قهوةُ سورَاطٍ

لليوتولستوي

كان في سوراط — إحدى مدن الهند — قهوةٌ يؤمُّها الكثيرون من المسافرين والأغراب من مختلف جهات العالم، فإذا هم اجتمعوا أنس كلٌّ إلى رفيقه وأقاموا يتفكَّهون ويتحادثون. وقد ساقت التقادير إلى تلك القهوة رجلًا فارسيًّا من المولعين بعلم اللاهوت، وكان الرجل قد أنفق العمر يبحث عن طبيعة الله، فدرس كتبًا كثيرة ونشر تآليف عديدة، وكأنه استرسل في درسه وتنقيبه استرسالًا غير محمود، فلم يلبث أن أصابه الخبال، فكفَّ عن اجتهاده، وتمادى في الكفر حتى لم يعد يؤمن بوجود الله. فلما اتصل أمره بالشاه، غضب عليه وطرده من بلاد العجم. وهكذا ساء أمر اللاهوتي؛ فبعد أن جادل العمر كله مدافعًا عن «السبب الأول»، صارت حاله إلى البلبلة، فبدلًا من أن يفطن إلى جنونه وفقده «عقله» أمسى يعتقد أنه ليس ثمة من «عقل» يدير هذا الكون.

وكان في خدمة هذا العجمي عبدٌ أفريقي يسير في ركابه أنَّى توجَّه، فلما دخل القهوة قعد العبد على حجرٍ في الخارج «يتشمَّس» ويلهو بطرد الذباب الذي كان يزعجه بأزيزه حول أذنيه. وما إن اطمأنَّ باللاهوتي مجلسه في الديوان، حتى طلب كأسًا من الأفيون لم يكد يتجرعها حتى أسرعت حركة دماغه وبدأ فعل الشراب يظهر فيه، فخاطب عبده من خلال الباب قائلًا: قل لي أيها العبد الشقي، أتعتقد بوجود الله أم لا؟

فأجاب العبد ثم أسرع فانتشل من منطقته تمثالًا صغيرًا من الخشب وصاح: «هو ذا الإله الذي حفظني من يوم ولادتي، وليس في بلادنا من لا يؤمن بالشجرة المقدسة التي صنع منها هذا الإله!»

أما رواد القهوة فقد استغربوا هذا الحديث بين اللاهوتي وعبده، وعجبوا لسؤال السيد، ولكن عجبهم كان أشدَّ حين سمعوا جواب عبده، وكأن ما فاه به العبد قد استغضب أحد الجلَّاس — وكان برهميًّا — فصاح بالعبد: «ويحك أيها المعتوه! أفتحسب أن الإله يحمل تحت المناطق؟ لا إله إلا براهما، وإنه لأعظم من العالم بأسره؛ إذ إنه هو الذي خلقه؛ لهذا نحن شِدْنا من أجل تكريمه الهياكل على ضفاف الكنج حيث يسبحه البراهمة، فليس في الدنيا من يعرف الله سواهم. وها قد نشبت الثورة بعد الثورة، فلم تفتَّ في عضدهم ولا أنقصت من سيادتهم؛ إذ إن براهما — ولا إله سواه — يحميهم ويصدُّ عنهم غارات الأعداء.

وما إن فرغ البرهمي من قوله حتى سرت الخيلاء إلى نفسه؛ إذ توهَّم أنه أقنع الجمهور، ولكن سرعان ما تلقاه أحد الحضور — وهو سمسار من اليهود — بقوله: ضللت يا صاحبي؛ فالإله الحقيقي لم يختر هيكله في الهند ولا هو يحمي جماعة البراهمة. إن الإله الحقيقي، هو إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لا يعطف على غير شعبه المختار، وهم الإسرائيليون الذين أحبَّهم منذ بدء الخليقة ولم يحبَّ سواهم، ولئن يكن قد فرقنا اليوم في أنحاء العالم، فهو لم يفعل ذلك تخليًا عنا، بل إرادة أن يبلونا. ولقد وعد بأن يجمع شعبه يومًا من الأيام في بيت المقدس، وإذ ذاك يعود إلى بيت المقدس رواؤه ويهزُّ بنو إسرائيل عصا الحكم فوق رءوس أمم الأرض أجمعين.

وغلب التأثر على اليهودي فأجهش بالبكاء. وفيما هو يحاول الكلام ثانية، قاطعه مبشر إيطالي قائلًا: إن ما نطقت به لضلال وأيُّ ضلال! إنك لتنسب الظلم إلى جلالته تعالى، فهو لا يستطيع أن يحب أمتكم أكثر من حبه سائر البشر، ولئن خص اليهود بحب في سالف الأيام، فلقد مضى على ذلك الزمن أكثر من تسعة عشر قرنًا؛ إذ أغضبوه وحملوه على محو أمتهم وتشتيتهم، حتى إنك لا تجدهم إلا بقية مبعثرة هنا وهناك، وليس لدينهم تأثير فلا يعتنقه أحد. إن الله لا يفضل أمة على أمة، بل ينادي الجميع أن ينضمُّوا إلى صدر الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وهي وحدها كفيلة الخلاص.

واتفق أنه كان بين المستمعين قسٌّ بروتستنتي، فاصفرَّ وجهه، وتطلع إلى المبشر الكاثوليكي وطفق يتكلم: عجبًا لك! أفتزعمُ أنه لا خلاص بغير اعتناق دينك، وأن الخلاص نصيب الذين يخدمون الله متمشين على سنة الإنجيل في نصه وفي روحه؟

وكان إلى جانب المتحادثين رجلٌ تركي يشغل وظيفة في جمرك سورَاط لم ينقطع طيلة الحديث عن تدخين غليونه، ولكنه حين سمع تتمةَ الحوار التفتَ إلى المسيحيين معًا وخاطبهما بلهجة الغطرسة: يا بُطل ما تؤمنون بتلك الديانة الرومانية التي حلَّ الدين الحقيقي — دين محمد — محلها منذ أكثر من ألف ومائتي سنة. وهل في وسعكم أن تنكروا انتشار الدين الحنيف في أوروبا وآسيا وتجاوزه الأقطار إلى بلاد الصين المتنورة؟ لقد قلتم لهنيهة خلت: إن الله قد نبذ اليهود واستشهدتم على ذلك بذلِّهم ومسكنتهم، وبأن الناس يعرضون عن مذهبهم فلا يعتنقه منهم أحد فأقرُّوا إذن بحقِّ الإسلام؛ إذ إنه خفَّاق اللواء في مشارق الأرض ومغاربها. حَذارِ حذارِ، فلن ينجو من عذاب الله إلا المؤمنون برسالة خاتم الأنبياء وصفوة المرسلين، ولن يخلص من هؤلاء إلا أتباع سيدنا عمر لا أشياع علي، فإن هؤلاء قد نشزوا عن الدين القويم.»

وحاول اللاهوتي الفارسي — وهو من شيعة علي — أن يحتجَّ على هذا الكلام، ولكن ارتفعت إذ ذاك ضوضاء ملأت المكان؛ فقد كان أولئك الأغراب ينتمون إلى مختلف العقائد والمذاهب؛ فكان بينهم مسيحيون من بلاد الحبش، ولاميون من تيبيت، وإسماعيليون، وأناس من عبدة النار؛ فاشتركوا جميعًا في اللغط والمماحكة في طبيعة الله وكيفية عبادته، وأصرَّ كلٌّ على أن بلاده انفردت بعبادة الله الحقيقي عبادة صحيحة، ولم يعتزل وطيس هذا الجدال إلا صيني من تلامذة كونفوشيوس انكمش في أقصى زاوية من القهوة وأخذ يشرب الشاي على مهل ويصغي إلى حديث الباقين من غير أن يفوه بكلمة، فلحظ التركي هذا الصامت، فخاطبه بلهجة الشاكي يختصم إلى قاضٍ وقال: إنك لتقوى على تثبيت الذي ذكرته يا أخي الصيني. لقد بقيت ساكتًا حتى الساعة، على أنك لو نطقت لما أيدت غير أقوالي؛ فإن التجار الذين يؤمُّون سوراط من بلادكم، فيأتون إليَّ في طلب المساعدة؛ يؤكدون لي أن قد تسربت إلى بلاد الصين ديانات كثيرة، غير أن أحبها إلى الصينيين هي الديانة الإسلامية؛ لذلك هم يعتنقونها عن طيبة خاطر. فهلا تثبتنَّ كلامي وتبسط لنا معتقدك في الله ورسوله؟

فالتفت إليه الحاضرون جميعًا وصاحوا به: «بلى، بلى، أسمعنا رأيك في هذا الأمر!»

فأغمض الصيني عينيه وفكر هنيهة، ثم عاد ففتحهما ثانية وسلَّ يديه من كميه الواسعين وطواهما على صدره، وأخذ يتكلم بصوت هادئ خافت يقول: يخيَّل إليَّ أيها السادة، أن لا شيء يمنع الناس من الاتفاق في الإيمان إلا عجبهم وكبرياؤهم. اسمحوا لي أن أضرب على هذا مثلًا بالقصة التالية: «غادرتُ الصين وقدمت إلى هذه البلاد على باخرة إنكليزية كانت قد طافت حول الأرض. وقد تحتَّم علينا أن ننزل إلى الشاطئ الشرقي من جزيرة سومطرا في طلب الماء العذب، فلما بلغنا البرَّ وكان الوقت ظُهرًا، نزل البعض منا يتفيئون أشجار جوز الهند، وكنا جماعة ننتمي إلى مختلف البلدان. ولم يطل مكوثنا حتى وافانا رجلٌ أعمى عرفنا عند بعدئذ أنه فقد بصره لطول تحديقه في الشمس يبغي أن يستكشف طبيعتها ويحاول أن يقبض على ضيائها، وأجهدَ نفسه فأطال نظره إلى الشمس؛ فلم يعُدْ عليه هذا الجهد إلا بأن أضرت أشعتها باصرتيه فأخمدت فيهما النور؛ يحدث نفسه حينئذ بقوله: ليس ضياء الشمس بسائلٍ، فلو كان سائلًا لسهل سكبه من إناء إلى إناء، ولاستطارته الريح كما تفعل بالماء، وما هو بنارٍ، فلو كان نارًا لأطفأها الماء، وليس ضياؤها بروح؛ لأنه يُنظر بالعين، وما هو بمادة؛ إذ يستحيل تحريكه، إذن فما دام ضياء الشمس ليس بسائل ولا نار ولا روح ولا مادة فهو إذن لاشيء!

تلك كانت حجته. أما استمراره على التحديق في الشمس والتفكر بأسرارها فقد سبَّب له فقد بصره وإدراكه. فلما أن عمِي جاء عماه مثبَتًا لاعتقاده بأن الشمس لا وجود لها!

وكان يرافق هذا الأعمى عبدٌ له، فلما أجلسَ سيده في ظل شجرة جوز الهند، راح فالتقط جوزة أخذ يعدها سراجًا لليله، فجعل من خيوطها فتيلة، وعصر من جوفها زيتًا غمس فيه الفتيلة. وإن العبد لجادٌّ في عمله، إذ بسيده يتنهَّد ويسأله: أفما كنتُ مصيبًا يا عبدي حين قلت لك: إن الشمس غير موجودة؟ أفلا ترى أي ظلام يحيق بنا؟ مع هذا يقول الناس: إن الشمس موجودة! لئن صح ما يزعمون، فما هي الشمس؟

فأجابه العبد: أنا لا أدري ما هي الشمس، وليس من شأني أن أتعرَّض لمثل هذا البحث، غير أنني أعرف ما هو الضياء؛ ها أنا ذا قد أعددت لك سراجًا أستعين به على قضاء أمورك في الليل، والوصول إلى أي شيء تطلبه في الكوخ.

ثم التقط قشرة جوزة وقال: «هذه شمسي.» وكان إزاءهما رجل أعرج يسير على عكازين، فضحك حين سمع هذا الكلام وقال: «يلوح لي أنك أعمى منذ ولدت، فأنت إذن لا تعرف ما هي الشمس، فاستمع إليَّ أخبرك: الشمس هي كرة نار ترتفع في الصباح من البحر وتنحدر كل عشيةٍ بين جبال جزيرتنا. ولقد شهدنا هذا كله — نحن سكان الجزيرة — ولو كان لك أن تتمتع بناظريك لتحققت صدق ما قصصت عليك.»

فعارضه صياد سمك كان يصغي إلى الحديث بقوله: ما أسهل أن يعرف الإنسان أنك لم تبارح جزيرتك قط! ولو لم يبتلك الله بالعرج فكنت قادرًا على أن تطوف مثلي في قارب صيد؛ لعرفت أن الشمس لا تغيب بين جبل جزيرتنا، بل ترتفع من الأوقيانوس كل صباح، وتغيب في البحر كل مساء. وإني أرى هذا المشهد كلَّ يوم، فهو إذن صحيح لا ريب فيه.

فقاطعه حينئذ رجل هندي كان بين الجماعة فقال: إنه ليدهشني أن ينطق رجل ذو بصيرة وروية بمثل هذا الهذيان. أفيعقل أن كرة نار تنغمس في المياه من غير أن تنطفئ؟ ليست الشمس بكرة نار ولكنها إله اسمه «ديفا Deva»، يعتلي عربة ويطوف الدهر كله حول «مارو Meru» الجبل الذهبي، وقد تهيج الحيَّتان الشريرتان «راغو Ragu» و«غاتو Ketu» فتبتلعانهما فيعم الأرض ظلام ويسرع كهنتنا إلى نجدة الشمس، فيضرعون إلى الآلهة أن يطلقوا سراحها، فيُستجاب دعاؤهم ويحل عقال الشمس. وليس في الدنيا من يزعم أن الشمس لا تشرق إلا في بلاده غير أمثالك من الذين ضرب الجهل على عقولهم، وقُضي عليهم أن لا يفارقوا جزيرتهم.»
وجاء دور ربان سفينة مصرية فقال: أخطأتَ يا صاح، فليست الشمس إلهًا ولا هي اختصت الهند بالتطواف حولها وحول الجبل الذهبي، إني جوَّاب آفاق، طوَّاف بحار، فلطالما دغدغت الرياح شراع سفينتي في البحر الأسود وحيال شواطئ بلاد العرب، ولطالما زرتُ الفيلبين ومدغسكر. ولقد علمتني أسفاري أن الشمس لا تنير الهند وحدها، بل تضيء على الأرض جميعًا، ولا هي تطوف حول جبل واحد، بل ترتفع في الشرق البعيد فيما وراء جزر اليابان وتغيب بعيدًا بعيدًا وراء أقصى جزر بلاد الإنكليز. فمن أجل هذا أطلق اليابانيون على بلادهم اسم «نيبون Nippon»؛ أي «مولد الشمس». أنا واثق مما أقول؛ فلقد سحْتُ كثيرًا وسمعت كثيرًا من جدٍّ لي بلغ في تجواله أقصى زوايا البحر.

وأراد الربان المصري أن يستمر في الشرح، ولكن إنكليزيًّا من بحارة سفينتنا قاطعه الحديث فقال: ما من أناس يجيدون معرفة حركة الشمس إجادة سكان بلاد الإنكليز. إن كل إنكليزي يعرف حق المعرفة أن الشمس لا تشرق ولا تغيب، ولكنها تظل دائرة أبدًا حول الأرض، وليس أدل على هذا من أننا طفنا العالم بأسره، فلم نصطدم بالشمس، بل كنا أنَّى ذهبنا نجد أنها تظهر في الصباح وتستتر في العشية.

ثم أخذ بيده قضيبًا ورسم على الرمل دوائر، وحاول أن يشرح دوران الشمس حول الأرض، فأعياه ذلك، ولمح في تلك اللحظة ربان السفينة الإنكليزي، فأشار إليه وقال: هذا الربان أعرَفُ مني بحقيقة الأمر، فسيتولى عني إيضاح ما غمض عليكم.

وكان الربان رجلًا فطنًا، وقد لبث صامتًا طيلة الحديث، فلما توجهت إليه الأنظار وسأله رفاقه أن يتكلم قال: إن كلًّا منكم يخدع نفسه ويضلل رفيقه؛ فإن الشمس لا تدور حول الأرض، بل إن الأرض هي التي تدور حول الشمس وحول نفسها أيضًا، فلا يمضي على هذه أربع وعشرون ساعة حتى تواجه الشمس في اليابان والفيلبين وسومطرا وفي أفريقيا وأوروبا وأميركا وفي بلدان غيرها كثيرة. فأنتم ترون أن الشمس لا تقتصر منفعتها على جبل أو جزيرة أو بحر، حتى ولا على أرض وحدها، بل هي تشرك في الضياء سيارات كثيرة غير أرضنا هذه. ولو رفعتم بأنظاركم إلى السماوات العُلا، بدلًا من أن تخفضوها إلى ما تحت أقدامكم، لوضح لكم أن الشمس لا تشرق من أجلكم وأجل بلادكم فقط …»

تلك كانت أقوال الربان الحكيم التي اكتسبها من طول تحديقه في السماوات ومن تجواله في بحار العالم.

•••

فلما فرغ الصيني من سرد قصته قال: ما أشبه هذا المثل بالأمر الذي اختلفتم عليه، فإن الخيلاء التي حملت كلًّا من ربان السفينة في سومطرا على أن يدَّعي ملك الشمس، واقتصار منفعتها على بلاده، هي التي تحملكم على ادِّعاء ملك الله، واقتصار منفعته عليكم أو على أهل مذهبكم. يا شَدَّ ما يفرق العجب بين الرجل والرجل! أفليست كل أمة تبتغي أن تحبس في هياكلها ذاك الذي يقصر العالم بأسره عن أن يسعه؟ وما هو الهيكل — مهما عظم — إذا قِيس بالعظيم الذي ابتناه الله؛ لكيما يضم فيه الناس أجمعين إلى معتقد واحد وديانة واحدة؟

إن الناس ابتنوا هياكلهم على مثال الله العظيم، فجعلوا لكل هيكل أجرانًا، وسقفًا مقببًا ومصابيح وصورًا وتماثيل ونقوشًا وكتاب شرائع وتقدمات ومذابح وكهنة … ولكن قولوا لي: أي هيكل حوى جرنًا كالأوقيانوس، وسقفًا مقببًا كالسماوات، ومصابيح كالشمس والقمر والنجوم؟ وأي رسوم تماثل الرجال الأحياء المتحابين المتعاونين؟

أي آثار هي أظهر من آثار هذه البركات التي أغدقها الله على الإنسان لسعادته وهناءته؟ وأي كتاب شرائع هو أوضح معاني من الكتاب الذي خط في قالب الإنسان؟ وأي ذبائح توازي التضحية التي يقوم بها رجال هذا العالم ونساؤه؛ إذ يكونون متحابين؟ وأي مذبح شَرُف حتى ضارع قلب الرجل الصالح؟

كلما سما نظر الإنسان في خالقه، ازداد معرفةً له، وكلما ازدادت معرفته لله، ازداد اقترابه منه وتحدِّيه إياه في صلاحه ورحمته وحبه للإنسان. فخليق بالرجل الذي يرى شعاع الشمس يملأ العالم أن يترفَّع عن تأنيب ذاك الذي لا يرى من الشمس إلا خيطًا واحدًا من خيوط نورها، وأن يتنكَّب عن احتقار غير المؤمن الذي عَمِيَ فلم يَعُدْ يستطيع أن يرى الشمس أصلًا …

•••

تلك كانت أقوال الصيني تلميذ كونفوشيوس، وقد أصغى إليها من في القهوة معجبين، فلما فرغ منها بقي القوم صامتين وكفُّوا عن التباهي بعقائدهم والتفاضل بأديانهم.١
١  نُشرت في الجزء السادس من مجلة «الكلية»، نيسان ١٩٢٥م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤