المقدمة

بقلم  طه حسين

هذا الكتاب ممتع، أقدِّمه للقُرَّاء سعيدًا بتقديمه أعظم السعادة وأقواها؛ لأن كاتبه من هؤلاء الشباب الذين تُعْقَد بهم الآمال وتُناط بهم الأماني ليضيفوا إلى رقيِّ مصر رقيًّا، وإلى ازدهار الحياة العقلية فيها ازدهارًا.

وكان كل شيء في حياة هذا الشاب الأديب جديرًا أن يشغله عن هذا الجهد الأدبي وأمثاله بأشياء أخرى، ليست أقل من الأدب نفعًا للناس وإمتاعًا للقلب والعقل.

فهو قد تهيأ في أول شبابه لدراسة الطب، ثُمَّ جَدَّ في درسه وتحصيله حتى تخرَّج وأصبح طبيبًا، ولكنَّ للأدب استئثارًا ببعض النفوس وسلطانًا على بعض القلوب لا يستطيع مقاومته والامتناع عليه إلا الأقلُّون.

وقد كَلِف هذا الشاب بالقراءة، ثُمَّ أحس الرغبة في الكتابة، فجرَّب نفسه فيها ألوانًا من التجربة، ثُمَّ لم يملك أن يمضي في تجاربه تلك، وإذا هو أمام كتاب يريد أن يخرج للناس فيُخرجه على استحياء، ويقرأ الناس كتابه الأول «أرخص الليالي» فيرضون عنه ويستمتعون به، ويقرؤه الناقدون للآثار الأدبية فيَعجبون له ويُعجبون به ويشجعون صاحبه على المضي في الإنتاج، فيمضي فيه ويظهر هذا الكتاب.

وأقرؤه فأجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول، على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صادق صارم لما يحدث فيها من جلائل الأحداث وعظائمها لا يظهر في ذلك تردد ولا تكلف، وإنما هو إرسال الطبع على سجيته كأن الكاتب قد خُلِقَ ليكون قاصًّا، أو كأنه قد جرَّب القصص حتى استقصى خصائصه ونفذ إلى أسراره وعرف كيف يحاوله فيَبْرع فيه. وكنا نُعجب فيما مضى بطائفة من الكُتَّاب المجوِّدين في الغرب لم يتهيئوا للأدب عن عمدٍ ولم يجعلوه لحياتهم غاية، وإنما أنفقوا جهدهم كله في درس الطب والتخصص فيه، وفرَض الأدب نفسه عليهم فرضًا، فبرَّزوا فيه أي تبريز، ثُمَّ رأينا هذه الظاهرة نفسها تمس بعض أطبائنا فينشأ منهم شاعر بارع كالدكتور إبراهيم ناجي رحمه الله، وينشأ منهم الكاتب المتفوق الذي يُتاح له من صفاء الذوق ونفاذ البصيرة وسعة العلم والفقه بأسرار الحياة، فيُخرج في اللغة العربية كتبًا أقل ما توصف به أنها تجمع بين الروعة والمتعة، وتُغنِي حاجتنا إلى القراءة التي تلذ القلب والذوق والعقل جميعًا كالدكتور محمد كامل حسين.

وكاتبنا هذا يمضي في هذه الطريق ثابت الخطو، وما أشك في أنه سيبلغ من الأصالة والرصانة والتفوق ما بلغ الذين سبقوه.

وهذه ظاهرة جديدة في أدبنا العربي الحديث، إن دلت على شيء فإنما تدل على أن سلطان الأدب العربي ما زال قويًّا، وقدرته على الاستئثار بالقلوب والنفوس ما زالت نافذة، وعلى أن جذوة الأدب يذكيها ويقويها أن تجاور العلم في بعض القلوب والعقول فتستمد منه قوة وأيدًا ومضاءً قلما يظفر بها الذين يفرغون لتنميق الكلام ويُصرفون عن حقائق العلم صرفًا. وأي فنون العلم أجدر أن يفقه الناس بالحياة ومشكلاتها وما تكلف الأحياء من ألوان العناء من الطب؛ فالطبيب يخالط الإنسان مخالطة لا تُتاح لغيره من أصحاب العلم، يخالطه صحيحًا ويخالطه عليلًا، ويبلو ألم جسمه وآلام نفسه أصدق البلاء وأعمقه، ويفتح له ذلك أبوابًا من التفكير تنتهي به أحيانًا إلى الفلسفة العليا، وتنتهي به أحيانًا أخرى إلى الأدب الرفيع الذي يحسن فيه الانسجام بين الحس الدقيق والشعور الرقيق والذوق المرهف والعقل المفكر، وتتيح له ذلك كله قدرة على التصوير الفني لحياة الناس وما يزدحم فيها من الألم والأمل، ومن السخط والرضى، ومن الحزن والسرور، قلما يُتاح لغيره من الناس.

وربما منحه قدرة أخرى على فهم الملكات الإنسانية، وردِّ أعماله وما يختلف عليه من الأحداث وما يكون لهذه الأحداث من تأثير فيه إلى أصولها ومصادرها التي أنشأتها وصوَّرتها تصويرًا لا يُحسن فهمه إلا من يعرف دقائق النفس والجسم جميعًا، وما يكون بينهما من توافق أحيانًا ومن تخالف أحيانًا أخرى، وإذا أُتيح الفن الأدبي للطبيب امتاز أدبه بالدقة والصدق وتجنب الألفاظ العامة المبهمة، والعبارات التي تبهر الأسماع ولكنها لا تصل إلى القلوب ولا تُحصل في العقول شيئًا.

وقد أُتيح لكاتبنا من هذا كله الشيء الكثير؛ فهو لا يحب التزيُّد في القول ولا يألف تبهرج الكلام، ولن تجد عنده كلمةً قلقةً عن موضعها أو عبارة إلا وهي تؤدي بالضبط ما أرادها على تأديته من المعاني.

هو طبيب حين يكتب يضع يده على معناه كما يضع يده على ما يُشخِّص من العلل حين يفحص مرضاه، وينقل إلينا خواطره كما يصوِّر أوصاف العلل وكما يصف لها ما ينبغي من الدواء.

وله بعد ذلك خصلة تميزه من غيره من كُتَّاب الشباب؛ فالميل إلى تصوير الحياة الاجتماعية ظاهر عند أدبائنا من الشباب تختلف حظوظهم منه ويختلف توفيقهم فيه. ولكن كاتبنا لا يميل إلى تصوير الحياة الاجتماعية وما فيها من الآمال والآلام فحسب، ولكنه يُحسن تصوير الجماعات ويعرض عليك صورها كأنك تراها.

فلم أرَ تصويرًا لشارع أو ميدان تختلط فيه جماعات الناس على تبايُن أشكالهم وأعمالهم وألوان نشاطهم كما أرى عند هذا الكاتب الشاب.

ثُمَّ لا يمنعه ذلك من أن يفرُغ للفرد فيُحسن فهمه وتصويره في دقة نادرة، كل هذه الخصال تبشِّر بأن كاتبنا جدير أن يبلغ من فنه ما يريد، ولكني أتمنى عليه شيئين؛ أحدهما: ألا ينقاد للأدب ولا يمكِّنه من أن يشغله عن الطب أو يستأثر بحياته كلها؛ فالأدب يجود ويرقى ويمتاز بقدر ما يجد عند الأديب من مقاومة له وامتناع على مغرياته وانصراف عنه بين حين وحين.

وما أشك في أن عنايته بالطب حين تتصل وتَقْوَى ستمنح أدبه غزارة إلى غزارته وثروة إلى ثروته، وستزيد جذوته ذكاءً وقوةً ومضاءً.

والثاني: أن يرفُق باللغة العربية الفصحى ويبسُط سلطانها شيئًا ما على أشخاصه حين يقص كما يبسُط سلطانها على نفسه؛ فهو مفصح إذا تحدث، فإذا أَنطَق أشخاصه أنطقهم بالعامية كما يتحدث بعضهم إلى بعض في واقع الأمر حين يلتقون ويديرون بينهم ألوان الحوار.

وما أكثر ما يخطئ الشباب من أدبائنا حين يظنون أن تصوير الواقع من الحياة يفرض عليهم أن يُنْطِقوا الناس في الكتب بما تجري به ألسنتهم في أحاديث الشوارع والأندية، فأخَصُّ ما يمتاز به الفن الرفيع هو أنه يرقى بالواقع من الحياة درجات دون أن يقصر في أدائه وتصويره.

والأديب الحق ليس مسجِّلًا لكلام الناس على علَّاته كما يسجله الفونغراف، كما أن المصور الحق ليس مسجِّلًا لواقع الأشياء على علَّاتها كما يصورها الفوتغراف، وإنما الفرق بين الأديب والمصور وبين هاتَيْن الأداتَيْن من أدوات التسجيل أنهما يصوران الحقائق ويضيفان إليها شيئًا من ذات نفسَيْهما هو الذي يبلغ بها أعماق الضمائر والقلوب، ويتيح لها أن تبلغ الأديب والمصور من نفوس الناس ما يريدان، وإلا فما يمنع الكاتب من أن يصطنع أداة من هذه الأدوات التي تسجل ألفاظ الناس، ثُمَّ يُضيف إلى أصواتهم صوته بلغتهم التي يتكلم بها هو حين يتحدث إليهم، ثُمَّ يعرض عليهم ذلك كما يعرض تسجيل الأصوات لا يتهيأ له ولا يتألق فيه.

ليصدقني الشباب من أدبائنا أن من الحق عليهم لمواهبهم وأدبهم أن يتمعَّنوا فهم المذاهب الأدبية أكثر مما يفعلون، وألَّا يخدعوا أنفسهم بظواهر الأشياء فيُفسدوا مواهبهم ويُفسدوا أدبهم أيضًا.

أمَّا بعدُ، فإني أهنئ كاتبنا الأديب بجهده هذا الخصب، وأتمنى أن أقرأ له بعد قليل كتبًا أخرى ممتعة إمتاع هذَيْن الكتابَيْن وتمتاز عنهما مع ذلك بصفاء اللغة وإشراقها وجمالها الذي لم تبلغه العامية، وما أرى أنها ستبلغه في وقتٍ قريبٍ أو بعيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢