الشعراء الإسلاميون

(١) ميزة الشعر الإسلامي

تكاثر عدد الشعراء في هذا العصر لأسباب سياسية واجتماعية سنأتي على ذكرها، فتطور الشعر تطورًا محسوسًا بتأثير هذه الأسباب، وظهرت فيه فنون جديدة كانت ضعيفة في الجاهلية فقويت في الإسلام: كالغزل والشعر السياسي.

وقد ورث الشعراء الإسلاميون١ من شعراء الجاهلية الإيجاز، وقوة التعبير، وبداهة الفكر، ومتانة السبك، ثم تثقفوا بالقرآن فظهرت آثاره في تعابيرهم وأفكارهم.

على أن تقدمهم في الحضارة أضعف فطرتهم، فخرجوا عن سذاجة البدوي في جاهليته، وظهر على شعرهم ترف العصر ورخاؤه، وأثرُ انتقالهم من الخيام إلى القصور، واختلاطهم بعد الفتوحات بأبناء المدنيات القديمة كالفرس في العراق وفارس، والروم في الشام ومصر.

ولكن العصر الإسلامي لم يطل عمره فيبلغ أهلوه غايتهم من التأنُّق والعمران، بل أديل منه وهو في إبان شوطه، فتلقاه العباسيون طريفًا يانعًا، فاستغلوه وأحسنوا إنماءه فأورق وازدهر على أيديهم، ولذلك لم يُدرك الشعراء الإسلاميون شأوَ المولَّدين٢ في الرقة والتصرف في المعاني.

وقد كثر المدح والتفاخر، والهجاء المقذع في شعر الإسلاميين، لعلاقة هذه الأغراض بالأحزاب السياسية، وكثر الشعراء الغَزلون الذين قصروا همهم على الغزل والتشبيب لتأثير المدنية الجديدة في نفوسهم.

(٢) نهضة الغزل

الغَزل من الفنون التي كانت ضعيفة في الجاهلية فقويَت في الإسلام، ذلك بأن الشاعر الجاهلي قلما قصر كلمته٣ على فن واحد، فهو في شعره كثير التنقل، متعدد الأغراض، وكان له من الغزوات والمفاخرات ما يمنعه من الانصراف إلى التشبيب بالنساء، بيْدَ أنه تغزَّل وبكى على الطلول، وشبب بالمرأة، وكان صادقًا في غزله وبكائه، مجيدًا في تشبيبه ووصفه؛ ولكنه لم يحسن تصوير عواطفه وما يشعر به من صبابة وألم، أو من أمل وارتياح، فاكتفى بذكر الديار الدارسة تلعب بها الرياح والأمطار، وتسرح بها الآرام والوحوش؛ واكتفى بوصف الفراق من تحمُّل الأحبة، إلى الوَداع، إلى سير الأظعان في الأودية والجبال؛ واكتفى بوصف أعضاء المرأة والتشبيب بمحاسنها. فالشاعر الجاهلي مادي في تصوره أكثر منه روحانيًّا، ولذلك لم يحسن التعبير عن تأثراته النفسية؛ ولا أحسن وصف سواها من الأشياء غير المنظورة.

أما في الإسلام فتطورت الحياة بتأثير القرآن، واختلاط العرب بالشعوب الأعجمية من روم وفرس، فرقت الأمزجة والأذواق، وقويَ الإحساس في النفوس، وكان للأمويين من السلطان في إبان دولتهم ما كبح جِماحَ البدو ومنعهم من الغزو والغارات؛ ففرغ الشاعر إلى نفسه يتفحصها ويتبين خفاياها، وأصبح يلذ له أن يعبر عما يحس فيها من عاطفة أو هوى، وحزن أو سرور. فلم يبقَ الغزل غرضًا تابعًا لغيره من الأغراض الشعرية، أو واسطة يستهل بها الشاعر قصيدته للوصول إلى غايته، بل صار فنًّا مستقلًا بنفسه، له أتباع تخصصوا به ووقفوا عليه شعرهم، ولم يبقَ مقصورًا على الوصف المادي بل أُضيف إليه شيء جديد ينبعث من الروح، وهو وصف العواطف والأهواء، وما يتصل بها من التأثرات النفسية.

على أن هذا الفن بقي محصورًا في الجزيرة العربية لبعدها من سياسة الأحزاب في الشام والعراق. أما الشعراء الذين اتصلوا بالبلاط الأموي، وغيرهم من شعراء الأحزاب، فلم ينصرفوا إلى إتقان هذا الفن بل لبثوا يقلدون فيه من تقدمهم، ويوطئون به أغراضهم من مدح أو هجاء، وقَل من نظم منهم شعرًا غزليًّا صرفًا.

وينقسم الغزل في جزيرة العرب إلى نوعين: بدوي وحضري. فالبدوي غلبت عليه العفة والرصانة لسذاجته وقربه من الفِطرة، وبُعده من ملاهي الحضارة ومفاسدها، وأصحابه عُرفوا بالشعراء العُذْريين،٤ وكانت مواطنهم في بوادي نجد والحجاز، وهم في غزلهم لا يشببون إلا بامرأة واحدة، يحبونها حبًّا صادقًا عفيفًا، وأكثر ما يطيب لهم وصفُ ما يلاقون من ألم البعد، ومرارة الهجران والصدود، وأشهر أولئك الشعراء: جميل بن مَعْمَر، وقَيس بن ذَريح، وقيس بن المُلَوَّح أو مجنون ليلى إن صحَّ وجوده.

ولكن هؤلاء المتيمين ليس لهم خصائص متميزة في أشعارهم، فقد تغزلوا كلهم بأُسلوب واحد، وتواطأوا على المعاني والألفاظ في بث لواعجهم ووصف خليلاتهم؛ واختلطت أقوالهم بعضها ببعض، فأصبح يضاف إلى جميل ما يضاف إلى قيس بن ذَريح، ويضاف إلى المجنون ما يضاف إليهما، ويضاف إليهما ما يضاف إلى المجنون، واختُرعت أخبار عنهم تناسب هذه الأشعار، فيها كثير من الغلوِّ والتناقض، ولكنها تلتقي جميعًا في موقف واحد، وهو أن الشاعر أحبَّ فتاة فشبَّب بها، ثم خطبها إلى أهلها فردُّوه مخافة التعيير؛ لاشتهار حبِّه لها وقوله فيها، ولم يستطع الوصول إليها لعفة نفسه وعفة نفسها، ولكنه كان يجتمع بها سرًّا، فعرف أهلها بحبهما، فاستَعْدوا عليه السلطان، فأهدر دمه، ففرَّ هائمًا على وجهه يقطع القفار وينشد الأشعار، حتى يأتيه الموت فينقذه من عذابه.

وأما الغزل الحضري فقد غلب عليه الرخاءُ والترف، والعَبث والتهتك؛ فصور شعراؤه حياتهم الناعمة أدق تصوير، وتفننوا في أساليبهم فأبدعوا، ولا سيما أسلوب الغزل القصصي، وكانت مواطنهم مكة والمدينة؛ وفيهما القرشيون والأنصار.

وخشي الخلفاء الأمويون أن يشتغل هؤلاء الأشراف بالسياسة فتطمح أنظارهم إلى الخلافة — وكلهم له الحق بها — فأجبروهم أن لا يبرحوا الحجاز إلا بإذن منهم، ولكنهم أسبغوا عليهم النِّعم الكثيرة، وفرضوا لهم الأرزاق الواسعة من بيت المال؛ فالتهوا عن طلب الملك، وانصرفوا إلى العبث والمجون؛ فأصبحت مكة والمدينة موطنين للذَة واللهو والقصف، وشاع فيهما فن الغناء، فكان الشعراء الغزلون ينظمون، ويتغنَّى بأشعارهم القيان والمغنون، وكان لهؤلاء الشعراء منزلة ليست لغيرهم، يرفعهم إليها كرم محتِدهم، فلم يتورعوا من التشبيب بنساء الخلفاء والأمراء، وسُرَّ أُولئك النسوة بأقوالهم، فكنَّ يتعرَّضن لهم ليشببوا بهنَّ، ولطالما شفعن لهم إذا غضب الخليفة على أحدهم وأراد عقابه.

فيتضح من ذلك أن الشاعر الحضري لم يقتصر في تشبيبه على امرأة واحدة كالشاعر البدوي، بل كان موكلًا بالجمال يتبعه أين رآه. وأشهر هؤلاء الشعراء الغزلين: عُمَر بن أبي ربيعة والعَرْجي القرشِيَّان، والأحْوَص بن محمد الأنصاري. فأما وقد عرفنا كيف نهض الغزل في الصدر الثاني للإسلام فينبغي لنا أن نتخذ مثالًا لدرسه شاعرين مشهورين، وهما جميل بن مَعْمَر حامل لوائه البدوي، وعمر بن أبي ربيعة رافع عرش حضارته، ولنبدأ بجميل.

(٣) جميل بن معمر (توفي ٧٠١م/٨٢ﻫ)

(٣-١) حياته

هو جَميل بن عبد الله بن مَعْمَر العُذري، اشتهر بحبِّه لابنة عمه بُثَينة، فعُرف بجميل بُثينة، وكانا يُقيمان في وادي القُرى،٥ وأحبها وهو غلام صغير. قيل إنه أقبل يومًا بإبله حتى أوردها واديًا يقال له بغيض، فاضَّجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة بذيل الوادي. فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين، فمرَّتا على فِصال٦ لجميل بُرُوك٧ فعزقتهنَّ٨ بثينة، وكانت حينئذ جُويرية لم تُدرك، فسبَّها جميل فسبَّته، فملُح إليه سبابها وأحبَّها وفي ذلك يقول:
وأوَّلُ ما قادَ الموَدَّةَ بَيْنَنَا
بِوادي بَغِيضٍ، يا بُثَينَ، سِبابُ
فقُلنا لها قَوْلًا، فجاءتْ بمثْلِهِ
لكُلِّ كَلامٍ، يا بُثَينَ، جَوابُ

ثم صارت بثينة شابة، وصار جميل شابًّا، فازداد بها هيامًا وطفق ينسب بها حتى اشتهر أمره. فخطبها إلى أهلها فردوه مخافة أن يعيرهم الناس لقوله فيها وشيوع حبه لها، وزَوَّجوها رجلًا اسمه نُبَيه.

وكان عند بُثينة مثل ما عند جميل؛ فأخذا يجتمعان على موعد عند غفلات الرجال، فعرف قومها فجمعوا له جمعًا، وترصدوه ذات ليلة ليقتلوه فحذرته بثينة، فاستخفى. ثم هجا قومها فاستعدوا عليه مَرْوان بن الحَكَم، وهو على المدينة من قِبَل معاوية، فأهدر دمه أو نذر ليقطعنَّ لسانه، فهرب إلى اليمن وفي ذلك يقول:

أتانَي عن مَرْوانَ بالغَيْبِ أنَّهُ
مُقيدٌ دَمي، أو قاطِعٌ مِن لسانيا٩
ففي العِيس مَنجاةٌ، وفي الأرْض مذهبٌ
إذا نَحْنُ رَفَّعْنا لهن المَثانِيا١٠

فأقام هناك إلى أن عُزل مروان، فرجع إلى بلده.

وانتجع أهل بثينة الشام فرحل جميل إليهم، فشكوه إلى عشيرته فعنفه أهله وهددوه، فانقطع عنها. ثم لجأ إلى مصر وعليها عبد العزيز بن مروان فأحسن وفادته، ولكنه لم يلبث أن مرض مَرضةً فمات بها.

قيل لما حضرت جميلًا الوفاة دعا برجل، وقال له: «هل لك أن أُعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئًا أعهد به إليك؟» قال: «نعم.» قال: «إذا متُّ فخذ حلتي هذه واعزلها جانبًا، وكل شيء سواها لك؛ وارحل إلى رهط بثينة على ناقتي هذه، والبس حلَّتي هذه إذا وصلت، واشققها، ثم اعْلُ على شَرَفٍ، وصِحْ بهذه الأبيات:

صَدَعَ النعِيُّ، وما كَنى، بجَميلِ
وثَوى بمصرَ ثَواءَ عَيرِ قَفُولِ١١
ولقد أجُرُّ الذَّيْلَ، في وادي القُرى
نَشْوَانَ بينَ مَزارِعٍ ونَخيلِ١٢
قُومي بُثَيْنَةُ، فاندُبي بعَوِيلِ
وابكي خَلِيلَكِ دونَ كلِّ خليلِ
فلما أتى الرجل وأنشد الأبيات، برزت بثينة وقالت: «يا هذا، إن كنت صادقًا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبًا فقد فضحتني.» فقال: «ما أنا إلا صادق.» وأراها الحلَّة. فصاحت وصكَّت وجهها، فاجتمع نساءُ الحي يبكين معها حتى صَعِقَت،١٣ فمكثت مغشيًّا عليها ساعة، ثم قامت وقالت:
وإنَّ سُلُوِّي عن جَمِيلٍ لَساعَةٌ
من الدهر ما حانت، ولا حان حِينُها
سَواءٌ علَيْنا يا جميلُ بنَ مَعمَرٍ
إذا مُتُّ، بَأسَاءُ الحياة ولِينُها

وقال عبَاس بن سَهْل الساعديُّ: «لَقِيَني رجل من أصحابي فقال: «هل لك في جميل، فإنه يعتلُّ، نعوده؟» فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إليَّ وقال: «يا ابن سَهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزنِ، ولم يقتل النفس، ولم يسرق، يشهد أن لا إله إلا الله؟» قلتُ: «أظنه قد نجا، وأرجو له الجنة؛ فمن هذا الرجل؟» قال: «أنا.» قلتُ: «ما أحسبُك سلمت وأنت تُشبب ببثينة منذ عشرين سنة.» قال: «لا نالتني شفاعة محمد إن كنتُ وضعت يدي عليها لريبة.»

وكان جميل طويل القامة، عريض ما بين المنكبين، جميل الخلقة، حسن البِزَّة.١٤

(٣-٢) أخبار جميل

لصاحب بثينة أخبار كثيرة يتألف منها قصة فكهة لمن أراد التسلية دون أن يشغل فكره بالدرس والانتقاد، ولكن إذا رماها بنظر الناقد بدا له ما فيها من سخف وغُلُّوٍ وتناقض، مما يدلُّ على أن واضعها قليل الحظ من فن التأليف. فهو يروي لنا مرة خبرًا يصور فيه جميلًا مثالًا للعفة، كما نعهده في شعره، ثم يشفعه بخبر آخر يشوه هذه العفة ويفسدها، ويحدثنا مرة أُخرى عن وفاء جميل حديثًا لذيذًا، ولكنه لا يلبث أن ينقضه بغيره فيرينا هذا العاشق غادرًا لئيمًا، وهكذا يصح القول في شجاعة جميل وجبنه.

وبَيِّنٌ أن هذه المناقضات تعود بأجمعها على تعدد رواة القصة ووُضَّاعها. فإنهم لم يقصدوا منها خدمة الحقيقة والتاريخ، بل مفاكهة الناس في ذلك العصر الأموي الذي كثر الترف واللهو، فكان أحبُّ شيء إلى قومه استماع أخبار العشاق المتيمين.

ونحن في درسنا جميلًا نعتمد على شعره، لا على تلك الأقاصيص المتفرقة التي ليس لأكثرها قيمة تاريخية، وليس لها نفع لولا حسن إنشائها، وأما شعره فيمكننا أن نتمثل فيه حالة جميل وغير جميل من أولئك الشعراء الغزلين الذين عطَّروا البادية بأنفاسهم في الصدر الثاني للإسلام.

(٣-٣) آثاره

لجميل أشعار وأخبار متفرقة في كتب الأدب، وأكثر شعره في الغزل، وله أقوال في الفخر والهجاء، وكان له ديوان كبير معروف في أيام ابن خلَّكان١٥ فضاع، ولكن بقي له أشعار مجموعة في كتاب منه نسخة خطية في برلين.

(٣-٤) ميزته — الغزل البدوي

جلال البداوة وسذاجتها، ورقة العاطفة ولوعتها، ورصانة العبارة وقوتها: شيء يتألف منه شعر جميل.

عفاف النفس وقناعتها، وصدق المودة ووفاؤها: هذا هو حب جميل.

وما جميل إلا زعيم الشعراء المتيمين، وأُستاذ الغزل البدوي في نهضته الإسلامية، فإذا أنت قرأته تعلم مبلغ تطور الشعر الغزلي على عهد بني أُمية، وتميز الفرق بينه وبين الغزل في الجاهلية، ثم ترى تلك اللوعة الصادقة، وذلك الحب العفيف.

فهذا الغزل يختلف عن غزل امرئ القيس وطرفة وزهير وغيرهم من الجاهليين؛ إذ لا يقتصر على التشبيب بمحاسن المرأة، بل يضيف إليه شيئًا روحيًّا يُعنى بنفس الشاعر وعواطفه، وربما كانت عناية الشاعر الإسلامي بنفسه أكثر من عنايته بوصف محبوبته. فجميل لا يكاد يذكر بثينة، ويلمُّ بشيء من أوصافها حتى ينصرف إلى نفسه، فيبث شكايته وما يلاقيه من ألم البعد، ثم يشرح هواه الذي يرافقه إلى ما بعد الموت «يتبع صداي صداكِ بين الأقبر.» ثم يتقاضى ديونه ويلح في طلبها، ولكنه يقنط أخيرًا من وفائها فيقول:

ما أنتِ، والوعدَ الذي تَعدينَني
إلا كبَرْقِ سَحابةٍ لم تُمْطِرِ

وهو، في شكايته وشرح هواه وتقاضيه ديونه، ملتاع صادق اللوعة لا يتكلف الحب تكلفًا؛ وعف اللسان والضمير، لا تخرج من فمه كلمة تخدش جبين الأدب.

وما أجمل الالتفات في شعره من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، وما أشد وقعه في النفس، فإنه في كل التفاتة ينبه السامع، ويبعث فيه نشاطًا جديدًا للإصغاء إليه.

وقد تجد في غزله شيئًا من الغُلو ولكنه بريء ساذج، تَدافَعُ به اللوعة من جميع جهاته، فلا تنكره عليه، ولا تحس فيه تكلفًا أو إغرابًا، بل يلذ لك أن تسمعه يقول:

فلو أرسَلَتْ يومًا بُثَيْنَةُ تَبْتَغي
يَميِني، ولو عَزَّتْ عَليَّ يَميِني
لأعْطَيْتُها ما جاءَ يَبْغي رَسولُها
وقلتُ لها بعد اليمينِ: سَلِيني
سَلِينِيَ مالي يا بُثَينَ، فإنَّما
يُبَيَّنُ عندَ المالِ كُلُّ ضَنِينِ

أفليس من الغلو الساذج أن ترى الشاعر يجود بيمينه غير آسف عليها، ثم لا يجد ذلك كافيًا لإظهار حبه إذا لم يشفعه ببذل ماله فيقول: «سلينيَ مالي يا بُثَين …»

وهو على تهالكه في حبها شجاع باسل يهدد قومها: «فليت الرجال الموعدين لقوني.» وفخور معجب بنفسه: «يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني.» وأنفِ يأبَى الضيم ولو كان الحبيب الفاعل:

ولستُ، وإنْ عَزَّتْ عليَّ، بقائِلٍ
لها بَعْدَ صَرْمٍ: يا بُثَينَ صِلِيني

ولكنه، وإن صرمت حباله، لا يرضى بها بديلًا، ولا يسمع قول العواذل فيها، فيردُّ تلك التي عرضت عليه نفسها ردًّا لطيفًا؛ لأن حب بثينة لم يترك في صدره فراغًا لغيرها، ويشكو إلى بثينة ما يعاني من حبها، وما تصنع العواذل للتفريق بينهما، ولله أبوه ما أبلغ الألم وحب التشفي من عواذله في قوله: «وودت لو يعضُضن صُمَّ جنادل.» بل ما أشد وفاءه في قوله: «وإذا هَوِيتُ فما هوايَ بزائل.» وما أعظم قناعته وصدق ولائه حيث يقول:

ويَقُلْنَ: «إنَّكِ يا بُثينَ بخيِلةٌ»
نَفسي فِداؤكِ مِنْ ضَنينٍ باخِلِ

ألا وإن قناعة جميل، ورضاه من بثينة بالشيء الزهيد، يتمثلان في ثلاثة أبيات له إذ يقول:

وإنِّي لأرضى مِنْ بُثَينةَ بالذي
لوَ أبْصَرَهُ الواشي لَقَرَّتْ بَلابِلُهْ١٦
بِلا، وبألا أسْتَطيِع، وبالمُنى
وبالأمَلِ المَرْجُوِّ قد خابَ آمِلُهْ١٧
وبالنَّظْرَةِ العَجْلى، وبالحَوْلِ ينقضي
أواخِرُهُ، لا نَلتَقي، وَأوَائِلُهْ١٨

ولعل هذه الأبيات لا تمثل القناعة مجردة، بل تمثل معها ذلك الحب العفيف الذي اشتهر به عُشَّاق بني عُذرة وفي طليعتهم جميل.

(٣-٥) منزلته

قال عبد الرحمن بن أزهر: «جميل أشعر أهل الإسلام.» وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري: «جميل أشعر أهلِ الجاهلية والإسلام، والله ما لأحدٍ منهم مثل هجائه ولا نسيبه.» وقال محمد بن سلام: «كان لكثيِّر حظ وافر، وجميل مقدمٌ عليه، وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كُثيِّر بعاشق ولكنه كان يتقوَّل.»

ورأي ابن سلام هو المعوَّل عليه، فإن جميلًا، في صدق مودته وخلوص وفائه، يتقدم الشعراء الغزلين على الإطلاق، وهو في عفة نفسه وشرف عاطفته يقود شراذم الشعراء العذريين إلى جهاد الحب العفيف.

(٤) عمر بن أبي ربيعة (٦٤٤–٧١١م/٢٣–٩٣ﻫ)

(٤-١) حياته

هو عُمَر بن عبد الله بن أبي ربيعة حُذَيفة بن المُغيرة المخزومي القُرشي، ويكنَّى أبا الخطاب، وأمه يقال لها مجد، سُبيت من حَضْرَمَوت أو من حِميَر، فتزوجها عبد الله بن أبي ربيعة، وكان تاجرًا موسرًا وعاملًا للنبي والخلفاء الثلاثة من بعده، فولدت له شاعرنا يوم قتل عمر بن الخطاب، فنشأ في أسرة عظيمة الجاه، ضخمة الثروة، توافرت فيها أسباب الترف والنعيم، وقضت مصلحة بني أُمية بإقصاء القرشيين عن الحياة السياسية، فانصرف عمر إلى اللهو والعبث، وكان له من شبابه وجماله وشاعريته ومحتده وثروته ما سهَّل له سبل الملذات، فلها كثيرًا وعبث كثيرًا، فلم تعرض له حسناء قرشية أو غير قرشية إلا شبب بها وشهَّرها، وكان يقضي أيامه لاهيًا مستمتعًا حتى إذا آن موسم الحج اعتمر١٩ ولبس الحلل الفاخرة، وركب النجائب٢٠ المخضوبة بالحنَّاء، عليها القُطوع٢١ والديباج، وأسبل لمَّته٢٢ وخرج من مكة يتلقى الحَواجَّ المدنيات والعراقيات والشآميات فيتعرَّض لهنَّ ويتبعهنَّ إلى مناسك الحج، ولا يزال يترقب خروجهنَّ للطواف في الكعبة، حتى ينظر إليهِن مُحْرِمات فيرى منهن ما لا يراه في خارج الحرم فيصفهن ويشهرهن بشعره.

(٤-٢) أخباره مع الحِسان

كان الحِسان لا يسوؤهن أن يشبب بهن ابن أبي ربيعة، ولطالما التمسن الاجتماع به، وطلبن إليه أن يقول فيهن متغزلًا، على أن لا يقول هُجْرًا٢٣ مخافة أن يفضحهن، فكان يتعفَّف في غزله مرة. ثم يتعهَّر مرارًا، فيذكر حوادثه معهن بقالب قصَصي رائع الفن، ولولا تعهره لما خشي شره بعض كرائم النساء، فصرن يخفن الخروج إلى الحج حذرًا من أن يراهن فلا يسلمن من شيطان شعره.
على أن تعهره كان يقف به غالبًا عند طائفة من صواحبه فلا يجاوزهن إلى اللواتي يعرِضن له في الطواف، أو إلى المحصَنات الموسومات بالعفاف، وقد يتورَّع من تشهير مليحة حُرمَة أو خوفًا، شأنَه مع فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي؛ فقد روى صاحب الأغاني: أنها حجَّت، فكتب الحَجاج٢٤ إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده، إن ذكرها في شعره، بكل مكروه، وكانت تحب أن يقول فيها شيئًا، وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفًا من الحجاج. فلما قضت حجها خرجت، فمر بها رجل فقالت له: «من أنت؟» قال: «من أهل مكة.» قالت: «عليك وعلى أهل بلدك لعنة الله!» قال: «ولمَ ذاك؟» قالت: «حججتُ فدخلتُ مكة ومعي من الجواري ما لم ترَ الأعين مثلهن؛ فلم يستطع الفاسق٢٥ ابن أبي ربيعة أن يزوِّدنا من شعره أبياتًا نلهو بها في الطريق في سفرنا.» قال: «فإني لا أراه إلا قد فعل.» قالت: «فأتنا بشيء إن كان قاله، ولك بكل بيت عشرة دنانير.» فمضى إليه فأخبره. فقال: «لقد فعلت، ولكن أُحب أن تكتم علي.» قال: «أفعَلُ.» فأنشده قوله:
راعَ الفُؤادَ تفَرُّقُ الأحْبابِ
يومَ الرَّحيلِ، فهاجَ لي أطرابي٢٦

ولكنه لم يذكرها باسمها فَرَقًا من عبد الملك بن مروان ومن الحجاج. وجرى له مثل ذلك مع عائشة بنت طَلحة بن عبيد الله، وهي قرشية من بني تَيم بن مُرة؛ فقد رآها وهو يطوف بالبيت، وكانت من أجمل أهل دهرها، فبُهت لمرآها، ورأته وعلمت أنها وقعت في نفسه، فبعثت إليه جارية لها وقالت: «قولي له: اتقِ الله ولا تقُل هُجرًا، فإن هذا المقام لا بد فيه مما رأيت.» فقال للجارية: «أقرئيها السلام، وقولي لها ابن عمك لا يقول إلا خيرًا.» وقال فيها:

لِعائشةَ ابنةِ التَّيميِّ عندي
حِمَّى في القلب لا يُرعى حِماها٢٧

ثم شبب بها كثيرًا؛ فبلغ ذلك فتيان بني تَيم، أبلغهم إياه فتى منهم وقال لهم: «يا بني تَيم بن مرة! لَيَقذِفَنَّ بنو مخزوم بناتنا بالعظائم!» فمشى ولَدُ أبي بكر، وولدُ طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك، وأخبروه بما بلغهم؛ فقال لهم: «والله لا أذكرها في شعر أبدًا.» ثم أخذ يكنِّي عن اسمها في قصائده ويتلطف في تبليغها ما يريد على أعواد المغنين.

فيمكننا أن نستدل من هذين الخبرين على أخلاق المرأة المترفة في العصر الأموي، وميلها إلى الشعر، واستلطافها أن يقال فيها الغزل البريء من الفحش. ذلك بأنها كانت على جانب عظيم من الأدب، ولها في الشعر نظر صائب وذوق سليم، يَرقيها٢٨ جيّده وينفرها رديئه، ويسرها أن تجالس الشعراء وتحادثهم وتستنشدهم، ومنهم من جعلت دارها نَدوة أدبية، تجمع فيها الشعراء والمغنين، وتجادلهم وتنتقد أقوالهم وغناءَهم انتقادًا مُرًّا، كسُكَينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وكانت تنافس عائشة في الجمال، وربما فضلَتها. ولسكينة أخبار كثيرة مع عمر بن أبي ربيعة، وله فيها غزل رقيق تغنى به المغنون.
ونستطيع أن نتبين مبلغ ترف المرأة الحجازية في هذا العصر، وحبها للشعر واللهو في خبر لابن أبي ربيعة مع إحدى سيدات قريش، وهي هند بنت الحَارث المُرِّية، وهذا الخبر حدَّثه عمر عن نفسه ورواه صاحب الأغاني قال: «بينا أنا منذ أعوام جالس إذ أتاني خالد الخرِّيتُ فقال لي: «يا أبا الخطاب، مرَّت بي أربعُ نِسوة قُبَيل العِشاء يُردن موضع كذا وكذا، لم أرَ مثلهُنَّ في بَدْوٍ ولا حضَر، فيهن هند بنت الحارث المُرِّيَّة. فهل لك أن تأتيهن متنكرًا فتسمع من حديثهن وتتمتع بالنظر إليهن ولا يعلمن من أنت؟» فقلت: «ويحك! وكيف لي أن أُخفي نفسي؟» قال: «تلبَسُ لبسة أعرابي ثم تجلس على قَعود،٢٩ فلا يشعرن إلا بك وقد هجمت عليهن.» ففعلتُ ما قال وجلستُ على قعود، ثم أتيتهن فسلمت عليهن، ثم وقفتُ بقربهن. فسألنَني أن أنشدهن وأحدثهن، فأنشدتهن لكُثير وجميل والأحوَص ونُصَيب وغيرهم. فقلنَ لي: «ويحك يا أعرابي! ما أملحك وأظرفك! لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا، فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله.» فأنختُ بعيري، ثم تحدثت معهن وأنشدتهن، فسُررن بي وجَذِلن٣٠ بقربي وأعجبهن حديثي. ثم إنهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعض: «كأنَّا نعرف هذا الأعرابي! ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة.» فقالت إحداهن: «هو والله عمر!» فمدت هند يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي، ثم قالت لي: «هِيه٣١ يا عمر! أتُراك خدعتنا منذ اليوم! بل نحن والله خدعناك واحتلنا عليك بخالدٍ، فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوأ هيئة ونحن كما ترى.»
فحسبك من هذا الخبر دليل على حرية المرأة الحجازية وتحضُّرها في العصر الأموي، وبوسعك أن تقابلها بشقيقتها في العصر الجاهلي، فترى الفرق بينهما، وتعلم مبلغ التطور السريع الذي أحدثه الإسلام في نفوس العرب، فاستبدلوا منَ الخشونة رقةً، ومن الوأد٣٢ حبًّا، ومن الناقة امرأة؛ وأفادوا مالًا كثيرًا من فتوحاتهم، فاتسعت أحوالهم بعد ضيق، فاستمتعوا بحياتهم وأغرقوا في الاستمتاع، وكان للشباب الحجازي المترَف دافع من السياسة إلى اللهو والعبث، فتهافت عليهما؛ وللمرأة حظها من كل ذلك، فشاركته في تهافته، وكان عصرهما عصر دعابة ومجون.

(٤-٣) حبُّه

لم يقف ابن أبي ربيعة حبَّه على امرأة واحدة كما وقف جميل حبه على بُثينة، بل كان تِبع نساءٍ يتنقَّل كالطائر من فننٍ إلى فنن، أو كالنحلة من زهرة إلى زهرة، ولكنه على تنقله كان صادقًا في حبِّه؛ لأنه إنما كان يهوى الجمال، فما رأى مليحة إلا أحبها واستُطير إليها فؤاده، فهو صادق في حُبِّه للجمال، كاذب في إخلاصه للمرأة التي يحبها، ولعل أبلغ تعريف لحب ابن أبي ربيعة حديثه لمُصعَب بن عُروَة بن الزُّبَير وأخيه عُثمان، وكان قد أسن وجف عوده، فبصر بهما يطوفان بالبيت وهما فَتَيان، فأقبل عليهما وقال: «يا ابْنَيْ أخي، لقد كنتُ موكَّلًا بالجمال أتَّبعه، وإني رأيتُكما فراقني حُسنُكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه.»

وكان عمر ناعمًا في حبه تهواه النساء لجماله وشاعريته وجاهه، فلم يزره الصدود إلا غرارًا، وتجد أثر هذه النعمة مطبوعًا على شعره، وإذا رأيت فيه شيئًا من التألم والشكوى فإنما هو ناتج عن فراق حسناء لمحها في الطواف فاتبعها فأفلتت من يده، أو عن هجران موقوت سببته غيرة المرأة عليه لتنقله في الحب وعدم إخلاصه.

(٤-٤) زواجه

كان عمر يهوى كَلثم بنت سعد المخزومية، وهي تصد وتمتنع عنه لعلمها بغدره، وما زال يبعث إليها الرسل حتى أذنت له بزيارتها، فمكث عندها شهرًا لا يدري أهله أين هو. ثم استأذنها في الخروج، فقالت: «والله لا تخرج إلا بعد أن تتزوجني.» ففعل وتزوجها فولدت منه ابنين أحدهما جُوان، وماتت عنده، وكان جُوان هذا امرأً صالحًا فلم يسلك مسلك أبيه، وقد استعمله بعض ولاة مكة على تُبالة٣٣ فحمل على خَثعَم٣٤ في صدقات أموالهم حَملًا شديدًا، فجعلت خثعم سنة جوان تاريخًا. قال ضُبارة بن الطُّفَيل:
ولو شَهِدَتني في ليالٍ مَضَينَ لي
لِعامَينِ مَرَّا قَبلَ عامِ جُوانِ
رأتْنا كَريمي مَعشَرٍ، حُمَّ بَيْنَنَا
هَوًى، فَحفِظْناهُ بحسْنِ صِيانِ٣٥

وفي جوان يقول العَرجي:

شَهِيدي جُوانٌ على حُبِّها
أليس بِعَدلٍ عليهَا جُوَانُ؟

فجاء جُوانٌ إلى العَرجي فقال له: «يا هذا، ما لي وما لك، تشهِّرني في شعرك؟ متى أشهدتني على صاحبتك هذه؟ ومتى كنتُ أنا أشهدُ في مثل هذا!»

ويروي لنا صاحب الأغاني خبر زواج آخر لابن أبي ربيعة هو أُطروفة٣٦ في بابه، ومنه نعلم مبلغ تأثير شعر عمر في الحرائر، وتخوُّف الناس على بناتهم هذا الشعر الساحر الفاضح. قيل: وُلدت لرجلٍ من بني جُمَح جارية لم يولد مثلها بالحجاز حُسنًا، وكان من أهل مكة، فقال: «كأني بها وقد كبرت فشبب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوَّه باسمها كما فعل بنساء قريش، والله لا أقمت بمكة.» فباع ضيعة له بالطائف ومكة، ورحل بابنته إلى البصرة، فأقام بها وابتاع هناك ضيعة، ونشأت ابنته من أجمل أهل زمانها، ومات أبوها فلم ترَ أحدًا من بني جُمَح حضر جنازته، ولا وجدت لها مُسعدًا٣٧ ولا عليها داخلًا،٣٨ فقالت لداية٣٩ لها سوداء: «مَن نحن؟ ومن أي البلاد نحن؟» فخبرتها، فقالت: «لا جرَمَ والله، لا أقمت في هذا البلد الذي أنا فيه غريبة.» فباعت الضيعة والدار، وخرجت في أيام الحج.
وكان ابن أبي ربيعة قد خرج للقاء الحواج العراقيات، فإذا قبة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر، تعادلها٤٠ جارية سوداء كالسُّبْجة.٤١ فقال للسوداء: «من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟» فقالت: «لقد أطال الله تعبك، إن كنت تسأل هذا العالَم مَن هم ومن أين هم.» قال: «فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن.» قالت: «نحن من أهل العراق، فأمَّا الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا.» فضحك. فلما نظرت إلى سواد ثنيتيه٤٢ قالت: «قد عرفناك.» قال: «ومن أنا؟» قالت: «عمر بن أبي ربيعة!» قال: «وبمَ عرفتني؟» قالت: «بسواد ثَنِيَّتَيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش.» ولم يزل بها حتى تزوَّجها.

(٤-٥) توبته

على أن صاحبنا لم يشأ أن تنقضي حياته بالفتك والمجون، فالرواة يحدثوننا بأنه ما بلغ الأربعين حتى نسك وتاب إلى ربه، وحلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة، ولكنه ظل على الرغم منه يحن إلى شبابه وجماله، فتمر به ساعات يتلهف فيها على ما مضى من صبابته وصباه. فقد رأيت وصيته للغلامين الجميلين اللذين شاهدهما يطوفان بالحرم، وأبصر مرة فتى جميلًا عليه جُمَّةٌ،٤٣ فجعل يمد الخصلة من شعره ثم يرسلها فترجع إلى ما كانت عليه، ويقول: «وا شباباه!» ونظر مرة إلى رجل يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه وأنكره، فقال له: «إنها ابنة عمي.» قال: «ذلك أشنع لأمرك.» فقال: «إني خطبتها إلى عمي، فأبى عليِّ إلَّا بصَداق أربع مئة دينار، وأنا غير مطيق ذلك.» وشكا إليه من حبها وكلفه بها أمرًا عظيمًا، وتحمَّل٤٤ به على عمه فسار معه إليه فكلمه، فقال له: «هو مملِق٤٥ وليس عندي ما أُصلح به أمره.» فقال له عمر: «وكم الذي تريده منه؟» قال: «أربع مئة دينار.» قال: «هي عليَّ فزوِّجه.» ففعل ذلك.

وانصرف عمر إلى منزله يحدِّث نفسه، فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها جوابًا؛ فقالت له: «إن لك لأمرًا وأراك تريد أن تقول شعرًا.» فقال تسعة أبيات:

تقولُ وَلِيدتي، لمَّا رَأَتْنِي
طرِبْتُ، وكنتُ قد أقصرْتُ حيِنا

ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم لكل بيت واحدًا برًّا بحلفه.

وأخبار ابن أبي ربيِعة بعد توبته قليلة لم يُعنَ بها الرواة عنايتهم بأخبار فتكه.

(٤-٦) موته

يختلف الرواة في موته، فمنهم من يزعم أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة نفاه إلى دَهْلَك،٤٦ ثم رأى ابن أبي ربيعة أن يكفِّر عن سيئاته بالتوبة والجهاد، فغزا في البحر فاحترقت السفينة التي كان فيها واحترق هو أيضًا، ويزعُم غيرهم أنه نظر في الطواف إلى امرأة شريفة فرأى أحسن خلق الله صورةً، فذهب عقله عليها، وكلمها فلم تجبه؛ فشبب بها، فبلغها شعره فجزعت منه، فقيل لها: «اذكريه لزوجك فإنه سينكر عليه قوله.» فقالت: «كلا والله لا أشكوه إلا إلى الله.» ثم قالت: «اللهمَّ إن كان نوَّه باسمي ظالمًا فاجعله طعامًا للريح.» فضَرَب الدهرُ من ضربه،٤٧ ثم إنه غدا يومًا على فرس فهبت ريح فنزل فاستتر بسلَمةٍ،٤٨ فعصفت الريح فخدشه غصن منها فدمي وورم به، ومات من ذلك.
ولا يخفى ما في الرواية الثانية من التكلف والاصطناع، وأما الرواية الأولى فينفيها تاريخ وفاة ابن أبي ربيعة، فإن أكثر الرواة متفقون على أنه مات في السنة الثالثة والتسعين للهجرة، ونحن نعلم أن عمر بن عبد العزيز لم يبايَع بالخلافة إلا في السنة التاسعة والتسعين،٤٩ أي بعد وفاة الشاعر بست سنوات، حتى إن ابن أبي ربيعة لم يدرك خلافة سليمان بن عبد الملك،٥٠ بل هلك في خلافة أخيه الوليد،٥١ والدليل على ذلك ما رواه أبو الفرج في الأغاني. قال: «خرجت الثريا٥٢ إلى الوليد بن عبد الملك، وهو خليفة بدمشق في دَين عليها، فبينا هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان،٥٣ إذ دخل عليها الوليد فقال: «من هذه؟» فقالت: «الثريا جاءتني تطلب إليك في قضاء دين عليها وحوائج لها.» فأقبل عليها الوليد فقال: «أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئًا؟» قالت: «نعم، أما إنه يرحمه الله كان عفيفًا عفيف الشعر.» ثم أنشدته قوله:
إذ فؤادي يهوى الرَّبابَ، وأنَّى الدَّ
هرَ حتى المَمات أَنْسَى الرَّبَابَا٥٤
وحِسانًا جَوارِيًا خَفِرَاتٍ
حافِظاتٍ عندَ الهوَى الأحْسابا٥٥
لا يُكثِّرْنَ في الحديثِ، ولا يَتْبَعْـ
ـنَ يَنْعِقْنَ بالبِهامِ، الظِّرابا٥٦

فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت منه، فلما خلا الوليد بأُم البنين قال لها: «لله در الثريا! أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟» قالت: «لا.» قال: «لما عَرَّضْتُ لها به عرَّضَتْ لي بأنَّ أُمي أعرابية.» وأُم الوليد وسليمان ولادة بنت العباس من بني عبس.»

فمن هذه الرواية نعلم أن ابن أبي ربيعة توفي في خلافة الوليد ولم يدرك سليمان، ولا أدرك عمر بن عبد العزيز. فخَبَر نفيه إلى دَهْلَك وغزوه واحتراق السفينة به مصنوع لا شك في اصطناعه، وضعه أنصار بني أُمية ليبالغوا في غيرة خلفائهم على الحُرُمات، فجعلوا الشاعر طريدًا لخليفة اشتهر بتحرجه، وهو عمر بن عبد العزيز، ولكنهم لم ينتبهوا إلى تاريخ خلافته ولا إلى تاريخ موت ابن أبي ربيعة، وقد وقع بعض كتَّابنا المعاصرين في خطئهم،٥٧ فتبعوهم على غير روية، وذكروا حادثة النفي دون أن ينظروا إلى السنوات الست التي تفصل بينها وبين تاريخ الوفاة.

فيتبين لنا من كل ذلك أن موت ابن أبي ربيعة مجهول السبب؛ لعدم اهتمام الرواة بأخبار الشاعر بعد توبته، ولكنهم كادوا يُجمعون على أنه توفي وقد قارب السبعين أو جاوزها.

(٤-٧) آثاره

ديوان شعر كله في الغزل والنسيب، وأخبار كثيرة متفرقة في كتب الأدب، جمع منها صاحب الأغاني طائفة حسنة في أكثر من ١٨٠ صفحة، وأشهر شعره «رائيته» التي مطلعها:

أمِنْ آل نُعْمٍ أنتَ غادٍ فَمُبْكِرُ
غَداةَ غَدٍ، أم رَائِحٌ فَمُهجَّرُ؟

(٤-٨) ميزته — الغزل الحضري

عرفت ميزة الغزل الحضري في كلامنا على نهضة هذا الفن، وعرفت أن زعيمه عمر بن أبي ربيعة المخزومي؛ وقد استحق صاحبنا هذا اللَّقب لعدة أسباب، منها أنه أول شاعر قصر همَّه على الغزل دون غيره ونظم فيه القصائد الطوال؛ وأول شاعر وسَّع نطاقه القصصي، وأدخل فيه الحوار التمثيلي اللذيذ؛ وأول شاعر أجاد تصوير عواطف المرأة، واختلاجات نفسها، واختلاف حركاتها، وهو في دعابته ومجونه يصور الحياة الاجتماعية في حواضر الحجاز، وفي تشبيبه وقصصه يمثل لنا ترف المرأة المتحضرة في القرن الأول للهجرة وسرفها في اللهو، ولغتها الحبِّية في التخاطب مع الرجل، وفي رقَّته ولينه يرينا صفة الشعر في القرى خصوصًا، وميزته بعد تطوره عمومًا. فشعر ابن أبي ربيعة مرآة لنفسه اللطيفة المتهالكة على الجمال؛ ومرآة لما في عصره من لهو ومجون. فإذا أردت أن تعلم حالة الحجاز المتحضر في الصدر الثاني فعليك بشعر عمر فإن فيه البلاغ المبين.

وإذا كان ابن أبي ربيعة زعيم الغزل الحضري كما كان جميل زعيم الغزل البدوي، فإن مذهب عمر كان أشد تأثيرًا في أبناء عصره من مذهب الشاعر العُذري، فاستهوى الشباب الحجازي المترف، وتلمذوا له، فأخرج منهم أساتذة كبارًا ولكنهم دون زعيمهم، كالعَرْجي والأحوَص والحارث بن خالد المخزومي وغيرهم، واستهوى النساء أيضًا، فكان من أشد الأخطار على العفاف.

وقد قام هذا المذهب على ركنين من الغزل: أحدهما التشبيب، والآخر الحوار والقصص، وفي كليهما أجاد ابن أبي ربيعة؛ ولا سيما فن القصص فقد أبدع فيه ما شاء له الإبداع.

وابن أبي ربيعة في غزله ناعم فرح، مبتسم لعوب، إذا بكى فنادرًا، وربما كان بكاؤه رُقْيَةً وعبثًا، ولماذا يبكي …؟ وكل ما يحيط به ضاحك له: شباب وجمال، وثروة وجاه؛ وخليل يبادله المودة والولاء …!

فلا تعجب له إذا رأيته يشبب أحيانًا بنفسه أكثر من تشبيبه بصاحبته، فهو جميل معجب بالجمال، يحبه في وجهه كما يحبه في وجه غيره، وقد انتقد عليه ذلك بعضُ معاصريه فلم يظفروا منه بطائل، ولا استطاعوا أن يردوه عن غروره؛ لأنه في وصفه نفسه لا يتكلَّف تصنعًا، بل يتكلم بحسه.

وسمعه ابن أبي عتيق٥٨ ينشد شيئًا من غزله فقال له: «أنت لم تنسُب بها، وإنما نسبت بنفسك، كان ينبغي أن تقول: قلتُ لها فقالت لي، فوضعت خدي فوطئتْ عليه.»

وقد تعابثه النساء في الحرَم فيصد عنهن، فيُطاردْنَه ليُفسِدْن عليه طوافه. فإذا هو قنَصٌ لهن، وإذا هُن يتبعْنَه بدلًا من أن يتبعَهُنَّ، فيريك نفسه قِبْلة أنظار الحسان يتجنى عليهن، وهن يسعَيْنَ في أثره. على أنك إذا أردت أن تستوعب خصائص عمر من تشبيب، وقصص، وتتبين خفة روحه وظرفه، وما كان يجري بينه وبين صواحبه من حوار يطلعك على حديث النساء الحجازيات، وعلى طرف من أخلاقهن ومعاشراتهن، فلا غُنْية لك عن درس رائيته الشهيرة فهي خير شعره، وبها اعترف له جرير بالشاعرية.

(٤-٩) رائية عمر

يستهل الشاعر قصيدته بذكر صاحبته نُعْم ويكثر من تكرار اسمها تلذُّذًا:

أمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ
غَدَاةَ غَدٍ، أمْ رائِحٌ فَمُهَجِّرُ٥٩

ونراه يحاذر زيارتها خشية التشهير، ولكنه لا يلبث أن يشهِّر نفسه شيئًا فشيئًا، فيذكر أولًا حوارًا جرى بين نُعْم وأُخت لها، وقد رأتاه متغيرًا لوَّحت وجهه الأسفار، فأنكرته نُعم، وعرفته أُختها. فلا تغفل عن هذا الحوار الذي يمثل لنا شيئًا من محاورات النساء عندما يبصرن رجلًا يعرفنه، ولكن تغيرت هيئته فاشتبهت عليهن معرفته. ثم ينتقل إلى ذكر زيارته لها، فيزيد نفسه تشهيرًا على تشهير، ويروي لنا خبر هذه الزيارة الليلية بأُسلوب قصصي شائق اختص به ابن أبي ربيعة ففاق أقرانه.

ويختم هذه القصيدة البديعة واصفًا ناقته الصلبة القوية، وانطلاقه بها طلبًا للماء في القفار الخالية، وليس في هذا القسم ما يعنينا درسه؛ لأن خاصة ابن أبي ربيعة محصورة في غزله، بل في قصصه الغرامي الذي يريك في الأدب العربي شيئًا جديدًا، وفي ذلك الحوار اللذيذ الذي يدور بين النساء من ناحية، وبينه وبينهن من ناحية أخرى، حتى ليخيل إليك أنك تقرأ في شعره قطعة تمثيلية تكاد تكون تامة، ومثل هذا الأسلوب القصصي كثير في شعر عمر، وعليه قامت شهرته؛ لأن التشبيب وحده لا يجعل منه شاعرًا متفردًا ممتازًا. فالشعراء الغزلون في الإسلام أجادوا جميعًا وصف الحبيبة، ووصف العواطف والأهواء، ولكن لم يقم فيهم واحد يستطيع أن يجاري عمر في قصصه الغرامي ومخاطبته النساء، وتصوير حركاتهن وإشاراتهن، ونزعات نفوسهن.

ولا بد أن تتذكر امرأ القيس، وأنت تقرأ رائية فتى قريش؛ لأن الصلة قوية بين الشاعرين، فكلاهما يتعهر في غزله، وكلاهما يتجشم الأخطار للوصول إلى من يحب، وكلاهما يباغت حبيبته بالزيارة فتخاف وتلومه، وكلاهما يدركه الصباح عندها فيتهيَّأ لملاقاة الحي مستميتًا، ولكن امرأ القيس يمتنع بسيفه وسهامه، ويسخر بزوج صاحبته ويستهين به، وأما ابن أبي ربيعة فيعمد إلى الاستخفاء وكان مِجَنَّهُ … ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر.

على أن هذه الصلة بين الشاعرين لا تجيز لنا القول إن عمر جاء مقلِّدًا أمير الشعراء في قصصه الغرامي، فإنما هو جاء مجددًا ومحسِّنًا له، والقصص في غزل الشاعر القُرشي أتمَّ منه في غزل امرئ القيس فهو صفة لازمة لشعر ابن أبي ربيعة، وليس بصفة لازمة لشعر امرئ القيس، ومن العدل أن نسمي هذا الفن: «أسلوب ابن أبي ربيعة» لأنه احتكره احتكارًا، وإن يكن شاعر كندة قد سبقه إليه.

ورائيته الحسناء تزف إليك ما في هذا الأسلوب من روعة وجمال، فتطلعك على تلطفه في الوصول إلى حاجته، وانتظاره رقدة الحي وسكون الصوت، وغيوب القمر، ثم تنفيضه النوم عن عينيه، وانسيابه كالحباب أزوَر الركن من الخوف والحذر، وتريك ما جرى بينه وبين نُعم من حوار لذيذ تزيِّنه تعابير قُرشية لطيفة كأنها في نعومتها وُجِدت لتكون لغة السيدات: «أريتَكَ إذ هُنَّا عليك، ألم تخف، وُقيتَ …، كَلاك بحفظٍ ربك المتكبر …»

ولم يغفل ابن أبي ربيعة في هذه الزيارة عن التشبيب بنفسه، وكيف يغفل عنها؟ وهو معجب بجماله إعجابه بحمال صاحبته. فإذا هو يُسمعنا نُعمًا تقول له:

فأنتَ أبا الخطَّابِ، غيرَ مُدافَعٍ
عليَّ أميرٌ، ما مَكَثْتَ، مُؤمَّرُ

وما أجمل الانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله:

أشارت: «بأنَّ الحيَّ قد حانَ منهمُ
هُبوبٌ، ولكن مَوعِدٌ لك عَزْوَرُ»

وهي لم تنتقل هذا الانتقال الجميل إلا لتضرب له موعدًا جديدًا.

وانظر إلى ظُرف القرشيات في توبيخهن الشاعر بعد أن كُن له مِجَنًّا: «أهذا دأبك الدهر سادرًا …؟ أما تستحي أم ترعوي أم تفكِّر …؟» ثم إلى قولهن له بعد هذا التوبيخ:

إذا جِئتَ فامنحْ طرْفَ عينيكَ غيرَنا
لكيْ يَحسَبوا أن الهوَى حيْثُ تَنْظُرُ

ألا وإن في هذه الوصيَّة دهاء نسائيًّا، ولكنه دهاء محبوب.

(٤-١٠) منزلته

قيل كانت العرب تُقرُّ لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرَّت لها الشعراء بالشعر أيضًا ولم تنازعها شيئًا.

وقيل: بينا كان عبد الله بن عباس ابن عم النبي في المسجد الحرام، وعنده نافع بن الأزرق٦٠ وناس من الخوارج، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورَّدين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال: «أنشدنا»، فأنشده: «أمِن آل نُعم …» حتى أتى على آخرها، فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: «اللهَ٦١ يا ابن عباس! إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترَف من قريش فينشدك:
رأتْ رجلًا أما إذا الشمسُ عارَضَتْ
فيَخْزَى، وأمَّا بالعَشِيِّ فيَخْسرُ»

فقال: «ليس هكذا قال.» وأنشده البيت على صحته، ثم أنشده القصيدة برمتها، وكان قوي الحافظة، فلامه بعض أصحابه في حفظه إياها، فقال: «إنا نستجيدها.» وكان يسأل كثيرًا عن عمر فيقول: «هل أحدث هذا المغيري شيئًا بعدنا؟»

ورُوي عن نُصَيب الشاعر قوله: «لَعُمَر بن أبي ربيعة أوصفنا لربَّات الحجال»٦٢ وقال هشام بن عروة: «لا تُروُّوا فتياتكم شعرَ عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورُّطًا.» وسئل حمَّاد الراوية عن شعر عمر فقال: «ذاك الفُسْتُق المقشَّر.» وسمع الفَرَزدق شيئًا من نسيب عمر فقال: «هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه.» وقال أبو المقوَّم الأنصاري: «ما عُصي الله بشيء كما عُصي بشعر عمر بن أبي ربيعة.» وقال جرير: «إن أنسب الناس المخزومي.» يعني عمر.
ورأى عبد الله بن مُصْعَب بن الزبير مولاته٦٣ داخلة منزله ومعها دفتر، فسألها عنه، فقالت: «شعر عمر بن أبي ربيعة.» فقال: «ويحك! أتدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة! إن لشعره لموقعًا من القلوب ومدخلًا لطيفًا، لو كان شعر يَسْحر لكان هو، فارجعي به.» ففعلت، وقال الأصمعي: «عمر حجّةٌ في العربيَّة، ولم يُؤخَذ عليه إلا قوله:
ثم قالوا: «تحبُّها؟» قلتُ: «بَهْرًا!
عَدَدَ الرَّمْلِ والحصى والتُّرابِ»٦٤
وله في ذلك مخرَج إذ قد أتى به على سبيل الإخبار،٦٥ وأنشد عمر «رائيته» طلحة بن عبد الله بن عوف الزُّهْري، وهو راكب، فوقف وما زال شانقًا ناقته٦٦ حتى كُتبت له. وكان جرير إذا أُنشد شعر عمر قال: «هذا شعر تِهامي إذا أنجد وجد البرد.»٦٧ حتى أُنشد رائيته فقال: «ما زال القرشي يهذي حتى قال الشعر.» وقال ابن أبي عَتيق: «لشعر عمر نَوطةٌ٦٨ في القلب وعلوق في النفس ليست لشعر.» وسمع جميل بن مَعمَر عمر ينشد لاميته:
جرى ناصِحٌ بالوُدِّ بَيْني وبَيْنَها
فقرَّبَني يومَ الحِصَابِ إلى قَتْلي٦٩
فقال: «هيهات يا أبا الخطاب! لا أقول والله مثل هذا سَجيس الليالي،٧٠ والله ما يخاطب النساء مخاطبتك أحد.» ولِمُصْعب بن عبد الله الزبيري رأي في ابن أبي ربيعة تجده في الأغاني يقدمه به على أقرانه بأشياء كثيرة منها: سهولة الشعر، وحسن الوصف، ودقَّة المعنى.

فيتبين من هذه الأقوال ما للشاعر القرشي من منزلة رفيعة في الغزل، فقد أجمعوا على أنه أغزل الشعراء، وأدخلهم شعرًا في النفس، وأسحرهم للنساء، وإذا نظرنا إلى قول جرير فيه نعلم أن شعره لم يقف على حالة واحدة، بل تطور كثيرًا حتى بلغ مرتبته من الحسن والجودة، ويظهر لنا ذلك جليًّا في درسه، فإننا نجد فيه قسمًا ضعيفًا بيَّن الإسفاف واللين، ثم نجد قسمًا رشيقًا حلو الألفاظ سهلًا على غير ضعف كأنه وضع للغناء؛ ثم نجد قسمًا آخر شديد الأسر حسن الديباجة؛ وهو الشعر الذي استهوى كبار الشعراء كالفرزدق وجرير.

وإذا نظرنا إلى قول الفرزدق وجميل بدا لنا أن ابن أبي ربيعة لم يصل إلى منزلته الأدبية العالية إلا بشعره القصصي، فقد رأى فيه الناس شيئًا جديدًا ليس في غيره، ولا سيما مخاطبته النساء، فافتتنوا به وراقهم أُسلوبه، ونستطيع أن نعلم من أقوال المقوَّم الأنصاري وعبد الله بن مُصْعَب الزَّبيري وهشام بن عُروة ما كان لهذا الشعر من التأثير في نفوس النساء حتى أصبحوا يخافون عليهن منه، ويمنعونهن من حفظه وروايته. فقد كان شعر ابن أبي ربيعة، وهو الفستق المقشر، كما وصفه حمَّاد، خطرًا على النساء لما فيه من تشبيب بليغ وقصص غرامي شائق، ولكنه بَوَّأ صاحبه أرفع رتبة في هذا الفن، فجعله شاعر قريش وفتاها، وأُستاذ الغزل الحضري، وزعيم الغزلين على الإطلاق.

هوامش

(١) نعني بالشعراء الإسلاميين الذين وُلدوا ونشأوا في صدر الإسلام وتأدبوا بأدبه الخاص.
(٢) الشعراء المولدون أو المحدثون: هم الشعراء الذين جاءوا بعد الإسلاميين في العصر العباسي.
(٣) الكلمة: القصيدة.
(٤) العذريون: نسبة إلى قبيلة بني عذرة، وهم قوم عُرفوا بالحب الصادق العفيف، حتى قيل إنهم كانوا إذا أحبوا ماتوا فنُسب إليهم الحب العفيف، فقيل له: الهوى العذري، وبين الشعراء العذريين مَن ليسوا من بني عذرة ولكنهم نُسبوا إليهم لعفتهم.
(٥) وادي القرى: موضع في الحجاز قريب من المدينة.
(٦) الفصال: جمع فصيل وهو ولد الناقة إذا فُصل عن أمه.
(٧) البروك: جمع بارك، وهو للإبل بمعنى الجالس للإنسان.
(٨) عزقتهن: ضربتهن فأثخنتهن.
(٩) مقيد دمي: أي مهدر دمي.
(١٠) العيس: الإبل. المثاني: جمع مثناة وهي الحبل من صوف أو شعر. أي إذا نحن رفعنا الحبال للعيس فتنطلق في سيرها.
(١١) صدع: تكلم بالحق جهارًا، أي صرح النعي. بجميل: متعلق بصدع، وقوله: ما كنى، أي ما ستر ولا تكلم بصورة الكناية وهي ضد التصريح. ثوى: أقام، والضمير يعود على جميل. غير قفول: غير راجع أي ثواء شخص غير راجع.
(١٢) ولقد أجر الذيل: التفات إلى المتكلم وهو جميل، وجر الذيل كناية عن التيه والتبختر في المشي.
(١٣) صعقت: غشي عليها.
(١٤) البزة: الثياب.
(١٥) ابن خلكان: عالم مؤرخ شهير توفي سنة ١٢٨٢م/٦٨١ﻫ.
(١٦) قرت: بردت وسكنت. البلابل: جمع بلبال، وهو شدة الهم والوسواس.
(١٧) بلا وما بعدها: بيان لقوله: وإني لأرضى بالذي، أي أرضى من بثينة أن تقول: لا، إذا سألتها شيئًا، وأن تقول: لا أستطيع، إذا طلبت منها موعدًا، وأرضى منها بالمنى: أي بالتمنيات. مفردها مُنية، وأرضى بالأمل، أرجوه وأخيب فيه.
(١٨) ثم يقول: وأرضى منها بالنظرة المستعجلة، وبأن تمضي أواخر السنة وأوائلها دون أن نلتقي بعد هذه النظرة.
(١٩) اعتمر الرجل: لبس العمرة أي العمامة.
(٢٠) النجائب: كرائم النوق.
(٢١) القطوع: جمع قطع وهو الطنفسة يجعلها الراكب تحته وتغطي كتف البعير.
(٢٢) لمته: شعره.
(٢٣) هجرًا: فحشًا.
(٢٤) الحجاج بن يوسف أقامه عبد الملك بن مروان أميرًا على الحجاز بعد انتصاره على الزبيريين.
(٢٥) كان عمر يلقب بالفاسق تحببًا مرة وتحقيرًا مرة أخرى، وأكثر ما كانت تلقبه به النساء مداعبة.
(٢٦) راع: أخاف. الأطراب، جمع الطرب: وهي خفة تلحقك من سرور أو حزن وهنا بمعنى الحزن.
(٢٧) قوله: لا يرعى حماها، أي لا ينتهك ولا يسكنه سواها.
(٢٨) يرقيها: أي يرضيها ويستميلها، وأصله من رقاه: عوذه ونفث في عوذته أي نفخ مع ريق يسير، والعوذة عقدة تعقدها النساء السواحر وينفثن فيها، ومنه في سورة الفلق: وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ.
(٢٩) القعود: الناقة الطويلة القوائم. أو من الإبل ما يقتعده الراعي في كل حاجة.
(٣٠) جذلن: فرحن.
(٣١) هِيه: كلمة استزادة.
(٣٢) الوأد: دفن البنت حية تخلصًا من عارها أو مؤونتها، وكان بعض العرب في جاهليتهم يئدون بناتهم فحرمه الإسلام.
(٣٣) تبالة: بلدة من أرض تهامة في طريق اليمن.
(٣٤) خثعم: اسم قبيلة.
(٣٥) حم: قدر.
(٣٦) الأطروفة: الحديث النادر.
(٣٧) المسعد: من تساعد المرأة في النوح على فقيدها من جاراتها أو ذوات قرابتها.
(٣٨) داخلًا: أي زائرًا.
(٣٩) الداية: المرضع، وقد تظل مع الطفلة تربيها حتى تشب.
(٤٠) تعادلها: تركب معها في أحد شقي الهودج.
(٤١) السبجة: كساء أسود.
(٤٢) الثنيتان: مثنى الثنية، وهي ضرس في مقدمة الفم، والثنايا: أربعة أضراس: ثنتان من فوق وثنتان من أسفل، ولسواد ثنيتَي عمر خبر؛ وهو أنه أتى صاحبته «الثريا» يومًا ومعه صديق له يصاحبه، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت، فقال لها: «إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئًا.» واستلقى فضحك — وكان النساء إذ ذاك يتختمن في أصابعهن العشر — فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها، فأصابت الخواتم ثنيتيه العليين فنغضتا — أي فلقتا وتحركتا — وكادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له فثبتتا واسودتا.
(٤٣) الجمة: مجتمع شعر الرأس.
(٤٤) يقال: تحمل بفلان على فلان، إذا استشفع به لديه.
(٤٥) مملق: فقير.
(٤٦) دهلك: جزيرة من بلاد الحبش في البحر الأحمر بين بر اليمن وبر الحبش، على ٢٥ ميلًا من مصوع إلى الشرق، وفي جوارها عدة جزر صغيرة تدعى جزائر دهلك.
(٤٧) يقال: ضرب الدهر من ضربه، أي مر من مروره وذهب بعضه، والمراد أنه مرت مدة من الدهر.
(٤٨) السلمة: واحدة السلم، وهو شجر من العضاه، ورقها القرظ الذي يدبغ به الأديم.
(٤٩) خلافة عمر بن عبد العزيز من سنة ٧١٧–٧١٩م/٩٩–١٠١ﻫ.
(٥٠) خلافة سليمان بن عبد الملك من ٧١٤–٧١٧م/٩٦–٩٩ﻫ.
(٥١) خلافة الوليد بن عبد الملك من ٧٠٥–٧١٤م/٨٦–٩٦ﻫ.
(٥٢) الثريا: بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، القرشية إحدى صواحب عمر.
(٥٣) أم البنين: زوج الوليد بن عبد الملك.
(٥٤) الرباب: اسم امرأة. أنَّى: بمعنى كيف، وقوله: الدهر، أي مدى الدهر، والمراد مدى العمر. يقول: كيف أنسى الرباب مدى العمر حتى الممات.
(٥٥) وحسانًا. معطوفة على قوله: أنسى الربابا. خفرات: حييات. الأحساب: الشرف، أي يحفظن شرفهن في الحب.
(٥٦) لا يكثرن في الحديث: أي لسن بثرثارات. ينعقن: من نعق الراعي بالغنم صاح بها وزجرها. البهام، جمع بهمة: وهي الصغير من أولاد الغنم: الضأن والمعز والبقر من الوحش وغيرها، الذكر والأنثى في ذلك سواء. الظِّراب: الروابي الصغار، مفردها: ظرب. يقول: لا يتبعن الروابي ناعقات بالبهام. يريد: أنهن لسن أعرابيات راعيات للغنم.
(٥٧) الدكتور أحمد فريد رفاعي في كتابه عصر المأمون، الدكتور زكي مبارك في كتابه حب ابن أبي ربيعة.
(٥٨) ابن أبي عتيق: من أدباء قريش له أخبار كثيرة مع عمر بن أبي ربيعة، وغيره من الشعراء الغزلين.
(٥٩) غاد: سائر غدوة. مبكر: سائر بكرة، وهما الوقت بين ظهور الفجر وطلوع الشمس. الرائح: السائر في الرواح وهو العشي. المهجر: السائر في الهاجرة وهي شدة الحر، وكان حقه أن يقول: أم مهجر فرائح، ولكن القافية حكمت عليه. يسأل نفسه: أهو منصرف عن نعم في يوم من الأيام، ولماذا يريد الانصراف؟
(٦٠) هو زعيم الأزارقة الذين خرجوا بالبصرة أيام عبد الله بن الزبير فحاربوه؛ لأنه أبى مساعدتهم وخالفهم.
(٦١) الله: منصوب بفعل محذوف أي خف الله أو راقبه.
(٦٢) الحجال: الخدور، مفردها حجلة.
(٦٣) مولاته: جاريته.
(٦٤) بهرًا: منصوب على المصدرية، أي أحبها حبًّا بهرني بهرًا أي غلبني غلبة. أو تكون بهرًا بمعنى عجبًا أي عجبًا لكم. أو بمعنى تعسًا أي تعسًا لكم. عدد: منصوب على المصدرية أي حبًّا معدودًا عدد الرمل.
(٦٥) وذلك لأن حذف همزة الاستفهام غير جائز على مذهب سيبويه إلا في الضرورة، وإن كان غيره يجيزه في الاختيار عند أمن اللَّبس.
(٦٦) يقال: شنق البعير من باب ضرب ونصر، إذا جذبه بالشناق حتى يرفع رأسه، والشناق: الزمام.
(٦٧) أنجد: أتى نجدًا. يريد بذلك أنه شعر ضعيف لين يصلح له العيش في سواحل تهامة، ولا يصلح له في جبال نجد الباردة التي لا يحيا فيها إلا الشعر الصلب المتين.
(٦٨) النوطة: التعلق.
(٦٩) الحصاب كالمحصب: موضع رمي الجمار في مناسك الحج، والجمار، جمع الجمرة: الحصاة يرميها الحجاج في المناسك وهي ثلاث: الجمرة الأولى والوسطى والعقبة.
(٧٠) سجيس: كلمة تستعمل للتأييد، وقوله: «لا أقول مثل هذا سجيس الليالي» أي لا أقوله أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١