ازدهار الشعر السياسي

(١) الأحزاب وشعراؤهم

تكلمنا على الشعر السياسي في الصدر الأول، وذكرنا الأسباب التي ساعدت على نشوئه وجعله فنًّا مستقلًا بنفسه، غير أن هذا الفن لم يتم ازدهاره إلا في الصدر الثاني؛ لأن الشعر الذي قيل في حياة النبي كان فاتحة لهذا الفن في صورته التامة، ولما قُبض الرسول أصاب الشعر السياسي شيء من الفتور كما أصاب غيره من الفنون الشعرية، فانصرف العرب إلى القرآن والجهاد، وكادوا يتناسون عصبيتهم الجاهلية، وما كان بين قبائلهم من منافرات ومخاصمات. على أن مقتل عثمان بن عفان أيقظ الفتنة من مضجعها، فاعصوصب الشر، وتفرقت الجماعة شيعًا وأحزابًا، وجرت الدماء أنهارًا بين عليٍّ وخصوم عليٍّ. ثم استقر الأمر في بني أُمية على كره من أعدائهم، فقبضوا على ناصية الملك بيد من حديد، وشددوا النكير على مناوئيهم، فأصلوهم حربًا عوانًا، فقاتلوا الشيعيين، وقاتلوا الخوارج، وقاتلوا الزبيريين حتى وطدوا دعائم دولتهم بشفار السيوف.

ولا نستطيع أن نتفهم حقيقة الشعر السياسي في هذا العصر ما لم نُلم بتاريخ الأحزاب السياسية في الإسلام، ونعلم الأسباب التي أدت إلى نشوئها وتنظيمها، وإنه ليحسن بنا أن نعود قليلًا إلى الصدر الأول، ونستعيد صور الحياة العربية بعد وفاة محمد، وقول الأنصار للقرشيين: «منا أمير ومنكم أمير.» فالأنصار يرون أن لهم الحق في الخلافة كما لقريش، فهم الذين جردوا سيوفهم على رءوس المشركين، وآووا النبي وأصحابه المهاجرين، وجعلوا ديارهم موطنًا للأهوال في سبيل الإسلام ونصرة المسلمين، ولكن القرشيين أبوا عليهم هذا الحق، واستأثروا بالخلافة دونهم لأن النبي منهم. ثم أراد الأنصار أن تحصر الخلافة في بني هاشم لأنهم أهل النبي الأدنون، ودعوا إلى مبايعة علي بن أبي طالب، فأبت قريش ذلك وأخفق الأنصار في دعوتهم، فنبه هذا الاستئثار روحًا عصبيًّا جديدًا بين القرشيين والأنصار،١ أو بين المضرية واليمانية، أو بين العدنانية والقحطانية.
على أن هذه العصبية بقيت ضعيفة حتى قُتل عثمان وطولب علي بدمه، فشدت الأنصار ساعد بني هاشم، وحازبوهم على قريش كما حازبوا النبي من قبل، ولم تكن الحروب التي قامت بينهم إلا نزاعًا عنيفًا بين المضرية واليمانية. ثم نشأ حزب الشيعة في العراق٢ وأكثره يماني، ومنه الأنصار، ورأيه أن تكون الخلافة في بني هاشم بل في أبناء علي أسباط الرسول وأبناء عمه، ونشأ حزب الخوارج في الجزيرة، وقد أتينا على سبب نشوئه في لمحتنا التاريخية، ورأيه أن تكون الخلافة شورى بين المسلمين، غير محصورة في قبيلة دون أُخرى، وكان يرمي سائر الأحزاب بالكفر والمروق من الدين.
وانشقت قريش ثانية على نفسها، فقام آل الزبير في مكة ينكرون على بني أُمية جعلهم الخلافة وراثة فيما بينهم دون سواهم من القرشيين، فنشأ الحزب الزبيري، وعلى رأسه عبد الله بن الزبير، يجاهد الأمويين ويطالب بالخلافة، فبايعه بها أهل الحجاز في خلافة يزيد بن معاوية،٣ ثم بايعه أهل العراق واليمن ومصر. أما دمشق فثبتت على ولاء الأمويين، فبايعت معاوية بعد موت أبيه يزيد، ثم بايعت مروان بن الحكم٤ فقاتل الزبيريين وفتح مصر. ثم بايعت عبد الملك بن مروان٥ فافتتح العراق بعد مقتل مُصعب بن الزبير أخي عبد الله، وأرسل الحجاج بن يوسف في جيش عظيم إلى الحجاز، فكانت بينه وبين أصحاب ابن الزبير وقائع كثيرة، وحاصر الحجاج مكة سبعة أشهر ورماها بالمنِجنيق،٦ فظلَّ عبد الله بن الزبير يقاتل حتى قُتل في سنة ٦٩٢م/٧٣ﻫ بعد خلافة تسع سنوات، وبموته صار الأمر لعبد الملك بن مروان فبايعه أهل الحجاز واليمن وامَّحى حزب الزبيريين.

فهذه الأحزاب الثلاثة كانت تناوئ الحزب الأموي، والأمويون يناوئونها جميعًا، مدعين أنهم أحق بالخلافة من غيرهم؛ لأن الخليفة عثمان بن عفان الأموي قُتل ظلمًا ولم يؤخذ بثأره، فحق لهم المطالبة بدمه، والاستيلاء على الملك من بعده.

ولم يقتصر خصام هذه الأحزاب على الغزو والقتل، بل أخذ منه الشعر قسطًا كبيرًا، فكان لكل حزب شعراء يدافعون عنه ويؤيدون آراءه ويشتمون خصومه، فِعلَ الشعراء المخضرمين في الصدر الأول للإسلام.

وكان شعراء بني أُمية أكثر عددًا وأبعد صوتًا؛ لأن الخلفاء الأمويين بسطوا لهم الأكُف وأسبغوا عليهم النعم، وساعدهم على البذل ما في بيت المال من فَيءٍ٧ وفرٍ، فأقبلت عليهم طوائف الشعراء تمدحهم، وتؤيد حقهم بالخلافة غير هيَّابة جانب خصومهم، وأما شعراء المعارضة فكانت أصواتهم تقوى بقوة أحزابهم، وتضعف بضعفها، فعبَيد الله بن قيس الرُّقَيَّات القرشي كان زُبيريًّا يكره الأمويين ويهجوهم، فلما قُتل مصعب بن الزبير وأخوه عبد الله، انحاز إلى عبد الملك بن مروان فمدحه خائفًا، فأمنه على حياته. والفرزدق كان يتشيَّع لعلي وأبناء علي، ولكنه لم يستنكف من مدح خلفاء بني أُمية وعمالهم رهبة منهم، أو رغبة في نوالهم، وكذلك فعل الكميت لما أمر هشام بن عبد الملك بقطع لسانه من أجل قصيدة رثى بها زيد بن علي،٨ والنعمان بن بشير كان أنصاريًّا من الخزرج، ولكنه ساير معاوية، فشهد معه واقعة صفِّين، وقد اجتذبه معاوية بسخائه ودهائهِ، ولما أفضت الخلافة إلى مروان بن الحكم كان النعمان على حمص فدعا أهلها إلى مبايعة عبد الله بن الزبير فلم يجيبوه، فهرب منهم، فتبعوه وأدركوه وقتلوه.

والنعمان على مسايرته معاوية وآله كان شديد التعصب للأنصار، ولما دفع يزيد بن معاوية الأخطل لهجاء الأنصار فهجاهم بقوله:

ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ بالمَكارِمِ كُلِّها
واللُّؤمُ تحتَ عَمائِمِ الأنْصَارِ

دخل النعمان على معاوية غضبان، وأنشأ قصيدته التي يقول فيها:

مُعاوِيَ إلا تُعْطِنا الحَقَّ، تَعْترِفْ
لِحى الأزدِ مَشدودًا عليها العَمائِمُ
ثم حسر عمامته وقال: «يا أمير المؤمنين، أترى لؤمًا؟» قال: «لا، بل أرى كرمًا وخِيرًا،٩ فماذا؟» قال: «زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائم الأنصار.» قال: «أوَفعل ذلك؟» قال: «نعم.» قال: «لك لسانه.» فاستجار الأخطل بيزيد، فمنعه منه، وأرضى النعمان حتى كفَّ عنه.

ولعل من الخير أن نعرض لقصيدة النعمان بن بشير في الدفاع عن الأنصار؛ فإنها مظهر قوي لاستيقاظ العصبية في الإسلام، واشتداد الخصومة بين المضرية واليمانية، ثم ننتقل إلى درس الأخطل شاعر بني أمية الأكبر، فدرس الفرزدق وجرير، وما كان بين الثلاثة من هجاء مقذع؛ فإن الهجو في هذا العصر لم يكن مقصورًا على سياسة الأحزاب، بل تعداها إلى أغراض خاصة بالشعراء، منها ما يتصل بالعصبية القومية والمفاخرة بالآباء والجدود، ومنها ما يقصد منه إظهار قوة الشاعرية وبراعة الشاعر في هجو خصمه وإذلاله.

(٢) قصيدة النعمان

يستهلُّ النعمان قصيدته متوعدًا معاوية، ذاكرًا هجاء الأخطل للأنصار، ولكنه لا يعنى بالردِّ على شاعر تغلب، بل يجعل همته في تهديد الخليفة الأموي، ثم يفتخر عليه ويذكِّره يوم بدر وما فعلت الأنصار بقريش، ثم يختم ضاربًا على الوتر الحسَّاس الذي يُرجف وقعُه قلب السياسة الأموية، وهو مصير الخلافة إلى بني هاشم؛ لأنهم أحق بها وأولى.

فقصيدة النعمان بن بشير تظهر لنا سياسة الأنصار، ورأيهم في الخلافة، وسخطهم على الأمويين بعد أن استأثروا بها، وتظهر لنا خصوصًا سياسة النعمان في مصانعته معاوية وأبناء معاوية، وهي بما فيها من وعيد وتعيير وفخر وإنذار، تمثل ألم الأنصار لإخفاقهم في الحياة السياسية بعد أن استبدت قريش بالخلافة والسلطان، فهم ساخطون عليها لا يستثنون إلا بني هاشم آل البيت. بيد أنهم يؤثرون من الهاشميين أبناء علي، ويرونهم أحق من غيرهم بالخلافة؛ لأنهم أسباط الرسول وأبناء عمه. والنعمان بن بشير على مسايرته الأمويين، لم يشذ عن الأنصار في سياسته، بل كان يرى رأيهم، ولكنه يصانع معاوية رغبة في نواله:

أُصانِعُ فيها عَبْدَ شَمْسٍ، وإنِّني
لتِلكَ التي في النَّفسِ منِّي أُكاتم

ولا بد أن تُدهشك جرأة الشاعر على الخليفة، ومخاطبته إياه بتلك اللهجة الشديدة التي لا تليق بالملوك، ولا يسلم من يخاطبهم بها مهما عظم خطره. أجل، إن جرأة النعمان عجيبة غير مألوفة، ولكن أعجب منها حلم معاوية وأناته، بل سياسته ودهاؤه، فهو يعلم أن مُلكه قائم على كره من الأنصار وغير الأنصار، ولا يستطيع تأييده إلا بالحكمة والحلم وحسن تصريف الأمور. فبهذه الصفات السامية تمكن معاوية من تأسيس عرش بني أُمية وتوطيده.

فأما وقد عرفنا الآن شيئًا من الشعر السياسي الذي كان يناوئ به بني أمية خصومهم، فلننتقل إلى درس الشعر الذي كان يؤيد سياسة الأمويين ويرد على أعدائهم، إلى درس شعر الأخطل شاعر بني أُمية.

(٣) الأخطل١٠ (٧١٠م/٩٢ﻫ ؟)

(٣-١) حياته

هو غِياث بن غَوثِ بن الصَّلتِ التغلبي من أهل الحيرة، ويُلقب بالأخطل لخبث لسانه، وبذي الصليب لأنه كان نصرانيًّا يعلق صليبًا على صدره، وبدَوْبل١١ لأن أمه كانت ترقصه به في صغره، ويُكنى أبا مالك، ومالك أكبر بنيه.

نشأ الأخطل في قبيلة عزيزة الجانب شديدة البأس، حافل تاريخها بالمفاخر الكثيرة حتى قيل: «لو تأخر الإسلام لأكلت بنو تغلب الناس.» وكانت تدين بالنصرانية؛ فلما ظهر الإسلام وانتحله العرب، أبت تغلب أن تنزل عن دينها، ورضيت بالجزية تدفعها، فأقرَّها عمر بن الخطاب على نصرانيتها، وكانت منازلها في الجزيرة والعراق، فترعرع الأخطل مَزْهوًّا بمناقب قومه، حافظًا أخبارهم وأيامهم، يُعِد منها ذخائرَ وأُهبًا لشاعريته التي بدأت تظهر منذ نعومه أظفاره.

ويحدِّثنا الرواة أنه هجا امرأة أبيه طفلًا، وكانت تضيق عليه، وتؤثر بنيها باللبن والتمر والزبيب، وتبعثه يرعى أعنزًا، فلحظ ذات يوم شَكْوَة١٢ فيها لبن، وجرابًا فيه تمر وزبيب، وكان جائعًا، فقال: «يا أُماه، آل فلان يزورونك ويقضون حقك وأنت لا تأتينهم وعندهم عليل، فلو أتيتهم لكان أجمل وأولى بك.» قالت: «جُزيت خيرًا يا بُني، لقد نبهت على مكرُمة.» وقامت فلبست ثيابها ومضت إليهم، فمضى الأخطل إلى الشكوة فشرب ما فيها، وإلى الجراب فأكل التمر والزبيب. فلما رجعت ورأت الشكوة والإناء فارغين، علمت أنه قد دهاها فعمدت إلى خشبة لتضربه بها فهرب، وقال:
ألَمَّ على عِنَبَاتِ العَجوزِ
وشَكْوَتِها، من غِياثٍ، لَمَمْ١٣
فظَلَّتْ تُنادي: ألا وَيْلَها!
وتَلعَنُ، واللَّعْنُ منها أمَمْ١٤
وكان لتغلب شاعرِ معروف يقال له كعْب بن جُعَيل، فتعرض الأخطل لهجائه وهو حَدَث ما برح مقرزِمًا،١٥ فضربه أبوه وقال له: «أبقرْزَمتِك تريد أن تقاوم ابن جُعَيل!» ثم لجَّ الهجاء بينهما فأخمل الأخطلُ كعبًا، وصار شاعر تغلب غيرَ مُدافَع.
ولكن ريحه لم يبدأ هبوبها إلا في عهد معاوية، وكان العداءُ قد اشتد بين الأنصار والقرشيين، وكثر الهجاء والتفاحش بين شعرائهم، ولا سيما بين عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، حتى أمر معاوية بأن يُجلد كل واحد منهما مئة سوط. ثم كان من أمر عبد الرحمن بن حسان أن شبَّب برَمْلَة بنت معاوية، فبلغ ذلك أخاها يزيد فغضب فدخل على أبيه فقال: «يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن هذا العلج١٦ من أهل يثرب يتهكَّم بأعراضنا ويشبب بنسائنا!» قال: «ومن هو؟» قال: «عبد الرحمن بن حسان.» وأنشده ما قال، فقال: «يا يزيد، ليست العقوبة من أحد أقبح منها من ذوي القدرة، ولكن أمهل حتى يقدم وفد الأنصار ثم ذكِّرني.» فلما قدموا ذكَّره به، فلما دخلوا عليه قال: «يا عبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تشبب برملة بنت أمير المؤمنين؟» قال: «بلى، ولو علمت أن أحدًا أُشرِّف به شعري أشرف منها لذكرته.» قال: «وأين أنت عن أختها هند!» قال: «وإن لها لأختًا؟» قال: «نعم.» وإنما أراد معاوية أن يشبب بهما جميعًا فيكذب نفسه. فلم يُرضِ يزيد ما كان من أبيه، فأرسل إلى كعب بن جُعَيل بأن يهجوَ الأنصار، فاعتذر خوفًا ودلَّه على الأخطل، ولعل كعبًا أراد أن يُلقي خصمه في تهلكة لما ناله من شر لسانه، فنفعه من حيث لا يريد. فدعا يزيد الأخطل وقال له: «اهج الأنصار.» فقال: «أفرقُ من أمير المؤمنين.» فقال: «لا تخف شيئًا، أنا لك بذلك.» فهجاهم، وكان ما كان من أمره مع النعمان بن بشير وانتصار يزيد له، فانقطع إليه يمدحه وليًّا للعهد وخليفةً؛ ثم مدح الخلفاء بعده، وجاهد حزب الزبيريين خصومهم، ودافع عن مصالح قبيلته في حروب قيس وتغلب فارتفع قدره ونبه ذكره.

(٣-٢) حرب قيس وتغلب

ولا نستطيع أن نتفهم شعر الأخطل السياسي ما لم نُلم بأخبار الحروب التي وقعت بين قيس وتغلب في أيام الأمويين؛ لأن لها صلةً متينة بمصير الخلافة وانخذال الزبيري. وقيس هذه قبائل مضرية جاءت في الإسلام إلى الجزيرة وما يليها فزاحمت التغلبيين، وهم من ربيعة، في عقر دارهم، وزاحمت معهم بعض قبائل يمانية كانت تناصر الأمويين.١٧
فلما هلك معاوية وبايع الناس يزيد ابنه أبت القيسية مبايعته وقالوا: «والله لا نبايع ابن الكلبية.» فوقعت الحرب بين أمية وقيس، فكانت تغلب وكلب في نحور القيسية مع أبناء أبي سفيان، ولما صارت الخلافة إلى مروان بن الحكم بايعت قيس عبد الله بن الزبير فخرجت إليهم أمية وأفناء اليمن١٨ فالتقوا بمرج راهط على مقربة من دمشق فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزمت القيسية وقُتل رئيسها الضَّحاك بن قيس الفِهري، وقُتل منها تسعة آلاف، ومن اليمن ألف وثلثمئة، وفي أيام عبد الملك بن مروان عادت الغارات بين اليمنية والقيسية فاقتتلوا مدة. ثم وقعت الحرب بين قيس وتغلب لما كان بينهما من التنافس والشحناء، فاتفقت أُمية وتغلب وأفناء اليمن على استئصال هذا الحي من مضر، حتى تم النصر لعبد الملك بن مروان في العراق وقتل مصعب بن الزبير.

(٣-٣) تمسك الأخطل بدينه

وكان الأخطل، على حظوته عند الخلفاء المسلمين واشتماله بنعمهم، شديد التمسك بنصرانيته، كثير التوقير للقسيسين وإن يكن — كما ذكر الأب لامنس — رقيق الدين، متهافت العقيدة شأن أهل البادية. حدث إسحاق بن عبد الله من بني عبد المطلب، قال: «قدمت الشام وأنا شاب مع أبي فكنت أطوف في كنائسها ومساجدها، فدخلت كنيسة دمشق، وإذا الأخطل فيها محبوس، فجعلت أنظر إليه، فسأل عني فأُخبر بنسبي، فقال: «يا فتى، إنك لرجل شريف وإني أسألك حاجة.» فقلت: «حاجتك مقضية.» قال: «إن القس حبسني ههنا فتكلمه ليخلي عني.» فأتيت القس فانتسبت له فرحَّب وعظَّم، فقلت: «إن لي إليك حاجة.» قال: «ما حاجتك؟» قلت: «الأخطل تخلي عنه.» قال: «أعيذك بالله من هذا! مثلك لا يتكلم فيه، فاسقٌ يشتم أعراض الناس ويهجوهم.» فلم أزل أطلب إليه حتى مضى معي متكئًا على عصاه، فوقف عليه ورفع عصاه، وقال: «يا عدو الله، أتعود تشتم الناس وتهجوهم وتقذف أعراض المحصنات؟» وهو يقول: «لستُ بعائد ولا أفعل.» ويستخذي١٩ له. فقلت: «يا أبا مالك، الناس يهابونك، والخليفة يكرمك، وقدرك في الناس قدرك، وأنت تخضع لهذا هذا الخضوع وتستخذي له …!» فجعل يقول لي: «إنه الدين إنه الدين!»
وأخبر أبو عبد الملك قال: «رأيت الأخطل بالجزيرة وقد شُكِيَ إلى القس، وقد أخذ بلحيته وضربه بعصاه وهو يَصئي٢٠ كما يصئي الفرخ، فقلت له: «أين هذا مما كنت فيه بالكوفة؟» فقال: «يا ابن أخي، إذا جاء الدين ذللنا.»

وقيل: كانت امرأته حاملًا، فمرَّ بها الأسقف يومًا، فقال لها: «الحقيه فتمسحي به.»

ومر بالكوفة في بني رؤاس ومؤذنهم ينادي بالصلاة، فقال له بعض فتيانهم: «ألا تدخل أبا مالك فتصلي؟» فقال:

أُصَلِّي حيْثُ تُدرِكُني صَلاتي
وليسَ البِر عنْدَ بَني رؤاس

وسمع هشامُ بن عبد الملك الأخطلَ يقول:

وإذا افتَقَرْتَ إلى الذخائِرِ، لم تَجِدْ
ذُخْرًا يكونُ كصالِحِ الأعمالِ
فقال: «هنيئًا لك، أبا مالك، هذا الإسلام!» فقال له: «ما زلت مسلمًا في ديني.»٢١

وعرض عليه عبد الملك الإسلام مرارًا، فكان يتخلص في جوابه إلى الهزل فِعْلَ من لا يريد أن يسيء إلى رجل أحسن إليه وآثره على جميع الشعراء المسلمين، ومن ذلك ما روي أن عبد الملك قال له يومًا: «لمَ لا تُسْلِم يا أخطل؟» قال: «إن أنتَ أحللتَ لي الخمر ووضعت عني صوم رمضان أسلمت.» فقال له عبد الملك: «إن أنتَ أسلمتَ ثم قصرت في شيء من الإسلام ضربتُ الذي فيه عنقك.» وقال له مرة: «ألا تُسلم فنفرض لك ألفين في عطائك، وتوصل بعشرة آلاف درهم؟» قال: «فكيف بالخمر؟» قال: «وما تصنع بها وإن أولها لَمُر وإن آخرها لَسُكْرٌ؟» قال: «أما أن قلت ذاك، فإن بينهما لمنزلة ما مُلكك فيها إلا كلعقةٍ من ماء الفرات بالإصبع.» فضحك عبد الملك.

(٣-٤) حبه الخمر

على أن الأخطل لم يكن كاذبًا في حبه الخمر، وإن قصد الهزل وحسن التخلص في جعله إياها حائلًا دون إسلامه، فقد أحبها كثيرًا وبالغ في شربها ووصفها بشعره، يوم كان الشعراء المسلمون في كثرتهم يعرضون عن ذكرها فَرَقًا من السلطان أو تورعًا من وصف شيء نهى عنه القرآن، وكان يرى أنها تنعش الفؤاد وتنطق الشعراء؛ وربما دعا غَيرَه إلى شربها لتجويد قريحته كما فعل بالمتوكل الليثي إذ سمع شعره فقال له: «ويحك يا متوكل، لو نَبَحَت الخمر في جوفك كنت أشعر الناس.»

وقد يستنشده الخليفة فما يطيق إنشادًا إلَّم يبرِّد حلقه بالراح. فقد روي أنه دخل يومًا على عبد الملك فاستنشده، فقال: «قد يبس حلقي فمر من يسقيني.» فقال: «اسقوه ماءً.» فقال: «هو شراب الحمار وهو عندنا كثير.» قال: «فاسقوه لبنًا.» قال: «عن اللبن قد فُطمت.» قال: «فاسقوه عسلًا.» قال: «شراب المريض.» قال: «فتريد ماذا؟» قال: «خمرًا يا أمير المؤمنين.» قال: «أوَعهدتني أسقي الخمر لا أم لك؛ لولا حُرمتك بنا لفعلتُ وفعلت.» فخرج فلقي فرَّاشًا لعبد الملك فقال: «ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني وقد صَحِل٢٢ صوتي، فاسقني شربة خمر.» فسقاه رطلًا، فقال: «اعدله بآخر.» فسقاه رطلًا آخر، فقال: «تركتهما يعتركان في بطني! فاسقني ثالثًا.» فسقاه، فقال: «تركتني أمشي على واحدة، اعدل ميلي برابع.» فسقاه رابعًا، فدخل على عبد الملك فأنشده رائيته الشهيرة: «خف القطين …»

وهذه الرواية على علاتها لا تقتصر على إظهار حب الأخطل للخمر بل تظهر لنا أيضًا دالته على عبد الملك بن مروان.

(٣-٥) حرمة الأخطل

ولا نعجب لدالة الشاعر النصراني على الخليفة المسلم حتى ليبلغُ به الأمر أن يستقيه الراح، فلقد كان الأخطل موفور الحرمة عند عبد الملك، مقربًا إليه دون سائر الشعراء، وكان يدخل عليه بغير إذن ولحيته تنفض خمرًا، والشعر هو الذي جعل للأخطل هذه الكرامة، فقد كان الخلفاء الأمويون مضطرين إلى اصطناع شعراء فحول يقاومون خصومهم، وكان الأخطل شاعرًا فحلًا يجيد مدح الملوك ويجيد الهجاء، فاصطنعه بنو أُمية ورموا به أعداءهم فسقط عليهم سقوط الداهية الدهياء، وأولع عبد الملك بشعره ولعًا عظيمًا فرفع قدره، ووالى نعمه عليه ولقبه بشاعر بني أُمية وشاعر أمير المؤمنين وأشعر العرب.

وقد بلغت الدالة بالأخطل أن يخاطب عبد الملك بقوله:

ولستُ بِصائِمٍ رمضانَ يَومًا
ولستُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي٢٣
ولستُ بِزَاجِرٍ عَنْسًا بُكورًا
إلى بَطْحَاءِ مَكَّةَ للنَّجاح٢٤
ولستُ بقائمٍ كالعَيرِ أدعو
قُبَيل الصُّبح: حي على الفلاح٢٥
ولكِنِّي سأشرَبُها شَمولًا
وأسجُدُ عندَ مُنبلَجِ الصَّباح٢٦

ثم بقوله:

إذا ما نَديمي عَلَّني، ثمّ عَلَّني
ثلاثَ زُجاجَاتٍ، لهنَّ هَديرُ٢٧
خرَجْتُ أجُرُّ الذَّيْلَ زَهوًا كأنَّني
عليكَ، أميرَ المؤمنينَ، أميرُ٢٨

ولم تكن دالته تقف عند هذا الحد؛ بل كانت تدفعه إلى التدخل في سياسة الخلافة من عقد صلح أو مجاهرة بعداء، فهو لا يقنع في شعره السياسي بالدفاع عن بني أُمية وهجو أعدائهم، ولكنه يطمح إلى أبعد من ذلك، إلى التأثير في مجرى السياسة الأموية، أي إلى الفائدة الأدبية مقرونة بالفائدة المادية، وربما سخَّر سياسة الخليفة لمصلحة قومه بني تغلب.

(٣-٦) الأخطل وزُفَر بن الحارث

وحسبك أن تعلم خبره مع زُفَر بن الحارث؛ لتتبين مبلغ دهائه السياسي، وتدخله في شئون الخليفة لمصلحة قبيلته، وزُفَر هذا رئيس القيسية، وكان قد أوقع بالتغلبيين في بعض الأيام، وتحزَّب لعبد الله بن الزبير على بني أُمية، ثم انقاد لهم بعد عصيانه، فقربه عبد الملك بغية استمالة قومه. فدخل ابن ذي الكلاع يومًا على الخليفة فرأى زفر معه على السرير فبكى، فقال له عبد الملك: «ما يبكيك؟» فقال: «يا أمير المؤمنين، وكيف لا أبكي وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك، ثم هو معك على السرير وأنا على الأرض!» قال: «إني لم أجلسه معي أن يكون أكرم علي منك، ولكن لسانه لساني وحديثه يعجبني.» فبلغت الأخطلَ وهو يشرب فقال: «أما والله لأقومن في ذلك مقامًا لم يقمه ابن ذي الكلاع!» ثم خرج حتى دخل على عبد الملك فلما ملأ عينه منه قال:

وكأسٍ مثلِ عين الديك صِرفٍ
تُنسي الشاربين لها العقولا٢٩
إذا شرب الفتى منها ثلاثًا
بغير الماء، حاول أن يطولا٣٠
مشى قرشيةً لا شك فيها
وأرخى من مآزره الفضولا٣١

فقال عبد الملك: «ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلا خطة في رأسك!» قال: «أجل والله يا أمير المؤمنين حين تُجلِس عدو الله هذا معك على السرير، وهو القائل بالأمس:

فقد ينبُتُ المرعى على دِمَن الثرى
وتبقى حزازاتُ الصدور كما هيا»٣٢

فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زُفَر فقلبه عن السرير، وقال: «أذهبَ الله حزازات تلك الصدور.» وكان زفر يقول: «ما أيقنتُ بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال.»

(٣-٧) تهاجي الأخطل وجرير

قال ابن سلام وغيره: لما بلغ الأخطل تهاجي جرير والفرزدق قال لابنه مالك: «انحدر إلى العراق حتى تسمع منهما وتأتيني بخبرهما.» فانحدر مالك حتى لقيهما وسمع منهما ثم أتى أباه، فقال له: «كيف وجدتهما؟» قال: «وجدت جريرًا يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر.» فقال الأخطل: «فجرير أشعرهما.» ثم قال:

إني قضيتُ قضاء غير ذي جنفٍ
لما سمعتُ ولما جاءني الخبرُ٣٣
أن الفرزدق قد شالت نعامَتُهُ
وعضَّه حيةٌ من قومه ذَكَرُ٣٤
ثم قدم الأخطل الكوفة على بِشر بن مروان، فبعث إليه قوم الفرزدق بدراهم وحملان وكسوة وخمر، وقالوا له: «لا تعِنْ على شاعرنا واهجُ هذا الكلب الذي يهجو بني دارم.»٣٥ فلما دخل الأخطل على بِشر سأله عن الفرزدق وجرير، فقال الأخطل: «أصلح الله الأمير، الفرزدق أشعر العرب.»

فرد عليه جرير بقوله:

يا ذا الغباوة إن بِشرًا قد قضى
أن لا تجوز حكومةُ النشوان

ثم استطار بينهما الهجاءُ واضطرمت نار العداوة، وأخبارهما كثيرة.

(٣-٨) موت الأخطل

وعُمِّر الأخطل حتى شاخ وتحطَّم، وكانت وفاته في خلافة الوليد بن عبد الملك، وله فيه عدة قصائد امتدحه بها، وزعم بعضهم أن الأخطل ظل مقربًا عند خلفاء بني أمية حتى ملك عمر بن عبد العزيز فأقصاه؛ ونقل هذه الرواية على علاتها بعض كتابنا المعاصرين.٣٦ دون أن ينتبهوا إلى تاريخ وفاة الشاعر وتاريخ خلافة عمر بن عبد العزيز.٣٧
وليس في ديوان الأخطل ما ينبئنا أنه أدرك عمر أو أدرك قبله سليمان بن عبد الملك،٣٨ ولو أدركهما لذكرهما في شعره كما ذكر غيرهما من الخلفاء الأمويين.

ورب معترض يقول إن الأخطل مدح عمر بن عبد العزيز بأبيات مثبتة في ديوانه، ونحن لا ننكر ذلك، ولكننا نعلم أنه لم يمدحه بها وهو خليفة، بل مدحه وهو أمير من أمراء بني أمية ومدح معه أخاه أبا بكر فخصه بالقسم الأوفر من أبياته، ولم يذكر عمر إلا في البيت الأخير حيث يقول:

فَرْعان ما منهما إلا أخو ثقةٍ
ما دام في الناس حيٌّ والفتى عمرُ

ومما يدلنا على أن الأخطل مات في خلافة الوليد ما رواه صاحب الأغاني من أن الوليد بن عبد الملك قال لجرير يومًا: «فما تقول في الأخطل؟» قال: «ما أخرج لسانُ ابن النصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات.»

(٣-٩) آثاره

ديوان كبير أكثره في المدح والهجاء ووصف الخمرة وشاربها، وهو من أصحاب المُلحَمات،٣٩ ومطلع مُلحَمته:
تغيَّر الرسمُ من سلمى بأحفار
وأفقرتْ من سليمى دمنةُ الدار٤٠
وجمع أبو تمام الشاعر العباسي «نقائض جرير والأخطل»٤١ وشرحها وصدَّرها بكلمة في حرب قيس وتغلب. والديوان والنقائض نشرهما في بيروت الأب صالحاني اليسوعي.

(٣-١٠) ميزته

كان الأئمة الأقدمون يشبهون الأخطل بالنابغة لصحة شعره، ولكننا نرى أن الصلة بين الشاعرين أقوى من ذلك، فكلاهما شاعر بلاط خص مدائحه بالملوك وحظي عندهم، وكلاهما أجاد المدح وتفنن في معانيه، بيد أن الأخطل كان يتوكأ أحيانًا على الشاعر الجاهلي، وتجد آثار هذا التوكؤ ظاهرة في مدحه وفي وصفه الثور الوحشي. فالأخطل يشبه النابغة بصحة شعره وبأشياء أخر — كما سترى — ولكنه ينفرد عنه بموقفه السياسي في المدح والهجاء. فالصفة السياسية هي الخاصة البارزة في الأخطل سواء كان مادحًا أو هاجيًا. فينبغي لنا أن ندرسه الآن شاعرًا سياسيًّا، ثم نلم بما بينه وبين النابغة من صلة، ونعرض لخاصته في وصف الخمر، فهو أشهر وصَّافيها في صدر الإسلام.

(٣-١١) شعره السياسي — المدح والهجاء

كان الأخطل يعلم أن الأمويين يهمهم أن يعرف لهم الناس حقهم بالخلافة، وكان يعلم أيضًا أنهم يستندون في تأييد هذا الحق إلى مقتل عثمان بن عفان زاعمين أنهم ورثته وأن لهم الحق بأن يطالبوا بدمه. فتراه إذا عرض للخلافة رمى إلى هذا الهدف، كقوله:

ويومَ صِفِّينَ، والأبصارُ خاشِعَةٌ،
أمَدَّهُمْ، إذ دعوا، مِن ربهم مَددُ٤٢
على الأولى قَتَلوا عُثمانَ مَظلِمَة
لم يَنهَهُم نَشَدٌ عنهُ وقد نُشِدوا٤٣
فَثمَّ قَرَّتْ عُيونُ الثَّائرينَ بهِ،
وأدركوا كلَّ تَبْلٍ عِندَهُ قَوَدُ٤٤
وأنتمُ أهْلُ بيْتٍ لا يُوازِنُهُمْ
بَيتٌ، إذا عُدتِ الأحسابُ والعَدَدُ٤٥

ويختمها مخاطبًا يزيد بن معاوية:

والمسلمون بخير ما بقيتَ لهم
وليسَ بَعدَكَ خيرٌ حينَ تُفْتَقَدُ

وإذا عرض لمدحهم وصفهم بأحسن ما توصف به الملوك، ثم انبرى إلى هجو القيسية أنصار الزبيريين وأعداء قبيلته فقذفهم بهجاء مقذع أليم، وهجا معهم أحلافهم بني كليب قوم جرير، ولعلَّ العداء السياسي هو الذي أثار الهجاء بين الشاعرين وجعله حامي الوطيس.

ويحسن بنا أن نعتمد في إظهار ميزة الأخطل على رائيته الشهيرة أولًا، ثم على غيرها من شعره. فإن الرائية تكاد تشتمل على أكثر خصائصه تفكيرًا وتعبيرًا، ومطلعها:

خَفَّ القطينُ فراحوا منكَ أو بَكَرُوا
وأْزْعجَتْهم نَوىً في صَرْفِها غِيَرُ٤٦

وهذه القصيدة من النقائض قالها في عبد الملك بن مروان بعد فتحه العراق وانتصاره على مصعب بن الزبير.

ولا يقصر مدحه على الخليفة بل يعنيه أن ترضى عنه أمية كلها، فإذا مدح أميرًا منها لا يغفل عن تخصيص جانب من مديحه بأسرته الأموية، وحُقَّ له أن يفعل ذلك وهو مقرب إليها جميعًا، واقف شعره للدفاع عنها، والإشادة بمكارمها، حتى إذا أرضى الخليفة وأرضاهم جميعًا يفرغ إلى نفسه وإلى قومه فيذكر ما لهم من الأيادي البيض على الأمويين، ويدس خلال ذلك رأيه السياسي لمصلحة قبيلته، فيحرِّض عبد الملك على إقصاء زُفر بن الحارث وترك الوثوق به.

فإذا تم له ما أراد من مدح وغرض سياسي يرمي إليه، انصرف إلى هجاء قيس عَيلان وأحلافهم الكليبيين قوم جرير، فيقذفهم بحميم من لواذع أقواله، وإذا أفحش لا يتورط في الخنى تورُّط جرير والفرزدق، بل يجعل همته في تعييرهم ووصف هزيمتهم، وما لقوا من مذلة وهوان. فيبدو لنا حينئذٍ مؤرِّخًا وسياسيًّا دقيق النظر يلقي الذنب على أعدائه الذين كفروا نعمة الخليفة فجازاهم بكفرهم، ونرى فيه مصوِّرًا بارعًا للحرب وللجيش عند الهزيمة والانكسار.

فبمثل هذا الهجاء المؤلم الممضِّ كان الأخطل يرمي أعداءه القيسيين، ويرمي جريرًا وقوم جرير فيجعلهم خشارة تميم بل خشارة مضر أجمعين، وينفِّر عليهم أبناء عمهم من دارم قبيلة الفرزدق:

مُلَطَّمونَ بأعْقارِ الحيِاضِ فما
يَنْفَكُّ مِنْ دارِميٍّ فيهِمُ أثرُ

وأشد الهجاء إقذاعًا عند العرب أن تُفضِّل قومًا على قوم ولا سيما إذا كانوا إخوانًا أو أبناء أعمام. فبنو نُمير لم يضعهم إلا قول جرير فيهم:

فغض الطرف إنك من نُمير
فلا كعبًا بلغت ولا كلابا

ونُمير وكعب وكلاب ثلاثة أبطن من عامر بن صعصعة، وقلما تخلو قصيدة للأخطل في جرير من مدح بني دارم وتفضيلهم على بني كليب بن يربوع:

أجَريرُ، إنَّك والذي تَسمو لَهُ
كأسِيفَةٍ فَخَرَتْ بِحَدجِ حَصانِ٤٧
فى دارِمٍ تاجُ المُلوكِ وصَهْرُها
أيَّامَ يَرْبُوعٍ معَ الرعْيانِ٤٨
وإذا وضعْتَ أباكَ في ميِزَانِهِمْ،
رَجَحوا، وشالَ أبوكَ في الميزانِ٤٩

وهو وإن مدح دارمًا وأطنب في ذكرهم، لا يغفل عن الافتخار بقومه بني تغلب وتعداد مآثرهم. فقد فاخر بهم وهو يمدح الخليفة، فأحرِ به أن يفاخر جريرًا عندما يريد هجو جرير:

إنّا نُعَجِّلُ بالعَبيطِ لِضَيفِنا
قَبلَ العِيالِ، ونقتُلُ الأبطالا٥٠
أبَني كُلَيْبٍ إنَّ عَمِّيَّ اللذا
قَتَلا المُلُوكَ، وفَكَّكا الأغْلالا٥١

(٣-١٢) صلته بالنابغة

فأما وقد عرفنا ما للشاعر السياسي من ميزة في المدح والهجاء وخصائص في التفكير والتعبير، فينبغي لنا أن نلتفت إلى تلك الصلة الوثيقة التي تربطه بالنابغة حتى جعلت الأدباء الأقدمين يشبهونه به، فليست هذه الصلة مقصورة على صحة شعره — كما ذكرنا — بل تتعداها إلى المعاني والتعابير، وقد تقع على بعض الأساليب فما تدري أشِعر النابغة تقرأ أم شعر الأخطل.

ونحن قبل أن نشرع في إظهار هذه الصلة نسلم أن شاعر أمية يمتاز في صحة شعره ورونق ألفاظه وتخير معانيه، كما امتاز في ذلك صاحبه النابغة؛ ولا بدع أن تظهر هذه الميزة على شعر الأخطل، فهو من الذين يتنخلون قوافيهم ويثقفون متونها، فقد حدثنا الرواة أنه كان يختار أجود ما ينظم، فإذا اجتمع له تسعون بيتًا انتخب منها ثلاثين؛ وأنه أقام سنة في مدحته: «خفَّ القطين …» ولكن هذه الصلة لا تكفي لتشبيهه بالنابغة؛ لأن صحة الشعر لا تجعل وجهًا حقيقيًّا للشبه، فعلينا أن نلتمس هذه الصلة في أسلوب الشاعر وفي ألفاظه ومعانيه.

وقد ذكرنا أن الأخطل يمتُّ إلى النابغة بصلة أدبية اجتماعية، فكلاهما مدح الملوك وحظي عندهم، ولعل هذه الصلة هي التي حملت الشاعر الإسلامي على النظر إلى صاحبه الجاهلي فأغار على بعض أساليبه في المدح ووصف الوحوش، مثال ذلك قوله:

وما الفُراتُ، إذا جاشتْ حوالِبهُ
في حافَتَيْهِ، وفي أوساطِهِ العُشَرُ٥٢
وزعزَعتهُ رياحُ الصَّيْفِ، واضطرَّبتْ
فوق الجآجئ من آذِيَّهِ، غُدُرُ٥٣
مُسحَنفِرٌ من جبِالِ الرُّوم يستُرُهُ
مِنها أكافيفُ، فيها دونهُ زَوَرُ٥٤
يومًا بأجوَدَ مِنْهُ، حينَ تَسألُهُ
ولا بأجْهَرَ مِنْهُ، حين يُجْتَهَرُ٥٥

ولا بد أنك تذكر هذه الصورة الشعرية في دالية النابغة التي اعتذر بها إلى النعمان؛ فالأسلوب واحد والألفاظ والمعاني متواطئة في أكثرها، وقد أُولع الأخطل بهذه الصورة فرددها غير مرة، فأنت تجدها في قصيدة أخرى إذ يقول:

كأنهُ مُزْبِدٌ رَيَّانُ، مُنْتَجَعٌ،
يَعلو الجزائرَ، في حافاتِهِ الزَّبَدُ٥٦
تَظَلُّ فيِهِ بناتَ الماءِ أنْجيِةً
وفي جَوَانِبِهِ الينَبوتُ والخَضَدُ٥٧

وتجدها أيضًا في قصائد أُخر لا نرى حاجة إلى ذكرها، ولا بدع أن يكثر الأخطل من هذه الصورة الاستطرادية في شعره، فإنها منطبعة على مخيلته، وهو وإن يكن واطأ فيها النابغة فتكراره لها يدل على تأثيرها في نفسه، وهذا التأثير لم يحدثه شعر النابغة وحده، بل شاركه فيه نشوء الشاعر في الجزيرة على شط الفرات يشاهد أمواجه المتلاطمة ويسمع زمزمتها وهديرها، ونحن نعتقد أن نشأة الشاعر لها اليد الطولى في إثبات هذه الصورة بمخيلته؛ ولذلك أكثر من إيرادها وتفنن فيها فأبرزها لنا بأشكال جميلة مختلفة، ولكنه لا يُعد مبتكرًا لها بل كان مقلدًا. وكذلك وصفه الثور الوحشي فإنه يذكرك النابغة، وتتمثل لك رائيته التي يعدُّها بعضهم من المعلقات؛ فقد جاراه في البحر والقافية وترسَّم أسلوبه ناسجًا على منواله، وواطأه في معانيه وألفاظه.

فحسبك أن تراجع وصف الثور في رائية النابغة حتى تعلم مبلغ تأثر الأخطل له، ولشاعر أُمية قصائد غير هذه يصف بها الثيران وهي في أكثرها متشابهة الأسلوب، على أنها جعلت صاحبها أشهر وُصَّافي الوحش في الإسلام.

(٣-١٣) وصف الخمر

كان الأخطل سكِّيرًا يدمن الشراب ولا يجد عنه صبرًا فلا عجب أن تفوح رائحة الخمر من شعره، كما فاحت قبله من شعر الأعشى، فيسمعنا في وصفها ما تنطق به نفسه النشوى، وما تنطق النفس إلا عن هوى. وقد عرفنا في درسنا الأعشى أن الأخطل أخذ عنه بعض معانيه في الخمر؛ ولكن الشاعر الإسلامي لم يقف في وصفها عند حد الشاعر الجاهلي بل تخطاه بعيدًا، وأدخل على الشعر الخمري شيئًا جديدًا لم نعهده في الجاهلية. فهو أول من تفنن في وصف السكران. وأحسن تصوير دبيب الخمر في الأجسام، وشبَّه زقاق الخمر برجال من السودان عراة، ولسنا ننكر أن الأعشى وصف السكارى وصوَّر حالتهم، غير أن الأخطل كان في ذلك أكثر فنًّا وإبداعًا، وإليك وصفه للسَّكران:

صَرِيعُ مُدامٍ يَرفَعُ الشَّرْبُ رأسَهُ،
لِيَحيا، وقد ماتَتْ، عِظامٌ ومَفصِلُ٥٨
نُهاديه أحيانًا، وحيِنًا نَجُرُّهُ
وما كادَ إلا بالحُشاشةِ يَعقِلُ٥٩
إذا رَفعوا عُضْوًا، تحامَلَ صَدرُهُ،
وآخرُ، ممَّا نالَ منها، مُخَبَّلُ٦٠

ثم يصف زقاق الخمر فيقول:

أناخُوا فجَرُّوا شاصِياتٍ، كأنَّها
رجالٌ من السودانِ، لم يتسَرْبَلُوا٦١

ويصف تعبُّد الشَّرب لها فيقول:

تَمُرُّ بها الأيدي سنيحًا وبارحًا،
وتُرْفَعُ باللَّهُمِّ حي، وتُنزَلُ٦٢

ويصف مجلس الشراب والمغني فيوجز ولا يتعدى ما يقوله فيهما الأعشى:

وتُوقَفُ أحيانًا، فيَفْصِلُ بَيننا
غِناءُ مُغَنٍ أو شِوَاءٌ مُرَعْبَلُ٦٣

ويصف فعلها في العظام فيرينا صورة رائعة لم يُسبق إليها:

تَدِبُّ دبيبًا في العِظامِ، كأنَّهُ
دبيبُ نِمالٍ في نَقًا يَتَهَيَّلُ٦٤

فما أبدع هذا التشبيه الذي يصور لنا تمشي الخمرة في المفاصل، وما أجدر لفظة الدبيب بتأدية هذا المعنى، ولا شك في أن أبا نواس نظر إلى هذا البيت حين يقول:

وتَمَشَّتْ في مَفاصِلِهِمْ
كتمَشي البُرْءِ في السَّقَمِ٦٥

ويشربها فلتذع لسانه فيخيل إليه أنه مصاب بالحمى فيقول:

وكأنَّ شارِبَها أصابَ لِسانَهُ
مِنْ داءِ خَيبَر، أو تِهامَة، مُومُ٦٦

وتهزه نشوتها فيناله منها زهو وخيلاء، فيقول:

خَرَجْتُ أجُرُّ الذَّيْلَ زهوًا كأنَّني،
عليكَ، أميرَ المؤمِنينَ، أمِيرُ

أو يقول:

مَشَى قُرَشِيَّةً لا شَكَّ فيها
وأرخى مِنْ مَآزِرِهِ الفُضُولا

وقصارى القول إن الأخطل أحبَّ الخمر كما أحبَّها الأعشى ووصفها مثله، ولكنه وصف شاربها وتأثيرها فيه بما لم يسبقه إليه شاعر قبله.

(٣-١٤) منزلته

عدَّه ابن سلام في الطبقة الأولى بين الشعراء الإسلاميين، وكان حمَّاد الراوية يفضله على جرير والفرزدق فإذا سُئل عنه قال: «ما تسألوني عن شاعر حبَّب شعره إلي النصرانية!» وسأل جريرًا ابنُه: «يا أبتِ أأنتَ أشعر أم الأخطل؟» فقال: «يا بني أدركتُ الأخطل وله ناب، ولو أدركته وله ناب آخر لأكلني.» وقال فيه أيضًا: «الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة الخمر.» وقال عبد الملك للفرزدق: «من أشعر الناس في الإسلام؟» فقال: «كفاك بابن النصرانية إذا مدح.» وقال الأصمعي وذكر جريرًا: «كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرًا، فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدًا واحدًا، وثبت له الفرزدق والأخطل.» وقال صاحب الأغاني في جرير: «هو والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعًا، ومختلَف في أيهم المتقدم ولم يبقَ أحد من شعراء عصرهم إلا تعرض لهم، فانفضح وسقط وبقوا يتصاولون.» وأخبر أبو عبيدة قال: «جاء رجل إلى يونس فقال له: «من أشعر الثلاثة؟» قال: «الأخطل.» قلنا: «من الثلاثة؟» قال: «أي ثلاثة ذكروا فهو أشعرهم.» فقيل له: «وبأيِّ شيء فضَّلوه؟» قال: «بأنه كان أكثرهم عدد قصائد طوال جياد ليس فيها سقط ولا فحش، وأشدهم تهذيبًا للشعر.» وسأل سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز: «أجرير أشعر أم الأخطل؟» قال: «إن الأخطل ضيَّق عليه كفره القول، وإن جريرًا أوسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل منه حيث رأيت.» فقال له سليمان: «فضَّلت والله الأخطل.» وكان أبو عبيدة يقول: «شعراء الإسلام ثلاثة: الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق.» وكان أبو عمرو يفضل الأخطل ويشبهه بالنابغة لصحة شعره، ويقول: «لو أدرك الأخطل يومًا واحدًا من الجاهلية ما فضلت عليه أحدًا.» وقال أبو عبيدة أيضًا: «الأخطل أشبه بالجاهلية وأشدهم أسر شعر وأقلهم سقطًا.» وحدث عمر بن شَبَّة قال: «كان مما يُقدَّم به الأخطل أنه كان أخبثهم هجاء في عفاف من الفحش.» وقال الأخطل: «ما هجوت أحدًا قط بما تستحي العذراءُ، أن تنشده أباها.» ولقبه عبد الملك بشاعر أمير المؤمنين، وشاعر بني أمية، وأشعر العرب.

والأقوال في الأخطل كثيرة متضاربة، نكتفى منها بهذا القدر الذي يدلنا على ما لشاعرنا من منزلة رفيعة عند الأقدمين، وبوسعنا أن نعتمد على بعضها في إظهار ميزة الشاعر وفضله على أقرانه. فقد رأيت أن علماء اللغة كأبي عمرو وأبي عبيدة ويونس وحماد كانوا يفضلون الأخطل ويشبهونه بشعراء الجاهلية، ولهذا التفضيل سبب: وهو أن هؤلاء الأئمة وغيرهم كانوا يميلون إلى جزالة اللفظ وشدة الأسر، فراقهم في الأخطل فخامة شعره أكثر من رقة شعر جرير وطبعه، وكانوا يغارون على صحة اللغة ويستنكرون اللحن ففضَّلوا الأخطل على الفرزدق؛ لأنه أصح شعرًا وأبعد به من الساقط المرذول، وكانوا معجبين بالسبع الطوال وغيرها من الشعر الجاهلي، فأحبوا الأخطل لطول نفَسه ومتانته. وكانوا يعدُّون له عشر قصائد طوال جياد ليس فيها سقط، وعشرًا غيرها إن لم تكن مثلها فليست بدونها؛ ولما يجدوا لجرير بهذه الصفة إلَّا ثلاثًا، وأجمعوا — أو كادوا — على أن الأخطل أحسنهم مدحًا، وشهد له الفرزدق بذلك.

ونحن نرى أنه لا يقل في الهجاء عن جرير، وإن قل عنه فحشًا، فهو في هجوه لاذع مؤلم؛ وإذا درسنا «نقائض جرير والأخطل» وموقف الشاعرين في ذلك العصر نعلم مبلغ براعة الشاعر التغلبي في هذا الفن. فالأخطل دخل بين جرير والفرزدق بعد أن أسن ونفد أكثر عمره، ومن المعلوم أن شاعرية الشيوخ أضعف من شاعرية الشباب، ولكن الأخطل على كبره استطاع أن يقاوم فحلًا من مضر هابته فحول الشعراء في الإسلام.

وإذا نظرنا إلى قول عمر بن عبد العزيز بدا لنا فضل الأخطل في مقارعته جريرًا، فقد قال عمر لسليمان بن عبد الملك: «إن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرًا أوسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل منه حيث رأيت.» وهذا ما نستطيع أن نتبينه في تهاجي الشاعرين، فإن جريرًا يجول في عرض الأخطل جيئة وذهابًا فيناله من دينه ويعيره نصرانيته ويفتخر عليه بالإسلام، ويناله من قبيلته فينهش أعراض تغلب، وأعراض ربيعة بن نزار جميعًا، وأما الأخطل فلم يكن يجرؤ أن يقابل جريرًا بالمثل فيطعنه في ديانته وهو في كنف دولة إسلامية عزيزة الجانب، ولو حدَّثته نفسه بذلك لما سلم الذي بين كتفيه، وإن يكن شاعر بني أمية وشاعر أمير المؤمنين. وكان يقتصر على هجو كليب قوم جرير الأدنين فلا يجاوزهم إلى بني تميم، وهم قبيلة صاحبه الفرزدق وأخوال بني قريش، ولا يتناول مضر بكلمة سوء لأن قريشًا من مضر والنبوة والخلافة في قريش. فأنت ترى أن نطاق الأخطل كان ضيِّقًا في هجو جرير، وهذا ما أشار إليه عمر بن عبد العزيز في قوله: «إن الأخطل ضيَّق عليه كفره القول.» ويروي لنا صاحب الأغاني أن رجلًا من بني شيبان جاء إلى الأخطل فقال له: «يا أبا مالك إن لك عندي نصحًا.» قال: «هاته فما كذبت.» فقال: «إنك قد هجوت جريرًا ودخلت بينه وبين الفرزدق وأنت غني عن ذلك، ولا سيما أنه يبسط لسانه بما ينقبض عنه لسانك، ويسب ربيعة سبًّا لا تقدر على سب مضر بمثله، والملك فيهم والنبوة قبله، فلو شئت أمسكت عنه.» فقال: «صدقت في نُصحك وعرفتُ مرادك فوالصليب والقربان، لأتخلصن إلى كليب خاصةً دون مضر بما يلبسهم خزيه ويشملهم عاره، ثم اعلم أن العالم بالشعر لا يبالي، وحق الصليب، إذا مر به البيت السائر الجيد أمسلمٌ قاله أم نصراني!»

فالأخطل إذًا لم يكن مطلق العنان فيتصرف في هجو جرير تصرُّف جرير في هجوه، ومع ذلك فقد بلغ من خصمه مثل ما بلغ خصمه منه، وكان في هجائه فتاكًا ممضًّا فلم يترك شائنة إلا رمى بها بني كليب ورهط جرير.

وجماع القول إن الأخطل شاعر لعوب بالألفاظ والمعاني، وله في الابتكار باع طويل، وهو مبدع في مدحه وهجائه، متفنن في وصف الخمر، مقدَّم في الشعر السياسي على سائر الشعراء في صدر الإسلام.

(٤) الفرزدق٦٧ (٧٣٢م/١١٤ﻫ)

(٤-١) حياته

هو هَمَّام بن غالب بن صَعْصَعة من دارم ثم من تَميم، لُقِّب بالفرزدق لغلاظة وجهه وجهومته،٦٨ وكنيته أبو فِراس، وكانت ولادته في البصرة ونشأته في باديتها، فشب خالص البداوة، جافي الطباع، قوي الشكيمة، لا تلين قنانه، وكان له من مناقب قومه ومآثرهم ما أفعم نفسه زهوًا وكبرًا، وفسح له في مجال الفخر على أقرانه، فباهى الناس بآبائه وجدوده، وكان أبوه غالب من أجواد العرب المشهورين، إذا نحر لا يجاريه منافس، وإذا أعطى لا يسأل عفاته: من هم؟ وجده صعصعة له صحبة ولكنه لم يهاجر، وهو الذي أحيا الوئيدة، وبه افتحر الفرزدق في قوله:
وجَدِّي الذي منَعَ الوائِداتِ
وأحْيا الوئيِدَ، فلم يُوأدِ٦٩

قيل: إنه اشترى ثلاثمئة وستين موءودة كل واحدة منهن بناقتين وجمل، وأُم الفرزدق ليلى بنت حابس أخت الصحابي الأقرع بن حابس.

ونظم الفرزدق الشعر صغيرًا فجاء به أبوه إلى الإمام علي وقال: «إن ابني هذا من شعراء مُضر فاسمع منه.» قال: «علِّمه القرآن.» فلما كبر الفرزدق تعلمه وهو مقيَّد لئلا يلهو عنه.

(٤-٢) تشيُّعه

وكان يتشيَّع لعلي وأبناء علي ويجاهر بحبه لهم، وإذا مدحهم تدفق شعره عاطفة وحماسة، فما ترى فيه أثرًا لتكلف المادح المتكسب، وخير دليل على صدق موالاته آل البيت قصيدته في زين العابدين، فهي من أبلغ الشعر وأخلصه عاطفة؛ أنشدها في وجه هشام بن عبد الملك لما حجَّ على عهد أبيه وطاف بالبيت، وجهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يبلغه لكثرة الزحام، فنُصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس وحوله جماعة من أهل الشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان من أجمل الناس وجهًا، فطاف بالبيت حتى إذا انتهى إلى الحجر انشقت له الصفوف ومكنته من استلامه. فقال رجل من أهل الشام لابن عبد الملك: «من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟» فقال هشام: «لا أعرفه.» وخاف أن يذكر اسمه فيرغِّبهم فيه، وكان الفرزدق حاضرًا فقال: «أنا أعرفه.» فقال الشآمي: «ومن هو يا أبا فراس؟» فقال كلمته:

هذا الذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطْأتَه
والبيتُ يَعْرِفُهُ، والحِلُّ والحَرَمُ٧٠

فغضب هشام فحبسه بين مكة والمدينة فهجاه الفرزدق بقوله:

أتَحْبِسُني بينَ المَدينَة والتي
إليها قلوبُ النَاسِ يَهْوي منُيبُها٧١
يُقَلِّبُ رأسًا لم يكُنْ رأسَ سَيِّدٍ،
وعينٌ له حَولاءُ، بادٍ عُيوبُها٧٢

فبلغ شعره هشامًا فأمر بإطلاقه خوفًا من لسانه.

(٤-٣) اتصاله بالأمويين

على أن تشيُّعه لآل البيت لم يصرفه عن التقرب إلى الأمويين، فمدحهم رهبةً منهم أو رغبةً في نوالهم، وأكثر مدائحه في سليمان بن عبد الملك، ولكنه لم ينل حظوة الأخطل عندهم ولا استقام له أن يمدحهم بمثل شعره. فهم كانوا يعلمون موضع هواه، وهو كان يتكلف مدحهم على كره منه، وربما مرت به ساعة لا يستطيع فيها أن يسخر عاطفته، فيدعوه الخليفة إلى مدحه فما يطيق ذلك، فيعمد إلى الافتخار بنفسه، فعله في حضرة سليمان بن عبد الملك لما استنشده فيه أو في أبيه فأنشده مفتخرًا عليه:

ورَكْبٍ كأنَّ الرِّيحَ تَطْلُبُ عندهمْ
لها تِرَةً، مِنْ جَذْبِهَا بالعَصَائبِ٧٣
سَرَوا يَخبِطونَ الليْلَ، وهْيَ تلُفُّهم
إلى شُعَبِ الأكوَارِ، منْ كلِّ جانِبِ٧٤
إذا اسْتَوْضَحوا نارًا يقولونَ: ليتَها،
وقد خَصِرَتْ أيْديِهِمُ، نارُ غالبِ٧٥

فتبين غضب سليمان، وكان نُصَيْبٌ الشاعر حاضرًا فأنشده أبياتًا يمدحه بها، فقال الخليفة: «يا غلام أعطِ نُصَيْبًا خمس مئة دينار، وألحِق الفرزدق بنار أبيه.» فخرج الفرزدق مُغْضَبًا يقول:

وخَيُر الشِّعْرِ أكْرَمُهُ رِجالًا
وشَر الشِّعْرِ ما قالَ العَبِيدُ٧٦

وقد يمدح عُمَّال بني أمية ثم يهجوهم إذا وجد سبيلًا إلى هجوهم، أو يهجوهم ثم يمدحهم إذا خشي شرهم. فقد رثى الحجَّاج بقوله:

فَلَيْتَ الأكفَّ الدافناتِ ابنَ يوسْفٍ
يقطَّعنَ، إذا غيَّبنَ تحتَّ السقائفِ٧٧

فلما بويع بالخلافة سليمان بن عبد الملك بعد أخيه الوليد مدحه الفرزدق، وهجا الحجَّاج وقومه؛ فقيل له: كيف تهجوه وقد مدحته؟ فقال: «نكون مع الواحد منهم ما كان الله معه، فإذا تخلَّى منه انقلبنا عليه.»

وهجا آل المهلَّب فسخطوا عليه، فلما ولَّى سليمانُ بن عبد الملك يزيدَ بن المهلَّب خراسان والعراق خاف الفرزدق فمدحهم. فلا تعجب إذًا أن ترى الفرزدق مجفوًّا على سمو قدره في دولة الشعر، فبنو أمية وعمالهم لم يطمئنوا إلى ولائه ولطالما نالوا منه فحبسوه أو أبعدوه، وإذا أجازوه أحيانًا فتقيَّة للسانه أو رغبة في شعره ليمدحهم به.

(٤-٤) الفرزدق الطريد

وكَان خبث لسانه وتعهره يساعدان أولي الأمر على أذيته، فإذا هجا قومًا أو نال من حرماتهم، استعدوا عليه السلطان، فيطارده فيفر من وجهه، أو يحبسه أو ينفيه فيكفي الناس شرَّه ولو إلى حين.

ويحدثنا صاحب الأغاني أن الفرزدق كان يهاجي الأشهب بن رُمَيْلة النهشَلي وبني فُقَيم وكلاهما من دارم؛ فاستعدوا عليه زياد ابن أبيه وهو على البصرة من قِبَل معاوية، ففرَّ الفرزدق إلى المدينة مستجيرًا بعاملها سعيد بن العاص فأمَّنه. ثم ولي المدينة مروان بن الحَكَم فعلم أن الفرزدق يشرب الخمر ويدخل إلى القيان، فدعاه وتوعده وقال: «اخرج عني»، فعزم على الشخوص إلى مكة، فكتب مروان إلى بعض عماله ما بين مكَّة والمدينة بأن يصله بمئتي دينار، فارتاب بكتاب مروان فجاء إليه يقول:

مَرْوَانُ إنَّ مَطيِتي مَعْقُولة
تَرجو الحِباءَ، ورَبها لم يَيْأسِ٧٨
أتَيْتَني بِصَحِيفَةٍ مَخْتومَةٍ
يُخْشَى علي بها حِباء النِّقْرِسِ٧٩
ألقِ الصحيفة يا فَرَزْدَقُ. لا تكن
نَكْدَاءَ مِثْلَ صحيفَةِ المُتلمِّسِ٨٠

ثم رمى بالصحيفة، فضحك مروان وقال: «ويحك إنك أميٌّ لا تقرأ، فاذهب بها إلى مَن يقرؤها ثم ردَّها حتى أختمها.» فذهب بها، فلما قُرئت له إذا فيها جائزة فردَّها إلى مروان فختمها.

وظل الفرزدق طريدًا عن البصرة حتى هلك زياد.

(٤-٥) خبره مع النوار

ولم تكن حظوته عند النوار بأحسن من حظوته عند الخلفاء وعمالهم، مع أن النوار بنت عمه، والدها أعْين بن ضُبَيعة الُمجاشعي؛ وكان الفرزدق وليها، فخطبها رجل من دارم فرضيته، وأرسلت إلى ابن عمها أن يزوجها إياه، فقال: «لا أفعل أو تشهديني أنك قد رضيتِ بمن زوجتك.» ففعلت، فلما توثق منها وقف في مسجد بني مجاشع بن دارم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «قد علمتم أن النوار قد ولتني أمرها، وأشهدكم أني قد زوجتها نفسي على مئة ناقة حمراء، سوداء الحدقة.» فنفرت منه وفزعت إلى مكة وفيها عبد الله بن الزبير، وقد بايعه العراق والحجاز، فاستجارت بامرأته بنت منظور بن زبَّان الفزاري، فتبعها الفرزدق، ولما قدم مكة اشرأبَّ الناس إليه، ونزل على بني عبد الله بن الزبير، فاستنشدوه ثم شفعوا له إلى أبيهم، فجعل يشفَّعهم في الظاهر حتى إذا صار إلى امرأته قلبته عن رأيه، فمال إلى النوار وأشار عليه بتطليقها فأبى وهجاه، وظل يرقيها حتى اصطلحا على أن يرجعا إلى البصرة، ويحكما في أمرهما بني تميم. فلما صارا إلى البصرة رجعت إليه النوار بحكم عشيرتها، ومكثت عنده زمانًا ترضى عنه حينًا وتخاصمه أحيانًا، فأراد إغاظتها فتزوج عليها حدراءَ٨١ بنت زيق بن بسطام بن قيس الشيباني فخاصمته النوار وأخذت بلحيته وقالت: «تزوجت أعرابية دقيقة الساقين على مئة بعير.» فقال يفضل عليها حدراء:
لَعَمْرى، لأعْرَابِيَّةٌ في مِظلَّة
تَظَلُّ بِرَوْقَيْ بَيْتِها الرِّيحُ تَخْفِقُ٨٢
أحَبُّ إليْنَا مِنْ ضِناكٍ ضِفِنَّة
إذا وُضِعَتْ عنْها المَراوِحُ تَعرَقُ٨٣

فشكته إلى جرير فهجاه وهجا حدراء.

ولم يطب للنوار عيش في كنف الفرزدق، فظلت ترققه وتستعطفه حتى أجابها إلى طلاقها، وأخذ عليها ألا تفارقه ولا تبرح من منزله ولا تتزوج رجلًا بعده، ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له، وأخذت عليه أن يُشهد الحسن البصري على طلاقها ففعل وطلقها ثلاثًا، ثم ندم وتحسَّر، وله فيها شعر كثير منه:

نَدِمْتُ نَدامَةَ الكُسَعيِّ لمَّا
غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوارُ٨٤
وكانَتْ جَنتي فخَرَجْتُ منها
كآدَمَ حِينَ أخرجَهُ الضرَارُ٨٥
وكنْتُ كفاقئٍ عَيْنَيْهِ عَمدًا
فأصْبحَ ما يضيء لهُ النَّهارُ

(٤-٦) جبنه

وكان الفرزدق على إعجابه بنفسه ومباهاته بأصله شديد الجبن لا يقاتل إلا بلسانه، وكان خصومه يتخذونه من جبنه ذريعة للضحك به والتشفي من غيظهم، وله معهم أخبار كثيرة نكتفي بواحدة منها رواها أبو عُبيدة عن رؤبة بن العَجَّاج قال: حج سليمان بن عبد الملك وحجَّت الشعراءُ معه، فلما جاء المدينة تلقوه بنحو أربع مئة أسير من الروم، فقعد يدفعهم إلى الوجوه وإلى الناس فيقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلًا منهم فدسَّت إليه بنو عبس سيفًا قاطعًا فضربه فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسيرًا فلم يجد سيفًا فدسوا إليه سيفًا كليلًا فضرب الأسير فلم يصنع شيئًا، فضحك القوم به ومن سوء ضربته، وشمت بنو عبس، فغضب الفرزدق وأنشأ يقول:

إن يكُ سيفٌ خان، أو قدرٌ أبى
لتأخير نفس حتفها غيرُ شاهدِ٨٦
فسيف بني عبسٍ، وقد ضربوا به
نبا بيدَيْ ورقاء عن رأس خالد٨٧
كذاك سيوف الهند تنبو ظُباتها
ويقطعن أحيانًا مناط القلائد٨٨

وقال أيضًا:

أيعجب الناس أن أضحكتُ خيرهم
خليفة الله يُستسقى به المطر؟٨٩
لم ينبُ سيفي من رعب ولا دهش
عن الأسير، ولكن أخَّر القدر٩٠
ولن يُقدم نفسًا، قبل مدتها
جمع اليدين، ولا الصمصامة الذكَر٩١

ثم مضى وهو يقول:

ما إن يعاب سيد إذا صبا
ولا يعاب صارم إذا نبا
ولا يعاب شاعر إذا كبا٩٢

فشمت به جرير وعيَّره بقوله:

بسيف أبي رغوان سيفِ مجاشع
ضربتَ، ولم تضرب بسيف ابن ظالم٩٣
ضربتَ به عند الإمام، فأرعشتْ
يداك، وقالوا: «محدَثٌ غيرُ صارم»٩٤

فرد عليه الفرزدق بقوله:

ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكهم
إذا أثقل الأعناقَ حملُ المغارم٩٥
فهل ضربةُ الرومي جاعلةٌ لكم
أبًا عن كليب أو أبًا مثل دارم؟٩٦

(٤-٧) الفرزدق وجرير

وكان السبب في تهاجي الفرزدق وجرير أن شاعرًا من بني يَربوع يقال له غسَّان السليطي هجا جريرًا فرد عليه جرير فأخزاه، فشكا آل يَربوع إلى البَعيث المجاشعي قهر جرير صاحبهم، فجعل البعيث يقول: «وجدنا الشرف والشعرَ في بني النوار بنت مجاشع.» فبلغ ذلك جريرًا فهجا البَعيث وقومه، فجاء البعيث إلى بني الخطفي رهط جرير، وقال: «يا قومِ عَجِلْتُم عليَّ.» فقالوا: «بلغنا عنك أمر فإن شئت قُلت كما قلنا، وإن شئت صفحت.» فقال: «بل أصفح.» فأقام مجاورًا لهم ثلاث سنين ثم إنه فارقهم راضيًا، فقدم على ناس من بني مجاشع فسألوه عن بني الخطفي فأثنى عليهم خيرًا، فقال رجل منهم: «لحُسن ما جازيتهم على الذي قالوا لك.» ثم أنشده قول جرير فيه، ولم يزالوا به حتى أغضبوه، فهجا بني كليب. فقالت بنو كليب لعَطاء بن الخطفي: «اركب إلى بني مجاشع واستنههم من أنفسهم فقد قالوا كما قيل لهم.» فأتاهم عطاءٌ فقال: «أي بني مجاشع الإخوة والعشيرة، وقد قلتم كما قيل لكم فانتهوا عنا.» فأبى البعيث إلا هجاءهم. فلحم الهجاء بين جرير والبعيث فسقط غسان. ثم استطال جرير وأفحش القول في نساء مجاشع. فضجَّ البعيث إلى الفرزدق، وهو يومئذ بالبصرة، وقد قيَّد نفسه وآلى ألا يفك قيده حتى يقرأ القرآن، وأقبلت عليه نساء مجاشع وقلن له: «قبح الله قيدك وقد هتك جرير عورات نسائك فلحُيت شاعر قوم!» فأحفظنه ففض قيده وقال:

ألا استهزَأتْ منى هنيدةُ أن رأت
أسيرًا يداني خطوَه حلقُ الحجل٩٧
ولو علمت أن الوثاق أشدُّه
إلى النار، قالت لي مقالة ذى عقلِ٩٨
لعمري، لئن قيدتُ نفسي، لطالما
سعيت، وأوضعت المطيةَ في الجهل٩٩
ثلاثين عامًا، ما أرى من عماية
إذا برَقت، إلا أشُد لها رَحلي١٠٠
أتتني أحاديث البعث، ودونه
زرودٌ، فشاماتُ الشقيق من الرمل١٠١
فقلت: أظَنَّ ابنُ الخبيثة أنني
شُغِلتُ عن الرامي الكِنَانَةَ بالنَّبل؟١٠٢
فإن يكُ قيدي كان نذرًا نذرته
فما بي عن أحساب قومي من شُغلِ
أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما
يدافع عن أحسابهم أنا، أو مثلي١٠٣

وهجا الفرزدق البعيث لعجزه عن مقاومة جرير فسقط البعيث. قال ابن سلام: «ولجَّ الهجاءُ بين جرير والفرزدق نحوًا من أربعين سنة لم يغلب واحد منهما على صاحبه، ولم يتهاجَ شاعران في الجاهلية ولا في الإسلام بمثل ما تهاجيا به.»

(٤-٨) موته

يحدثنا صاحب الأغاني أن لَبَطَة بن الفرزدق قال: «إن أباه أصابته ذات الجنب فكانت سبب وفاته، ووُصف له أن يشرب النفط الأبيض، فجعلوه في قدح وسقوه إياه فقال: «يا بني عجلت لأبيك شراب أهل النار.» وكان له عبيد فأوصى بعتقهم بعد موته وبدفع شيء من ماله إليهم، فلما احتضر جمع أهل بيته وأنشأ يقول:

أروني من يقوم لكم مَقامي
إذا ما الأمر جل عن الخِطاب؟١٠٤
إلى من تفزعون إذا حثوتم
بأيديكم علي من التراب؟١٠٥

فقال له بعض عبيده: «إلى الله.» فأمر ببيعه قبل وفاته وأبطل وصيته فيه.»

وذكر ابن قتيبة أنه مات وقد قارب المئة، وكانت علته الدُّبَيْلة،١٠٦ وكان يُسقى النفط الأبيض وهو يقول: «أتعجلون لي النار في الدنيا!»

وكانت وفاته في خلافة هشام بن عبد الملك، وله قصيدة يمدحه بها ويهنئه بالخلافة، منها قوله:

رمتني بالثمانين الليالي
وسهمُ الدهر أصوبُ سهم رامِ

وخلافة هشام تبتدئ في السنة الخمسين بعد المئة للهجرة، فإذا كان الفرزدق يومئذ في الثمانين من عمره كما ذكر في شعره، فلا يصح أن تكون سنه قد نيَّفت على التسعين يوم وفاته، هذا إذا حسبنا أن القصيدة قيلت في السنة الأولى لخلافة هشام وأن الشاعر كان في الثمانين دون زيادة أو نقصان، وفي أي حال فإن الفرزدق لم يبلغ المئة وإنما مات في التسعين أو دون التسعين أو أنه جاوزها قليلًا.

(٤-٩) آثاره

آثاره ديوان مطبوع أكثره في المدح والفخر والهجاء، وطبعت «نقائض جرير والفرزدق» في لَيدن فجاءت في مجلدين ضخمين، وهو من أصحاب الملحمات ومطلع ملحمته:

عَزَفتَ بأعشاش وما كِدت تعزُف
وأنكَرت من حَدراء ما كنتَ تعرِف١٠٧

(٤-١٠) ميزته

لم يشغل الناسَ شاعرٌ في الجاهلية ولا في الإسلام كما شغلهم جرير والفرزدق بتهاجيهما، فقد لبثا أربعين سنة يتشاتمان، والناس تسمع لهما ولا تتفق على تفضيل الواحد منهما على الآخر، وكان يصح لنا أن نقتصر على درس خاصة الهجاء في الفرزدق، وما يتبع هذا الهجاء من فخر، لو لم تكن لشاعرنا خصائص أخرى لا ينبغي إغفالها، وإن تكن خاصة الهجاء أظهرها. فالفرزدق في تشيعه لآل البيت، وفي اتصاله بالخلفاء الأمويين وعمالهم شاعر مدَّاح ولكن مدحه لهؤلاء يختلف عن مدحه لأولئك، فهو في ذكر آل البيت صادق اللهجة، بيِّن الحماسة، متدفق العاطفة؛ وفي مدح الأمويين كذوب متكلف يظهر خلاف ما يبطن، والفرزدق في غزله يصطنع القصص الغرامي كابن أبي ربيعة ويتعهر مثله، غير أنه لا ينقاد له هذا الفن في الجودة والرقة انقياده لعمر، والفرزدق أول شاعر مسلم نظم في الزهد وخاطب إبليس وهجاه، وهو أكثر الشعراء الإسلاميين سرقة وانتحالًا. فعلينا أن ندرس به خاصة الهجاء في شيء من الإسهاب، ثم نلم بسائر خصائصه لنعرف من هو الفرزدق وما هي ميزة شعره.

(٤-١١) هجوه وفخره

ولسنا نعجب إذا رأينا للفرزدق شعرًا كثيرًا في الهجاء بعد أن علمنا أنه نتاج حرب عوان دارت بينه وبين جرير أربعين سنة؛ وكان فيها كلا الشاعرين يعنى بنقض أقوال خصمه لئلا يُعد مُغلَّبًا، فالهجاء صفة لازمة لشعر الفرزدق كما أنه صفة لازمة لشعر جرير.

وإذا أراد الفرزدق أن يهجو وضع نفسه في مرتبة يتضاءل دونها خصمه، وشرع يعدد مفاخر قومه، ويذكر ما لهم من الأيام، وما هم عليه من كرم وخير ونجدة وإباء، وكان له من شرف قبيلته ومآثر آبائه ما فسح له في مجال الفخر والاستعلاء.

وهو على شدة إعجابه بقومه لا يغفل عن الافتخار بنفسه، وأكثر فخره بشاعريته، وهي المفخرة الوحيدة التي نجدها فيه، ونرى أنه يحق له أن يباهي بها، ولا ينتهي الفرزدق من مفاخرة خصمه إلا ليحشوَه شتمًا وتعبيرًا، فيعلن مخازيَه ومخازي قبيلته، ويطعن في أعراضهم طعنًا قبيحًا مكثرًا من الألفاظ الفاحشة، والأخبار الشائنة، حتى ليصبح شعره بؤرة فجور وفساد، وإذا رأيته يفتخر بقوله:

ولا نقتلُ الأسرى، ولكن نفكهم
إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارم

فلا تتوهم أنه يؤثر الرحمة على الظلم، ولكنه أراد الرد على من عيَّره الجُبن فلم يجد غير هذه السبيل، وربما افتخر بالظلم فقال:

إذا مضرُ الحمراءِ حولي تعطفت
علي، وقد دق اللجام شكيمي١٠٨
أبتْ أن أسوم الناس إلا ظُلامَةً
وكنتُ ابنَ مرغام العدو ظَلوم١٠٩

ولا يقتصر في هجاء جرير على الدفاع عن بني دارم، بل يدافع أيضًا عن تغلب قبيلة حليفه الأخطل، ويفاخر بهم جريرًا وقومه. كما فاخر الأخطل ببني دارم ودافع عنهم:

لولا فوارسُ تغلبَ ابنةِ وائل
نزل العدو عليك كلَّ مكانِ١١٠
حبسوا ابن قيصر، وابتنوا برماحهم
يوم الكُلاب كأفضل البنيان١١١
قومٌ هم قتلوا ابن هند، عنوةً
عمرًا، وهم قسطوا على النعمان١١٢
إن الأراقم لن ينال قديمها
كلبٌ عوى، متهتِّمُ الأسنان١١٣
فعلى هذا النحو كان الفرزدق يهجو جريرًا ويفتخر عليه، ويمزق عرضه وأعراض بني كليب أجمعين، ذاكرًا سوءاتهم، فاضحًا نساءهم، معددًا انكساراتهم. وله في ذلك أسلوب خاص لا يتعداه، فهو لا يستطيع أن ينكر أن كليبًا من تميم وأنهم أبناء عمه على الرغم منه، ولكنه يجعلهم أذل بني تميم وأحقرهم، وأخسهم وأجبنهم، ثم يجعلهم يتطاولون إلى دارم وينتحلون نسبها؛ ودارم تزبنهم١١٤ عنها، وهو إذا افتخر بأيام بني تميم جعل الفضل فيها لبني دارم، وإذا ذكر ما عليها من الأيام حصر مخازيها ببني كليب. فرهط جرير عند الفرزدق أعجز من أن يطاولوا دارمًا.

وهو على عنايته بهجو كليب لا يعف عن قيس عيلان بل يهجوهم هجاء خبيثًا وينفر عليهم التغلبيين:

وما لقيت قيسُ بن عيلان وقعةً
ولا حرَّ يوم، مثل يوم الأراقم١١٥

ويندد بهم لمناصرتهم ابن الزبير على بني أمية، ويعيرهم انكساراتهم ويشتم جريرًا معهم لأنه كان يدافع عنهم.

(٤-١٢) مدحه

عرفنا أن الفرزدق كان يشايع آل البيت وأن الأمويين كانوا يعرفون ذلك فيه، فلم يحظَ عندهم كما حظي الأخطل النصراني، ولكنه مدحهم وأجازوه على مدحه، ونستدل من شعره أنه أخذ يتصل بهم في خلافة الوليد بن عبد الملك؛ إذ ليس له في أبيه ما يستحق الذكر. على أن مدحه لهم لم يكن إلَّا تكلفًا، وسنجد أثر هذا التكلف في شعره الذي مدحهم به إذا قابلناه بشعره الذي مدح به آل البيت. فهو في مدح الأمويين متكسب يستجدي أو راهب يستعطف، وفي مدح آل البيت عاطفي بحت ينطق عما في نفسه من هوى. فنحن لا نستطيع أن نصدق شاعرًا يتشيع لعلي وأبنائه حين نسمعه يخاطب الوليد بن عبد الملك:

أما الوليدُ فإن اللهَ أورثه
بعِلمهِ فيه، مُلكًا ثابت الدِّعمِ١١٦
خلافةً لم تكن غصبًا مشورتُها
أرسى قواعدَها الرحمن ذو النِّعم١١٧
كانت لعثمان لم يَظلم خلافتها
فانتهك الناس منه أعظم الحُرم١١٨

أفيصح لنا أن نحسب الفرزدق مخلصًا في هذا المدح، صادقًا في جعله الخلافة حقًّا من الله لبنى أمية، وفى قوله إنهم أخذوها شورى لا غصبًا، وأن مقتل عثمان بن عفان أعطاهم هذا الحق الموروث؟ وقد علمنا أن أصحاب آل البيت ينكرون على الأمويين هذه الدعوى، ولا يرون أحدًا أحق بالخلافة من أبناء بنت الرسول، والفرزدق نفسه كان يأبى أحيانًا أن يمدح الأمويين على ما فيه من ميل إلى التكسب، وقد أوردنا خبره مع سليمان بن عبد الملك، ورأيناه في مكان آخر لا يحجم عن التعريض بهشام بن عبد الملك وهو حاضر لإنكاره زين العابدين. ثم رأيناه يهجو هشامًا بعد أن حبسه، فيقول فيه:

يُقلِّب رأسًا لم يكن رأسَ سيدٍ
وعينٌ له حولاء، بادٍ عيوبُها
ولكنه لم يستنكف من مدحه لما تبوأ سدة الخلافة، فقصد إليه في الرصافة١١٩ وأنشده قصيدة يقول فيها:
رآك اللهُ أولى الناس طُرًّا
بأعواد الخلافة، والسلام١٢٠

أفيمكن أن يخلص الفرزدق في مدحه لهشام، ويصدق في زعمه أنه أولى الناس بالخلافة، وهو القائل فيه: «تبين فيه الشؤم وهو غلام؟» وحسبك أن تقابل قوله في هشام بقوله في زين العابدين لترى الفرق بينهما، وتعلم أن الشاعر لم يمدح هشامًا إلا خائفًا، أو مستجديًا يستمطر الربيع لعياله، فكان شعره متكلفًا خاليًا من العاطفة؛ وأنه لم يمدح زين العابدين إلا مشغوفًا بمناقبه ومناقب آله، فجاء شعره عاطفيًّا صرفًا لا أثر للتكلف عليه، وأنَّى يكون التكلف في قصيدة جاش بها صدر الشاعر فقذفها بيتًا إثر بيت، والتأثر النفسي يملك عليه؟ ويختلف أسلوبه فيها عن أسلوبه في مدح هشام. فهو لا يسأل زين العابدين ولا يستجديه، ولكنه يبث عاطفة متقدة بحب آل البيت، عاطفة نفس تؤمن بكرامتهم وترجو بهم الثواب في الآخرة.

وإذا علمت أن زين العابدين أرسل إلى الفرزدق أربعة آلاف درهم لما بلغته القصيدة، فردها الفرزدق عليه وقال له: «إنما مدحتك بما أنت أهله» — إذا علمت ذلك — تبين لك صدق الفرزدق، وإخلاصه في مدحه أبناء بنت الرسول.

وقد شك بعضهم في زعم الرواة أن هذه القصيدة قيلت ارتجالًا، ولكننا لا نرى وجهًا للشك يصح الاعتماد عليه، ولا سيما أن أدلة الارتجال متوافرة. فالقصيدة قصيرة لا تبلغ الثلاثين بيتًا، وفيها من الإيطاء١٢١ شيء كثير مما يدل على أنها لم تُحكك في النظم بل جاءت عفو الخاطر، وليس بعجيب أن يرتجلها شاعر في صدر الإسلام كالفرزدق له من ملكته الشعرية، وبلاغته، وصفاء ذهنه ما يهون عليه الارتجال، وخصوصًا في موقف كان التأثر يملي على العاطفة، والعاطفة تكتب.

(٤-١٣) غزله

لم يكن الفرزدق على تعهره ممن يحسنون الغزل والتشبيب بالنساء، فإذا نسب جاء قوله غليظًا جافيًا لا ترتاح إليه النفوس، وكان يشعر بتصلب عاطفته وخشونة تشبيبه فيقول: «ما أحوج جريرًا مع عفته إلى صلابة شعري، وما أحوجني إلى رقة شعره مع شدة فسقي.»

وقد يخرج في غزله إلى المعاني الوحشية السمجة التي تنبو عنها الأذواق كقوله:

فيا ليتنا كنا بَعيرَين، لا نُرى
على منهل، إلا نُشَل، ونُقذَف١٢٢
كلانا به عَرٌّ، يُخاف قِرَافُه
على الناس، مطليٌّ المساعرِ، أخشف١٢٣

وتجد في ديوانه قصيدة من القصص الغرامي يروي فيها خبر زيارة ليلية هي أشبه بزيارة ابن أبي ربيعة أو زيارة امرئ القيس، ولكنه يقصر عنهما في السرد والحوار، ولا يجاريهما في الرقة ولطف التعبير. فمنها قوله:

فما زلت حتى أصعدتنى حِبالُها
إليها، وليلي قد تخامصَ آخره١٢٤

فإذا بلغ إليها لا يسمعك حوارًا بينهما كما أسمعك الملك الضليل وفتى قريش، بل يلتقيها صامتة ما تنبس ببنت شفة، فيصف مجلسه بأبيات ثلاثة، ثم يقول ذاكرًا تخوفه الرجوع:

أحاذرُ بوَّابَين قد وكِّلا بها
وأسمر من ساج تَئِطُّ مسامرُه١٢٥

وهنا يسألها: «وكيف النزول؟» فتجيبه مظهرة له المصاعب التي تكتنفه، فيطلب إليها أن تدليه بالحبال كما أصعدته. فتفعل وتساعدها على إنزاله رفيقة لها:

هما دلَّتاني من ثمانين قامةً
كما انقض بازٌ أقتمُ الريش، كاسره١٢٦

(٤-١٤) رثاؤه

ولم تكن عاطفته في الرثاء أقل تصلبًا منها في الغزل، فقد مات أبوه فرثاه؛ فكان في رثائه إياه جافيًا، ومات ولداه فأراد رثاءهما فتصلبت عاطفته، فأخذ يعزي نفسه بذكر من مات قبلهما من كرام الرجال، وختم مرثاته بقوله:

فما ابناكِ إلا ابنٌ من الناس، فاصبري
فلن يرجع الموتى حنينُ المآتم١٢٧

وماتت زوجه، وكان يحبها، فلم يستطع رثاءها فبكتها النوادب بشعر جرير، وقيل له أن يزور قبرها فقال:

ولستُ، وإن عزَّت علي، بزائرٍ
ترابًا على مرموسة قد تضعضعا١٢٨
وأهون مفقود، إذا الموتُ ناله
على المرء من أصحابه، من تقنَّعا١٢٩

فكيف ترجو أن تلين عاطفته، فيرثي زوجه رثاءً حسنًا، وهو يرى أن المرأة أهون مفقود على الرجل؟

(٤-١٥) زهده

قد نكون مسرفين إذا وصفنا الفرزدق بالزهد، وجعلنا لشعره ميزة من هذه الناحية. فالزهد في حقيقته لم يعرفه الشعر العربي إلا في خلافة العباسيين؛ هذا بصرف النظر عما أضيف إلى علي بن أبي طالب من الأشعار الزهدية؛ لأن الإمام عليًّا لم ينظم الشعر وإنما كان خطيبًا بليغًا، وله في الزهد أقوال نثرية مشهورة، وليس له في الشعر شيء ثابت.

ولكن الفرزدق، على ضعف الخاصة الزهدية في شعره حتى نكاد لا نشعر بها، هو أول شاعر إسلامي أخذ بأهداب هذا الفن، فنظم قصيدة يهجو بها إبليس، ويتوب إلى ربه نادمًا على ذنوبه، وهي وإن تكن لا تستوعب شروط الشعر الزهدي من ذم الدنيا وملاذها، وإيراد المواعظ والحِكَم والأمثال، فإنها تنضم إليه بما فيها من إقرار بالخطيئة، وتوبة إلى الله، وخطاب للشيطان لم يُسْبَق إليه.

على أن توبته غير حَرية بالتصديق والإعجاب، لأنه لم يتمسك بها كثيرًا بل ارتد عنها بعد حين، ومعاصروه أنفسهم لم يتلقوها بالاطمئنان لما يعهدون به من فحش وفجور، فإن ابن سلام يحدثنا بأن الفرزدق أتى الحسن١٣٠ فقال له: «إنى قد هجوت إبليس فاسمع.» فقال: «لا حاجة لنا بما تقول.» قال: «لتسمعن أو لأخرجن فأقول إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس.» فقال الحسن: «اسكت فإنك عن لسانه تنطق.»

(٤-١٦) سرقاته

اشتهر الفرزدق بسرقة الشعر فكان لا يسمع بيتًا عائرًا١٣١ إلا قال لصاحبه: «لتتركن هذا البيت لي أو لتتركن عرضك!» فيتركه له خوفًا من لسانه، فينتحله الفرزدق ويدمجه في شعره. وكان يقول: «خير السرقة ما لا يجب فيه القطع.»١٣٢ يعني سرقة الشعر، ويروي لنا صاحب الأغاني: أن الفرزدق مر يومًا بالشَّمَرْدَل وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله:
وما بين مَن لم يُعطِ سمعًا وطاعةً
وبين تميم غيرُ حزَّ الغلاصِمِ١٣٣

فقال: «والله لتتركن هذا البيت أو لتتركن عرضك!» قال: «خذه على كره مني!» فأخذه الفرزدق وهو في إحدى قصائده.

ومر بابن ميادة وهو ينشد:

لو أنَّ جميع الناس كانوا بربوةٍ
وجئتُ بجدي ظالمٍ وابن ظالمِ١٣٤
لظلت رقاب الناس خاضعةً لنا
سجودًا على أقدامنا بالجماجم

فقال: «أما والله يا ابن الفارسية لتدعَنَّه لي أو لأنبشنَّ أمك من قبرها.» فقال له ابن ميادة: «خذه لا بارك الله لك فيه.» فانتحل الفرزدق البيتين ووضع دارمًا مكان ظالم فقال: «وجئت بجدي دارم وابن دارم.» وأخذ لملحمته من جميل بثينة أسير بيت فيها، وهو قوله:

ترى الناس ما سِرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس، وقفوا

(٤-١٧) مداخلته الكلام

وكان يداخل الكلام ويجوِّز في شعره ما لا يجوِّزه غيره، فرُويت له أبيات كثيرة خالف فيها القواعد النحوية والبيانية، فأخذها النحاة وعلماء البيان شواهد في مباحثهم، وسخط بعضهم عليه من أجلها وسُر بها بعضهم الآخر، ولا سيما أصحاب النحو؛ لأنها كانت تشغلهم في تمحل أوجه إعرابها. فمن ذلك قوله يمدح إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بين عبد الملك:

وما مثله في الناس إلا مملَّكًا
أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه

والشاهد فيه التعقيد، وهو أن لا يكون الكلام ظاهر المراد، والمعنى: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملَّكًا أبو أمه أبوه، أي ابن أخته هشام. فالضمير في أمه يعود على المملَّك يعني هشامًا، والضمير في أبوه يعود على الممدوح يعني خاله إبراهيم. ففصل بين أبو أمه وهو مبتدأ؛ وأبوه وهو خبر بلفظ أجنبي وهو حي، وكذا فصل بين حي ويقاربه، وهو نعته، بأجنبي آخر وهو أبوه، وقدم المستثنى على المستثنى منه، فهو كما تراه في غاية التعقيد، وكان من حقه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملَّك أبو أمه أبوه، ورَفْع مملك أشهر؛ لأن ما يبطل عملها إذا انتقض خبرها بإلا، وعدم إبطاله لغة حجازية.

وقوله:

وعضُّ زمانٍ با ابن مروان لم يدَع
من المال إلا مُسحتًا، أو مُجرَّفُ١٣٥

فنصب مسحتًا على أنه مفعول لم يدع، ورفع بعده مجرَّف مع أنه معطوف عليه، فجعله النحاة خبرًا لمبتدإ محذوف، وأما أبو عبيدة فإنه فسر لم يدَع بمعنى لم يثبت ويستقر من الدعة، فارتفع مسحت ومجرف بفعلهما، وفي ذلك ما فيه من تعسف وتمحل. وللفرزدق شعر كثير من هذا النوع.

(٤-١٨) مقلداته

قال ابن سلام: وكان الفرزدق أكثرهم بيتًا مقلدًا، والمقلد البيت المستغني بنفسه، المشهور الذي يضرب به المثل. فمن ذلك قوله:

وكنَّا إذا الجبارُ صَعَّرَ خدَّه
ضربناه حتى تستقيم الأخادع١٣٦

وقوله:

ترى كل مظلومٍ إلينا فراره
ويهرب منا جهده كلُّ ظالم

وقوله:

والشيبُ ينهض في الشباب كأنه
ليل يصيح بجانبيه نهار١٣٧

وله غير ذلك كثير. ولعل مقلداته هي التي جعلت الأدباء الأقدمين يشبهونه بزهير بن أبى سُلمى.

(٤-١٩) قصاره وابتداءاته

وكان الفرزدق يُكثر من القصائد القصيرة ويفضلها على الطويلة، فسئل يومًا: «ما بال قصارك أكثر من طوالك؟» فقال: «لأني رأيتها أثبت في الصدور، وفي المحافل أجول.» وغلبت الجودة على قصاره ولم تخلُ طواله من الجميل الرائع.

ومما يجدر ذكره أن الفرزدق كان لا يعنى كثيرًا باختيار مطالعه، فليس له ابتداءات تذكر كما لغيره، وأكثر ابتداءاته خالية من التصريع.١٣٨ فكأنه كان يميل إلى التملص من قيود طالما رسف بها الشعراء في أيامه، وقبله وبعده، وكثيرًا ما تناول موضوعه مدحًا أو هجاء دون أن يوطِّئه بالغزل.

(٤-٢٠) منزلته

عدَّه ابن سلام في الطبقه الأولى من الإسلاميين وقدمه في الذكر على جرير والأخطل، وقال: «كان يونس يقدم الفرزدق بغير إفراط، وكان المفضل يقدمه تقدمة شديدة.» وقال جرير: «الفرزدق نبعة الشعر.»١٣٩ وقال أبو عبيدة: «كان الفرزدق يشبَّه من شعراء الجاهلية بزهير.» وقال أيضًا: «لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.» وقال أبو الفرج الأصفهاني: «والفرزدق مقدَّم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحله في الشعر أكبر من أن ينبَّه عليه بقول، أو يدل على مكانه بوصف. أما من كان يميل إلى جزالة الشعر وفخامته وشدة أسره فيقدم الفرزدق، وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين وإلى الكلام السمح السهل الغزل فيقدم جريرًا.»

وقال الفرزدق: «قد علم الناس أني أفحل الشعراء، وربما أتت عليَّ الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون عليَّ من قول بيت.» وقال مالك بن الأخطل: «جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت في صخر.»

وهذا الحكم يصف لنا أدق وصف صلابة شعر الفرزدق وخشونة ألفاظه، وفي كلام الفرزدق على نفسه ما يُعلمنا أن الشعر كان يعصيه أحيانًا فما ينقاد له إلا بعد نصَب، وإجهاد النفس في قرض الشعر يحتاج إلى النحت، والشعر المنحوت يكثر فيه التكلف اللفظي ويقل الطبع، وقد أفرط الفرزدق في استعمال الوحشي من الكلام حتى قال فيه أبو عبيدة: «لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.» وحفظ لنا شعره كثيرًا من أيام العرب وعاداتهم وأخلاقهم، فقلما تقرأ له نقيضة إلا وجدتها حافلة بطائفة من الأخبار.

ومنزلة الفرزدق قائمة على نقائضه، فإن مهاجاته لجرير جعلت الناس في صدر الإسلام ينقسمون حزبين: حزبًا فرزدقيًّا وآخر جريريًّا، وكان كل واحد منهما يتعصب لشاعره ويفضله على قرنه، حتى بلغ من أحد الفرزدقيين أنه عقد جائزة قيمتها ٤٠٠٠ درهم وفرس لمن يفضل الفرزدق على جرير.

ومجمل القول أن الفرزدق لم يبلغ شأو الأخطل في المدح، غير أنه أناف عليه وعلى جرير بالفخر، وثبت لجرير في الهجاء، ولكنه تضاءل عنه بالغزل والرثاء لتصلب عاطفته، وفضله على الشعر لا يقل عن فضل صاحبيه.

(٥) جرير١٤٠ (٧٣٢م/١٤٤ﻫ ؟)

(٥-١) حياته

هو جرير بن عطية بن الخَطَفي، والخطفي لقب جده حذيفة بن بدر من كليب بن يربوع ثم من تميم، وأمه حُقة بنت مُعَيْد الكلبية، وكان يُكنَّى أبا حزْرة، وحزرة ولده؛ وله غيره سبعة ذكور وابنتان.

نشأ جرير في بادية اليمامة في أسرة دون أسرة الفرزدق جاهًا وثروة وشرفًا، وكان أبوه مضعوفًا لا يُقاس بأبي الفرزدق في الشهرة والجود وعلو القدر، وقد نستطيع أن نعرف مكانة والده من حديث لبلال بن جرير قال: «قال رجل لوالدي: «من أشعر الناس؟» قال: «قم حتى أعرفك الجواب.» فأخذه بيده وجاء به إلى أبيه عطية، وقد أخذ عنزًا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها، فصاح به: «يا أبت!» فخرج شيخ دميم رث الهيئة، وقد سال لبن العنز على لحيته. فقال أبي للرجل: «أترى هذا؟» قال: «نعم.» قال: «أفتدري لِمَ كان يشرب من ضرع العنز؟» قال: «لا.» قال: «مخافة أن يُسمع صوتُ الحلب فيُطلب منه لبن.» ثم قال: «أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرًا وقارعهم به وغلبهم جميعًا.»

على أن جريرًا لم يكن بَرًّا بأبيه، فالرواة يحدثوننا بأنه كان أعقَّ الناس له، وتأثره بلال فعقَّه فلم ينكر جرير ذلك عليه، وشتمه مرة فقالت له أمه: «يا عدو الله أتقول هذا لأبيك!» فقال جرير: «دعيه، فوالله لكأني به سمعها وأنا أقولها لأبي.» فيتبين لنا أن نشأة جرير تختلف عن نشأة الفرزدق والأخطل، فقد كان عيشه لا يخلو من شظف وبؤس وشقاء. ويحدثنا ابن سلام أن جريرًا اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ويُعرف بابن النجار، ففركته١٤١ وكرهت خشونة عيشه فقال:
تكلِّفني معيشة آل زيد
ومن لي بالمرقَّقِ والصِّنابِ١٤٢

فقال الفرزدق:

لئن فركتْك علجةُ آل زيدٍ
وأعوزك المرقَّق والصِّناب١٤٣
لَقِدمًا كان عيشُ أبيك جَدْبًا
يعيشُ بما تعيش به الكلاب١٤٤

ولكن هذا الرجل الوضيع الحسب، الخشن العيش، الخامل الأبوين، أُعطي شاعريَّة بوأته أعلى مرتبة في الأدب العربي، وقد نظم الشعر صغيرًا كما نظمه الأخطل والفرزدق.

(٥-٢) صفاته وتدينه

كان جرير متعففًا لا يتعهر، ولا يشرب الخمر، ولا يشهد مجالس القيان، وكان شديد التعصب للإسلام، كثير الظهور بالدين، وتجد أثر ذلك باديًا على شعره. فأخلاقه من هذا القبيل تختلف كل الاختلاف عن أخلاق الفرزدق. وكان أنِفًا يأبى الضيم، ولا يغمض على القذى، حاد اللهجة ذا مُشارَّة،١٤٥ ومُهارة.١٤٦ لا يحجم عن مقارعة خصومه ومهاجاتهم مهما كثر عددهم عليه، وكان إذا تكلم يَخِنَّ في كلامه.١٤٧

(٥-٣) اتصاله بالأمويين

كان جرير حدثًا لما وفد إلى يزيد بن معاوية وهو خليفة في الشام. فلم يؤذن له بالدخول، وجاء الجواب: إن أمير المؤمنين يقول: «لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه، ولا نسمع بشيء من شعره.» فقال جرير: «قولوا له: أنا القائل:

وإنِّى لعفُّ الفقر، مشترَكُ الغنى
سريعٌ، إذا لم أرضَ دارى، انتقاليا»١٤٨

وكان يزيد في خلافة أبيه قد انتحل بضعة أبيات من قصيدة لجرير وعاتب بها أباه في غرض له، فاعتقد معاوية أن الأبيات لابنه. فلما أنشد يزيد البيت أذن لجرير فدخل عليه، فاستنشده القصيده فأنشده، فقال يزيد: «لقد فارق أبي الدنيا، وما يحسب إلا أني قائلها.» وأمر له بجائزة.

وهذه القصيدة قالها جرير في صباه يعاتب بها جده الخطفي، وكان ذا إبل ومال، فلما وُلد جرير لعطية أخذ ينحله١٤٩ من إبله وماله. فوُلد للخطفي صبية فرجع في ما كان نحل جريرًا، فعاتبه جرير بأبيات رقيقة.

ولكن جريرًا لم يُعرف في بلاط الأمويين إلا بعد أن طارت شهرته في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان اتصاله أولًا بالحجاج بن يوسف، وهو على العراقين، فمدحه ونال جوائزه، فأوفده الحجاج في صحبة ابنه محمد إلى عبد الملك، وكان لا يسمع لشعراء مضر، ولا يأذن لهم لأنهم كانوا زُبيرية.

فلما دخل عليه جرير بعد لأي، قال له عبد الملك: «ماذا عسى أن تقول فينا بعد قولك بالحجاج عاملنا:

من سدَّ مُطلعَ النفاقِ عليكم
أو من يصول كصولة الحجاج!١٥٠

إن الله لم ينصرنا بالحجاج، وإنما نصر دينه وخليفته!» وظهر الغضبُ في وجه عبد الملك، فتوسط ابن الحجاج في الرضى، فاستأذن جرير في الإنشاد، وأنشد كلمته التي يقول فيها:

ألستم خيرَ من رَكِب المطايا
وأندى العالمين بُطونَ راحِ١٥١

فتبسم عبد الملك وقال: «كذلك نحن.» وأمر له بمئة من الإبل وثمانية أعبد لرعايتها، وكان بين يديه صحاف من فضة، فقال جرير: «والمِحلب يا أمير المؤمنين؟» فنبذ إليه بواحدة منهن، فلذلك يقول جرير في قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك:

أعطوا هُنيدة يحدوها ثمانيةٌ
ما في عطائهمُ منٌّ ولا سَرَفُ١٥٢

وصار يفد إلى عبد الملك من ذلك الحين ويأخذ الجوائز، وكانت جائزته أربعة آلاف درهم وتوابعها من الحملان والكسوة. ومدح جرير من تولى بعد عبد الملك من الخلفاء فأجازوه. غير أنه لم يحظَ حظوة الأخطل عندهم.

(٥-٤) جرير وخصومه

لم يتصدَّ لشاعر في الجاهلية ولا في الإسلام خصوم يقارعونه مثل ما تصدى لجرير، فقد قال الأصمعي عنه: «كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرًا، فينبذهم وراء ظهره، ويرمي بهم واحدًا واحدًا، وثبت له الفرزدق والأخطل.» وسواء صح هذا العدد كله أو بعضه، فإنه كافٍ للدلالة على أن شاعرنا كان محسَّدًا، وأن شعراء عصره كانوا يتحرشون به إما طلبًا للشهرة أو تشفيًا للغض من شأنه. فنحن نرى طائفة من الأسماء التي هاجى جرير أصحابها وخذلهم قد بقيت خالدة باسم جرير، ولو لم يلتفت لِفْتها لاندثرت ولم يُسمع لها خبر، وإذا استثنينا الأخطل والفرزدق وراعي الإبل١٥٣ نجد أن سائر الشعراء الذين هاجاهم مدينون له بالخلود. فمن هو غسان السَّليطي؟ ومن هو البعيثُ وأشباههما ليقفوا في وجه جرير؟ ولكنهم أرادوا الشهرة فتعرضوا له، فرد عليهم، فجعل لهم ذِكرًا.
وأكثر الشعراء الذين هاجوا جريرًا كانوا هم البادئين بمعاداته، فقد حدَّث جرير عن نفسه قال: «لما دخلتُ على الحجاج قال: «إيهٍ١٥٤ يا عدو الله علام تشتم الناس وتظلمهم؟» قلت: جعلني الله فداء الأمير، والله إني ما أظلمهم ولكنهم يظلمونني فأنتصر. ما لي ولابن أمِّ غسان، وما لي وللبعيث، وما لي وللفرزدق، وما لي وللأخطل، وما لي وللتَّيْم» حتى عدهم واحدًا واحدًا وذكر كيف كان اعتداؤهم عليه، وقد علمت في كلامنا على الفرزدق أن جريرًا هجا غسان السليطي، ولكنه لم يكن البادئ بالهجاء، فإن غسان هو الذي تعرض له وهو من قومه، فهجاه وهجا عشيرته؛ فردَّ عليه جرير فأخزاه. فانتصر له البعيث وهو من مجاشع قوم الفرزدق، فألحقه جرير بابن أم غسان وفضح مجاشعًا. فلم يجد الفرزدق بدًّا من الدفاع عن قومه، فاصطلى معمعان الهجاء فأحمى وطيسه.

وشاق الأخطل وقعُ الألسنة حدادًا فبعث ابنه مالكًا يكشف عن الخبر. فانحدر إلى العراق، ثم عاد إليه بحكمه: «جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر.» فقضى الأخطل لجرير ونعى الفرزدق، ولكن بني مجاشع تداركوه وأكرموه واستعانوه على خصمهم، ولم يشأ جرير أن يقول له كلمة خير بعد أن فضله على الفرزدق، فغيَّر أبو مالك رأيه وتحرش بجرير، فزادت النار به اشتعالًا.

وكان عُبيد الراعي بغنى عن مهاجاة جرير، ولكنه أحب أن يَصلى بناره فأحرقته، ولم يستطع الثبوت له كما ثبت الفرزدق والأخطل، فخزي وأخزى قومه بني نُمير. روى ابن سلام أن الذي هاج الهجاء بينهما: أن الراعي كان يُسأل عن جرير، فيقول: «الفرزدق أكرمهما وأشعرهما.» فلقيه جرير وطلب إليه ألا يدخل بينهما وقال: «أنا كنت أولى بعونك، وإنى لأمدحكم وإنه ليهجوكم.» قال: «أجل ولست لمساءتك بعائد.» ثم بلغ جريرًا أنه عاد في تفضيل الفرزدق عليه، فلقيه بالبصرة، وجرير على بغلته، فعاتبه وقال: «زعمت أنك غير داخل بيني وبين ابن عمي.» فأخذ الراعي يعتذر إليه؛ وإذا بابنه جندل قد أقبل فقال لأبيه: «إني لأراك تعتذر لابن الأتان! والله لنفضِّلن عليك ولنروينَّ هجاءَك عليه، ولنهجونك من تلقاء أنفسنا.» وضرب وجه بغلته، فانصرف جرير مغضبًا. فقال الراعي لابنه: «أما والله ليهجوني وإياك.» وكان جرير نازلًا بالبصرة على امرأة من بني كليب، فبات في عِلِّية لها وهي في سفل دارها، فقالت المرأة: «فبات ليلته لا ينام، يتردد في البيت حتى ظننت أن قد عُرِض.»١٥٥ حتى فُتح له:
أقلِّي اللومَ عاذِل والعتابا
وقولي، إن أصبتُ: لقد أصابا
ثم أصبح بالمِربَد١٥٦ فقال: «يا بني تميم، قيَّدوا قيدوا.»١٥٧ وأنشدها ثمانين بيتًا، والراعي والفرزدق يسمعان، فلم يجبه الراعي ولم يهجه جرير بغيرها، ولكنها كانت كافية لإخزاء بني نُمير، فصاروا ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نميرًا إلى أبيه هربًا من ذكر نمير، وفرارًا مما وُسم به من الفضيحة والوصمة، وتشاءموا بعُبيد الراعي، وسبوه وابنه.
قال بعضهم: «كان الراعي فحل مضر فضغمه١٥٨ الليث.» يعني جريرًا. على أننا وإن قلنا إن الشعراء كانوا يتعرضون لجرير بغضةً، أو حسدًا، أو رغبة في الشهرة، فلسنا نعني أن جريرًا كان يكره هذه الملاحيات أو يتجنبها، فلطالما عرَّض نفسه لها وابتاعها إن لم يجد لها شاريًا. فعمر بن لجأٍ التيمي لم يتحرش بجريرٍ، ولكن جرير عاب عليه بيتًا من شعر، فعاب عليه التيمي بيتًا من قصيدة له، فهجاه جرير فرد عليه التيمي، فالتحم بينهما الهجاء، وما كان التيمي بمستطيع أن ينافس جريرًا لو أهمله جرير، ولكنه قارعه فشهره، حتى إن الفرزدق أنف لجرير أن يتعلق به التيمي فهجا أخا التيم بقوله:
وما أنت، إن قرْما تميمٍ تساميا
أخا التَّيمِ، إلا كالوشيظةِ في العظم١٥٩

ولقي عمر بن عطية أخا جرير فقال له: «قل له: ويلك ائت التيمي من عَل كما أصنع بك أنا.»

ويحدثنا ابن سلام أن رجال تميم مشت بين جرير والتيمي، وقالوا: «والله ما شعراؤنا إلا بلاءٌ علينا، يثيرون مساوئنا، ويهجون أحياءنا وأمواتنا.»

فلم يزالوا بهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلظة، أن لا يعودا في هجاء. فكف التيمي، وكان جرير لا يزال يسل الواحدة بعد الواحدة، فيقول التيمي: «والله ما نقضت هذه ولا سمعتها.» فيقول جرير: «هذه كانت قبل الصلح.»

فمن هذه الرواية وغيرها نعلم مبلغ ميل جرير إلى الشر والخصام، ورغبته في ملاحاة الشعراء، وقد قال فيه الحجاج لما سمع أخباره مع خصومه: «قاتله الله أعرابيًّا! إنه لجرو هراش.»١٦٠ ولعل أبلغ وصف لجرير في مهاجاته الشعراء قول الفرزدق فيه: «قاتله الله! ما أحسن ناجيته١٦١ وأشرد قافيته!١٦٢ والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ولكنهم هرُّوه١٦٣ فوجدوه عند الهراش نابحًا، وعند الجد قادحًا.»١٦٤

وقد رأينا في درسنا الأخطل والفرزدق أن أشد الهجاء كان بينهما وبين جرير، ولا سيما جرير والفرزدق، فقد علمت كيف انقسم الناس حزبين معهما، فناصر كل حزب شاعره وفضله على الآخر، وبلغ من اشتغال الناس بهما أن جعلوا لهما شيطانًا واحدًا يلقنهما، ولكل شاعر عند العرب شيطان يوحي إليه، ونقل الرواة لنا أخبارًا كثيرة عن وحدة شيطانهما، نكتفي منها بواحد نورده لا إيمانًا بصحته، ولكن لنظهر ما كان لشعرهما من التأثير في نفوس أبناء عصرهما.

زعموا أن جريرًا والفرزدق خرجا من العراق يطلبان الرصافة لهشام بن عبد الملك، وقد مدحاه، فلما كانا ببعض الطريق نزل جرير في حاجة له، فتلفتت ناقة الفرزدق فضربها بالسوط وقال:

إلام تلفَّتين وأنت تحتي
وخيرُ الناس كلهم أمامي
متى ترِدي الرصافة تستريحي
من التهجير، والدَّبَرِ الداومي١٦٥
ثم قال لرواتهما: «الساعة يجيء ابن المراغة،١٦٦ فأنشده البيتين فينقضهما بأن يقول:
تلفَّتُ أنها تحت ابن قينٍ
حليفِ الكير والفأس الكهام١٦٧
متى ترِد الرصافة تَخْزَ فيها
كخِزيك في المواسم كل عام١٦٨

فرجع جرير فوجد القوم يضحكون فقال: «ما الخبر؟» فقال أحد الرواة: «يا أبا حزرة إن أخاك أبا فِراس وقع له كيت وكيت.» وأنشده البيتين الأولين. فارتجل البيتين الآخرين، فتعجب القوم من ذلك الاتفاق وقالوا: «والله يا أبا حزرة لهكذا زعم أنك تقول.» فقال: «أوما علمتم أن شيطاننا واحد؟»

فالاصطناع في هذه الرواية ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وأما البيتان الآخران فهما لجرير من قصيدة نقض بها قصيدة قالها الفرزدق في هشام بن عبد الملك.

(٥-٥) موته

عُمِّر جرير حتى أربت سنه على الثمانين، وكانت وفاته باليمامة وفيها قبره، وقد هلك بعد أن شهد هُلك خصميه: الأخطل والفرزدق. فلما مات الأخطل هجاه بقوله:

زار القبورَ أبو مالك
فكان كألأم زوارها

ولما مات الفرزدق قال فيه:

مات الفرزدق بعدما جَدَّعتُه
ليت الفرزدق كان عاش قليلا١٦٩

فقيل له: «لبئس ما قلت، أتهجو ابن عمك بعدما مات! لو رثيته كان أحسن بك.» فقال: «والله إني لأعلم أن بقائي بعده لقليل، وإن كان نجمي موافقًا لنجمه فلأرثينه!» ثم قال فيه:

فلا وَلدَتْ بعد الفرزدق حاملٌ
ولا ذاتُ بعل مِن نِفاس أبَلتِ١٧٠

وبين وفاة الفرزدق ووفاة جرير بضعة أشهر، وعدها بعضهم ستة.

(٥-٦) آثاره

ديوان طُبع في القاهرة في جزأين أكثره في الهجاء والمدح، «ونقائض جرير والفرزدق» طُبعت في مجلدين كبيرين بلَيدن، «ونقائض جرير والأخطل» نشرها الأب صالحاني اليسوعي في بيروت، وهو من أصحاب الملحمات، ومطلع ملحمته:

حيِّ الغداةَ برامة الأطلالا
رسْمًا تحمَّلَ أهلُه، فأحالا١٧١

(٥-٧) ميزته

كان جرير والفرزدق والأخطل يتنازعون إمارة الشعر في عصر الأمويين، ولكل واحد منهم ميزة رفعته إلى الدرج الأعلى فتبوأ من دولة الأدب سدة عالية، ولكن لا بد لنا أن ننصف جريرًا فنقول: «إنه كان أطبعهم شعرًا، وأخصبهم مادة، وأبعدهم من تكلف. فكأنك به، وهو يهاجي أربعين شاعرًا ونيفًا،١٧٢ بركان مشتعلٌ لا تخمد ناره ولا يبرد حميمه. فتراه يتنقل من شاعر إلى شاعر غير عابئ ولا حافل، يدعو الشعر فيجيبه؛ ويهيب بالمعاني فتترامى على أسَلَة لسانه،١٧٣ فيتصرف فيها كيف شاء.

ألا وإن الشاعر الذي تتألب عليه جمهرة من الشعراء تنهشه نهشًا، وهو لا يبالي، ولا يعجز أن يرد عليهم جميعا، فيسلقهم واحدًا بعد واحد، دون أن تنضب قريحته أو يجف معينها، إن هذا الشاعر لكما قال فيه مالك بن الأخطل: «يغرف من بحر.» فجرير كان ينظم الشعر بطبعه لا يحككه كالأخطل، ولا يدحرج ألفاظه كالفرزدق، فغلبت عليه السهولة، والشاعر المطبوع لا يأنس بالتكلف، وإنما يرخي العنان لقوافيه فتنطلق إرسالًا.

وأُوتي جرير من الرقة والهلهلة ما جعل لشعره علوقًا في الحافظة أكثر من شعر صاحبيه، فسارت قصائده كل مسير في بوادي العرب وأمصارها.

ورقة جرير فضَّلته على الأخطل والفرزدق بالغزل والرثاء، ولو لم يكن همه مقارعة الشعراء الذين يهاجونه لما ترك بابًا من الشعر إلا فتحه، ولكنهم «هرُّوه فوجدوه عند الهراش نابحًا.» فشغلوه عن كثير من فنون الشعر: كالوصف والقصص، ولم ينظم في الغزل إلا ما كان يوطِّئ به قصائد المدح والهجاء، على أن ما نظمه كافٍ للدلالة على مهارته في هذا الفن، وتمكنه من التأثير في النفس. فغزله اللطيف يختلف عن غزل الفرزدق الجافي، وعن غزل الأخطل الذي هو أقرب إلى الأسلوب الجاهلي منه إلى الأسلوب الإسلامي.

ونحن في درسنا شعر جرير، سنحلل أولًا خاصته في الهجاء وما يتبعها من فخر، وهي أظهر خاصة فيه، ثم نتناول مدحه فغزله فرثاءه.

(٥-٨) هجاؤه

قد يُخيَّل إليك، وأنت تقرأ ما كتبناه عن تعفف جرير وتدينه، أن جريرًا في هجائه أطهر لسانًا من الفرزدق أو أقل إفحاشا وإقذاعًا، في حين أن الفرزدق على تعهره يكاد لا يجاريه في حومة الخنى، وربما كان هجو جرير أفحش وأفجر من هجو الفرزدق، ونقول: ربما، لأننا نزعم ذلك في شيء من الاحتياط.

ولا تعجَب لجرير أن يقذع في كلامه ويفحش على ما عرفت من تحرجه وصدق إسلامه؛ فالرواة يحدثوننا بأن الناس في ذلك العهد لم يكونوا يتأثمون من رواية الشعر أو نظمه، وإن خبثت ألفاظه. ولابن سيرين خبر يؤيد هذا القول، تجده في طبقات الشعراء لابن سلام وفى العمدة لابن رشيق، ويؤيد ذلك أيضًا ما نعلم من أن طائفة من نقائض جرير والفرزدق مُدح بها الخلفاء، وسمعوها دون أن يتحرَّجوا من سماعها على ما فيها من هجر في القول، وتمزيق للأعراض. فهجو جرير بؤرة فجور وفساد كهجو الفرزدق، ولكن أسلوبه يختلف عن أسلوب صاحبه. فقد عرفت أن أبا فراس يأتي خصمه من عَلُ فيرفع نفسه إلى الذروة العليا، ويحط مهجوَّه في الحضيض. وأما أبو حزرة فإنه يتتبع مثالب عدوه واحدة واحدة، فيعلنها، ويبالغ في تقبيحها، وإذا أعياه وجودها لم يعيِه الاختلاق، فهو أقدر الشعراء على اصطناع العيوب في خصومه، فتراه ينشر عنهم أخبارًا مخزية لا مصدر لها إلا قريحته الجهنمية.

(٥-٩) هجوه الفرزدق

وإذا أراد جرير أن يهجو الفرزدق لقبه بابن القين.١٧٤ وبنو مجاشع جميعًا قيون على زعمه، ولا يغفل عن ذكر الكير والعلاة١٧٥ والقَدُوم وهنَّ للقين عدة لا يستغنى عنها. ويعيره قُفيرة أم جده صعصعة؛ لأنها بنت أمة، ويعيبه ويعيب قومه بالخزيرة١٧٦ وذلك أن ركبًا من مجاشع مروا برجل من تغلب فسألهم أن ينزلوا. فحمل إليهم خزيرة فجعلوا يأكلون وهي تسيل على لحاهم، وهم على رواحلهم، ويشهِّر جِعثِن أخته راويًا عنها خبرًا شائنًا، ويندد ببني مجاشع زاعمًا أنهم خانوا الزبير بن العوام حين فزع إليهم يوم الجمل فقُتل.١٧٧ وقلما تخلو له قصيدة في الفرزدق من ذكر القيون وجعثن والزبير.

وجرير كثير الافتخار بدينه، شديد التعصب له، لا يوقِّر غير الإسلام. وكان له من صداقة الفرزدق والأخطل وسيلة لاتهام الفرزدق بالنصرانية وتعييره الكفر، فيقول:

لقد لحِقَ الفرزدق بالنصارى
لينصُرهم، وليس به انتصارُ
ويسجد للصليب مع النصارى
وأفلجَ سهمُنا، ولنا الخيار١٧٨

أو يتهمه بالنصرانية واليهودية معًا فيقول:

خرجتَ من المدينة غير عَفٍّ
وقام عليك بالحرم الشهودُ١٧٩
تُحبك يوم عيدِهم النصارى
ويومَ السبتِ شيعتُكَ اليهود١٨٠
فإن تُرجَم، فقد وجبتْ حدودٌ
وحلَّ عليك ما لقِيت ثمود١٨١

ولا يفتأ يتتبع زلاته ليندد به ويعيره إياها؛ فاذا نبا سيفه شهَّره واستهزأ منه، وقد مرَّ بك شيء من ذلك في بحث الفرزدق، وإذا طُرد من مكان لفجوره أو لخبث لسانه، أخذه بالصيحة من ورائه وراح ينعته بأقبح النعوت، ويلذعه بأحرِّ الشتائم. فمن ذلك قوله فيه بعد أن طُرد من المدينة:

إذا دخل المدينة فارجموه
ولا تُدنوه من جدَثِ الرسول١٨٢

(٥-١٠) هجوه الأخطل

واذا انبرى جرير لهجاء الأخطل تناول تغلب بالمخزيات حتى يصل بهم إلى ربيعة بن نزار، فما يدع يومًا عليهم إلا عيَّرهم إياه، وكثيرًا ما يعيرهم مقتل كليب وائل، وينفر عليهم بني بكر، أو يذكر لهم الأيام التي قهرتهم فيها قيس عيلان، ثم ينفر عليهم قيس عيلان، ويدافع عنها ناقضًا ما قال الأخطل في هجائها.

وأشد ما يعنى به جرير في هجو الأخطل وقبيلته تعييرهم النصرانية والافتخار عليهم بإسلامه، فهم الخنانيص، وهم الأذلاء الذين يؤدون الجزية، ويشربون الخمر، ويأكلون لحم الخنزير، ويمعن أحيانًا في ذكر الصليب والقديسين والقسيسين مُعرِّضًا ومُصرحًا، وأكثر ما يدعو الأخطل بصيغة التصغير، أو يلقبه بدَوبَل أو بذي الصليب.

ولا تخلو قصيدة لجرير في الأخطل من الطعن على ديانته، والدفاع عن قيس عيلان وتنفيرهم على تغلب.

(٥-١١) فخره

وجرير شديد الافتخار ببني تميم، يباهي بهم الشعراء، ويعدد أيامهم مزهوًّا بمفاخرهم، وما أكثر ما لتميم من المفاخر، وهي من أكرم القبائل وأكثرها حصى، وإذا هاجى الفرزدق، وهو مثله من تميم، افتخر عليه بقومه بني كليب بن يربوع، وذكر أيامهم، وعيَّره الأيام التي خُذلت فيها بنو دارم، والأيام التي خُذلت فيها بنو ضبة أخواله، ولكنه يقصر عنه فما يستطيع أن يجاريه في هذا الميدان.

على أننا إذا أردنا أن نتبين الخاصة التي يمتاز بها جرير في الفخر، فإننا نجدها في استخفافه بالشعراء المتألبين عليه، فتراه يردد أسماءهم مباهيًا بقهره إياهم، وهو لا يهجو شاعرًا إلا نعى إليه نفسه، وجعله مغلَّبًا مشدودًا في حبل واحد مع سائر الشعراء الذين هاجاهم.

(٥-١٢) مدحه

علمنا أن عبد الملك بن مروان كان لا يأذن لشعراء مضر لأنهم زبيرية، وعلمنا أيضًا أن جريرًا لم يتصل ببني أمية إلا بشفاعة الحجاج، فهو إذًا لم يكن بجاهل سخط الأمويين عليه وعلى قومه، فتراه يلح في الاعتذار كلما أنشأ يمدح أمراء أمية، ولا يحجم عن التعريض بعبد الله بن الزبير وأخيه مصعب، وإنكار حق عبد الله في الخلافة مع أنه في هجو الفرزدق والأخطل يؤيد قيس عيلان ويدافع عنها؛ وقيس عيلان كانت في حروبها تناصر أبناء الزبير. فيتبين لنا من ذلك أن لجرير خطتين متباينتين: إحداهما ترمي إلى الدفاع عن القيسية وتنفيرها على أعدائها، والرد على الشعراء الذين يهجونها، ويطعنون في أعراضها، فهو من هذا النحو شاعر ذو سياسة قبلية لا يستطيع إلا إظهارها. والأخرى ترمي إلى التكسب والانتفاع، وما من سبيل إليهما إلا في الاتصال بالأمويين والتملق لهم، إذ لم يكن للشعراء منهل أغزر من منهلهم، ولا ماء أعذب من مائهم، وخصوصًا بعدما انهارت خلافة ابن الزبير وأصبح شعراء مضر لا يرتجون نجعة إلا في بني أمية.

وحسبك أن تقرأ شيئًا من مدح جرير لهم لتعلم أسلوبه في استرضائهم، والاعتذار إليهم، وترى أن مدحه لهم ديني أكثر مما هو دنيوي حتى ليكاد يشغلهم بالآخرة عن الأولى، والعاطفة الدينية شديدة الظهور في شعر جرير.

(٥-١٣) غزله

وقد يعجبك أن تسمع هذا الشاعر يتعفف بغزله بعدما سمعته يهتك الأعراض بهجوه. فجرير على شدة فحشه في الهجاء لا ينطق في نسيبه إلا بأطهر من ماء الغمام، وهو أول غزلٍ طرد الحبيب الزائر ليلًا خوفًا من الريبة، فقال:

طرقتكَ صائدةُ القلوب، وليس ذا
وقت الزيارة، فارجعي بسلام!١٨٣

وهو في غزله رقيق العاطفة، لطيف المعاني، لين الألفاظ، يخلط الفن القديم بالجديد، فيجيد كل الإجادة، حتى لتحسبه أحد أولئك المتيمين الذين نشئوا في البادية واشتهروا بغزلهم العفيف. على حين أنه لم يكن في عداد المتيمين، ولكنه أُوتي من الرقة وبراعة الفن ما جعل لشعره ميزة في الغزل فاق بها صاحبيه.

وإنا، وإن قلنا إن جريرًا لم يكن في عداد المتيمين، لنأبى أن نجاري بعض الرواة في زعمهم أنه لم يعشق، فمثل هذا الغزل الناعم، لا يصح صدوره إلا عن قلب متأثر ملتاع، ونجد في رثائه لامرأته أنه كان يهواها ويتألم لفراقها.

أجل إن صاحبنا لم يَهِم على وجهه كجميل بثينة وقيس بن ذريح، ولم يتهتك كابن أبي ربيعة والعَرجي، ولكنه أحب حبًّا صادقًا، وتغزل غزلًا صادقًا لا تكلف فيه. فأحبب به متغزلًا حين يقول:

إن الذين غدوا بلُبِّك، غادروا
وشلًا بعينك ما يزال مَعِينا١٨٤
غيَّضْنَ من عبراتهنَّ، وقلن لي
«ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا؟»١٨٥

فهل رأيت ما في عجز البيت الثاني من لوعة لم تستطع صاحبته الإفصاح عنها، فاكتفت باستفهام حائر ملؤه يأس وتحسر وتأنيب: «ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟»

فغزل جرير عاطفي رقيق في أكثره، روحاني متعفف، مع ما فيه من وصف مادي أحيانًا. يريك من الشاعر صورة جديدة لطيفة تحجب عنك تلك الصورة الرهيبة التي طبعها هجاؤه في نفسك، فتحسب أنك أمام بدوي رقيق الشعور عفيف النفس، لا أمام أعرابي فاجر يهتك الحرمات وينهش الأعراض.

(٥-١٤) رثاؤه

وجرير في رثائه مثله في غزله، يذوب رقة وعاطفة إذا كان الميت من أهله، فترى على شعره مسحة من الكآبة والحزن تترك في نفسك أثرًا بليغًا، فيخيل إليك أن القوافي تُساعد الشاعر على بكائه.

وهو يرى المرأة بغير العين التي يراها بها الفرزدق، فما يحسبها أهون فقيد على الرجل، ولا يأنف من التولُّه على زوجه بعد موتها، وقد تحدثه نفسه بزيارة قبرها فيمسكه الحياء؛ ولا تعجب لحيائه، فالبكاء على قبور النساء غير مألوف عندهم، فيرتد عن قصده وهو يقول:

لولا الحياء لعادني استعبار
ولزرتُ قبرك، والحبيبُ يُزار١٨٦

(٥-١٥) منزلته

هو أحد الثلاثة المقدمين في الإسلام. ذكره ابن سلام بعد الفرزدق وقبل الأخطل، وسئل عنه الأخطل فقال: «دعوه أخزاه الله! فإنه كان بلاء على من صب عليه.» وقال مالك بن الأخطل: «جرير يغرف من بحر.» وقال الفرزدق: «أنا وإياه لنغترف من بحر واحد، وتضطرب دلاؤه عند طول النهر.» وقال بعضهم: «بيوت الشعر أربعة: فخر، ومديح، ونسيب، وهجاء، وفي كلها غلب جرير. في الفخر قوله: «إذا غضبت عليك بنو تميم.» وفي المدح قوله: «ألستم خير من ركب المطايا.» وفي الهجاء قوله: «فغض الطرف إنك من نمير.» وفي النسيب قوله: «إن العيون التي في طرفها حوَر».» قال ابن سلام: «وإلى هذا يذهب أهل البادية.» وسأل عكرمةُ بن جرير أباه عن نفسه فقال: «دعني فإني نحرت الشعر نحرًا.» وحدث ابن سلام عن يونس: «إن الفرزدق كان يتضور١٨٧ ويجزع إذا أنشد لجرير، وكان جرير أصبرهما.» وسئل نُصَيب الشاعر عن أشعر الناس فقال: «أخو بني تميم.» يعني جريرًا، وكان أبو عمرو يشبِّه جريرًا بالأعشى، وقال الأخطل للفرزدق: «إنك وإياي لأشعر من جرير، ولكنه أوتي من سير الشعر ما لم نؤته.» وسمع راعي الإبل إنسانًا يتغنى بشعر جرير فقال: «لعنة الله على من يلومني أن يغلبني مثل هذا.» وحكم بين الثلاثة مروان بن أبى حفصة١٨٨ فقال:
ذهب الفرزدقُ بالفخار، وإنما
حلو الكلام ومرُّه لجرير
ولقد هجا فأمضَّ أخطلُ تغلبٍ
وحوى اللُّهَى بمديحه المشهور١٨٩

فقد حكم للفرزدق بالفخار، وللأخطل بالمدح والهجاء، وبجميع فنون الشعر لجرير، وقال بعضهم: «كان جرير ميدان الشعر، من لم يجرِ فيه لم يروِ شيئًا، وكان من هاجى جريرًا فغلبه جرير أرجح عندهم ممن هاجى شاعرًا آخر فغُلِب.» وهجا بشار جريرًا وكان حدثًا فاستصغره جرير فلم يجِبه، فقال بشار: «لم أهجه لأغلبه ولكن ليجيبني فأكون من طبقته، ولو هجاني لكنت أشعر الناس.»

فمن كلام بشار نعلم كيف كان الشعراء يتحرشون بجرير طمعًا في الشهرة لا طمعًا في التغلب عليه، ولا سيما أن مغلَّب جرير أرجح عندهم من مغلَّب سواه، وفي حكم ابن أبي حفصة ما يؤيد زعمنا من أن جريرًا أقدرهم على التصرف في جميع فنون الشعر، وهو بشهادة الأخطل أسْيَرهم شعرًا، ونرى أن تشبيهه بالأعشى يتناول سيرورة شعره من ناحية، ثم رقته وطبعه من ناحية أخرى، ولا ينبغي أن ننسى أن كلا الشاعرين هجَّاء مدَّاح، وأن كليهما من اليمامة، ولعل السهولة والانسجام من خصائص الشعر اليمامي، فإن في نعومة لغة جرير ووضوح معانيه وسلاسة قوافيه ما يذكرنا بالشاعر الجاهلي، بالأعشى الأكبر، ولكن رقة جرير قد تنحدر به إلى اللين في بعض قصائده الطويلة فتضطرب قوافيه ويسف شعره، وهذا ما نستطيع أن نفسر به قول الفرزدق: «وتضرب دلاؤه عند طول النهر.» على أن ذلك لا يضير شاعريته، وله من بدائع الشعر ما يرفعه إلى أعلى ذروة في الأدب، ويمكننا أن نعزو هذا الاضطراب أو اللين إلى الإكثار من النظم، فقد كان مضطرًّا إليه ليرد على خصومه. هذا وإن رقة الشعر نفسها لا تخلو أحيانًا من لين وإسفاف.

وبعد، فإن الشاعر الذي يهاجي أربعين شاعرًا ونيفًا، ويرمي بهم واحدًا واحدًا، ولا ينكص عن مقارعة قرمين كالأخطل والفرزدق تضافرا عليه وهما لا يقلان شاعرية عنه، إن هذا الشاعر لأخصب الشعراء قريحة، وأقدرهم على الاختراع، والتلاعب بالمعاني، وأبعدهم من تكلف، وهو وإن يكن قصر عن الأخطل في المدح والوصف، وعن الفرزدق في الفخر، فقد كاد يبذهما في الهجاء، وفاقهما بالغزل والرثاء، وإنه لأجمعهم لأبواب الشعر بلا مراء.

هوامش

(١) قريش مضرية عدنانية والأنصار يمانية قحطانية.
(٢) كانت الكوفة وما يليها من العراق موئل علي بن أبي طالب وابنه الحسن في خلافتيهما فنشأ الحزب الشيعي في تلك الأمصار.
(٣) تولى الخلافة يزيد من معاوية سنة ٦٨٠–٦٨٤م/٦٠–٦٤ﻫ. ثم تولاها ابنه معاوية، ولم يلبث أن تخلى عنها بعد أربعين يومًا. فانتقلت من آل معاوية بن أبي سفيان إلى آل مروان بن الحكم وكلاهما من أمية.
(٤) خلافة مروان بن الحكم سبعة أشهر أو أكثر من ٦٨٤-٦٨٤م/٦٤-٦٥ﻫ.
(٥) خلافته من سنة ٦٨٤–٧٠٥م/٦٥–٨٦ﻫ.
(٦) المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة، مؤنثة وقد تُذكَّر. فارسية الأصل.
(٧) الفيء: الخراج والغنيمة. أو ما رده الله على المسلمين من أموال من خالفهم في الدين بلا قتال إما بالجلاء أو المصالحة على جزية أو غيرها.
(٨) هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي العاشر ملك من سنة ٧٢٣–٧٤٣م/١٠٥–١٢٥ﻫ وفي أيامه خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب طالبًا الخلافة لنفسه فبايعه أهل الكوفة، وكان عاملها من قبل هشام يوسف بن عمر الثقفي، فجمع العسكر وقاتل زيدًا فانتصر عليه، وقتل زيد بسهم أصابه في جبهته.
(٩) الخِير: الكرم والشرف والأصل.
(١٠) الأخطل: الطويل الأذنين المسترخيهما، والخفيف السريع، والأحمق، وذو المنطق الفاسد المضطرب، والكلام الفاسد الكثير، والإنسان الطويل المضطرب.
(١١) الدوبل: الخنزير أو ولده، وولد الحمار أو الحمار الصغير لا يكبر، والذئب والثعلب.
(١٢) الشكوة: وعاء من جلد للماء واللبن.
(١٣) اللمم: الذنب الصغير والجنون، فإن كان المعنى الأول كان المراد أصيبت العنبات والشكوة بذنب صغير، وإن كان الثاني كان المراد ألمَّ بالعجوز جنون على عنباتها وشكوتها.وقوله: على عنبات العجوز من نوع القلب.
(١٤) الأمم: القرب، والشيء اليسير. يقول: اللعن على قرب منها، أي يأتي إليها لأنه ابن زوجها. أو اللعن شيء يسير منها؛ لأنه تعوَّد منها أكثر من ذلك.
(١٥) مقرزمًا: يقول الشعر الرديء.
(١٦) العلج: الرجل الضخم من كفار العجم، وهو هنا الكافر على الإطلاق.
(١٧) لما رأى معاوية أن أكثر اليمنية تشايع عليًّا عمد إلى استمالتهم فقرب منهم قبيلة كلب وتزوج منها ميسون بنت بحدل الكلبي وهي أم يزيد. ثم استنصرهم على قتلة عثمان؛ لأن أم عثمان كانت كلبية واستغواهم بالمال فحاربوا معه وناصروا ابنه يزيد من بعده لأنهم أخواله، وكانوا في جانب مروان بن الحكم على ابن الزبير وفي جانب ابنه عبد الملك من بعده.
(١٨) أفناء اليمن: أخلاط من قبائل اليمن.
(١٩) يستخذي: يخضع بذلة.
(٢٠) صأى الفرخ يصئي صئيًا مثلثة: صاح.
(٢١) أضاف بعضهم إلى ذلك قوله: «يا أمير المؤمنين» وهذا خطأ؛ لأن الأخطل لم يدرك هشامًا وهو خليفة ليدعوه بأمير المؤمنين، وخلافة هشام من ٧٢٣–٧٤٣م/١٠٥–١٢٥ﻫ.
(٢٢) صحل: بح.
(٢٣) الأضاحي: جمع أضحية وهي شاة يضحى بها، وأراد بلحم الأضاحي ما يذبح الحجاج من الشاء في عيد الأضحى.
(٢٤) زجره: دفعه وصاح به. العنس: الناقة الصلبة الفتية. بكورًا: غدوة، وقوله: للنجاح، أي طلبًا للنجاح من زيارتها.
(٢٥) العير: الحمار. حي على الفلاح: صلاة المسلم، وحي: اسم فعل بمعنى الأمر مبني على الفتح. الفلاح: الفوز والنجاة، والمعنى: هلموا إلى طريق النجاة والفوز أي الصلاة.
(٢٦) الشمول: الخمر الباردة. منبلج الصباح: زمان انبلاجه أي إشراق الشمس حين لا تجوز الصلاة للمسلم. يقول: إنه يشرب الخمر ويصلي عند طلوع الشمس وهو نشوان غير متقيد بالآية القرآنية التي تقول: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ.
(٢٧) علني: سقاني تباعًا. الهدير: غليان الخمر عند تصفيقها.
(٢٨) زهوًا: تيهًا وتكبرًا.
(٢٩) وكأس: وخمرة حالة في كأس، مجاز مرسل. مثل عين الديك: حمراء صافية. صرف: غير ممزوجة بالماء. الشاربين: مفعول أول لتنسي. العقول: مفعول ثان.
(٣٠) ثلاثًا أي ثلاث زجاجات. أن يطول: أي أن يعلو ويعظم.
(٣١) قرشية: أي مشية قرشية. المآزر، جمع مئزر: وهو كل ما سترك. الفضول: جمع فضل، وهو ذيل الثوب وما يزيد منه. يقول إذا شرب الفتى من هذه الخمرة زهي وطلب العظمة فيمشي مشية قرشية فيها تبختر وخيلاء. والقرشي شديد التيه؛ لأن النبوة والخلافة فيه. وأرخى من مآزره الفضولا: أي جر أذياله تيهًا وتكبرًا.
(٣٢) الدمن، جمع دمنة: وهي آثار الدار وما تلبد فيها من البعر والرماد وغير ذلك. يقول: قد ينبت المرعى على دمنة فيظهر منظره حسنًا ولكن باطنه يبقى خبيثًا، وهكذا نحن وأنتم نظهر الصلح وصدورنا تجن الحقد الذي لا تزول حزازاته أي آلامه التي تحز في القلوب.
(٣٣) الجنف: الجور والتحامل. يقول: حكمت حكمًا ليس بذي جور وتحامل.
(٣٤) شالت: ارتفعت. النعامة: القدم أو باطن القدم، وشالت نعامته: مات، مأخوذ من ارتفاع باطن القدم عند الموت، أو من نفور النعامة وهي أشد الحيوان نفارًا، ولهذا قالوا للرجل إذا فرع من شيء وارتحل أو مات: نفرت نعامته، ويقال للقوم إذا خلت منازلهم منهم أو ارتحلوا عن منهلهم أو تفرقوا أو تفرقت كلمتهم أو ذهب عزهم: شالت نعامتهم. يقول: إن الفرزدق قد مات وذهب عزه بعد أن عضه حية ذكر من قومه، والحية يطلق على الذكر والأنثى، وقوله: من قومه، لأن جريرًا والفرزدق من بني تميم.
(٣٥) دارم: قبيلة الفرزدق من تميم.
(٣٦) الأخ ساروفيم فيكتور في كتابه تاريخ الآداب العربية. الأب نعمة الله العنداري في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية.
(٣٧) خلافة عمر بن عبد العزيز من ٧١٧–٧٢٠م/٩٩–١٠١ﻫ.
(٣٨) خلافة سليمان من ٧١٤–٧١٧م/٩٦–٩٩ﻫ.
(٣٩) الملحمات: المحكمات النظم، من قولهم: ألحم الشعر، أي أحسن نظمه وأحكم لُحمته.
(٤٠) أحفار: موضع في بلاد تغلب. الدمنة: آثار الدار وما تلبد من الرماد والسواد.
(٤١) النقائض: جمع النقيضة، وهي القصيدة يقولها الشاعر، فينقضها عليه خصمه، أي يرد عليه ملتزمًا مثله البحر والقافية، ويعرض لمعانيه فينفيها أو يقلبها أو يفسدها.
(٤٢) راجع يوم صفين في اللمحة التاريخية. يقول: أمد بني أمية مدد من ربهم إذ دعوه، ولعله يشير إلي فوزهم وخسران علي بعد أن رفعوا المصاحف.
(٤٣) على الأولى: الجار متعلق بأمدهم. مظلمة: ظلمًا. نشد: من نشده الله، أي أقسم عليه بالله، وقد نشدوا: أي نشدوا الله أن لا يقتلوه فلم ينههم عنه هذا النشد بل قتلوه ظلمًا.
(٤٤) قرت العين: بردت سرورًا وانقطع بكاؤها. ثأر بالمقتول: أخذ بثأره. التبل: الثأر. القود: القصاص. يقول: أدركوا ثأرهم وكان ذلك عقابًا لما اقترفه من الإثم قتلة عثمان.
(٤٥) يقول: أنتم أعظم الناس أحسابًا وأكثرهم عددًا.
(٤٦) خف: عجل وأسرع. القطين: القوم المجاورون. راحوا: ساروا مساء. بكروا: ساروا بكرة. أزعجتهم: أقلقتهم وحملتهم على الرحيل. نوى: بعد. الصرف: نوائب الدهر وحدثانه. الغير: أحداث الدهر، وتغير الناس من حال إلى حال. يخاطب نفسه فيقول: ذهبت جيرتنا وأبعدتهم نوى في أحداثها ما يغير الناس من حال إلى حال.
(٤٧) الأسيفة: الأمة. الحدج: مركب النساء. الحصان: العفيفة الحرة. يقول: أنت تسمو إلى تميم مفتخرًا كالأمة التي تفتخر بحدج مولاتها الحرة.
(٤٨) أصهر إليهم وفيهم صهرًا: أي تزوج فيهم. يقول: إن الملوك يتزوجون في قبيلة دارم لشرفها.
(٤٩) شال: ارتفع. يقول: إذا وزنت مفاخرهم ومفاخر أبيك رجحت كفتهم لثقلها، وارتفعت كفة أبيك لخفتها.
(٥٠) العبيط: الطري يوصف به اللحم والدم.
(٥١) اللذا: أي اللذان، حذف النون. وقوله: إن عمي، أراد بهما عمرو بن كلثوم قاتل عمرو بن هند، وأخاه مرة بن كلثوم قاتل المنذر بن النعمان بن المنذر.
(٥٢) جاشت: غلت واضطربت. حوالبه: أمواجه. حافتيه: جانبيه. العشر: شجر. يقول: من شدة اضطراب أمواجه يقلع الشجر فيرمي بها.
(٥٣) زعزعته: حركته شديدًا. الجآجئ: جمع الجؤجؤ، وهو الصدر، وأراد به صدر السفينة. آذيه: أمواجه. غدر: جمع غدير، وهو النهر والقطعة من الماء يغادرها السيل، ويقول: إذا ضربت الريح الشديدة المياه انقذقت كالغدر على جآجئ السفن الجارية.
(٥٤) مسحنفر: سريع الجري. أكافيف: جمع كفاف وكفة وهي التلة. الزور: الميل، يقول: هذا النهر يجرى بسرعة من جبال الروم تستره من هذه الجبال تلال يمر في وسطها وهي مائلة عليه.
(٥٥) أجهر: أحسن. يجتهر: ينظر إليه، وهذا البيت متصل بقوله: فما الفرات، أي: فما الفرات وهو في مثل هذه الحال بأكثر جودًا بمياهه من الممدوح إذا سألته فجاد عليك بعطاياه، ولا الفرات بأحسن منه منظرًا إذا نظرت إليه.
(٥٦) المزبد الريان: أي الفرات في حال إزباده وارتفاع أمواجه. المنتجع: الذي يقصد لما فيه من الخير، والانتجاع: طلب الكلأ في موضعه، وقوله: الريان: شديد الارتواء، والمراد أنه ممتلئ ماء.
(٥٧) بنات الماء: طيوره. أنجية: جماعة. الينبوت: ضرب من الشجر ذو شوك. الخضد: المتكسر من الشجر. يقول: تظل فيه طيور الماء مجتمعًا بعضها إلى بعض من الخوف لشدة هيجانه وفى جوانبه ركام الشجر المتكسر.
(٥٨) الشرب: جمع الشارب. المفصل: مكان انفصال بعض الأعضاء من بعض.
(٥٩) نهاديه: نسوقه. الحشاشة: بقية النفس، وقوله نهاديه: التفات من الغائب إلى المتكلم بعد قوله: يرفع الشرب رأسه.
(٦٠) تحامل: تثاقل وتكلف الرفع بمشقة وعناء. صدره: أي صدر ذلك العضو. وآخر: أي وعضو آخر. مما نال منها: أي من المدام. مخبل: فاسد به شلل.
(٦١) أناخوا: أي أبركوا حمالهم. الشاصيات: زقاق الخمر؛ لأنها إذا امتلأت شالت أكارعها، يقال: شصا برجله إذا رفعها. لم يتسربلوا: لم يلبسوا ثيابًا أي عراة.
(٦٢) بها: أي بالكؤوس. السنيح: ما جاء عن اليمين إلى الشمال. البارح: ما جاء عن الشمال إلى اليمين، وروي عجز البيت: «وتوضع باللهم حي وتحمل» ففضلنا الرواية الأخرى لأن رفع الكأس يكون قبل وضعها.
(٦٣) وتوقَف: أي الكؤوس. شواء: لحم مشوي. مرعبل: مقطع.
(٦٤) نِمال: جمع نمل. النقا: ما ارتفع من الرمل. يتهيل: يتحدر. شبه دبيب الخمرة في العظام بدبيب نمل يتحدر في مرتفع من الرمل، ووجه الشبه بطء السير وما يترك من الأثر، فالنمل يترك أثرًا في تحدره على الرمل، والخمر تترك أثرًا في المفاصل عند دبيبها وهو ما يعرف بالنشوة، وما يصحبه من ارتخاء في الأجسام، ولم نقصد الصورة المبتكرة في قوله: تدب دبيبًا في العظام، كما توهم بعضهم، وإنما هي في قوله: دبيب نمال، أي الصورة التشبيهية، كما يدل عليها قولنا فما أبدع هذا التشبيه.
(٦٥) تمشت: أي الخمر.
(٦٦) خيبر: ناحية على ثمانية بُرد من المدينة لمن يريد الشام، وهي موصوفة بالحمى. تهامة: بلاد تساير البحر وتمتد مستطيلة بين الحجاز والبحر، جاء في معجم البلدان عن ابن الأعرابى: سميت تهامة لشدة حرها وركود ريحها، وهو من التهم أي شدة الحر، وركود الريح. الموم: داء البِرسَام وهو التهاب يعرض للحجاب الذي بين الكبد والقلب. يقول: كأن لسان شاربها أصابه التهاب على أثر حمى أتته من خيبر أو من تهامة.
(٦٧) الفرزدق: الرغيف الضخم الذي تجففه النساء للفتوت، وقيل: بل هو القطعة من العجين التي تُبسط فيُخبز منها الرغيف.
(٦٨) الجهومة والجهامة: اجتماع الوجه وغلاظته وسماجته.
(٦٩) منع الوائدات: أي منع النساء من وأد بناتهن وهو دفن البنت حية حين ولادتها. الوئيد والوئيدة والموءودة: البنت المدفونة حية، وقوله: لم يوأد بالتذكير: حملًا على اللفظ، وكان العرب في الجاهلية أكثر ما يئدون بناتهم في الجدب، ومنهم من يئدها تخلصًا من عار سبيها، وكانت كندة وتميم تئد بناتها.
(٧٠) البطحاء: الأرض المنبطحة التي في وسطها مكة. الوطأة: موضع القدم. البيت: أي البيت الحرام. الحل: ما سوى الحرم من بلاد الله. الحرم: ما أحاط بمكة من الأرض إلى خط معلوم. يقول: إن زين العابدين تعرفه أهل الدنيا قاطبة.
(٧١) يهوي: يسرع ويمضي في سيره. منيبها: تائبها، من أناب إلى الله رجع إليه وتاب، وقوله: التي، أراد بها مكة فعرف باسم الموصول تعظيمًا لها. يقول: أتحبسني بين المدينة ومكة التي يسرع إليها ذوو القلوب التائبة، والضمير في منيبها يعود على القلوب.
(٧٢) باد: ظاهر، وكان هشام أحول.
(٧٣) الركب: المسافرون فوق الإبل. تِرة: ثأرًا. العصائب: جمع العصابة وهي العمامة، يقول: كأن الريح لها ثأر على هذا الركب لشدة ما تجذب بعمائم جماعته، يصف قوة الريح.
(٧٤) سروا: ساروا ليلًا. يخبطون الليل: يسيرون فيه على غير هدى. مأخوذ من الخبط: وهو الضرب على غير اتساق. شعب الأكوار: نواحيها، مفردها شعبة. الأكوار: جمع الكور وهو رحل البعير. يقول: سرى هذا الركب يخبطون على غير هدى لشدة الظلام، والريح العاصفة تلفهم أي تضمهم من كل جانب إلى نواحي الأكوار.
(٧٥) استوضحوا: وضعوا أيديهم على عيونهم لينظروا الشيء من بعيد. خصرت: بردت. يقول: إذا نظروا نارًا من بعيد قال بعضهم لبعض وقد بردت أيديهم: «ليتها نار غالب» وغالب: أبو الفرزدق، لأنهم يجدون عندها دفئًا وقِرى.
(٧٦) كان نُصيْب مولى حبشيًّا لبنى كعب فاشتراه عبد العزيز بن مروان، وهو شاعر مجيد. يعرض الفرزدق به في قوله: وشر الشعر ما قال العبيد.
(٧٧) السقائف: جمع السقيفة وأراد بها القبر. أي إذ غيبن ابن يوسف تحت سقائف الأجداث.
وابن يوسف هو الحجاج، توفي في أواخر خلافة الوليد بن عبد الملك في سنة ٧١٣م/٩٥ﻫ، وكان والي العراقين وخراسان، ومدة ولايته عشرون سنة.
(٧٨) مطيتي: دابتي. معقولة: محبوسة. الحباء: العطاء. ربها: صاحبها. يقول: إن مطيتي محبوسة لا تستطيع السفر؛ لأنها تنتظر عطاءك وصاحبها لم يقطع رجاءه منك.
(٧٩) النقرس: ورم في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين. يقول: أعطيتني كتابًا مختومًا أخشى أن يكون فيه عطاء موجع كداء النقرس.
(٨٠) قوله: لا تكن، مجزم بجواب الأمر وهي بمعنى لئلا تكون ولا حرف نفي. يقول مخاطبًا نفسه: ألقِ صحيفتك لئلا تكون مشئومة مثل صحيفة المتلمس. راجع خبر صحيفة المتلمس في بحث طرفة بن العبد.
(٨١) الحدراء: الحولاء. أو من لها قرحة في باطن جفنها.
(٨٢) المظلة: الخيمة. الروق والرواق: سقف في مقدم البيت. تخفق: تصوت عند هبوبها.
(٨٣) الضناك: المرأة المكتنزة الثقيلة الجسم. الضفنة: القصيرة الحمقاء في عظم خلق. المراوح: جمع المروحة. يقول: يظل جسمها لضخامته يعرق إذا لم يروح له بالمراوح.
(٨٤) الكسعي: نسبة إلى كسع، وهو حي باليمن أو من بني ثعلبة، ومنه غامد بن الحارث الكسعي الذي يُضرب به المثل في الندامة؛ لأنه رمى حمرًا ليلًا فكانت السهام تنفذ منها وتصدم الجبل فتوري نارًا فظن أنه أخطأها جميعًا فحنق وكسر قوسه، ولما أصبح نظر فإذا الحمر مصرعة وأسهمه بالدم مضرجة فندم فقطع إبهامه.
(٨٥) الضرار: المخالفة. من ضاره: خالفه، وأراد بذلك مخالفة آدم وصية الله.
(٨٦) قوله: إن يك، لحقه الجزم فحذفت فاء فعول فأصبح عول فنقل إلى فعل. الحتف: الموت. شاهد: حاضر. يقول: أبَى القدر أن يقطع السيف ليؤخر موت نفس لم يحضر أجلها بعد.
(٨٧) نبا السيف: إذا لم يقطع، ورقاء: هو ابن زهير بن جذيمة العبسي رأى والده تحت صدر خالد بن جعفر بن كلاب وخالد مكب عليه، فجاء ورقاء لإنقاذ والده فضرب خالدًا ضربات فلم يصنع شيئًا وقتل والده.
(٨٨) سيوف الهند: أي المصنوعة في الهند. الظبات: جمع الظبة وهي حد السيف. مناط القلائد: كناية عن الأعناق، ومناط: اسم مكان من ناط أي علق. القلائد: جمع القلادة وهي ما جُعل في العنق من الحلي.
(٨٩) خيرهم: أي سليمان، وعجز البيت للأخطل انتحله الفرزدق.
(٩٠) الدهش: الحيرة والذهول.
(٩١) الصمصامة: السيف القاطع. الذكر: السيف اليابس الصلب، وقوله: جمع اليدين، أي الأسر والاعتقال، وهو أن تكبل اليدان إلى العنق بالجوامع أي الأغلال مفردها جامعة.
(٩٢) صبا: أي إذا صبت نفسه ومالت. كبا: سقط على وجهه، وكبا الشاعر: إذا أخطأته جودة الشعر تشبيهًا له بالفرس الكابي في المضمار.
(٩٣) يقول: إن السيف الذي ضربت به لم يتعود القطع؛ لأنه سيف بني مجاشع بن دارم الجبناء لا سيف الحارث بن ظالم المري، وكان الحارث من فتاك العرب فتك بخالد بن جعفر وهو إذ ذاك نازل على النعمان بن المنذر، وبنو مرة وبنو عبس أبناء أعمام كلهم من غطفان. يرد جرير على الفرزدق لتعييره بني عبس بسيف ورقاء، فيشير إلى سيف الحارث بن ظالم تنبيهًا على أن بني عبس أدركوا ثأرهم من خالد بن جعفر قاتل زهير.
(٩٤) الإمام: الخليفة. أرعشت. ارتعدت من الخوف. محدث: أي حديث العهد بحمل السيوف. غير صارم: غير قاطع أي لم يتعود القطع بالسيوف.
(٩٥) المغارم: جمع المغرم وهو الغرامة. يقول: نحن نفك الأسرى إذا عجزوا عن دفع الغرامة ليفتدوا أنفسهم.
(٩٦) كليب: قوم جرير، وقوله: أبًا عن كليب: عوضًا عنه.
(٩٧) هنيدة: امرأة الزبرقان عمة الفرزدق. الحجل: القيد، وقوله: أسيرًا يداني خطوه، أي يقصر خطوه.
(٩٨) قوله: أشُدُّه إلى النار، أي خوفًا منها، وفي رواية أخرى. أشَده (بفتح الشين) فيكون المعنى أشد الوثاق وثاق النار.
(٩٩) أوضع المطية: رفعها في السير، وقوله: أوضعت المطية في الجهل، أي سرت في الجهل كل مسير.
(١٠٠) العماية: الجهالة. أشد لها رحلي: أى أقصدها. يقول: إنه أوضعها ثلاثين عامًا فما لاحت له جهالة إلا قصدها.
(١٠١) زرود: ماء لبني مجاشع على طريق الكوفة. الشامات: آثار مختلف لون الأرض. الشقيق: الجدد بين الرملتين، وربما كان أميالًا، والجدد: الأرض الغليظة المستوية.
(١٠٢) ابن الخبيثة: يعني جريرًا، وقوله: الرامي الكنانة، يريد رجلًا من أسد التقى رجلًا من فزارة وكانا راميين ومع الفزاري كنانة جديدة ومع الأسدي كنانه رثة، فقال له الأسدي: «أنا أرمى أو أنت؟» قال الفزاري: «أنا أرمى منك.» فقال الأسدي: «فأنا أنصب كنانتي وتنصب كنانتك حتى نرمي فيهما.» فنصب الأسدي كنانته فجعل الفزاري يرمي ويصيب حتى نفدت سهامه، فرماه الأسدي بسهم فقتله وأخذ كنانته. ضرب الفرزدق هذا المثل ليقول لجرير إنه ليس بغافل عنه كما غفل الفرازي عن صاحبه الأسدي.
(١٠٣) يقول: لا يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو رجل مثلي.
(١٠٤) جل: عظم. يقول: إذا اشتد الأمر وأصبح الكلام الفصل لا يجدي نفعًا.
(١٠٥) تفزعون: تلجأون وتستغيثون. حثا التراب على الميت: صبه عليه ليواريه.
(١٠٦) الدبيلة: دمل كبيرة، تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا.
(١٠٧) عزفت: أي رجعت عن باطلك. أعشاش: اسم موضع. حدراء: زوجه. يخاطب نفسه بصورة التجريد.
(١٠٨) مضر الحمراء: هو أحد أولاد نزار بن معد بن عدنان، اختلف مع إخوته ربيعة وإياد وأنمار على تركة أبيهم فتحاكموا إلى الأفعى الجرهمي فأعطى ربيعة الخيل، فقيل له: ربيعة الفرس، وأعطى مضر الذهب، فقيل له: مضر الحمراء، وأعطى إيادًا الجواري والأمتعة المختلفة فقيل له: إياد الشمطاء، وأعطى أنمارًا الحمير والمواشي، فقيل له: أنمار الحمار. تعطفت: مالت إلي وأحاطت بى. الشكيم: جمع الشكيمة وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس، واللجام يشتمل عليها وعلى السير، وقوله: دق اللجام شكيمي، أي دقها بفمه أي وقعها عليه ليرسل في الرهان. شبه نفسه بالجواد.
(١٠٩) أسوم: أكلف. الظلامة: ما يتظلمه الرجل. مرغام: للمبالغة من رغمه: أذله.
(١١٠) يقال: تغلب ابنة وائل بإعادة الصفة على القبيلة، وتغلب بن وائل بإعادتها على الأب. يقول: إن العدو كان ينزل في كل مكان تنزل فيه أو تهرب إليه. يشير إلى يوم ساتيدما بين كسرى والروم، وكان كسرى وجه إياس بن قبيصة لقتال الروم فهزمهم بساتيدما، ولا يبعد أن يكون بنو تغلب أعانوا إياسًا في هذه الواقعة، لأن ساتيدما جبل في ديارهم، والمعنى أن تغلب ردوا جيوش قيصر عن التوغل في بلاد العرب.
(١١١) حبسوه: أي ردوه على أن يبلغكم، وابتنوا: بنوا شرفًا. الكلاب: ماء لبني تميم وفيه كان يوم الكلاب وهو لتغلب على تميم.
(١١٢) عمرو بن هند ملك العراق قاتله عمرو بن كلثوم التغلبي. عنوة: اقتدارًا. قسطوا: جاروا، وقوله: على النعمان، يشير إلى مقتل المنذر بن النعمان أبي قابوس وقاتله مرة أخو عمرو بن كلثوم.
(١١٣) الأراقم: حي من تغلب. قديمها: حسبها القديم. متهتم: متكسر أي هرم فذهبت أسنانه.
(١١٤) تزبنهم: تدفعهم.
(١١٥) يقول: لم تلقَ قيس حربًا أحمى وطيسًا من حرب الأراقم.
(١١٦) الدعم: جمع الدعمة، وهي عماد البيت يسند إليه ويستمسك به، وقوله: بعلمه فيه، أي لما يعلم فيه من الحق.
(١١٧) خلافة: بدل من قوله ملكًا. يقول: إن بني أمية أخذوها بالشورى ولم يأخذوها غصبًا.
(١١٨) انتهك الحرمة: تناولها بما لا يحل. الحرم: جمع الحرمة وهي ما لا يحل انتهاكه، والذمة، والمهابة.
(١١٩) الرصافة: مدينة في البرية بقرب الرقة أحدثها أو جدد بناءها هشام بن عبد الملك لما وقع الطاعون بالشام، ولما مات هشام دُفن فيها.
(١٢٠) بأعواد الخلافة: أي بأريكتها، وقوله: والسلام، أي أنت أولى بأن يسلم عليك بالخلافة.
(١٢١) الإيطاء: تكرار القافية بلفظها ومعناها، وهو مكروه يدل على قصر يد الناظم، وجوزوا تكرير القافية لفظًا ومعنى فيما زاد على سبعة أبيات لأنهم يعدون كل سبعة أبيات قصيدة.
(١٢٢) بعيرين: جملين. المنهل: مورد الماء. نشل: نطرد. نقذف: نُرمى بالحجارة.
(١٢٣) العر: الجرب. قرافه: مخالطته. المساعر: أصول الفخذين والإبطين. أخشف: يابس الجلد من الجرب. يقول: ليتني ومن أحبها بعيران جربان يخشى على الناس مخالطتهما، فإذا وردا المناهل طُردا وقُذفا بالحجارة، وهما لشدة جربهما يبس جلدهما وطليت مساعرهما بالقطران، والمراد أنه يتمنى الانفراد بحبيبته عن العالم فاشتهى لها وله هذه الشهوة الممقوتة.
(١٢٤) تخامص الليل: رقت ظلمته عند السَحَر.
(١٢٥) وأسمر: صفة لموصوف محذوف وهو الباب. الساج: الخشب. تئط: تصوت. مسامر: جمع مسمار. يقول: إذا فتح الباب يحدث صوتًا.
(١٢٦) انقض الباز على فريسته: سقط عليها. القاتم: الأسود. الكاسر: الذي يكسر جناحيه عند انقضاضه. يشبه نفسه في سقوطه على الأرض بالباز الأسود الكاسر ريشه في الانقضاض.
(١٢٧) المآتم: جمع المأتم، وهو المناحة. يقول للنوار: إن ابنيك كسائر الناس فاصبري ولا تجزعي، وإن النواح في المآتم لن يرجع الموتى إلى الحياة.
(١٢٨) المرموسة: المدفونة في الرمس وهو القبر. تضعضع: انتثر عليها وتبدد.
(١٢٩) تقنع: لبس القناع. يقول: أهون فقيد على المرء من أصحابه فقيد يلبس القناع، ويريد به المرأة، وقوله إذا الموت ناله، أي نال المفقود.
(١٣٠) أي الحسن البصري، قاضي البصرة وفقيهها.
(١٣١) العائر: السائر بين الناس.
(١٣٢) القطع: أي قطع اليد، وكان السارق تقطع يده عملًا بالشرع الإسلامي.
(١٣٣) الغلاصم: جمع الغلصمة وهي اللحم بين الرأس والعنق أو رأس الحلقوم. يقول: بين تميم ومن يعصيها حز الأعناق.
(١٣٤) الربوة: ما ارتفع من الأرض.
(١٣٥) المسحت من المال: المذهب المتلف. مجرف: أي مجروف ذاهب كله.
(١٣٦) صعر خده: لواه تجبرًا. الأخادع: جمع الأخدع، وهما أخدعان: عرقان في صفحتي العنق. يقول: نضربه حتى تستقيم أخادعه ويذهب صعره وكِبره.
(١٣٧) ينهض في الشباب: أي يقوم فيه. كأنه: أي كأن الشباب.
(١٣٨) التصريع: أن يكون لعروض البيت قافية كضربه.
(١٣٩) النبعة: شجرة من أجود الشجر وأصلبه.
(١٤٠) الجرير: الحبل الذي يجر به. زعموا أن أمه رأت في نومها وهي حامل به كأنها ولدت حبلًا من شعر أسود، فجعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثيرين، فانتبهت مرعوبة فقيل لها: تلدين غلامًا شاعرًا ذا شر وبلاء على الناس، فلما وُلد سمته جريرًا.
(١٤١) فركت المرأة زوجها: أبغضته، فهي فارك.
(١٤٢) المرقَّق: الخبز الرقيق. الصِّناب: صِبَاغ يتخذ من الخردل والزبيب، والصباغ: جمع الصِّبغ وهو ما يصطبغ به في الطعام أي ما يؤتدم به من الأدام؛ لأن الخبز يغمس ويلون به، كالخل والزيت.
(١٤٣) العلجة: الضخمة الغليظة والكافرة.
(١٤٤) جدبًا: ماحلًا.
(١٤٥) المشارة: المخاصمة.
(١٤٦) المهارة: من هاره أي هر في وجهه كما يهر الكلب، والمراد بذلك أنه كان يحب النزاع والخصام.
(١٤٧) يخن في كلامه: يخرج صوته من خياشيمه.
(١٤٨) عف الفقر: أي يعف عن المسألة إذا افتقر. مشترك الغنى: أي يشارك بماله غيره إذا اغتنى. ثم يقول: وإذا ضاقت علي داري أسرعت في الانتقال إلى سواها.
(١٤٩) نحله: أعطاه شيئًا من غير عوض.
(١٥٠) المطلع: المأتى. يقال: ما لهذا الأمر مطلع، أي مأتى، وقوله: من سد مطلع النفاق عليكم، يخاطب أهل العراق مشيرًا إلى قول الحجاج في خطبته الشهيرة: «يا أهل العراق! ومعدن الشر والنفاق.» النفاق: ستر الكفر والتظاهر بالإيمان.
(١٥١) المطايا: جمع المطية وهي الركوبة. أندى: أسخى. الراح: جمع الراحة وهي الكف.
(١٥٢) هنيدة: اسم للمئة من الإبل، لم يصرفها باعتبار كونها علمًا مؤنثًا، وقوله: يحدوها ثمانية، أي يسوقها ثمانية رعاة. من: تكدير العطية بذكرها، فكأن المعطي يعير بها من أعطاه ليكسر قلبه. سرف: إغفال وخطأ. أي لا يخطئون في العطاء بأن يعطوه من لا يستحق ويحرموه المستحق.
(١٥٣) هو عبيد بن الحصين النميري، أي الملقب براعي الإبل من فحول الشعراء، عده ابن سلام في الطبقة الأولى بعد الفرزدق وجرير والأخطل، وجعله أبو زيد القرشي من أصحاب الملحمات، وملحمته مثبتة في الجمهرة.
(١٥٤) إيه بالتنوين: اسم فعل بمعنى حدثنا، وإيه بالبناء على الكسر: اسم فعل بمعنى زدني من الحديث المعهود بيننا.
(١٥٥) عرض: جُنَّ.
(١٥٦) المربد: سوق في البصرة كانت مجتمعًا للشعراء في الإسلام كما كانت عكاظ في الجاهلية.
(١٥٧) قيدوا: أي اكتبوا.
(١٥٨) ضغمه: أي عضه.
(١٥٩) القرم: الفحل والسيد. تساميا: تفاخرا. الوشيظة: قطعة عظم تكون زيادة في العظم الصميم. يقال: هم وشيظة في قومهم، أي حشو فيهم.
(١٦٠) الهراش: من تهارشت الكلاب؛ إذا تحرش بعضها على بعض وتواثبت.
(١٦١) الناجية: الناقة السريعة تنجو بصاحبها، وأراد بها سرعة خاطره وخصب قريحته.
(١٦٢) أشرد قافيته: أي أسْيَر شعره.
(١٦٣) هروه: نبحوه.
(١٦٤) الجد: الاجتهاد في السير، والمراد السباق. قادحًا: أي يوري زنده، وهي كناية عن أن به خيرًا عند السباق. يقال: هذا لا يورى له زند، أي لا خير فيه.
(١٦٥) التهجير: السير في شدة الحر. الدبر: جمع الدبرة، وهي القرحة في الدابة.
(١٦٦) ابن المراغة: لقب جرير، لقبه به الفرزدق والأخطل، والمراغة مكان تمرغ الدابة.
(١٦٧) القين: الحداد وكل صانع، وكان جرير يلقِّب بني مجاشع بالقيون. الكير: ما ينفخ فيه الحداد. الكهام: الكليل. يقول: تتلفت ناقتك من الخوف؛ لأنها تحت ابن حداد لا يعرف غير الكير، وليس بذى سيف فتطمئن إليه، ولكنه ذو فأس كليلة لا تقطع، جعله حدادًا وحطابًا.
(١٦٨) الرصافة: رصافة هشام وقد مر ذكرها في أخبار الفرزدق. تخز: تفضح. المواسم: أي المواسم التي تفد بها الشعراء إلى الخلفاء، لمدحهم وأخذ جوائزهم، وكان لهم في كل سنة موسم.
(١٦٩) جدعته: قطعت أنفه.
(١٧٠) النفاس: الولادة. أبلت: شفيت.
(١٧١) رامة: ماء لقيس على اثنتي عشرة مرحلة من البصرة آخر بلاد بني تميم. الأطلال، جمع الطلل: ما شخص من الآثار. الرسم: ما ليس له شخص، ورسمًا بدل من الأطلال. أحال: أتت عليه أحوال أي سنون، وتحول من حال إلى حال. وقوله: تحمل أهله: أي رحلوا، وروي: رسمًا تقادم عهده، أي قدم اللقاء به.
(١٧٢) النيف: من الواحد إلى الثلاثة ولا يستعمل إلا بعد العقود.
(١٧٣) أسلة لسانه: طرفه.
(١٧٤) القين: الحداد وكل صانع. كان لصعصعة جد الفرزدق قيون، فلذلك جعل جرير مجاشعًا قيونًا، وكانت العرب لا تعد أصحاب الصناعات من كرام الناس؛ لأن العربي الكريم يكسب رزقه من غزواته ومما عنده من مال ونعم.
(١٧٥) العلاة: السندان.
(١٧٦) الخزيرة والخزير: دقيق يذر على لبن أو ماء فيطبخ ثم يؤكل بتمر.
(١٧٧) الزبير بن العوام: من الصحابة وأمه صفية بنت عبد المطلب، وقد ذكرنا خبر مقتله يوم الجمل، وكان قد قاتل ساعة ثم هرب فاتبعه عمر بن جرموز بن الذيال حتى أدركه في مكان يقال له وادي السباع فقتله، وأخذ سيفه وخاتمه وترسه وذلك سنة ٣٦ هجرية وعمره ٦٧ سنة.
(١٧٨) أفلج سهمنا: فاز، ويروى: أفلج سهمَنا، بفتح الميم، فيكون المعنى أفلج الله سهمنا أي أفازه. خيار الشيء: أفضله. يقول: ولنا خيار الأديان أو خيار العواقب؛ لأن الله أفاز نصيبنا وأعطانا الإسلام دينًا.
(١٧٩) يشير إلى طرده من المدينة.
(١٨٠) يقول: إن النصارى تحب الفرزدق؛ لأنه يشاركهم في أعيادهم، وهو أيضًا يشايع اليهود ويسبت معهم.
(١٨١) الحدود، جمع الحد: وهو عند الفقهاء عقوبة مقدرة تجب حقًّا لله، سميت به لأنها تمنع من المعاودة. يقول: فإن تُرْجَمْ بالحجارة فقد وجبت عليك حدود الله. ثمود: قبيلة من العرب، ومنهم قدار عاقر ناقة صالح، وقد أُهلكوا بالرجفة أي بالزلزال. وفي ذلك تقول الآية: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، يقول: إن أمر الله أصبح حالًّا عليه أي واجبًا كما حلَّ على ثمود.
(١٨٢) الجدث: القبر.
(١٨٣) طرقتك: زارتك ليلًا، وقوله: وليس ذا وقت، أي وليس ذا الوقت وقت الزيارة.
(١٨٤) غدوا بلبك: أي ذهبوا بعقلك يوم رحيلهم. غادروا: تركوا، وشلا: ماء، والمراد به الدمع. معينًا: جاريًا، وقوله: غدوا، بصيغة المذكر، أي أهل الحبيبة ذهبوا بها فذهبوا بعقله معها.
(١٨٥) غيضن: حبسن: عبراتهن: دموعهن، وقوله: غيضن، انتقال إلى الحبيبة بعد الكلام على أهلها، وصيغة الجمع هنا يراد بها المفرد.
(١٨٦) عادني: انتابني ثانيًا. استعبار: بكاء وحزن.
(١٨٧) تضور: تلوى من وجع الضرب أو الجوع.
(١٨٨) مروان بن أبي حفصة: من شعراء العصر العباسي الأول.
(١٨٩) اللُّهى: جمع اللهوة وهي أفضل العطايا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١