مِنْ مُفكرتي السِّريَّة عام ١٩٤٧

اليوم ٩ يوليو ٢٠٠٠، تجمع في بيتي أعداد من الشابات والشَّباب، أسسوا جمعية جديدة باسم النهضة الفكرية للمرأة المصرية. بدأت معاكسات وزارة الشُّئون الاجتماعية، رفضت تسجيل الجمعيَّة في مارس الماضي، لكن العضوات والأعضاء أصرُّوا على مواصلة العمل، أنظر إلى وجوههم، أتذكر نفسي منذ أربعين عامًا، حين كنت في مثل هذا العمر، ربيع الشَّباب، يعود إليَّ حماسي كما كنت في العشرين أو الثلاثين، ابنتي منى وابني عاطف جزء من هذه النهضة الفكرية والفنية الجديدة، هذه الوجوه تشبه ابنتي وابني، كأنما ولدتهم جميعًا في مكان وزمان لا أدري عنه شيئًا.

لا شيء يعيد إليَّ التفاؤل والأمل مثل العمل الجماعي، هذه الوجوه الشابة المليئة بالتفاؤل والأمل، عيونهم يكسوها البريق، يبتسمون ويضحكون، يتحركون في بيتي كأنما بيتهم، يدخلون إلى المطبخ، يصنعون الشاي، يقطعون فطيرة الذرة، ثم تتولى واحدة منهم إدارة الاجتماع، شابة في الخامسة والعشرين اسمها ابتسام، تكتب الأدب والشعر، تخرج إلى المظاهرات ضد الفساد في الدَّوْلة والعائلة، خاضت تجرِبة الزَّواج والأمومة، خرجت من التجرِبة برواية جديدة طويلة وطفلة عمرها ثلاثة أعوام، تحملها معها في كل مكان، تدربها منذ الطفولة على رؤية العالم، والتحدي، تعيش وحدَها مع طفلتها، تنفق عليها من راتبها الشهري، تشتغل في إحدى الصُّحف الجديدة، تحصل على ما يكفيها ويكفي طفلتها … قالت ابتسام في الاجتماع: أنا امرأة سعيدة أستمتع بالحياة دون حاجة إلى رجل. قال أحد الشَّباب: ليس كل الرِّجَال متخلفين. ضحك الجميع، وقال شاب: أغلبهم متخلفون، لا بد من الاعتراف أن قلة نادرة من الشَّباب تخلصوا من عقدة الذكورة. وقالت إحدى الشابات: لا بد من الاعتراف أن قلة نادرة من الشابات تخلصن من عقدة الأنوثة.

يدور الحوار بينهم وهم جالسون في صالة بيتي، أستمع إليهم، ربما هم هؤلاء القلة النادرة، وإلا فلماذا جاءوا إليَّ أنا بالذات؟! وقالت ابتسام: قرأت كتبك يا دكتورة نوال وتغيرتْ حياتي كلها، استطعت أن أحوِّل كل تجرِبة مؤلمة مررت بها إلى عمل إبداعي. هذه الكلمات ترنُّ في أذني كالموسيقى، كالماء يروي الزهرة، كالهواء النقي يدخل صدري، يطرد الغبار والحزن واليأس، أتلفَّت حولي وأرى الفقر يشتد، الجهل يشتد، المرض يشتد، الثالوث المزمن القديم منذ عهود الملكية والإقطاع: «الفقر، الجهل، المرض»، هذا الثالوث يتجسد أمامي أينما ذهبت، كأنما لم يتحرك الزمن منذ كنت طفلة في السابعة من العمر.

لكن هذه الوجوه الشابة تعيد إليَّ التفاؤل والأمل، تقول ابتسام: لسنا قلة نادرة يا دكتورة نوال، نحن أغلبية هذا الشَّعب، الأغلبية الصامتة التي لم يكن لها صوت، أصبح لنا صوت، ربما ضعيف في مجموعة صغيرة لكنَّ صوتنا سوف يكبر ويكبر. تطلق ضحكة مرحة يشاركها الجميع الضحك، أضحك معهم، أسمع صوت ضحكتي بأذني، أستعيد طفولتي وشبابي، يتسرب الألم من جسدي والحزن، أنهض بحركة خفيفة كأنما في العشرين من العمر، كأنما تلاشت أربعون سنة من عمري، أيكون الزمن هو الوهم؟! أتكون الشيخوخة هي المرض المؤقت لا يشفيه إلا الأمل؟!

همست لشريف في الليل، سأعيش حتى القرن الثَّاني والعشرين، ضحك شريف وقال: بالأمس قلتِ يا نوال إنك ستموتين غدًا. نعم يا شريف، كان ذلك بالأمس، لكن اليوم أنا شابة من جديد، ما رأيك في كأس من النبيذ وقليل من الفول السوداني، وكثير من الحب؟! يضحك شريف، الساعة الآن الثالثة صباحًا يا نوال. إيه يعني يا شريف؟! وليه تبص في الساعة؟! تعوَّد شريف أن ينام والساعة حول مِعْصَمه، وخاتم الزَّواج حول إصبعه، أي خاتم، ولا أعترف بأي خاتم.

يقول شريف عنها: «الفوضى الضرورية لأي نظام»، نحن في حاجة إلى شيء من الفوضى لندرك النظام، شريف كان يدرس معي في جامعة ديوك المادة الجديدة التي أطلقنا عليها اسم «التمرد والإبداع». حين التقيت بشريف لأول مرة منذ ستة وثلاثين عامًا قلت له: أنت يا شريف متمرد ومبدع، في أعماقك حنين للفوضى رغم مظهرك الخارجي المنظم جدًّا.

أصبحت نظرية الفوضى في علم الكون الجديد جزءًا لا ينفصل عن النظام، وفي علم الفلسفة الجديد أصبح الشَّيْطان جزءًا من الإله، تلاشت الثنائيات الباطلة الموروثة منذ نشوء العبودية؛ ومنها ثنائية الذكر والأنثى والحاكم والمحكوم؛ ألهذا السبب لا أعترف بأي حكومة في العالم؟! تشترك الحكومات جميعًا في بعض الصفات الأساسية، على رأسها القهر والتضليل، ما إن ترن كلمة «حكومة» في أذني حتى تتكوَّر يدي في قبضة قوية، كأنما سأضرب رأس ثعبان.

وأندهش حين يفخر أحد بمنصبه العالي في الحكومة، أو حين ينال جائزة حكومية تحمل اسم جائزة الدَّوْلة.

– ما الفرق بين الحكومة والدَّوْلة؟

– في الأنظمة الدكتاتورية لا يوجد فرق؛ لأن الشَّعب لا يشارك في الحكم.

– وهل يشارك الشَّعب في أي حكم في العالم؟

– في عالمنا الطبقي الأبوي هذا؟

– نعم.

– لا توجد ديموقراطية حقيقية في أي بلد، العالم تحكمه القوة والأموال وليس العدل أو الحرية.

يدور الحوار في بيتنا عام ٢٠٠٠ كما كان يدور منذ نصف قرن في بيت أبي، سقط النظام الملكي وبدأ النظام الجمهوري وظلت الحكومات كما هي، لا يمكن لحكومة أن تبقى مستقرة فوق عرشها دون قهر الشَّعب وتضليله، كان أبي يقول: لا شيء يضلل الشَّعب مثل نظام التعليم.

كنت في الثامنة والعشرين من عمري حين مات أبي، كلماته محفورة في ذاكرتي، وزارة التعليم تلعب دورًا في تجهيل النَّاس بالحقيقة، المعرفة إثم حتى اليوم، أصبحت عمليات التجهيل أكثر إتقانًا مع تطور تكنولوجيا التعليم والإعلام الحديث وما بعد الحديث.

في أعماقي حنين منذ الطفولة للمعرفة، شهوة المعرفة أكبر عندي من الشهوة الجنسية، لا يجذبني الرِّجَال ذوو الفحولة الذكورية، لقد مر بحياتي رجال كثيرون، انجذبوا إلى أنوثتي الخادعة، إلى البريق المطل من العينين، تصوروا أنني أبادلهم الحب، لكن سرعان ما تحدث المأساة، تصطدم الذكورة التقليدية بأنوثة مختلفة غير قابلة للاختراق.

بعد موت أبي وأمي تصورت أنني تحررت، في طفولتي كنت أحلم أنهما ماتا لأخرج من البيت بدون إذن، أصحو من النَّوم مبللة بالدموع، أبكي على موتهما بمثل ما أبكي على عدم موتهما.

بعد موت أبي جاءت صديقتي بطة لتعزيني، مرت عليَّ بعيادتي في ميدان الجيزة، كانت الساعة السابعة أول الليل، العيادة خالية من المرضى والتمورجي في إجازة، انتهزْتُ فرصة موت أبي لأغلق عيادتي شهرًا كاملًا، علَّقت ورقة على الباب تقول:

«العيادة مغلقة حتى يوم ٢١ مارس»، كنت أريد أن أكتب «العيادة مغلقة إلى الأبد»، لقد فتحت هذه العيادة من أجل أبي، دخلت كلية الطب من أجل أبي، وقد مات أبي وانتهت علاقتي بمهنة الطب، أما العيادة فقد أصبحت مقرًّا لندوات الأدب، حيث ألتقي الأصدقاء والصديقات.

دخلت بطة كعادتها مثل ريح تدفع الباب، تدق الأرض بكعب حذائها العالي المدبب، جسمها السمين القصير مدكوك داخل ثوب حريري أسود، علامة الحداد على موت أبي، فتحة الصدر واسعة تكشف عن عنق سمين ناعم حتى الشق العميق بين النهدين المضغوطين بالمشد، رأت وجهي الشاحب الحزين فجلست مُطْرِقة إلى الأرض ترسم على وجهها علامات الحزن، عيناها السوداوان الواسعتان مرسومتان بالكحل، تملأهما ضحكة مرحة مكتومة الصوت.

– تشربي إيه يا بطة؟

– قهوة سادة سوداء يا نوال، مش كده ولا إيه؟

أفلتت من شفتيها الممتلئتين تنهيدة قصيرة، لعقت بطرَف لسانها شفتها السفلى السمينة وقالت: عندك حاجة تانية؟ قلت: عندي ينسون يا بطة. هنا أطلقت ضحكتها المرحة وقالت: مش تبطلي طفولة بقة إنت كبرتي يا نوال، عندك جين تونيك؟

كانت أول مرة في حياتي أسمع كلمة «جين تونيك»، قالت بطة: إنه الشيء الوحيد الذي تشربه حين تكون حزينة، المشروب الوحيد الذي يبدد الكآبة وتبدو الحياة تحت أضواء جديدة، في أعماقي حنين لأذوق كل ما تشتهي الأنفس، وكان وجود أبي في حياتي كاللوح الزجاجي السميك الشفاف، أرى من خلاله الحياة وإن مددت يدي نحوها يعترضني حاجز لا أراه.

دق جرس التليفون فوق مكتبي، جاءني الصوت يقول: البقية في حياتك يا نوال، سأمر عليك بعد ساعة. لمعت عينا بطة وتساءلت: مين هو؟ قلت لها: رجاء الشاعر. مطت بوزها وقالت: يعني! وهي كلمة شاعت في ألسن النَّاس في مصر منذ الوحدة مع سوريا، وهي تعني الموافقة وعدم الموافقة في وقت واحد، بعد فشل الوحدة وانفصال سوريا عن مصر بقيت الكلمة تتردد على الألسن، وتعني اللامبالاة أو عدم الاهتمام، يهز الواحد منهم كتفه ويقول «يعني»، أو تمط الواحدة منهن شفتيها وتقول «يعني»، فندرك ماذا تعني. بدأت الكلمة أول ما بدأت على لسان جمال عبد الناصر في الأيام الأولى للوحدة مع سوريا، دخلت الكلمة القاموس المصري بقرار شفهي شبه جمهوري، تشبهًا بالسوريين، ثم انتقلت إلى المصريين تشبهًا بالرَّئيس عبد الناصر، وأعقب ذلك الإمساك بالسبحة بين الأصابع. ودخلت كلمة أخرى إلى القاموس المصري مع تحريك حبات السبحة، وهي كلمة «واللا»، تضحك بطة وهي تردد كلمة «واللا» بصوت عبد الناصر، تعقبها بكلمة «يعني»، ثم تطرقع أصابعها القصيرة البضة وتمط شفتيها وتقول: عارفة يا نوال أنا باعرف بتوع الاتحاد الاشتراكي من طريقة كلامهم. وكان الاتحاد الاشتراكي قد تكون بعد صدور القرارات الاشتراكية عام ١٩٦١، وعُقد المؤتمر الوطني للقوى الشَّعبية عام ١٩٦٢، وخرج الميثاق إلى الوجود وصديقتي بطة تسخر من كل ذلك، تمط بوزها وتقول: يعني!

لم يكن صديقي رجاء الشاعر يعجب صديقتي بطة، تقول عنه «اشتراكي غارق لأذنيه في عشق البرجوازية»، وهو نحيف الجسم قصير القامة، قدماه صغيرتان، وهي لا تطيق القدم الصغيرة في الرِّجَال، كما لا تطيق القدم الكبيرة في المرأة، ترمق بإعجابٍ قدمها الصغيرة البضة المقوَّسة داخلَ الحذاء ذي الكعب العالي، تقارنها بقدمي الكبيرة داخل حذائي بدون كعب، وتمط شفتيها: مش عارفة يا نوال إيه اللي عاجبك في جزم الرِّجَالة دي اللي بتلبسيها! كانت بطة تتولى مَهمة تحويلي إلى أنثى مثلها، ترمق بشرتي السمراء بشيء من الامتعاض، وتقول: عارفة إيه اللي ناقصك يا نوال عشان تبقي ملكة جمال، شوية بودرة وروج وتصبغي شعرك الأبيض ده!

كأنما كانت النقيضة لي، رغم اختلافي معها في كل شيء، كان هناك شيء غامض يجمعنا، تلازمني في كل مكان أذهب إليه كظلي، تطلبني كل يوم في التليفون وتأتي لزيارتي في البيت أو العيادة، أصمم في كل مرة ألا أرد عليها، لكن ما إن يرن الجرس وأعرف صوتها حتى أقول أهلًا بطة. كانت تملأ حياتي الحزينة بشيء من المرح، تملأ حياتي الجادة بشيء من الاستهتار، إلى جوارها أحس بالنقاء، كأنما يحتاج النقاء دائمًا إلى شيء من الفساد ليرى نفسه، كالضوء لا نراه إلا في الظلمة.

حين قالت بطة «يعني» ومطت بوزها، قلت لصديقي رجاء الشاعر: إنني متعبة وحزينة لموت أبي ولا أقابل أحدًا من النَّاس. أحسست في صوته خيبة الأمل، كان يريد أن يراني في تلك الليلة، وكانت معي صديقتي بطة، وهي قادرة على تسليتي أكثر منه، تجعلني أضحك من أعماق قلبي، لا تحدثني عن سوريا أو العراق أو مصر أو الإيمان بالله أو الوطن، تُخرج من حقيبتها زجاجة الجين، وتسألني: عندك ثلج يا نوال؟ لا تنتظر مني الإجابة، تنهض وتفتح الثلاجة في البيت أو العيادة، تضع قطع الثلج في صحن صغير، تفتح زجاجة ماء التونك، تخلط الجين بالتونيك مع الثلج وقطعة من الليمون على شكل الدائرة، تغمسها في الكأس بطرَف إصبعها ثم تمصه وتقول: يا ترى مين العبقري ده اللي اكتشف الجين تونيك؟ تعرفي أنا باحسدك ليه يا نوال؟ لأنك قدرتي تطلقي جوزك؛ ولأن أمك وأبوكي ماتوا وبقيتي إنسانة حرة!

تطلق بطة ضحكتها المرحة المعدِيَة مثل المرض؛ فأضحك مثلها بقوة لا إرادية، أود أن أشعر أنني إنسانة حرة، لكن القيود تلفني كخيوط من الحرير، ذراعايَ مشبوكتان حول صدري، لا أستطيع أن أطلق هذه الضحكة العالية المرحة التي تطلقها وتكاد تخرق الحوائط الأربعة.

– يا بختك يا بطة بتقدري تضحكي من كل قلبك.

تتوقف بطة عن الضحك فجأة، يسقط وجهها كأنما في قاع مجهول، تكسو عينيها سحابةُ حزن كثيفة، ترشف الجين تونيك في صمت، تمصمص شفتيها وتقول: أنا باضحك معاكي بس يا نوال، باحاول أفضفض عن نفسي … وسرعان ما تنقشع السحابة، تلمع عيناها من جديد، يطل منهما بريق مشع متأجج بالرغبة المكبوتة، يشتغل رأسها بالخيال الجامح، تبدأ في الاعتراف بشيء لا تنطق به وهي في كامل الوعي، تعرفي يا نوال أنا نفسي في إيه دلوقتي؟ تصمت لحظة مترددة ثم تهمس: نفسي أخرج وأمشي في الشَّارع وأصطاد أي راجل يقابلني، راجل لا يعرفني ولا أعرفه، متهيأ لي يا نوال إن هو ده الراجل اللي ممكن يقدر يحقق المعجزة، ممكن يحقق المستحيل، اللذة المستحيلة يا نوال!

كانت بطة تؤمن أن هناك تناقضًا بين الحب والجنس، لا يمكن أن تتحقق اللذة الجنسية إلا مع رجل فاسد لا يؤمن بالثالوث المقدس: «الله، الوطن، الحب». وكانت تقول إنها حين تحب الرَّجل لا تمارس معه الجنس حتى يحتفظ بصورتها الملائكية حتى الموت، ثم تطلق ضحكتها وأنطلق أضحك كأنما بالعدوى.

•••

كنت وحدي بالبيت، مات أبي ليلةَ الخميس ١٩ فبراير ١٩٥٩، مضت سنة كاملة على موته وخمسون يومًا. الليلة هي أول إبريل عام ١٩٦٠، لم يكن بيتنا يخلوا إلا نادرًا، تلك اللحظات يتسع الأفق فجأة، وأكاد أرى الإله «رع» وراءَ السحابة البعيدة. يصمت الكون وأكاد أسمع دبة النملة، وحفيف أوراق الأشجار البعيدة، نسمة الليل تصيح رقيقة ناعمة كحرارة الجسم، أستشعر اللذة حين أفرد جسمي حتى النِّهاية، أمد عنقي حتى النِّهاية، يصبح رأسي عاليًا قريبًا من رأس الإله «رع» في السماء، لم تكن هذه الحركة مباحة للنساء، والمفروض ألَّا يعلوَ رأس المرأة عن رأس أبيها أو زوجها، فما بال من هو أعلى منهما في الكون، كانت قامتي شامخة وعنقي طويلًا، وكان لا بد من علاج هذا العيب.

أصبحت أمشي بقامة منحنية قليلًا، لا أستطيع أن أفراد جسدي حتى نهايته في اليقظة أو في النَّوم، الانحناءة تنمو كالصنم فوق ظهري دون أن أدري، كالعضو الغريب ينمو خِلسة ويصبح جزءًا من الجسم، كالخوف من عقاب الله يتسلل إلى العقل ويكمن فيه، كالمرض المزمن. كانت أسرتنا كبيرة العدد، يسميها أبي «الفاميليا» ينطق الكلمة بسخرية، ينفث الهواء مع الياء الأخيرة، والألف المدودة يمدها مع زفير طويل، مملوء بالضجر والزهو الخفي، يشير إلينا بإصبعه الطويل ونحن متراصُّون حول المائدة:

«الفاميليا الكريمة تسعة من العيال وأمهم.»

عرفت منذ الطفولة أن الفاميليا هي أسرة أبي فقط، أمي مثلنا نحن الأطفال واحدة من العيال، كلمة العيال ترن في أذني مهينة تنم عن الاحتقار، العيال هم من يعيشون عالة على غيرهم.

لم تكن أمي تواظب على الصلاة أو تلاوة القرآن، يسألها أبي كلَّ يوم: ليه يا زينب مش بتصلي؟ تضحك أمي ضحكتها المرحة الساخرة وتقول: أنت بتصلي بالنيابة عني يا سيد. يندهش أبي ويقول: بالنيابة عنك إزاي يا زينب؟ تواصل أمي السخرية: إنت بتنوب عني في كل حاجة حسب القانون والشرع، يبقى لازم تنوب عني في الصلاة كمان، ولا إيه؟!

في طفولتي لم أفهم كلام أمي، أدركت بالفطرة أنها لا تؤمن بالله، تزمجر أحيانًا بغضب مكتوم وتخاطب السماء قائلة: يعني كل حاجة من حق الرِّجَال دنيا وآخرة واحنا مافيش حاجة؟! تتراجع بعد لحظة وتهمس: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.

بعد موت أبي أدركت أن الفاميليا ماتت، ألم يكن عمودها وعميدها؟! ألا يسقط البناء بسقوط العمود؟! الفرح الخفي يهزُّني وأنا أرى البناء يسقط، يبدو لي منذ الطفولة واهيًا، مصنوعًا من الوهم، أو مجرد الاسم، كانت أمي تضحك حين يشير أبي إلينا نحن التسعة ويقول بزهو: أولادي!

تضحك أمي وتسأله: مَنْ قال إنهم أولادك؟! يضحك أبي مدركًا الفكاهة، ثم سرعان ما ينتابه سُعال جافٌّ ويصمت فجأة كأنما يسقط في بئر عميقة بغير قاع.

كان أبي يؤمن بالحياة الأخرى بعد الموت، يحكي لنا كيف يعاقب الله المذنبين، كيف تُلقى أجسادهم في النار لتحترق، نختفي نحن الأطفال تحت السَّرير من شدة الخوف، تقول أختي الصغرى: إن الميت لا يمكن أن يحس شيئًا. كان الموت في نظرنا نحن الأطفال هو الموت، هو نهاية الألم ونهاية الإحساس، لم نصدِّق في طفولتنا ما يقوله الكبار، كانت أختي الصغرى تشاركني اللعب تحت السَّرير، وتقول لي: إن الأطفال يعرفون ما لا يعرفه الكبار. وأسألها: ليه؟ تقول: لأن الكبار عقلهم صغير. وننفجر بالضحك المكتوم حتى لا يسمعَنا أبي أو أمي الجالسان في الصالة.

كان البيت خاليًا تلك الليلة، دادة أم إبراهيم أخذت ابنتي الطفلة وأخواتي الأربع الصغيرات في رحلة إلى القرية، ربما كانت إجازة شم النسيم أو عيد الربيع، أو الاحتفال بعيد العمال أو أحد المشاريع الاشتراكية الجديدة، أصبحت أم إبراهيم تتغنى بالاشتراكية مثل وزير الصِّحَّة. بعد موت أمي أصبحت هي بديل الأم، تطبخ وتغسل الصحون وتدعك المرحاض. بعد موت أبي أصبحت أنا بديل الأب، أتولى الإنفاق على الفاميليا الكبيرة، ورثتها عنه ضمن أشياء أخرى منها أثاث البيت واسمه الكريم ودينه الحنيف، ونصف فدان من الأرض الزراعية في كفر طحلة، استولى عليها الحاج محمد ابن عمه.

أول كل شهر أناول أم إبراهيم مرتبها مثل الموظفين في الدَّوْلة، أوراق البنكنوت تُمسكها في يدها لحظة قبل أن تدسَّها في جيبها، عيناها يكسوهما البريق القديم، كشعاع من الضوء ينفذ من قاع عظام الرَّأس، ترتعش أطراف أصابعها قليلًا كأنما تجري وهي واقفة، ثم تطلق ضحكتها المرحة وتقول: «أصل الفلوس يا ضكطورة راكبها عفريت اللهم احفظنا يا رب من شرهم!»

كان الليل هادئًا وأنا راقدة فوق الكنبة في الشرفة البحرية، أستمتع بالوحدة وغياب الأسرة عن البيت. لم تكن الأصوات تنقطع في بيتنا إلا في منتصف الليل، حينئذ تسري من خلال الجدران أصوات الجيران. كانت غرفة نومي ملاصقة لغرفة نوم جارتنا الست حمدية وزوجها السَّيِّد أحمد عبد التواب، يسري أنينها في الليل وأنا غارقة في النَّوم، أو صوت أم كلثوم تغني قرب الفجر، «هو صحيح الهوى غلَّاب ما عرفش أنا»، أو صوت جمال عبد الناصر يخطب في إحدى المناسبات الوطنية، يضغط على مخارج الألفاظ بقوة، «الاشتراكية! أيها الإخوة والأخوات! علينا جميعًا أن نبني المجتمع الاشتراكي الجديد!»

تلك الليلة أول الربيع كان الكون هادئًا وأنا وحدي في البيت بلا أسرة ولا صوت يسري من عند الجيران، إلا شيء خافت يشبه حفيف الشجر من بعيد، ربما هو صوت أمإلا شيء خافت يشبه حفيف الشجركلثوم تغني في راديو الجيران بمناسبة عيد الربيع، أو صوت جمال عبد الناصر يخطب في عيد العمال. حروف الكلمات لم تعد مسموعة والصوت لم يعد صوتًا، بل صار شيئًا مسحوقًا يتسلل من وراء الجدار الحجري كالرَّماد الناعم، كحفيف أوراق الأشجار في الأفق البعيد، إلا كلمة واحدة ظلت متماسكة الحروف، تقاوم الانسحاق داخل الجدار، تحملها نسمة الليل إلى أذني وأنا راقدة فوق الكنبة في الشرفة، ترن في الجو بصوت أنثوي يشبه صوت سامية عضو اللجنة القيادية في الاتحاد الاشتراكي، تقف فوق المنصة وراء الميكرفون وتنطق بصوت جمال عبد الناصر كلمة الاشتراكية! الاشتراكية أيها الإخوة والأخوات.

لم تكن سامية أقرب الزميلات إليَّ في عنبر الدَّاخلية، كانت تكبرني بعامين اثنين، بدت في ذلك الوقت كأنما تكبرني بقرن أو قرنين، تعرف قواميس لغات لا نعرفها، تفك طلاسم كلمات غامضة على عقولنا نحن التلميذات الصغيرات، ومنها كلمة الشُّيوعيَّة والمادية الدياليكتيكية، وعلى رأسها اسم «ماركس»، وهو اسم يختلط في أذاننا مع اسم «مركس» بصوت زميلتنا «بطة»، حين كانت تقلب حرف القاف الخشن إلى حرف الكاف الرقيق، تشبهًا بالطبقة الراقية والأجانب، ويصعد الدم إلى وجه صفية حين ترنُّ في الجو كلمة «مركس» أو «مرقس»، فهو الاسم الذي تُعلقه داخل القلب الذهبي فوق صدرها، يحتقن خداها البيضاوان بلون الدم، ترمقني بعين حمراء كأنما أنا أفشيت السر، وكانت هي تحكي قصة حبها للزميلات في عنبر الدَّاخلية، أو لأي زميلة تسهر معها بعد أن يدق جرس النَّوم، تقفان معًا في النافذة تطلان على القمر والنجوم في غياب أبلة عزيزة ضابطة الدَّاخلية.

لم تكن «بطة» معنا في حلوان الثانوية، أصبحت زميلة لنا في كلية الطب، كان الحديث بين الزميلات موصولًا على الدوام، لا يفصل المدرسة عن الجامعة أو الطفولة عن المراهقة عن الشَّباب، لا يقطعه زواج أو طلاق أو موت الزَّوج أو أي حادث آخر يعترض حياة البنات والنِّساء، كأنما عطش الحب لا يرتوي أبدًا حتى تبلغ المرأة مِائة عام.

كنت منذ الطفولة أُخفي عن أبي وأمي كثيرًا من المحرَّمات التي تتردد في عقولنا نحن الأطفال، أغلبها يتعلق بالحب أو الموت، ومنها فكرة أن الموت نهاية الألم، أي أن الجسد الميت لا يحس شيئًا إن وضع في النار. كانت هذه الفكرة واضحة لعقلي منذ الطفولة الأولى قبل أن أبلغ السابعة من العمر، لكنها بدأت تختفي كلما كبرت ودخلت المدرسة. كانت صفية أقرب الزميلات إليَّ في عنبر الدَّاخلية، تكبرني بعام واحد، وتبدو كأنما هي امرأة ناضجة، ثدياها ممتلئان باللحم مثل أمي، كأنما تزوجت وأنجبت، أو خاضت تجارِب في عالم الحب لا نعرفها، حول عنقها سلسلة ذهبية يتدلى منها قلب مصنوع من الذهب، تفتحه بأطراف أصابعها الناعمة البضة كأصابع أمي، تلثمه بشفتيها، وصدرها يعلو ويهبط من أنفاسها، تلتقط خصلة شعر رفيعة ملفوفة داخل تجويف القلب، تقربها من أنفها وتشمها، تأخذ شهيقًا عميقًا مع تنهيدة طويلة، ثم تفتح جفونها ورموشها، ترتعش وتقول بصوت يتقطع مع أنفاسها: «باحبه يا نوال باموت فيه!» … تكرر هذه العبارة الليلة وراء الليلة، كلما وقفْتُ معها في النافذة بعد أن يدقَّ جرس النَّوم، حين يغلبني النُّعاس أتركها وحدَها واقفة في النافذة تُناجي القمر، وفي الحُلم أراها ممدودة فوق السيخ المحمي في النار، يحرقها الله المرة وراء المرة، إن إثمها ليس واحدًا بل اثنين، الإثم الأول هو الحب، كان الحب محرمًا على البنات إلا في الأغاني والأفلام، الإثم الثَّاني هو «مرقس» حبيبها القبطي وهي مسلمة، كنت أهمس في أذنها «الحب ده حرام ربنا حيحرقك في النار يا صفية»، تهز كتفيها، تمط شفتيها إلى الأمام وتهمس: «بعد ما أموت يا نوال مش حاحس بحاجة»، يسري صوتها في هدوء الليل كحفيف الأشجار تتراءى من بعيد في الظلمة كالأشباح أو أرواح الجانِّ، يتسلل الحفيف إلى أذني في الليل مخيفًا مثل فحيح الشَّيْطان، يرتعد جسدي وأنا واقفة في النافذة إلى جوارها، تسري القشعريرة من قمة رأسي إلى بطن القدمين، أحس البرودة تصعد من بلاط العنبر إلى منابت الشعر تحت الجلد، والشعيرات الدموية تنتصب فوق ذراعيَّ العاريتين كرءوس الإبر، أقرِّب شفتيَّ المرتعشتين من أذنها وأهمس: «يعني مش حانحس بالنار بعد ما نموت يا صفية؟» وتفلت من بين شفتيها ضحكة مكتومة وهي تخفي فمها بيدها الناعمة البضة «نار الحب يا نوال بس نحس بيها.» أتركها وحدَها واقفة في النافذة وأختفي تحت الغطاء، كل شيء في كياني يرتج، والسَّرير من تحتي يرتج في صرير مسموع يكاد يوقظ بنات العنبر، وأنتفض تحت الأغطية كالفرخة المذبوحة، إلا خلية واحدة في رأسي تظل هادئة وقورة لا ترتجُّ ولا تهتز، كأنما هي تعرف الحقيقة منذ ولدت، أو كأنما هي الخلية الوحيدة في عقلي التي عاشت منذ الطفولة.

لم تنقطع صداقتي بصفية حتى اليوم، أصبحت زوجة الداعية الإسلامي الكبير الدُّكتور مصطفى الزهيري، تلف رأسها بحجاب أنيق يتمشى مع الأصالة ولا يتعارض مع الحداثة، يسمونه «البونيه»، كلمة فرنسية تنطقها بصوت قوي يشبه صوت زوجها، تضغط على أسنانها وهي تقول «البونيه» بلهجة رجولية تتناقض مع وجهها السمين البض الذي يفيض أنوثة، وشفتاها الممتلئتان الناعمتان ضغطت عليهما بإصبع الروج الأحمر قبل أن تخرج من البيت، وبعد أن ارتدت البونيه وأحكمته حول رأسها، لا يظهر من شعرها الأسود المصبوغ إلا خصلة نافرة رفيعة تتدلى فوق جبهتها العريضة من الأمام، أو فوق عنقها القصير السمين من الخلف.

في النَّوم يتكرر الحلم القديم رغم مرور السنين، وأراها تشوى في النار كخروف العيد، دون أن تشعر بالألم، تنطلق ضحكتها في سكون الليل، وصوتها يسري في أذني كالسيخ الحامي «نار الحب يا نوال بس نحس بيها»، كنت أحكي لها الحلم وهي واقفة إلى جواري في النافذة، عيناها تشتعلان بالضوء كأنما بنار خفية، تسري حرارتها إلى رأسي وعنقي وأنا واقفة إلى جوارها، دون أن تلامسني أو ألامسها، كأنما هي شعلة مختبئة في الأعماق، لا أعرف من أين تتدفق هذه السخونة وتسري من قمة رأسي إلى أسفل الكعبين، يصبح البلاط ساخنًا تحت قدميَّ الحافيتين، والبنات غارقات في النَّوم داخل العنبر، وأبلة عزيزة ضابطة الدَّاخلية غائبة في إجازة، ولا أحد يطل علينا من السماء إلا القمر المكتمل بدرًا، يتألق نوره فوق رمال الصحراء الممدودة تحت عيوننا حتى الأفق، بحر من الفضة السائلة تشع موجاته ومضات من الضوء الأبيض تبدو في الظلمة كفصوص اللؤلؤ.

هذه الصورة محفورة في عقلي رغم مرور خمسة وأربعين عامًا، وقصيدة من الشعر كتبتها في مفكرتي السرية قرب الفجر، بعد أن سهرت الليل واقفة عند النافذة مع صديقتي صفية، هي تحكي عن نار الحب وتحلم بالزَّواج من مرقس بعد أن يعتنق الإسلام، وأنا أحلم بأن أكون كاتبة أو شاعرة أو ممثلة فوق المسرح أو راقصة أو أي شيء آخر إلا الزَّواج.

كان الشفق الأحمر بلون الدماء يسبق ضوء الفجر إلى السماء، وكنت أشعر كأنما تورَّمَتْ قدماي من طول الوقوف، ثماني ساعات أو تسع منذ دق جرس النَّوم ونحن واقفتان نطل على القمر والنجوم … تركتني صفية قبل الفجر بقليل ونامت، كان النَّوم قد هجرني كأنما إلى الأبد، ولن يعرف جسدي التعب أو الألم، كأنما ينبوع ينفجر في أعماقي بأشياء لا أعرفها، أمسكت القلم وأنا واقفة، الورقة البيضاء فوق حافَة النافذة، وبدأت أكتب، كان القلم يمشي وحدَه كأنما بقوةٍ خارجَ جسدي وعقلي، خارجَ الزمان والمكان، كلمات من الشعر أو النثر تكتب نفسها بنفسها.

قرأت على صفية في الليلة التالية، وفي الليلة التي بعدها، والتي بعدها … تلمع الدموع في عينيها وأنا أقرأها، أتوقف لحظة لأبتلع دموعي، أطوي الورقة وأخفيها تحت مرتبة السَّرير، تشدها من تحت المرتبة وتقرأها. في ليلة وهي تعيد قراءتها بدت الكلمات قديمة كأنما راحت شحنتها الأولى المتوهجة، أمسكت الورقة ومزقتها، وفي يوم كنت وحدي بالعنبر، خرجت كل البنات في رحلة إلى الحديقة اليابانية، فتحت مفكرتي السرية وأعدت كتابة القصيدة، بقيت في ذاكرتي حتى اليوم، أعطيتها عنوان: «لن أموت»، أردد بعض أبياتها أحيانًا حين يفيض بي الشجن أو الحنين، لا أعرف من أين ينبعث الشجن ولمن يكون الحنين، ربما هو الحب الغائب الحاضر، الطيف الذي لا يتجسد أبدًا في الواقع والحقيقة، ربما هو الوهم أو الحزن أو الخوف من الموت، أقول لنفسي حين تتأزم الأمور وأوشك على الهلاك: «لن أموت، سأتحدى القضاء والقدر، ولا لن أموت.»

في خريف عام ١٩٨١ حين كان التشاؤم يسود المسجونات معي في الزنزانة، ويحوم شبح الموت حول رءوسنا، إذا بالقصيدة تهب منتصبة داخلي كالمارد، تقاوم اليأس، تتحدى الموت، وأسمع صوتي الغاضب يقول: لن نموت، وإن متنا فلن نموت ساكتات … لن نمضي في الظلمة دون ضجة، لا بد أن نغضب ونغضب، نضرب الأرض ونرج السماء … لن نموت دون أن نكسر قضبان الحديد، وإن متنا فلن نموت صامتات.

مذكراتي في سجن النِّساء ١٩٨١

•••

وفي مفكرتي السرية عام ١٩٤٧، وأنا تلميذة في المدرسة الدَّاخلية في حلوان الثانوية، ظلت هذه القصيدة مكتوبة بالحبر الأسود، محفورة في ذاكرتي وفوق الورق:

قبل أن أغيب في النَّوم كل ليلة، أقول لنفسي:
سيأتي الصبح حتمًا ولن أموت، وإن مت
فلن يؤلمني شيء، بعد الموت
لا السقوط في الامتحان، ولا الضرب
على أطراف الأصابع بالمسطرة
ولا زمهرير البرد ولا لهيب الشمس ولا نار الجحيم
لم أجد إلا صديقتي في العنبر لأسألها: هل نموت؟
وإن متنا هل يؤلمنا أن نموت؟ أين نحن؟!
الآن في عنبر الموتى، في اللامكان واللازمان
ولا وجود للحب إلا بعد أن نحترق في الحريق
ونصير كالرَّماد، وكرمال الصحراء في حلوان
كأننا يا صديقتي متنا قبل الأوان
رأيت المشهد في الحلم، وعرفت أننا نمضي
إلى حيث لا ندري، فهل أكون في الغد ما أريد أن أكون؟!
شاعرة أو ناثرة أو حتى آثمة؟!
هل أرى اسمي فوق كتاب ممنوع؟! وأشق السماء
بقلمي، وأجعل المطر رهن مشيئتي؟!
والنهار والشعر والنثر
ينثال من خطيئتي،
فليحرقني الله في نار جهنم
ولتشرب الأرض دمائي
لكني أبدًا لن أموت.
حلوان الثانوية ١٩٤٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤