رسائل إلى طيفها

توالت بعد ذلك رسائله إليها على مدى الأيام، سائرة على هذا النحو:

صباح ١٤ فبراير سنة …

«صديقتي!

ما أجمل هذا الصباح! السماء زرقاء زرقة لم أرَ مثلها من قبلُ! لكأنَّ الملائكة في صفاء الأطفال تلهو فرحةً، وتلوِّن بريشة مرحة صورًا «مائية» زرقتها زاهية، وخضرتها نديَّة، لكل ما تقع عليه عيني اليوم من مظاهر الطبيعة! إن هذا «الأكواريل» العلوي يملأ نفسي أنا أيضًا صفاءً سماويًّا! إني لست في كل الأحيان أبصر الألوان التي تحيط بي، أو أسمع الأصوات التي تترنَّم حولي.

كل شيء حولي الآن يتكلم ويضيء ويتحرك!

لم يبقَ عندي شكٌّ في أن خادمي قد رأى مني عجبًا؛ فصوت الكناري المحبوس في قفصه لدى الجيران لم يعد يزعجني؛ بل إني أُصغي إليه باسمًا … فنحن الآن صديقان أليفان … يفهم أحدنا الآخر … ولا أرضى أن يُغلِق خادمي النافذة بينه وبيني، حتى في ساعة عملي … فهذا العصفور — فيما يخيل إليَّ — لديه هو الآخر كلام عنك يريد أن يحدِّثني به!»

مساء ٢٥ فبراير …

«صديقتي!

أجلس هذا المساء في شرفتي؛ لأن البدر الليلة في التمام، وفي السماء بعض غمام يوهمنا في سَيْرِه أنَّ القمر هو الذي يسير! ما لهذا القرص من النور يركض هكذا في الفضاء؟! ترينه على موعدٍ مع حبيب؟! إن القاهرة الساعة هادئة نائمة، أشرف عليها من مكاني القَصِيِّ، بيوتها متساندة متعانقة في حضن «المقطم»؛ كأنها فراخ الطير في وكر أمها؛ بعضها قد أغلق عينيه أو نوافذه، واستسلم للنعاس … والبعض ساهر، قد فتحها تلمع مضيئة في ظلام الليل! تُرى أين بيتك من بينها؟ وماذا أنت الساعة تصنعين؟ لا شك عندي أنك الآن بجوار زوجك السعيد، تحدبين عليه بتلك الرقة التي أعرفها فيك … إني لأراك دائمًا في صورة الزوجة المُثلى، ذلك الطراز من الزوجة، الذي طالما تمنيت الظفر به، ولكن الحياة ضنت به عليَّ!

ما من رجلٍ في التاريخ سعد بزوجة عظيمة إلا تخيلتها على صورتك، وأعطيتها ملامحك، وأعرتها سماتك وصفاتك! كنت أقرأ عن «كارل ماركس» عندما طُرد من بلاده؛ لأنَّ قومه وجدوا في كتاباته الاشتراكية خطرًا على كيان المجتمع! لقد أبت زوجته إلا أن تخرج معه، وتشرد كما يشرد … وأراد أهلها أن يستبقوها بينهم، وأن يجنِّبوها مصير زوجها المبهم وطريقه المدلهم، فما زادها ذلك إلا تشبُّثًا به، وبواجبها الزوجي، فتبعته إلى أرض فرنسا … فما كادا يحطان فيها حتى أُرغما على الخروج منها … فخرجا إلى «إنجلترا» … كل هذا التشريد مع شظف العيش، وحلك الأفق، ما زعزع إيمان الرجل بفكرته، ولا إيمان الزوجة بزوجها! لست أدري لماذا أرى وجهك أنت، كلما تذكرت تلك المرأة الفاضلة؟

والبارحة أَعَدْتُ قراءة حياة السياسي «دزرائيلي» ﻟ «موروا» لا لشيء إلا لأتصفح من جديدٍ صورة زوجته «ماري آن»! ليس الذي يدهشني الصفحات الأولى لتلك الحياة الزوجية؛ فالصفحات الأولى دائمًا بهيجة في كل حياة زوجية. ولقد قامت «ماري آن» بواجب الزوجة، التي تعرف كيف تجعل زوجها يعيش في فردوس من السعادة كان هذا الرجل في أشدِّ الحاجة إليه؛ فلقد كان يحسُّ أنها لا تعيش إلا من أجله، ولقد كان في لحظات يأسه، وفتور همَّته، وشعوره بمرارة الخيبة والهزيمة — وما أكثر هذه اللحظات في هؤلاء الرجال — محتاجًا أشد الحاجة إلى مَن يعزيه ويواسيه! ولقد عزَّته وواسته وآزرته بما خفَّف عنه وهوَّن عليه!

ولكن الصفحات الرائعات التي تعجبني، وتهز نفسي هي صفحاتها الأخيرة … يوم رقدت هذه الزوجة مريضة … لقد كانت تعلم — منذ سنوات — أنها مصابة بمرض قتال؛ هو سرطان المعدة … غير أنها جاهدت جهاد الأبطال في إخفاء ما بها عن زوجها؛ كيلا تسبِّب له إزعاجًا، وكانت تتحامل على نفسها، لتظهر إلى جانبه كلما اقتضت واجباتها الاجتماعية ظهورها، وقد وضعت على صدرها — كما توضع «النياشين» — «أيقونة» كبيرة داخلها صورة زوجها. ولقد تقدم بهما السنُّ والإعياء والمرض؛ حتى تعذَّر على أحدهما العناية بالآخر، فكان هذان الزوجان المتهدمان يتبادلان أحيانًا الرسائل من حجرة إلى حجرة … فكان يكتب إليها قائلًا: «إني الآن مُسْتَلْقٍ على ظهري فاعذري الخطَّ والقلم … لقد أرسلت لي الساعة أمتع وأفكه خطاب وصلني في حياتي … إن منزلنا قد غدا فيما أرى مستشفى! ولكن المستشفى معك خير عندي من قصر مع غيرك.»

وكانت هي تقول للأصدقاء: «حياتي، بفضل طيبته، لم تكن سوى لحظة سعادة مستمرة.»

وكان هو يجيب: «لقد تزوجنا منذ ثلاثين عامًا … ولم أشعر معها بلحظة ضجر.»

واشتدَّ بها المرض آخر الأمر، فلم تستطع إخفاءه، ولم تنقطع مراسلاتهما اليومية البيتية، فكان يكتب إليها: «ليس عندي ما أقوله لك سوى: إني أحبك.»

وكانت هي تكتب إليه: «يا أعز ما أملك … إني مشوقة إليك إلى حدٍّ مخيفٍ … يا لَفداحة ما أدين به إلى طيبتك وإلى حنانك الدائم.»

وقُطِع كل أمل في شفائها؛ فقد رفضت معدتها كل غذاء، ورأى الناس لأول مرة على وجه «دزرائيلي» الرزين انقلابًا مخيفًا، ينم عن فجيعته، وماتت تلك الزوجة في الخامس عشر من ديسمبر ۱۸۷۲م.

ووجدوا في أوراقها هذه الرسالة:

«زوجي العزيز … إذا غادرت هذه الحياة قبلك، فاؤمر بأن ندفن نحن الاثنين معًا في قبر واحد، والآن فليباركك الله … أيها الطيب! أيها العزيز! لقد كنت لي نعم الزوج … وداعًا يا عزيزي «ديزي»! ولا تعشْ بمفردك … إني أرجو من كل قلبي أن تجد من يكرس لك نفسه تكريس المخلصة لك.»

«ماري آن»

ولقد تأثَّر لكارثته الأصدقاء والأعداء على السواء، حتى «جلادستون» — خصمه السياسي العنيد — نَسِيَ سخيمته، وكتب إليه يقول:

«لقد تزوج كلانا في العام نفسه فيما أذكر … ولقد ظفر كلانا في خلال ثلث قرن بسعادة زوجية لا تقدَّر بثمن، وأنا الذي أعفاه القدر من الضربة التي نزلت بك أستطيع أن أفهم …»

وأكَّد له أنه يتألم حقيقة معه، ومن أجله … وقد كان مخلصًا في ذلك!

ومرَّت الأيام على «دزرائيلي» بعد ذلك شاقَّة عسيرة. ولو كانت «ماري آن» حية، لفخرت بما كانت توفره على زوجها من متاعب يضيق بها رجل؛ فإنه منذ زواجه وهو ينعم بمنزلٍ وخدمٍ على أتمِّ نظام، دون أن يشغل باله بشيء! لقد كان يقول في حسرة: «وما من أمرٍ يستلزم مشقة أو عناء، لا تستطيع هي أن تواجهه! وما من صعوبة أو مشكلة، لا تستطيع هي أن تدبِّر لها الحلول! لا أعرف امرأة في مثل دأبها على ما فيه راحتي، وسهرها على ما فيه خيري.»

وهكذا ماتت «ماري آن» وليس في مقدورها بعد الآن أن تحمي رجلها العظيم. وفَقَدَ زوجها — بموتها — بيته، ذلك المكان الدافئ، حيث يجد الروح والجسم والاستجمام، وحيث النقد ينقلب إطراء، واللوم ملاطفة وعزاء! إنه لم يعرف، بعد اليوم، عذوبة المأوى! لقد كان يقول لسائقه: إلى «البيت»! فما يلبث أن يذكر أنه لم يعد له بيت، فتتساقط العبرات من عينيه … ولولا بعض الأصدقاء الذين كانوا يسهرون عليه، ويرحمون ما آل إليه، لما أصبح أكثر من حطامٍ، ولكن مهما يكن من عناية الأصدقاء، فهل هي تغني عن حنان المرأة؟ وفي صمت الحجرة وظلام الوحدة، جلس ذلك الرجل مترصدًا للذكرى الهاربة؛ ذكرى صوتها المرح.

تلك خلاصة هاتيك الصفحات التي هزَّت نفسي من ذلك الكتاب، نقلتُ إليكِ أكثرها كي تحبي «ماري آن» كما أحببتها … ولعلك ترينها تشبهك، كما رأيتها أنا شبيهتك.»

ليلة ١٩ مارس سنة …

«صديقتي!

هنالك امرأة أخرى أحبها كثيرًا … لأنها أيضًا على مثالك، وإن كنت لا أرى لها جمالك؛ فإن تماثيلها أو صورها المتحركة في جدران معابدها لا تنقل إلينا غير جمال فني، لا يمكن أن نرتب عليه أي صلة بجمالها الطبيعي! تلك هي «إيزيس» المصرية! لا أريد أن أتعرض للجانب الديني أو الإلهي في أسطورتها … فالذي يعنيني فيها هو جانب الزوجة … إن وفاءها لزوجها «أوزوريس» لمعجزة في نظري من معجزات القلب الإنساني! كان «أوزوريس» ملكًا على أرض مصر قبل أن يسطَّر لمصر تاريخٌ علمي، فجعل منها أمة متحضرة في زمن قليل، فاختفت منها العادات الوحشية، وانقرض آكلو لحوم البشر، واستتبَّ فيها الأمن، وحلَّت الديانات وعبادة الآلهة.

ثم شرَّع «أوزوريس» للناس القوانين، وعلَّمهم الزراعة، والحرف، وتأسيس البيوت، وتوطيد أركان مجتمع متمدن. فلما تمَّ له ذلك، بدا له أن ينشر مثل هذه الحضارة في أرض أخرى غير أرض مصر! فجعل يتغيَّب عن مصر من حين إلى حين، تاركًا زوجته «إيزيس» تحكم المملكة في غيبته، فكان حكمها هي الأخرى أصلح حكم! وسارت في كل شيء على غرار زوجها، حتى أحبهما الناس، وأحاطوهما بالتقديس، ولكن عين الشر لا تنام.

لقد كان لذلك الملك عدو لدود، هو أخوه «سيت» … كان يطمع في أن يتولى هو حكم البلاد في غيبة أخيه، فلما خاب أمله، دفعه الحقد إلى أن يدبِّر مؤامرة يتخلص بها من أخيه الملك «أوزوريس»، فانتظر حتى عاد من مملكته، ودعاه إلى وليمة فاخرة، أعدَّها احتفالًا بعودته … وكانت الملكة «إيزيس» تحذِّر زوجها دائمًا من عدوه «سيت»، ولكن الملك الذي يجهل قلبه الشر، لا يستطيع أن يعرفه في قلوب الآخرين!

وذهب «أوزوريس» إلى وليمة خصمه، فلما انتهَوا من الطعام والشراب، أحضر «سيت» صندوقًا بديع التركيب، يخلب الأنظار ببراعة فنِّه! كان قد صنعه مطابقًا لجسم أخيه الملك … فلما رأى عينيه تلمع إعجابًا بالصندوق … التفتَ إليه وإلى المدعوين — وكانوا كلهم من أعوانه المتآمرين — وقال: «من طابق الصندوق جسمه فهو له!»، فتعاقب المدعوون على الصندوق، كلٌّ بنوبته يرقد فيه، فلا يطابقه … إلى أن جاءت نوبة الملك، فنهض باسمًا، لا تخطر له الخيانة على بالٍ … ورقد في الصندوق، فهجم الحاضرون عليه وأغلقوه وصبُّوا فوقه مغلي الرصاص، فختموه، وأمر «سيت» بالصندوق، فأُلقي في النيل على مقربة من المصب، وهكذا خُتِمت حياة «أوزوريس» وهو في الثامنة والعشرين من عمره؛ كما قال قوم … ومن أعوام حكمه؛ كما قال قوم آخرون!

إلى هنا لا أجد في الأسطورة ما يهمني؛ فقد كانت تلك أسطورة أكثر الملوك في العهود الغابرة، حتى في أساطير أوروبا الحديثة نجد مثل هذا القصص … فرواية «هملت» ﻟ «شكسبير» إنما تقوم على ملكٍ تآمر عليه أخوه، واغتاله طمعًا في الملك، ولكن الأخ الخائن في «هملت» استعان بالملكة زوجة أخيه، فشاركته الجريمة، كما بادلته الغرام الآثم … لكن انظري هنا ماذا فعلت «إيزيس»؟ إنها ما كادت تعلم بما حدث، حتى جزَّت خصلة من شعرها، وارتدت ثياب الحِدَادِ، وغادرت قصرها، وتركت سلطانها ومجدها، وكل ما تملك، وانطلقت هائمة على وجهها، تبحث عن الصندوق الذي يحوي جثمان زوجها؛ فلقد كانت تعتقد أن الميت لا يظفر بالراحة إلا إذا دُفِنت جثته وفقًا لطقوس الدين!

وضربت في أرجاء الأرض أيامًا طوالًا، تسأل كلَّ عابر وعابرة عن ذلك الصندوق الجميل الموشَّى! فلم تسمع من أحدٍ أنه رآه، فلم تقنط، واستأنفت السير في بقاع الأرض تبحث وتسأل وتتوسل وتستعطف، فلم تظفر بطائلٍ. إلى أن عثرت آخر الأمر ببضعة أطفال يلعبون على شاطئ النيل، أخبروها أنهم رأَوا الصندوق يُلقى عند مصب النهر، فذهبت إلى ذلك المكان تبحث وتتحرى من جديد … ولكن جهدها كان ضربًا من العبث … وساق إليها القدر أخيرًا بعض الملاحين، فذكروا لها أنهم علموا أن البحر حمل الصندوق إلى ساحل «بيلوس»! فركبت البحر إلى تلك المملكة البعيدة … وسألت هناك، فلم يدلها أحد على بُغيتها. وأمضَّها التعب وأرمضها الأسى … فجلست متهالكة عند صخرة على الشاطئ، فرأت صيادًا شيخًا سألها عن أمرها فأخبرته؛ فقال لها إن أمواج البحر قد قذفت بالصندوق إلى قلب شجيرة حناء، وإن تلك الشجيرة نمت نموًّا هائلًا عجيبًا، مخفية الصندوق في صدر جذعها الضخم، وإن ملك هذه البلاد مرَّ يومًا بتلك الشجرة فعجب لسُموقها وروعتها، وأمر بها فقُطِعت، وجعل من جذعها عمودًا يدعم به سقف قصره … فلما علمت «إيزيس» بذلك، قامت متحاملة إلى ذلك القصر … ولم تجرؤ على اقتحامه … فجلست بجواره عند نافورة ماء، وجاء العصر فخرجت الأميرات بنات الملك يتنزهن، فأبصرنها، واقتربن منها وحادثنها … فلاطفتهن، وبيدها ضفَّرت شعورهن وبأنفاسها عطرتهن … لأن أنفاسها أذكى من عبير الأزهار وأطيب.

وعادت الأميرات إلى القصر، فتعجبت أُمُّهن الملكة من ذلك الشذا المنبعث من ضفائرهن وثيابهن، فأخبرنها بأمر تلك الغريبة الجميلة الجالسة عند عين الماء. فأمرت الملكة أن تُدعى هذه الغريبة إلى القصر وتُكرم. ثم رجت منها أن تكون مرضعًا للأمير الصغير؛ وعند ذلك كشفت «إيزيس» عن حقيقتها، وقصَّت عليهم قصتها، وسألتهم أن يمنحوها ذلك العمود، فرقُّوا لها، وبادروا فشقُّوا الجذع، وأخرجوا من جوفه الصندوق، فما كادت تراه وتبصر جثة زوجها فيه، حتى انطلق عويلها من صدرها، كما ينطلق اللهب من جوف البركان، وحملت الصندوق معها، وركبت به البحر عائدة إلى مصر، وعلى أرضها فتحت الصندوق مرة أخرى لتبكي البكاء المرَّ على رفات زوجها ملك تلك الأرض … وأخفت الصندوق بما فيه إلى حين إعداد مراسيم الجنازة وطقوس الدفن … وإذا عين الشر تتفتح من جديدٍ، فقد تمكَّن «سيت» من العثور على الصندوق … ونهشه الغيظ وأكله الغضب، فأخرج الرفات من مكانها، وقطعها أربع عشرة قطعة، نثرها في طول البلاد وعرضها.

وعلمت المسكينة «إيزيس» بهذه النكبة الجديدة، فنهضت من جديدٍ تسعى في أثر زوجها، واتَّخذت قاربًا من غاب البردي، طافت به النيل تبحث في كل مكان عن بقايا الزوج المحبوب، وظلت تبحث الأعوام لا يمسُّها ضجر ولا يقعدها كلل، وكلما عثرت على قطعة من عزيزها أو عضو من أعضاء حبيبها، دفنته حيث وجدته وبنت عليه نصبًا … ولعل هذا هو السر في أن ﻟ «أوزوريس» بمصر عدَّة قبور.

هكذا فعلت «إيزيس» الزوجة! وهكذا كنت تفعلين أنت أيضًا لو أنك في مكانها، لأنكِ أيتها الصديقة العزيزة تحملين عين القلب! إني لا أشك في هذا لحظة … عين القلب الذي ينبع منه كل هذا الحب، وكل هذا الوفاء!»

مساء ۱۹ مارس …

«صديقتي!

إني لا أنتهي من تعنيف نفسي على مسلكي معك. كيف عميتُ فلم أرَ في مجرد مجيئك إليَّ مغزًى رائعًا؟! إن الرغبة في الدنو من رجلٍ يعيش مع الكتب، هي في ذاتها فكرة جديرة بامرأة رفيعة! ليس من السهل دائمًا على كل امرأة أن تأنس إلى رجلٍ يعيش كما أعيش. ومن عجب أنه لم يبدُ عليك لحظة واحدة أنكِ ضِقْتِ ذرعًا بي، بل أنا الذي كان خاليًا من الرزانة والتؤدة، فعجَّل بقطع تلك الصلة الجميلة التي لم يكن بها خليقًا، وها أنا ذا قد حرمت نفسي — كما ترين — ذلك الحسن الوحيد الذي كان له الشجاعة أن ينفذ إلى حجرتي المغبَّرة بتراب المجلدات … ها أنا ذا قد أغلقت بيدي نافذة حياتي عن شعاعك، فلو دريت أي ظلام أحيا فيه الآن!

تصوَّري القمر قد انفصل عن الأرض فجأة في يومٍ من الأيام، وسبح في الفضاء حتى وجد كوكبًا آخر جذبه إليه، وتركنا إلى الأبد بدون نوره؟ كيف تكون الحياة على سطح أرضنا؟ إن استطعنا أن نحيا بعد ذلك، فثقي بأنها ستكون حياة بلا جمال ولا حب ولا شعر! وما قيمتها إذن مثل هذه الحياة؟ أأدركت الآن ماذا خسرت بفقدك؟!»

صباح ۲۱ مارس …

«صديقتي!

لم يزل يدهشني إقدامك على معرفتي، وعدم تبرُّمك بحديثي، كلما قلَّبت الأمر وجدته عجيبًا حقًّا … نَدَرَ من النساء مَن تحمَّلت الحياة مع رجل يعيش مع أفكار … لذلك كان هذا الطراز النادر من النساء موضع إكبار، لقد حدَّثتك عن بعضهنَّ! ولكنِّي أحبُّ أن أحدِّثك عن واحدة، تعرفينها ولا شكَّ، وتحلينها من نفسك محل القداسة!

تلك هي «خديجة» زوجة «النبي العربي»، صورتها تخطر لي دائمًا، ولا تبرح ذهني كلما فكرت في الزوجة المُثلى؛ تلك التي تتخير زوجها وهو غارق في ميدان كفاحه، فتقف إلى جانبه في الهزيمة والفوز واليأس والأمل! تشد أزره، وتتلقَّى معه الضربات، وتسهد معه الليالي، وتتلطخ معه بالدماء، وتُضمد له الجروح، وتبذل له ما تملك من راحة ومال؛ حتى يصل في النهاية إلى النصر الأخير!

هكذا فعلت «خديجة»! إنها حملت على عاتقها أشياء كثيرة، حتى الحب هي التي حملته في قلبها أولًا … وقدمته إلى «محمد» فبادلها إياه وقاسمها حمله … فهو قبل أن يعرفها لم يعرف قلبه الحب … لقد كانت حياته — حتى الخامسة والعشرين — حياة الشاب الهادئ البعيد عن النساء، العاكف على عمله، يرعى الغنم في الفلاة، ويلجأ إلى التأمُّل العميق … فلم يكن للَّهو والمرأة — حتى ذلك الوقت — مكان من اهتمامه أو تفكيره … كانت العفة المطلقة هي صفته الغالبة وقتئذٍ، وكان له من الزهد والعلم والصبر والتواضع ما ميَّزه عن بقية الشبان، وما جعل قومه يسمونه «الأمين»!

ما الذي كان يشغل رأس الشاب «محمد» في تلك السن، ما دام اللهو والمرأة لا محلَّ لهما عنده؟ أتراه كان يحس في قرارة نفسه بمصيره العظيم؟ لا ريب في ذلك! لقد كان هذا دائمًا شأن أغلب أولئك الذين انتظرتهم أقدار عظام، وتملَّكتهم منذ نشأتهم مُثلٌ عليا وأحلام، عمرت كل أعوام شبابهم، وحلَّت فيها محلَّ اللهو والمرح! إن كل شاب يعيش مع شبح امرأة جميلة؛ إلا الشاب الموعود برسالة عظمى، فهو يعيش دائمًا مع شبح المجد المنتظَر!

لعلَّ هذا يفسِّر لنا بعض الشيء حياة الفتى «محمد» حتى الوقت الذي لَقِيَ فيه أول امرأة أحبَّها؛ «خديجة»! ومَن يدري لو لم تكن «خديجة» هي البادئة بالحب ما الذي كان يحدث؟ كل شيء يدل على أن الزواج لم يخطر له على بالٍ، والزوجة والمرأة آخر ما كان يفكر فيه وقتئذٍ؛ فلقد كان يسير في طريق تأمُّلاته الداخلية وأحلامه العليا؛ وكأنه لا يمشي على هذه الأرض، إلى أن لحظته «خديجة» ذات يومٍ، ولمست كتفه، فأفاق قليلًا، ورفع عينيه إليها!

لقد كان ذلك رائعًا حقًّا من امرأة مثلها، ذات شرف وثروة، أن تبدأ هي الخطوة الأولى نحو رجلٍ فقير يتيم! هي التي تقدَّم إليها أكرم رجال قريش نسبًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا … طلبوها وبذلوا الأموال فلم تلتفت إليهم، وأرسلت تابعتها «نفيسة» دسيسًا إلى الشاب «محمد» تعرض عليه يدها، وتزوجته، ورأت أيام شكِّه وقلقه وتعسه وشقائه!

رأته وهو يدخل عليها مرتعدًا من الروع الشديد قائلًا: «دثِّروني دثِّروني!»، فتدثره حادبة عليه، قائلة في قلق: «رحمة بي! خبِّرني بأمرك!»، فيقول لها: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد! يا محمد! فأنطلق هاربًا في الأرض! لقد خشيت على نفسي! إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا! وإني لأخشى أن أكون كاهنًا! يا «خديجة»! والله ما أبغضت — بُغْضَ هذه الأصنام — شيئًا قطُّ، ولا الكهان!»

فتقول له: «هوِّن عليك! والله ما يخزيك الله أبدًا … إن الله لا يفعل ذلك بك أبدًا … إنك لتصِل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وإن خُلقك لكريم!»

وبهذا تسرِّي عنه … ولا تهزأ به كما هزأ به قومه الذين سبُّوه وسفَّهوه وآذَوه، وحَثَوْا على رأسه التراب! بل آمنت به وصدَّقته، يومَ لم يجد حوله أحدًا يحمل كلامه محل الجِد. ولقد جاءها يومًا يخبرها مرتاعًا أنه رأى «ملكًا» هبط عليه من السماء وكلَّمه، وسمع صوته! وليس يدري أملكٌ هو حقًّا، أم شيطان؟ فأرادت أن تقطع شكَّه بيقينٍ، فقالت له: «إذا جاءك صاحبك، هذا الذي يأتيك فأخبرني به … فلما نزل عليه «جبريل» أخبرها … فنزعت خمارها الذي تنحسر به، وقالت له: هل تراه الآن؟» فنظر محمد فلم يرَ «جبريل» … فقال: «لا!» … فصاحت فَرِحة: «اثبت وأبشر! فوالله إنه لملَك، وما هو بشيطان؛ إذ لو كان شيطانًا لما استحيا!»

وهكذا ظلَّت إلى جانبه تبدِّد شكوكه، وتؤمن برسالته … إلى ساعتها الأخيرة … ويوم علم أعداء «محمد» بقرب وفاتها، تهامسوا فرحين: «خديجة» في الموت … ولم يستطع «أبو لهب» عدو النبي الأكبر أن يكتم اغتباطه، فجعل يقول لمن معه: «أجل … عما قليل تذهب تلك التي كانت تشد أزره، وتعز شأنه!»

ولفظت «خديجة» روحها الذي كان منبع ذلك الحب! الذي استطاع، بقوته وسموه، أن يفتح قلب «محمد»، وأن يملأه كل تلك الأعوام التي عاشتها. بل إن هذا الحب لم ينطفئ بموت «خديجة»، ولقد ظلَّ مكانها من قلبه قائمًا دائمًا، لم تستطع قطُّ امرأة أن تزاحمها فيه، حتى «عائشة» التي كانت أحبَّ امرأة إليه بعد ذلك … ما استطاعت أن ترتفع إلى مكان «خديجة» من نفسه، وقد غرَّها يومًا شدة حب النبي لها، فقالت له بدلالٍ: «ألست خير النساء عندك؟!» فأجابها للفور: «وخديجة؟» فقالت له: «ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها!» … وكانت زلَّة … لم تدرك مداها إلا بما بدا على وجه محمد من غضبٍ شديدٍ … إنها لم تره قطُّ غضب منها على هذا النحو … فقد نهض تاركًا لها المكان، وهو يقول: «والله ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كذَّبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس.» وكظمت «عائشة» غيظها في صدرها وهي تهمس: «لكأنه ليس في الأرض امرأة إلا خديجة»، «حقًّا … لقد صدقت … نعم … ليس في الأرض غير قليل من النساء مثل «خديجة» … إن المرأة النادرة هي هبة الله الكبرى!»

آه أيتها العزيزة! لو سألوني عنكِ، لقلت: ليس دنياي اليوم إلا أنت!»

مساء ٢٢ أبريل …

«صديقتي!

كم من عمري أدفع ثمنًا لصورة من صورك، أجعلها في إطارٍ ثمين، وأضعها هنا فوق مكتبي، أتأملها في كل صباح، وفي كل مساء! لكن، لا … حتى لو وجدت الصورة فلن يكون لي الحق في وضعها هكذا!

كل ما أملك هو أن أضعك في قلبي … حيث لا يراك أحد، ولا يوجد سلطان ينزعك من هذا المكان … ائِذني لي في طرح القلم الآن، حتى لا أزعجك بحديثٍ طويلٍ … إني قائم إلى الشرفة، أجلس في هذا الليل الجميل صامتًا أتأملك!»

صباح ۲۳ مايو …

«صديقتي!

أهكذا كُتِب عليَّ ألا أسمع عنكِ خبرًا؟ أما أنتِ فتعرفين من أمري، على الأقل ما يُنشر عني في الصحف! خطر لي هذا الخاطر وأنا أقرأ كل صباح الصحف والمجلات بعين فاحصة! إني أقف الآن طويلًا عند كل خبرٍ يمسُّني، أو كل كلمة تُنسب إليَّ، وأذكر أنك سوف تطَّلعين على ذلك فيملؤني الخجل!

أيتها العزيزة! سامحيني! إني ولا شك غير جدير بك! أين أنت السيدة الفاضلة، التي لا يعرف المجتمع عنها إلا الخير، مني أنا الذي تُحصى عليه كل كلمة سخيفة، وكل حركة حمقاء!

آه لو كان في مقدوري إقناعك بأن تحسِني بي الظن قليلًا! ثقي بأن هنالك فرقًا كبيرًا بين حقيقتي الباطنة، وحقيقتي الظاهرة لعامة الناس! أقسم لك إني في الباطن خير بكثيرٍ مني في الظاهر؛ لأن الباطن هو ملكي ومن صنعي، ولكن الظاهر هو ملك الناس، ومن صنع الظروف! وأنا لست ممثِّلًا، ولم أحاول يومًا التمثيل، فأصنع للناس ظاهرًا رائعًا بيدي؛ بل تركتهم هم يصنعون لي ما شاءوا من أردية، دون أن أحفل بغير حقيقتي التي أعيش معها داخل نفسي!

ثقي بأني أعيش داخل نفسي في عالمٍ نقي مرتفع قدسي، فإذا خرجتُ إلى المجتمع انطفأت تلك الأضواء من حولي، وزال عالم السحر الذي كنتُ فيه، وبدوت في ثيابٍ من السخف، لست أدري كيف أُلقيت عليَّ؟!

إني لأدهش أحيانًا لأولئك الذين أُعطوا المقدرة على خداع الناس، فيظهرون في المجتمع في مسوح القديسين … وهم في باطنهم من أفجر الماجنين … بينما أنا أبدو أحيانًا للناس هازلًا دائم الابتسامة، وفي باطني الجد، وفي طبيعتي الصرامة! إني رجل مخلص مع نفسه وكفى، وليس يعنيه بعد ذلك الباقي! كل ما يحيا في أعماق النفس يهمني، أما ما يطفو على السطح من زَبَد، وما يُعرَض على الأنظار من صدف؛ فلا شأن لي به … حتى حبي لك؛ من ذا يصدق أنه كائن حي موجود؟

آه لو علم الناس أني أحب! ما من أحدٍ في الوجود يرى ذلك الحب المضيء في قاع نفسي كاللؤلؤة! حتى ولا أنت!»

•••

هكذا لبث يكتب إليها على هذا النحو حتى دخل الصيف … وذهب إلى شاطئ البحر … ثم أقبل الخريف! وعاد إلى «القاهرة»، وهو دءوب على رسائله إلى طيفها، لا ينقطع عنها ولا يسهو. وأقبل الشتاء التالي، ومضى نحو عام على زيارتها الأولى له وهو على حاله، لا يتغير! يكتب إليها ويكدِّس الرسائل فوق الرسائل، دون أن يسمع عنها خبرًا أو يلقاها في طريق … ولقد طمع في أن يضعها القدر أمامه يومًا، بل إنه أمل في أن يراها في مصيف «الإسكندرية» أو يبصرها مصادفة في مكان، ولكن المصادفة ضنت، والقدر أبى! إنه مع ذلك كان يحس في قرارة نفسه أنه سيلقاها ذات يوم … لأن من المستحيل أن يكون كل شيء بينهما قد انتهى على هذه الصورة! ولكن ذلك شعور داخلي لا أكثر ولا أقل! وهو شعور طبيعي يخامر كل قلب يبحث عن حبيب بعيد، هي همسة الأمل الذي لا يموت، ولا يمكن أن يموت في الإنسان!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤