استُخرجت من مواقع أوروبية؛ إلى العديد من الباحثين أن القارة الأوروبية لم تكن فحسب مهد الحضارة الحديث، وإنما كانت أيضًا منشأ جنسنا البشري ونوع الإنسان العاقل الذي ننتمي إليه.

(٣) تحدِّي المركزية الأوروبية

تحدَّى تطوُّران الفكرةَ السابقة التي تقول إن أوروبا كانت موقع تطوُّر الإنسان الحديث. تمثَّل الأول في الاعتراف، الذي بدأ في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر وازداد في الربع الثاني من القرن العشرين، بوجود دليلٍ حفريٍّ لأسلاف البشر أكثر بدائيةً من إنسان نياندرتال الموجود في آسيا. ثم ظهر فيما بعد بالطبع إدراك أن المرحلة الأولى من تطوُّر أشباه البشر قد حدثت على الأرجح في أفريقيا.

حدث التطوُّر الثاني في جامعة كامبريدج في إنجلترا. بدأ هذا في ثلاثينيات القرن العشرين مع اكتشاف دوروثي جارود — عالمة آثار بارزة في كامبريدج — لبقايا حفريةٍ تُشبه الإنسان الحديث في كهوفٍ في جبل الكرمل في المنطقة التي كانت تُعرف في هذا الوقت باسم فلسطين. إن اكتشافات جبل الكرمل، بالإضافة إلى استخراج حفرياتٍ تُشبه الإنسان الحديث وأدواتٍ حجريةٍ واضحة القِدم في كينيا على يد لويس وماري ليكي، وفي مصر على يد جيرترود كيتون تومسون (المنتسبين جميعًا أيضًا إلى قسم الآثار بجامعة كامبريدج)؛ بدأت في إقناع علماء الآثار الأوروبيين الأكثر ميلًا إلى البحث في الخارج بأن الأحداث المهمة في كلٍّ من المراحل المبكرة والمتأخرة من تطوُّر الإنسان ربما تكون قد حدثت خارج أوروبا. وفي عام ١٩٤٩ أدخلت دوروثي جارود منهجًا بعنوان «عالَم ما قبل التاريخ» إلى منهج طلاب علم الآثار في جامعة كامبريدج، واستمر خليفتها جراهام كلارك على النسق نفسه بتشجيع الطلاب الجامعيين على التنقيب في أفريقيا. إن الهدف من هذا التحوُّل إلى ما قبل التاريخ هو توضيح أنه في فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين كان بعض الطلاب الدارسين لتطوُّر الإنسان مقتنعين بالفعل بفكرة وقوع الأحداث المهمة في تاريخ تطوُّر الإنسان الحديث خارج أوروبا.

(٤) اكتشافات وتواريخ جديدة وأدلة جزيئية

في فترة ثمانينيات القرن العشرين اجتمعت ثلاث مجموعاتٍ من الأدلة لتحث بعض الباحثين على تأمُّل الاقتراح الثوري بأن أفريقيا ربما تكون منشأً الإنسان الحديث وسلوكياته، وأنها ليست مجرد موضعٍ ثانويٍّ للتطوُّر ومكانٍ ثقافيٍّ ثانوي.

تمثَّلت أول مجموعةٍ من هذه الأدلة الجديدة الثلاثة في إعادة تأريخ مجموعاتِ حفرياتِ أشباه البشر في بلاد الشام. أوضح هذا أنه بدلًا من كون حفريات إنسان نياندرتال المُستخرَجة من كيبارا ووادي العمود أقدم من الحفريات الأقرب شبهًا بالإنسان الحديث المُستخرَجة من مغارتَي سخول وقفزة، كان الوضع معكوسًا؛ فقد كانت الحفريات الأقرب شبهًا بالإنسان الحديث المُستخرَجة من كهف قفزة أقدم من الحفريات المُستخرَجة من منطقة كيبارا ووادي العمود التي من الواضح انتماؤها إلى أحد أنواع الإنسان القديمة. معنى هذا أن الباحثين لا يستطيعون استخدام دليلِ التأريخ لإثبات أن إنسان نياندرتال قد تطوَّر ليصبح الإنسان الحديث.

تمثَّلت المجموعة الثانية من الأدلة في اكتشافِ حفرياتٍ تُشبه الإنسان الحديث في جنوب أفريقيا وإثيوبيا. حدث أكثر اكتشافٍ مؤثِّرٍ في عام ١٩٦٨ في مصب نهر كلاسيس في جنوب أفريقيا؛ في هذا المكان عثر الباحثون على أجزاءٍ من جمجمةٍ بدت أمام العالم أجمع كما لو أنها تنتمي إلى الإنسان الحديث، إلا أنها كانت ربما تبلغ من العمر ١٢٠ ألف سنة. اقتُرح تاريخٌ مشابه لهذا في البداية لقحفٍ يُشبه الإنسان الحديث استُخرج من موقعٍ يُسمَّى كيبيش في منطقة أومو في جنوب إثيوبيا. وبِناءً على دليلٍ تأريخيٍّ حيويٍّ ضعيفٍ قُدِّر تاريخ قحف أومو ١ بنحو ١٢٠ ألف سنة، لكن اقتُرحت محاولة حديثة لتأريخ قحف أومو ١ باستخدام تأريخ النظائر تأريخًا أقدم بكثير، ما يقرب من ٢٠٠ ألف سنة مضت. وأشارت كذلك مجموعة من الحفريات استُخرجت من موقعٍ إثيوبيٍّ آخر يُسمَّى هيرتو إلى أن أشباه البشر المتحجرين الأقرب شبهًا إلى الإنسان الحديث كانوا موجودين في أفريقيا في الفترة بين ٢٠٠ و١٥٠ ألف سنة مضت.

جاءت المجموعة الثالثة من الأدلة ليس من علم الحفريات البشرية، وإنما من تطبيق طرق الأحياء الجزيئية على دراسة تنوُّع الإنسان الحديث. نُشرت الدراسة الرائدة في تطبيق هذه الطرق في عام ١٩٨٧ على يد ريبيكا كان ومارك ستونكينج وآلان ويلسون، علماء الأحياء الجزيئية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. ركزت هذه الدراسة، لعدة أسباب، على الحمض النووي الميتوكوندري وليس على الحمض النووي للنواة. إنَّ الطفرات تحدث في حمض المتيوكوندريا النووي بمعدلٍ أسرع من حدوثها في الحمض النووي للنواة، وعلى عكس الحمض النووي للنواة لا يُعاد توزيع الحمض النووي الميتوكوندري بين الكروموسومات عند انقسام الخلايا الجنسية، كذلك فإنه لا يحتوي على جميع الآليات الفطرية لإصلاح الحمض النووي الموجودة داخل النواة، وقد يُسهم هذا في معدل تطافره الأكثر ارتفاعًا، ويفسر ملاحظة أنه متى تحدث الطفرات في الحمض النووي الميتوكوندري فإنها تظل موجودة. قارنت دراسةُ كان وزملائها الحمض النووي الميتوكوندري المأخوذ من ١٤٧ إنسانًا حديثًا؛ ٤٦ من أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأدنى، و٢٠ من جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، و٣٤ من آسيا، و٢٦ من غينيا الجديدة، و٢١ من أستراليا. وجد الباحثون ١٣٣ نسخة مختلفة من الحمض النووي الميتوكوندري، ثم رتَّبوا هذه النسخ في أقصر شجرةٍ تربط كافة الأنواع مع تقليل عدد الطفرات إلى أقل عددٍ ممكن. كان شكل الشجرة التي كوَّنوها من نتائجهم مذهلًا، تمامًا مثل التوزيع الجغرافي للاختلافات الموجودة بين أنواع الحمض النووي الميتوكوندري المتعددة. احتوت الشجرة على فرعٍ أفريقيٍّ عميقٍ وفرعٍ آخر احتوى على أشكال الحمض النووي الميتوكوندري التي عُثر عليها لدى أشخاصٍ من خارج جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. لم يكن التنوُّع في الحمض النووي الميتوكوندري موجودًا حتى عبر الشجرة؛ فقد كان التنوُّع الموجود داخل فرع جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى في الشجرة أكبر من الموجود في باقي أنحاء العالم مجتمعة. لم يقتصر الأمر على هذا فحسب، وإنما بدا أن معظم أشكال الأحماض النووية الميتوكوندرية كان لها أصل أفريقي.

(٥) حواء الميتوكوندرية

كانت هذه النتائج تعني إما أحد أمرين أو كليهما؛ أولهما: أن الإنسان الحديث عاش في أفريقيا أكثر من أي مكانٍ آخر في العالم. والثاني: أن عدد أفراد الإنسان الحديث في أفريقيا كان أكبر من عددهم في جميع أنحاء العالم مجتمعة. وهذا أمرٌ منطقي؛ لأنه كلما زاد عدد الأفراد، زاد احتمال حدوث طفرات.

ذكرت كان وزملاؤها ثلاثةَ مزاعمَ أخرى في بحثهم؛ أولًا: نظرًا لأنه كان مُفترَضًا في ذلك الوقت على نطاق واسع أن الاختلافات في الحمض النووي الميتوكوندري لم تكن خاضعة لتأثير الانتقاء الطبيعي (بمعنى كون الطفرات «محايدة»)، ونظرًا لأن معظم اختلافات الحمض النووي الميتوكوندري لا تؤثر في وظيفة جينات الآلية الخلوية التي تُشفِّرها، فإن هذا يعني أن أي اختلافاتٍ في الحمض النووي الميتوكوندري الذي تراكم بين عيِّنتين من مجموعتين من الأفراد هي ببساطةٍ نتيجة لطول مدة خضوع هاتين المجموعتين لتطوُّرٍ منفصل.

ثانيًا: قالت كان وزملاؤها إن الاختلافات بين مجتمعات الإنسان الحديث في جنوب الصحراء الكبرى والأماكن الأخرى ربما استغرقت نحو ٢٠٠ ألف سنة لتتراكم؛ ومن ثَمَّ كان توقعهم أن الإنسان الحديث قد نشأ في أفريقيا منذ نحو ٢٠٠ ألف سنة. وثالثًا: ادَّعوا أن توزيع أشكال الحمض النووي الميتوكوندري أشار إلى أنه عندما ترك الإنسان الحديث أفريقيا لم يتزاوج داخليًّا مع أيٍّ مِن المجتمعات القديمة التي لا بد أنه قابلها في أثناء انتقاله إلى المناطق الأخرى الرئيسية في العالم القديم. ادَّعت كان وزملاؤها أن مجتمعات الإنسان القديم الأفريقية هي فقط التي أسهمت في ظهور التجميعة الجينية للإنسان الحديث؛ ومن ثَمَّ يؤيدون أيضًا النتيجة الطبيعية المتمثلة في عدم إسهام أشباه البشر القُدامى في أجزاء العالم الأخرى في جينوم الإنسان الحديث. في الواقع رأت كان وزملاؤها أن جميع أشباه البشر الذين ظهروا بعد ٢٠٠ ألف سنة لم يكن لديهم إلا جينات أفريقية.

نظرًا لأننا نرث الغالبية العظمى من الحمض النووي الميتوكوندري من أمهاتنا، فإن تاريخ تطوُّر الحمض النووي الميتوكوندري هو فعليًّا تاريخ الميراث من جهة الأم؛ لذا من غير المستغرَب أن تطلق الصحافة والباحثون على تفسير كان وزملائها فرضية «حواء الميتوكوندرية». وقد أُطلق عليها هذا لأن أحد معانيها الضمنية أن أُم البشرية كلها كانت أنثى أفريقية ترجع إلى نحو ٢٠٠ ألف سنة مضت. سأشير إلى هذه الفرضية على أنها فرضية الخروج من أفريقيا القوية حديثًا، لكن كما سنرى فيما يلي فإن معظم الباحثين الذين يؤيدون نموذج «الخروج الحديث من أفريقيا» فيما يتعلق بأصل الإنسان الحديث يؤيدون حاليًّا نسخةً أقلَّ تطرُّفًا.

(٦) بداية المعركة

هكذا تحددت خطوط المعركة؛ على «الجانب الأيمن» نجد فرضية تعدُّد المناطق الضعيفة، وعلى «الجانب الأيسر» نجد فرضية الخروج حديثًا من أفريقيا الضعيفة. تذكَّر أن بعض الباحثين الذين لم يرغبوا في تأييد النسخة القوية من فرضية تعدُّد المناطق كانوا أكثر ميلًا إلى تأييد التفسير الضعيف الذي اشتمل على تدفُّق الجينات بين المناطق. بالمثل، عندما حاول باحثون آخرون تكرار نتائج كان وزملائها باستخدام طرقٍ جزيئيةٍ أكثر حداثةً وأساليبَ إحصائيةٍ أكثر دقة، توصَّلوا إلى نتائجَ مختلفة. ظلَّت هذه النتائج تشير أيضًا إلى أفريقيا بوصفها أصلَ عددٍ كبيرٍ من أنواع الحمض النووي الميتوكوندري للإنسان الحديث، لكن أشار العديد من هذه الدراسات إلى وجود أدلةٍ على أن الإنسان قبل الحديث من خارج أفريقيا قد أسهم أيضًا في جينوم الحمض النووي الميتوكوندري للإنسان الحديث.

(٧) وجهة النظر الذكورية والنووية

بينما عمل باحثون على التوصُّل إلى أساليبَ لتنقية الأدلة على أصول الإنسان الحديث التي يمكن استخلاصها من الأنواع الإقليمية للحمض النووي الميتوكوندري للإنسان الحديث، شرعت مجموعات بحثية أخرى في تناولِ أجزاءٍ أخرى من الجينوم. أحد أجزاء الجينوم النووي التي حظيت باهتمامٍ خاصٍّ هو الحمض النووي المأخوذ من جزء الكروموسوم الذكوري، أو الكروموسوم واي، الذي لا يُوجد نظير له في الكروموسوم الأنثوي، أو الكروموسوم إكس. وبسبب عدم وجود نظيرٍ أنثويٍّ له، فإن الحمض النووي الموجود في جزء الكروموسوم واي لا يُعاد توزيعه خلال انقسام الخلية الجنسية؛ والمصطلح الفني لهذا الحمض النووي والحمض النووي الميتوكوندري هو أن كليهما مناطق «لا يُعاد توحيدها» في الجينوم. إذن فهذا الجزء من الحمض النووي لكروموسوم واي يُشبه الحمض النووي الميتوكوندري عدا أنه ينتقل من جيلٍ إلى التالي عن طريق الذكور وليس الإناث.

كانت النتائج الصادرة عن دراسات كروموسوم واي تُشبه نتائج دراسات الحمض النووي الميتوكوندري؛ فقد نشأ واحد وعشرون نوعًا من أصل سبعةٍ وعشرين من كروموسوم واي في أفريقيا، ووُجد تنوُّع أكبر في كروموسوم واي لدى الأفارقة أكثر من الموجود لدى الأشخاص الذين من أجزاء العالم الأخرى؛ ومن ثَمَّ تكررت نتائج الحمض النووي الميتوكوندري. ظهرت نتائج مشابهة كثيرة من دراسات الجين النووي، لكن تمامًا مثل الحمض النووي الميتوكوندري وكروموسوم واي قدمت دراسات الجين النووي دليلًا على الخلط بين الأنماط الوراثية للإنسان القديم والحديث.

إن الرسالة السائدة من دراسات الحمض النووي، أنه إذا كان مأخوذًا من الحمض النووي الميتوكوندري، أو من كروموسوم واي، أو الجينوم النووي الجسمي العادي؛ فإن معظم جينات الإنسان الحديث، وبالطبع ليس كلها، قد نشأت في أفريقيا. الرسالة الأخرى أنه طوال مليونَي سنةٍ مضت يبدو أن أفريقيا كانت مصدر «دفقات» من تطوُّر أشباه البشر الحديث. تمثَّلت الدفقة الأولى في هجرة شبيه البشر الشبيه بالإنسان العامل ثم شبيه البشر الشبيه بإنسان هايدلبيرج إلى الخارج، ثم ربما عدة موجات من الهجرة الجماعية لأشباه البشر الأكثر شبهًا بالإنسان الحديث، الذين ربما لم يكن شكلهم مختلفًا كثيرًا، لكنهم كانوا يتمتعون بقدراتٍ ومهاراتٍ ثقافيةٍ مختلفة. ويوجد حاليًّا اتفاق عام على أن الإنسان الحديث قد نشأ من هجرةٍ جماعيةٍ حديثةٍ نسبيًّا، منذ نحو ٥٠–٤٥ ألف سنة، إلى خارج شرق أفريقيا. أطلق آلان تمبلتون، الباحث الذي أشار إسهامه المهم إلى أدلةٍ على سلسلةٍ من الهجرات الجماعية، على بحثه العنوان المناسب: «إلى خارج أفريقيا مرارًا وتكرارًا».

(٨) هجرة أم تدفق للجينات؟

تستطيع الجينات الجديدة الوصول إلى خارج أفريقيا بطريقتين؛ فيستطيع البشر أخذها معهم عند هجرتهم، أو يمكنهم نقلها عن طريق التزاوج الداخلي. تتطلَّب هذه الآلية الأخيرة تزاوج الأفارقة مع أناسٍ في المناطق المجاورة من العالم القديم، ثم يتزاوج هؤلاء الناس بدورهم مع أشخاصٍ آخرين من مناطقَ بعيدةٍ عن أفريقيا، وهكذا. وبهذه الطريقة تنتقل الجينات مثل العصا في سباق التتابع.

هذا النوع من انتقال الجينات هو المشار إليه ضمنيًّا في إحدى أحدث النظريات عن أصول الإنسان الحديث. تُعرف هذه النظرية باسم «فرضية موجة الانتشار»، وتقول إن الجينات الجديدة تنتشر في موجات. تتفق هذه النظرية مع نتائجِ دراسةٍ حديثةٍ توضح وجود علاقةٍ تبادليةٍ قويةٍ بين «المسافة الوراثية» والمسافة الفعلية بالأميال لأقصر طريقٍ بريٍّ بين موقع استخراج عينة الإنسان الحديث والقارة الأفريقية.

(٩) الإنسان الحديث خارج أفريقيا

يُوجد نقاشان عن وصول الإنسان الحديث إلى أي مكانٍ خارج أفريقيا، سواءٌ إلى أوروبا أو أي مكانٍ آخر. يتعلَّق الأول بوصول أناسٍ يُشبهون الإنسان الحديث نفسه. بعبارةٍ أخرى أقدم أدلةٍ حفريةٍ على الإنسان الحديث. والنقاش الثاني يتعلَّق بوصول سلوك الإنسان الحديث. بعبارةٍ أخرى أوَّل أدلةٍ أثريةٍ على فعل الناس أشياءَ يقتنع علماء الآثار بأن الإنسان الحديث كان الوحيدَ القادرَ على فِعْلها.

لم يكن من المفاجئ أن تكون النقاشات حول ما يُشكِّل سلوك الإنسان الحديث أكثر احتدامًا من تلك المتعلقة بتكوين الإنسان الحديث. وبمجرد تمكُّن علماء الحفريات البشرية من الهروب من شَرَك المساواة بين تكوين الإنسان الحديث وتكوين الإنسان الأوروبي الحديث، أصبح من الأسهل عليهم التعرُّف على الإنسان الحديث في أجزاء العالم المختلفة، وقد أدرك علماء الآثار أيضًا أن سلوك الإنسان الحديث يضم أشياء أكثر مما كان يفعله أسلافنا في أوروبا بدايةً من نحو ٤٠ ألف سنة مضت. على سبيل المثال، كان النقص المزعوم في الأعمال الفنية داخل الكهوف كافيًا لاستبعاد أفريقيا من كونها مصدرًا محتملًا لسلوك الإنسان الحديث. يوجد سببان منطقيان لرفض هذه الحجة؛ أولهما: وجود أعمالٍ فنيةٍ داخل الكهوف في أفريقيا؛ فلم يكن علماء الآثار يبحثون بالقدر الكافي. وثانيًّا: حتى يُوجد فنٌّ داخل الكهوف لا بد من وجود كهوف، ولا توجد كهوف في كثيرٍ من أجزاء أفريقيا.

(١٠) الإنسان الحديث في أوروبا

يأتي أقدمُ دليلٍ حفريٍّ على الإنسان الحديث في أوروبا من موقعٍ في جنوب شرق أوروبا يُسمَّى كهف العظام في رومانيا، الذي يرجع تاريخه إلى نحو ٣٥ ألف سنة مَضَت، ونحن نعلم أن أفرادًا يُشبهون الإنسان الحديث قد وصلوا إلى إنجلترا، في كهف كينت، منذ نحو ٣٠ ألف سنة مضت. وحاليًّا، استُخرج أقدمُ دليلٍ على سلوكٍ للإنسان الحديث في أوروبا من مواقع في بلغاريا اسمها باتشو كيرو وتيمناتا، يرجع تاريخها إلى ما بين ٤٣ و٤٠ ألف سنة ماضية، ويُوجد منذ أقلَّ من ٤٠ ألف سنة العديد من المواقع عبر غرب أوروبا تظهر فيها أدلةٌ على سلوك الإنسان الحديث. تداخَل الإنسان الحديث مع إنسان نياندرتال لنحو ١٠ آلاف سنة أو أقل، بناءً على الموقع. استُخرجت أحدث الأدلة على إنسان نياندرتال من مواقع مثل سانت سيزار في فرنسا، وزفاريا في إسبانيا، وفينديجا في كرواتيا التي ترجع كلها إلى نحو ٣٠ ألف سنة.

جدول : الفروق التكوينية الرئيسية بين الإنسان الحديث وإنسان نياندرتال.
الإنسان الحديث إنسان نياندرتال
الصفة التكوينية
حجم الدماغ ضخم ضخم للغاية
حافة الحاجبين ضعيفة سميكة ومقوسة
الأنف ومنتصف الوجه مسطحان ناتئان
قبة القحف جوانب مستقيمة جوانب ممتلئة
المنطقة القذالية مستديرة ممتلئة
القواطع صغيرة ضخمة
الصدر ضيق عريض
الحوض صغير وضيق ضخم وعريض
عظام الأطراف مستقيمة مقوسة
مفاصل الأطراف صغيرة ضخمة
إبهام اليد قصيرة طويلة
النمو – العظام والأسنان بطيء سريع
السلوك
أدوات حجرية صغيرة ومتخصصة أكبر وأبسط
أدوات مركبة نعم لا
أدوات على شكل العظام نعم لا
الزخارف الشخصية نعم ومتطورة لا

(١١) الإنسان الحديث في آسيا: ساهول وأوقيانوسيا

أشار الباحثون إلى أنَّ الإنسان الحديث ربما يكون قد احتلَّ جزءًا، أو أكثر، من أجزاء ساهول، وهي الكتلة الأرضية التي تضم بابوا غينيا وأستراليا وتسمانيا، منذ نحو ٤٠ ألف سنة؛ فمع احتجاز كمٍّ كبيرٍ من الماء داخل الصفائح الجليدية القطبية والجبال الجليدية، ربما كانت الأرض — التي هي جزء من الرصيف وأصبحت حاليًّا تغمرها المياه — توفر وصلاتٍ جافةً بين الكتل الأرضية التي أصبحت المياه تفصل بعضها عن بعضٍ في عصرنا الحالي. إذا كان أشباه البشر قد عاشوا في ساهول منذ ٤٠ ألف سنة، فلا بد أنهم عاشوا في سوندا، وهي كتلة أرضية تضمُّ أرضَ جنوبِ شرق آسيا والجزر الحالية المكوِّنة لإندونيسيا، قبل هذا الوقت.

إذا كانت التواريخ الأخيرة لآخر حفريات الإنسان المنتصب في هذه المنطقة، المُستخرجة من نجاندونج وجاوة، صحيحة؛ فإن هذا يعني حدوث تداخُلٍ بين الإنسان الحديث وآخر إنسانٍ منتصب. إلا أن اكتشاف إنسان فلوريس، وهو صورة «قزمة» من الإنسان المنتصب استمرَّت حتى ١٨ ألف سنة مضت على جزر فلوريس يُذكرنا بأن التداخل الزمني لا يعني بالضرورة تداخُل نطاقات وجودها؛ فربما عاشت أنواع مختلفة من أشباه البشر على جزرٍ منفصلةٍ وليس بالضرورة أن تكون قد احتكت بعضها ببعض.

لا بد أن الإنسان الحديث الأوَّل الذي عاش في سوندا كان لديه القدرة على السفر على أطواف، أو شكل آخر من المراكب، وعلى قضاء عدة أيامٍ على الأقل على نحوٍ جيدٍ في البحر حتى يتمكن من عبور المياه المفتوحة بين سوندا وساهول. في الفترة بين ٣٥ و٣٠ ألف سنة مضت كان الإنسان الحديث في منطقة المحيط الهادئ بحَّارًا ماهرًا بما يكفي ليصل إلى كثيرٍ من الجزر النائية في منطقة أوقيانوسيا، بما في ذلك جزيرة تيمور وجزر الملوك وجزيرة نيو بريتن وجزيرة نيو أيرلند.

(١٢) الإنسان الحديث في ساهول

يشير السجل الحفري الموجود حاليًّا لأشباه البشر إلى أن الإنسان الحديث كان الوحيدَ من بين أشباه البشر الذي دخل منطقة نُطلق عليها اسم ساهول؛ لذلك لا سبيل إلى تداخله مع مجموعاتٍ أقدم. إن تاريخ وصول الإنسان الحديث لأول مرةٍ إلى أستراليا غير معروف. هذا وتشير الأدلة الحفرية على أنه ربما وصل منذ ٥٠ ألف سنة، لكنه كان بالتأكيد هناك بين ٤٠ و٣٥ ألف سنة مضت عندما كان المناخ أكثر رطوبةً من عصرنا الحالي.

تُظْهر حفريات الإنسان الحديث في أستراليا تنوُّعًا مورفولوجيًّا كبيرًا؛ فقد تمتع البشر الذين عاشوا في مواقع حول بحيرة مونجو بِجِباهٍ منحدرةٍ وقحوفٍ دماغيةٍ أطول ووجوهٍ مسطحة، في حين تمتع الذين عاشوا في مستنقع كاو وكوبول كريك في شمالي فيكتوريا بجباهٍ أكثر انحدارًا، وقحوفٍ دماغيةٍ أقصر ووجوهٍ ناتئة. يفسر بعض الباحثين هذه الفروق المورفولوجية على أنها دليل على وجود أكثر من موجةٍ واحدةٍ من المهاجرين، في حين لا يرى آخرون تنوُّعًا أكثر من المتوقَّع في حال انتشار نوعٍ جديدٍ عبر منطقةٍ جديدةٍ واسعةٍ مثل أسترالاسيا.

(١٣) الإنسان الحديث في العالم الجديد

كان يُوجد ثلاث طرقٍ من العالم القديم إلى العالم الجديد؛ عبر مضيق بيرنج، والانتقال من جزيرةٍ لأخرى عبر جزر ألوتيان، أو عبر المحيط الأطلنطي. حاليًّا أصبحت الطرق الثلاث تتطلب القيام برحلةٍ بحرية، لكن في فتراتٍ كثيرةٍ خلال ٤٠–٣٠ ألف سنة مضت كان الانخفاض في مستوى سطح البحر والجليد السميك الناتج عن الظروف الشديدة البرودة بإمكانه غلق مضيق بيرنج والربط بين بعض جزر ألوتيان وجعْل الرحلة عبر المحيط الأطلنطي أقل رعبًا. كانت المشكلة في هذه الحالات الثلاث البرد الشديد الذي يتعرَّض له من يقومون بهذه الرحلة.

يرجع أول دليلٍ على احتلال الإنسان الحديث الدائرة القطبية الشمالية إلى ٢٧ ألف سنة ماضية، ومنذ ١٥ ألف سنة ظهر دليلٌ على احتلالٍ طويلِ المدى. خلال هذه الفترة من المحتمل أن الإنسان الحديث في تتبُّعه لقطعان الماموث المهاجرة دخل دون قصدٍ إلى العالم الجديد، لكننا لم نعثر على أي دليلٍ عن موقعٍ احتله الإنسان الحديث في ألاسكا حتى ١٢ ألف سنة مضت. تقول الحكمة التقليدية إن المهاجرين اتجهوا جنوبًا على طول ممرٍّ خالٍ نسبيًّا من الجليد في ألاسكا وغربي كندا، ثم استمروا ليسكنوا جميع أنحاء شمال أمريكا ووسطها وجنوبها بسرعةٍ نسبيًّا. ومع ذلك توجد أدلة قليلة على نحوٍ ملحوظٍ على وجود البشر على طول الطريق المزعوم نحو الجنوب. ويستخدم بعض علماء الآثار في العالم الجديد هذا الدليلَ السلبيَّ في دعم سيناريوهاتٍ أخرى، منها اقتراح أن السكان الأوائل للعالم الجديد ربما سافروا إليه مباشرةً من أوروبا.

إن أشهر دليلٍ أثريٍّ على الإنسان الحديث في العالم الجديد هو ثقافة كلوفيس، التي اتسمت بأدواتٍ حجريةٍ مميزةٍ تُسمَّى أدوات كلوفيس الحادة. ترجع أقدم مواقع كلوفيس إلى ما قبل ١١ ألف سنة بقليل، وقد عُثر بعد هذا الوقت بفترةٍ قصيرةٍ على كَمٍّ وفيرٍ من أدوات كلوفيس الحادة في معظم المناطق غير المتجمدة في أمريكا الشمالية.

لفترةٍ طويلةٍ اعتبر علماء الآثار أن مواقع كلوفيس هي أقدم دليلٍ على وجود الإنسان الحديث في العالم الجديد. لكن ادَّعى باحثون في الفترة الأخيرة أنهم اكتشفوا أدلةً على صناعةٍ حجريةٍ أكثرَ بدائيةً من كلوفيس. وتعتبر أشهر هذه المواقع السابقة على ثقافة كلوفيس في أمريكا الشمالية دوكتاي في ألاسكا وميدوكروفت في بنسلفانيا وتل الصبار في فرجينيا وتوبر في جنوب كارولينا. أما في أمريكا الجنوبية فإن أشهر المواقع هي تايما-تايما في فنزويلا وبيدرا فورادا في البرازيل ومونت فيردي في شيلي. أُرِّخ معظم هذه المواقع باستخدام الطرق النسبية، لكن يمكننا الثقة في تواريخ موقعين، هما ميدوكروفت ومونتي فيردي، إلى حدٍّ كبير. فتشير تواريخ الكربون المشع في منطقة ميدوكروفت إلى أنها كانت مأهولة بالسكان منذ ١٤ ألف سنة على الأقل، وربما حتى في وقتٍ مبكرٍ منذ ٢٠ ألف سنة.

يمدنا موقع مونتي فيردي بأدلةٍ محفوظةٍ على نحوٍ ممتازٍ على سلوك الإنسان الحديث في أمريكا الجنوبية منذ نحو ١٢٫٥ ألف سنة؛ فقد حُفظت حتى الحبال التي استُخدمت في ربط الجلود بالأعمدة، وبقايا مسكنٍ كان كبيرًا بما يكفي ليحتوي على ٢٠–٣٠ شخصًا. لقد كان موقع مونتي فيردي مأهولًا طوال العام؛ لذا فإنه أقدم دليلٍ على الاحتلال شبه الدائم لموقعٍ في العالم الجديد.

توجد مشكلة دائمة في فرضية كون شعب كلوفيس أول من احتل العالم الجديد تتمثَّل في أن معظم مواقع كلوفيس تقع في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة وكندا. فإذا كان شعب كلوفيس قد جاء عبر جسر بيرنج الأرضي الذي وُجد في هذا الوقت، فكيف لنا أن نفسر توزيع هذه المواقع؟

اقترح عالم آثار، هو دنيس ستانفورد من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمعهد سميثسونيان، فرضيةً مختلفةً جوهريًّا. تقول هذه الفرضية إن السكان الأوائل للعالم الجديد كانوا مجموعاتٍ من الإنسان الحديث جاءت من إسبانيا؛ فيشير مؤلف هذه الفرضية إلى أن أوجُه التشابُه بين النمط الأيبيري السولوتري وبعض الرقائق في أدوات كلوفيس تدعم كون مصدر الإنسان الحديث الذي استوطن أمريكا الشمالية «أيبيريًّا» وليس «سيبيريًّا».

حدثت على الأرجح عدة تيارات هجرة للإنسان الحديث إلى العالم الجديد؛ فقد وصلت واستقرَّت مجموعات مختلفة على مدى فتراتٍ مختلفة، وأسهم كلٌّ منها في التنوُّع الوراثي والثقافي لدى سكان العالم الجديد. لا يهم متى وأين وكيف وصل الإنسان الحديث إلى العالم الجديد؛ إذ لم يستغرق وقتًا طويلًا حتى انتشر سريعًا عبر نطاقٍ متنوعٍ من البيئات. ومع ذلك أضاف الإعلانُ الأخير عن اكتشاف آثار أقدامٍ بشريةٍ عمرها ٤٠ ألف سنة في المكسيك زعمًا آخر مثيرًا للجدل إلى موضوعٍ مثيرٍ للجدل بالفعل.

نقاط ختامية

  • يتلهف الباحثون على العثور على المزيد من المواقع في أفريقيا ترجع إلى الفترة بين ٣٠٠ ألف سنة وعصرنا الحالي، والعثور على طرق لتأريخها على نحوٍ موثوقٍ به. يثق بعض الباحثين في أن الإنسان المنتصب قد تطوَّر ليصبح الإنسان العاقل من خلال مجموعاتٍ من القحوف مثل التي استُخرجت من كابوي في زامبيا وبودو في إثيوبيا. إلا أن هذا ربما يكون تفسيرًا مفرط البساطة. ولا بد أن يستمر الباحثون في البحث أيضًا في المناطق المجاورة لأفريقيا عن أدلةٍ على أشباه البشر.

  • مع استمرار تحسُّن تكنولوجيا تحديد التتابُع الجيني، سيصبح من الممكن فحصُ المزيد من الجينات، وفحص أعدادٍ أكبر من الأفراد من كل منطقة. وسيركز الباحثون اهتمامهم على الجينات النووية لمعرفة ما إذا كان لجينات الإنسان قبل الحديث غير الأفريقي إسهامٌ طفيف أو أكثر أهميةً في التجميعة الجينية للإنسان الحديث.

  • لا يزال الباحثون المهتمون بالمراحل الأخيرة من تطوُّر الإنسان غيرَ متأكدين من العلاقات بين تكوين الجسم والسلوك؛ فهل ارتبطت التغيرات في شكل الجمجمة بتغيراتٍ ثقافية؟ على سبيل المثال، في أي مرحلة بدأ الإنسان الحديث استخدام اللغة المنطوقة المعقدة؟ وهل يمكننا الجزم بأنه قد وصل إلى هذه المرحلة بمجرد فحص شكل الدماغ وحجمه؟ وهل كان التحوُّل إلى صنع أدواتٍ صخريةٍ صغيرةٍ ومعقدةٍ نتيجةً لتغيرات في اليدين، أم كانت هذه الابتكارات إدراكيةً بالكامل؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠