مُخرِّبون

١

«عزيزتي ليزا، لم أكتب إليكِ قطُّ حتى الآن كي أشكركِ على الذهاب إلى منزلنا («المُوحِش» العتيق. أعتقد أنه يستحق لقبه الآن حقًّا) في خضم العاصفة، أو في أعقابها، في شهر فبراير الماضي، ولإخباري بما وجدتِ هناك. أشكرُ زوجك أيضًا؛ لأنه اصطحبكِ إلى هناك فوق عربة الجليد خاصته، كما أشكره أيضًا إنْ كان هو — كما أظن — مَنْ سدَّ النافذة المكسورة لمنع دخول الحيوانات الضارية وغيرها إلى المنزل. لَا تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، «ناهيك عن المراهقين». سمِعتُ أنكِ صرتِ مسيحية الآن يا ليزا. يا له من خبر سار! هل وُلِدتِ من جديد؟ لطالما أحببتُ الأمر!

عزيزتي ليزا، أعلمُ أنني أُثِير ضجرَك بهذا، لكنني ما زلتُ أراكِ أنتِ وكيني الصغير المسكين كطفلين جميلين مسفوعين بأشعة الشمس، يتسلَّلان من خلف الشجر لإفزاعي، ويَثِبان في بركة الماء ويغوصان بها.

لم يتوقَّع لادنر مطلقًا أنه سيموت في الليلة التي سبقت إجراء العملية الجراحية، أو ربما كانت الليلة التي سبقتها، عندما تحدَّثْتُ إليكِ عبر الهاتف. لم يكن من الشائع كثيرًا هذه الأيام أن يموت الإنسان إبَّان إجرائه عملية جراحية بسيطة لتحويل مجرى الشريان، وكذلك لم يفكِّر حقًّا في كونه عُرضةً للموت. ساوَرَه القلق فقط حيال أشياء مثل إنْ كان قد أغلق صنبور المياه أم لا. كان يزداد هوسه بهذا النوع من التفاصيل، وهو الجانب الوحيد الذي أظهرَ تقدُّمَه في العمر. على الرغم من ذلك، لا أظنُّ أن الاهتمام بمسألة انفجار أنابيب المياه هو اهتمامٌ بالتفاصيل التافهة؛ سيكون ذلك كارثة، لكن الكارثة وقعتْ على أية حال. توجَّهتُ إلى الخارج ذات مرة لأتفقَّد أنابيبَ المياه، لكن الغريب أنها بدت عاديةً تمامًا لي؛ ففضلًا عن وفاة لادنر، بَدَا إلى حدٍّ بعيد أن هذه هي الطريقة الصحيحة التي يجب أن تكون عليها الأمور؛ ما يمكن أن يبدو غيرَ طبيعي بالنسبة إليَّ هو أن أشرع في العمل وأنظِّف تلك الفوضى، على الرغم من أنني أظن أنني سأضطر إلى فعل ذلك، أو الاستعانة بشخصٍ ما لذلك. أشعرُ برغبةٍ في إشعال عود ثقاب وإضرام النيران في كل شيء، لكنني أتصوَّر أنني إذا فعلت ذلك فسأجد نفسي خلف القضبان.

أتمنَّى إلى حدٍّ ما لو أنني أَقْدَمتُ على إحراق جثة لادنر، لكن هذا الأمر لم يتبادر إلى ذهني. لقد دُفِنَ فحسب في قبر آل دُودْ وهو ما تفاجأ به أبي وزوجة أبي، لكن يتعيَّن عليَّ إخباركِ الآن أنه منذ بضع ليالٍ راوَدَني حلم! رأيتُ أنني كنت أقف خلف متجر «كاناديان تاير»، وكانوا قد وضعوا خيمةً بلاستيكية ضخمة كما يفعلون عندما يبيعون نباتات تزيين الحدائق في الربيع. ذهبتُ وفتحتُ حقيبةَ سيارتي، كما لو أنني سأحصل على حمولتي السنوية من نبات المريمية والبَلسم. وقف أناسٌ آخَرون ينتظرون أيضًا، في حين كان رجالٌ يرتدون سترات خضراء يتحرَّكون جَيْئَةً وذهابًا من الخيمة وإليها. تحدَّثتْ إليَّ امرأة: «لا بد أن سبع سنواتٍ مضت سريعًا!» بَدَا أنها تعرفني، لكنني لا أعرفها وفكرتُ لماذا يحدث هذا دائمًا؟ أهذا يعود إلى أنني اشتغلتُ بالتدريس لفترة قصيرة؟ أهذا نتيجةً لما يمكن أن تطلقي عليه تأدُّبًا أسلوبَ حياتي؟

بعد ذلك، اندهشتُ من دلالة السنوات السبع، وأدركتُ ما أفعله هناك وما كان الأشخاص الآخَرون يفعلون. لقد حضروا لأخذ عظام الموتى، وقد حضرتُ لأخذ عظام لادنر. في الحُلم كانت قد مرت سبع سنوات على دفنه، لكن دار بخَلَدي السؤال: أليس هذا ما يفعلونه في اليونان أو في بلد آخَر؟ لماذا نفعله هنا؟ قلت لبعض الناس: هل غدت المقابر مكتظَّةً؟ لِمَ نتبع هذه العادة؟ أهي عادة وثنية أم مسيحية أم ماذا؟ بَدَا على الأشخاص الذين تحدَّثْتُ إليهم التجهُّمَ والاستياء إلى حدٍّ ما، وفكَّرتُ ما الذي قد فعلتُه لتوِّي. لقد عشتُ في هذا المكان طوال حياتي وما زلتُ أتلقَّى هذه النظرة! أهذا بسبب كلمة «وثنية»؟! أعطاني رجلٌ كيسًا بلاستيكيًّا أخذته منه بامتنانٍ وحملته، وظني أنَّ بداخله عظامَ ساق لادنر القوية، وعظام كتفَيْه العريضتين، وجمجمته الذكية، بعد أن نُظِّفَت ولُمِّعَتْ بأداةِ تنظيفٍ تخفيها الخيمة البلاستيكية دون شك. على ما يبدو أن ذلك كانت له صلة بمسألة أن مشاعري نحوه ومشاعره نحوي قد نُقِّيَتْ، لكن الفكرة كانت أكثر تشويقًا وتعقيدًا من ذلك. لكنني كنت سعيدة للغاية بأخذ أشيائي، وكان ثمة أناسٌ آخَرون يشعرون بالسعادة أيضًا. في واقع الأمر، أصبح بعضهم غاية في البهجة حتى إنهم أخذوا يقذفون الأكياس البلاستيكية الخاصة بهم في الهواء. بعض الأكياس كانت زرقاء لامعة، لكن معظمها كان أخضر اللون، والكيس الخاص بي كان من بين الأكياس الخضراء العادية.

قال أحدهم لي: «آه، هل أخذتِ الفتاةَ الصغيرة؟»

أدركتُ ما يعنيه هذا؛ عظام الفتاة الصغيرة. تبيَّنتُ أن الكيس أصغر وأخفُّ من أن يحوي عظام لادنر حقًّا. فكَّرتُ متسائِلةً أيُّ فتاة صغيرة؟ لكن الحيرة بدأت تزداد داخلي حيال كل شيء، وتملَّكَني ظنٌّ بأنني أحلم. طرأ إلى ذهني سؤال: هل يقصدون الصبي الصغير؟ وفي اللحظة التي استيقظتُ فيها فكَّرتُ في كيني، وتساءلت: هل مرَّتْ سبع سنواتٍ على الحادث؟ (أتمنَّى ألَّا أتسبَّب في إيلامِكِ يا ليزا، بأن أذكر هذا. أدري أيضًا أن كيني لم يكن صغيرًا عندما وقعت الحادثة.) استيقظتُ وفكَّرتُ أنني لا بد أن أسأل لادنر عن هذا الأمر. أدركتُ دائمًا حتى قبل استيقاظي أن جسد لادنر ليس بجانبي، وأن إحساسي به، بثقله وحرارة جسده ورائحته، ليست سوى ذكريات. لكن لا يزال يتملَّكُني شعورٌ — عندما أستيقظ — أنه في الغرفة المجاورة، وبإمكاني مناداته وإخباره بالحُلم الذي راوَدَني أو بأي شيء، ثم يتعيَّن عليَّ إدراك أن الأمر ليس كذلك، في كل صباح، فتنتابني قشعريرة. أشعرُ أنني أنكمش، أشعرُ كما لو أن فوق صدري عدة ألواح خشبية، وهو ما لا يجعلني أميل إلى النهوض؛ هو شيء أمرُّ به، لكن في اللحظة الحالية لا أشعر به، أصِفُه فحسب، بل في حقيقة الأمر أشعر بالسعادة لأنني أجلس هنا ومعي زجاجة النبيذ الأحمر.»

كان ذلك خطابًا لم ترسله بي دُودْ، وفي الواقع لم تُنْهِه قطُّ؛ فقد دخلتْ في منزلها الضخم المهمل بكارستيرز في فترةٍ من التأمُّل ومعاقرة الخمر، وهو ما بَدَا للآخرين جميعًا أنه تدهورٌ بطيء، لكن بَدَا لها، مع ذلك، شيئًا ممتعًا على نحوٍ مُحزِن، كفترة النقاهة.

التقَتْ بي دُودْ بلادنر عندما كانت خارج المنزل في جولةٍ بالسيارة في الريف يوم الأحد برفقة بيتر بار. كان بيتر بار مدرس علوم، ومدير مدرسة كارستيرز الثانوية أيضًا؛ حيث عملت بي لفترةٍ قصيرة كمعلِّمة بديلة. لم تكن حاصلة على شهادة في التدريس، لكنها كانت تحمل درجةَ الماجستير في اللغة الإنجليزية، وكانت الأمور أكثر مرونةً في تلك الأيام. كذلك، كانت تُستدعَى للمساهمة في الرحلات المدرسية؛ كأنْ تقود صفًّا مدرسيًّا إلى متحف أونتاريو الملكي، أو إلى ستراتفورد لحضور مهرجان شكسبير السنوي، وبمجرد أن أضحت مُعجَبةً ببيتر بار حاولَتِ الابتعادَ عن مثل هذه الارتباطات. تمنَّتْ أن تكون الأمور في نصابها الصحيح؛ لصالحه هو. كانت زوجة بيتر ترقد في دار رعاية؛ إذ كانت تعاني من تصلُّب الأنسجة المتعدد، وكان يزورها بوفاء. رأى الجميع أنه رجل جذَّاب، وفَطِنَ الجميع إلى حاجته لوجود رفيقةٍ دائمة له (الوصف الذي اعتبرته بي مروعًا)، لكن ربما ظنَّ البعض أن اختياره كان مثيرًا للشفقة. كان لدى بي مسارٌ مهني متقلِّب للغاية، على حدِّ وصفها، لكنها استقرت مع بيتر؛ فقد وفَّرَتْ لها لياقتُه وإخلاصُه وخفةُ ظلِّه حياةً مستقرة ومُرتَّبة، ورأت أنها تستمتع بها.

عندما كانت بي تتحدَّث عن مسارها المهني المتقلِّب، كانت تتحدَّث بنبرةٍ ساخرة أو ازدرائية لا تعكس شعورها الحقيقي تجاه مسيرتها في العلاقات الغرامية. بدأت علاقاتُها الغرامية عندما كانت متزوِّجةً؛ كان زوجها طيَّارًا بريطانيًّا متمركزًا بالقرب من مدينة والي إبَّان الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب الحرب ذهبت إلى إنجلترا برفقته، لكن سرعان ما انفصلا بالطلاق. عادت إلى موطنها وفعلت أشياءَ متنوِّعة، من قبيل تولِّيها أمورَ التدبير المنزلي لزوجة أبيها، والحصول على درجة الماجستير، لكن العلاقات الغرامية كانت شغل حياتها الشاغل، وأدركتْ أنها لن تكون صادقةً إنْ حقَّرَتْ من شأن تلك العلاقات. كانت علاقات جميلة ومريرة، ذاقَتِ السعادة فيها، وكذلك الشقاء. أدركَتْ مرارةَ أن تجلس امرأةٌ في حانة في انتظارِ رجلٍ لن يأتي أبدًا، أن تنتظر خطاباتٍ، أن تبكي أمامَ الناس، وعلى الجانب الآخَر أن يزعجها رجلٌ لم تَعُدْ ترغب فيه (اضطرتْ إلى الاستقالة من جمعية الأوبرا الخفيفة بسبب أحمق أخطأ في أدائه). مع ذلك، شعرت أن الإشارة الأولى للعلاقة الغرامية تشبه دفءَ الشمس على بشرتها، أو الموسيقى عندما تُعزَف في مكانٍ ما، أو تلك اللحظة — كما اعتادت أن تقول — التي يتحوَّل فيها إعلانٌ تليفزيوني تجاري مُصمَّم باللونين الأبيض والأسود إلى إعلان ملوَّن. لم تعتبرها إهدارًا للوقت؛ لم تَرَ أنها أهدرتْ وقتَها هباءً.

لكنها رأتْ، وأقَرَّتْ بالفعل، أنها كانت مغرورةً؛ أحبَّتِ المديحَ والاهتمام بها، انزعجت — على سبيل المثال — عندما اصطحبها بيتر في جولة بالسيارة في الريف، ولم يفعل ذلك من أجل أن يكون برفقتها وحدهما. كان بيتر رجلًا محبوبًا للغاية، وكان يحب الكثير من الأشخاص، حتى الأشخاص الذين التقى بهم توًّا. دائمًا ما ينتهي بهما الحال إلى زيارة أحد الأشخاص، أو التحدُّث لمدة ساعة مع طالب سابق يعمل الآن في محطة وقود، أو الانضمام إلى بعض الأشخاص الذين التقَيَا بهم عندما توقَّفَا عند متجر ريفي لشراء الآيس كريم. وقعتْ بي في غرامه بسبب وضعه الحزين، وروح الشهامة التي يتَّسِم بها، ووحشته، والابتسامة الخجولة التي تعلو شفتَيْه الرقيقتين، لكن في واقع الأمر، كان بيتر اجتماعيًّا على نحو متسلِّط، وكان من نوع الأشخاص الذين لا يمكنهم المرور بجانب أُسْرةٍ تلعب الكرة الطائرة في الفناء الأمامي لأحدهم، دون أن تساورهم رغبةٌ في القفز من السيارة ومشاركتهم اللعب.

في عصر يوم أحد من شهر مايو — كان يومًا لطيفًا وهواؤه طَلْقًا — أخبرها أنه يرغب في زيارة رجلٍ يُدعَى لادنر لبضع دقائق (دائمًا ما كانت بضع دقائق في نظر بيتر بار). ظنَّتْ بي أنه قد التقى بذلك الرجل بالفعل من قبلُ في مكانٍ ما؛ حيث ذكره باسمه الأول، وبَدَا أنه يعرف عنه الكثير. قال إن لادنر حضر إلى هنا من إنجلترا بعد انتهاء الحرب مباشَرةً، وإنه خدم في القوات الجوية الملكية (أجل، كزوجها السابق)، وإن طائرته أُسقِطت وأُصِيبَ بحروق في جانب جسده بالكامل؛ لذا قرَّرَ أن يعيش ناسِكًا؛ فقد أدار ظهرَه للمجتمع الفاسد المتناحِر والمتنافِس، وقد ابتاع أرضًا قاحلة تبلغ مساحتُها أربعمائة فدان، معظمها من الأدغال والمستنقعات، في الجزء الشمالي من المقاطعة، في بلدة ستراتون، وصنعَ هناك شيئًا من قبيل محمية طبيعية خلَّابة، بها جسور وجادَّات وجداول مائية مقامة حولها السدود لصنع أحواض مياه، ومعروضات على امتداد الجادَّات لحيوانات، وطيور تبدو حيَّةً. كان يكسب قوتَ يومه كمُحنِّط حيوانات وطيور، يعمل في الأغلب لحساب المتاحف. لم يطلب من الناس أيَّ رسوم نظير السير في الجادَّات التي صنعها وتفقُّد ما يعرضه من حيواناتٍ وطيور. كان رجلًا لحقَ به الأذى والإحباط على أسوأ نحوٍ واعتزَلَ العالَم، غير أنه قدَّمَ إليه كلَّ ما بوسعه في اهتمامه بالطبيعة.

كثيرٌ من هذا كان غيرَ صحيح، أو صحيحًا في جزءٍ منه فحسب، كما اكتشفتْ بي. لم يكن لادنر من دعاة السِّلْم بتاتًا؛ فقد أيَّدَ حرب فيتنام واعتقد أن الأسلحة النووية هي أداة ردع، وكذلك حبَّذَ المجتمع التنافُسي، وأُصِيبَ بحروق فقط في جانب وجهه ورقبته، وكان ذلك نتيجةً لانفجار قذيفة أثناء المعارك البرية (كان ضمن قوات الجيش) بالقرب من مدينة كاين. لم يغادر إنجلترا على الفور بل عمل هناك لسنواتٍ، في متحفٍ ما، حتى حدث شيءٌ — لم تعلمه بي قطُّ — أغضَبَه من الوظيفة والبلاد.

أما الجانب الصحيح فإنه يخصُّ الأرضَ التي ابتاعها وما فعله بها، وأنه كان محنط حيوانات.

واجهَتْ بي وبيتر بعضُ الصعوبات في العثور على منزل لادنر. كان من طراز المنازل البسيطة الهرمية الشكل في تلك الأيام، وكانت تخفيه الأشجارُ. عثرَا على الممر الخاص بالمنزل في النهاية، وأوقفَا السيارة هناك، وترجَّلَا منها. توقَّعَتْ بي أن تتعرَّف بالرجل ثم يأخذها في جولةٍ، وأن يتملَّكها الضجر الشديد لمدة ساعة أو ساعتين، وربما تضطر إلى الجلوس واحتساء الجِعة أو الشاي بينما يوطِّد بيتر بار صداقتَه.

حضر لادنر أمام المنزل ووقفَ في مواجهتهما. تولَّدَ لدى بي انطباعٌ أنه اصطحَبَ معه كلبًا شَرِسًا، لكن لم يكن الأمر كذلك، لم يكن لادنر يملك كلبًا، بل كان هو نفسه كلبًا شَرِسًا في حدِّ ذاته.

كانت الكلمات الأولى التي وجَّهَها إليهما: «ماذا تريدان؟»

قال بيتر بار إنه سيتحدَّث في صُلب الموضوع؛ قال: «لقد سمعتُ الكثير عن هذا المكان الرائع الذي صنعتَه هنا، وسأخبرك في الحال. أنا مُعلِّم، أدرِّس لطلاب المدرسة الثانوية، أو هكذا أسعى. أسعى إلى تزويدهم ببضعة أفكار تجنِّبهم إفسادَ العالَم أو تدميره كليةً عندما يكبرون. ما الذي يرون من حولهم سوى النماذج المريعة؟ قليلًا ما يجدون شيئًا إيجابيًّا. وهنا تملَّكَتْني شجاعة كبيرة كي أتحدَّث معك يا سيدي. هذا ما جئتُ من أجله إلى هنا كي أطلب منك التفكير فيه.»

رحلاتٌ ميدانية، طلابٌ مختارون، مشاهَدة الفارِق الذي يمكن أن يصنعه فردٌ واحد، احترام الطبيعة، التعاون مع البيئة، فرصة لمشاهدة الأمر كما هو دونَ وسيطٍ.

قال لادنر: «حسنًا، أنا لست بمُعلِّم، ولا آبه بتاتًا بطلابك المراهقين، وآخِرُ ما أودُّ رؤيته هو أن يتسكَّع حفنة من المغفلين في أرضي يدخِّنون السجائر ويتطلَّعون بنظراتٍ خبيثة كالحمقى. لا أدري من أين أتيتَ بهذا الانطباع بأن ما صنعتُه هنا كان خدمةً عامة؛ لأن هذا الأمر لا يهمني على الإطلاق. صحيحٌ أنني أسمح للناس بالمرور من هنا، لكنهم أناسٌ أُحدِّدهم بنفسي.»

قال بيتر بار: «حسنًا، ماذا عنَّا اليوم؟ هل ستسمح لنا بإلقاء نظرة؟»

قال لادنر: «غير مسموح بالدخول اليومَ؛ أنا أعمل على تصليح الجادَّة.»

قال بيتر بار محدِّثًا بي في السيارة أثناء مرورهما فوق الطريق المفروش بالحصى: «حسنًا، أظنُّ أن هذا قد مهَّدَ السبيل للموضوع. أَلَا تعتقدين ذلك؟»

لم تكن هذه دعابة، لم يكن يُطلِق هذا النوع من الدعابات. ردَّتْ بي بشيء مُشجِّع على نحوٍ مبهم، لكنها أدركت — أو أدركت قبل بضع دقائق، أثناء مرورهما فوق الممر الخاص بمنزل لادنر — أن علاقتها ببيتر لا تسير على الدرب الصحيح؛ لم تَعُدْ ترغب في مزيدٍ من رقته، ونواياه الحسنة، وحيرته وسَعْيِه. كلُّ الأشياء التي راقتْ لها وجعلَتْها تشعر بالراحة حياله استحالتْ إلى رماد، بعد أن رأته مع لادنر الآن.

كان من الممكن أن تقنع نفسها بغير ذلك بالطبع، لكن لم تكن هذه طبيعتها. حتى بعد سنواتٍ من حُسْن السلوك، لم تكن هذه طبيعتها.

كان لديها بضعة أصدقاء حينئذٍ، تكتب إليهم، وبعثتْ إليهم بالفعل خطاباتٍ حاوَلَتْ فيها فحْصَ هذا المنعطف بحياتها وتفسيره. كتبتْ أنها تَمْقُتُ الاعتقاد في أنها انجذبت إلى لادنر؛ لأنه كان فظًّا وحادَّ المزاج وهمجيًّا على نحوٍ طفيف، بتلك البُقْعة بجانب وجهه التي تلألأت كقطعةٍ معدنيةٍ في ضوء الشمس الذي تخلَّل الأشجار، وأنها ستَمْقُتُ التفكير هكذا. أليس هذا هو النمط المعتاد في جميع القصص الغرامية الحزينة؛ شخصٌ همجي يحرِّك مشاعرَ المرأة فتترك حبيبها الرقيق المهذَّب؟

كتبتْ في الخطاب أن الأمر ليس كذلك؛ ما رأته بالفعل وعَلِمتْ أن هذا أسلوبٌ رجعي وسيئ، هو أن بعض النساء، نساء مثلها، ربما يَكُنَّ في بحثٍ دائم عن جنونٍ يستوعبهن. لماذا الحياة إذن مع رجل إن لم تكن حياةً داخل جنونه؟ يمكن أن يكون لدى الرجل جنونٌ عادي للغاية، غير مميَّز للغاية، على غرار ولائه لفريق كرة، لكن هذا قد لا يكون كافيًا، غير كبير بما يكفي، والجنون الذي لا يكون كبيرًا بدرجةٍ كافيةٍ يجعل المرأةَ ببساطة وضيعةً وساخطة؛ على سبيل المثال: أظهَرَ بيتر بار الطيبة والتفاؤل بدرجةٍ متطرفة بعضَ الشيء. لكن في نهاية المطاف، كتبت بي، لم يكن ذلك جنونًا مناسِبًا بالنسبة إليَّ.

ما الذي قدَّمه إليها لادنر إذن كي تستطيع العيشَ داخله؟ لم تقصد فحسب أنها ستستطيع تقبُّل أهمية تعلُّم عادات حيوان الشيهم وكتابة خطاباتٍ قاسية حول الموضوع في صحف، لم تسمع بها بي مِن قبلُ؛ بل قصدتْ أيضًا أنها ستكون قادرةً على العيش وسط شيءٍ من العناد، بجرعاتٍ جاهزة من اللامبالاة التي قد تبدو أحيانًا احتقارًا لها.

لذا شرحتْ حالتَها خلال الأشهر الستة الأولى.

فكَّرت عدة نساءٍ أخريات أنهن قادراتٌ على فعل الشيء نفسه. وجدتْ آثارًا لهن؛ حزامًا — مقاس ٢٦ — وبرطمان زبدة الكاكاو، وأمشاطَ شعرٍ مزخرفة. لم يسمح لأيٍّ منهن بالمكوث. سألته بي: «لماذا هن وليس أنا؟»

قال لادنر: «لم تملك أيٌّ منهن المال.»

«كانت دعابة. كانت تزعجني الدعابات.» (الآن أضحت تكتب خطاباتها في رأسها فقط.)

•••

لكن ماذا كانت حالتها عند قيادة السيارة إلى منزل لادنر أثناء الأسبوع الدراسي، بعد بضعة أيام من لقائها الأول به؟ رغبةٌ وفزعٌ. كانت تشعر بالأسى على حالها، بثوبها الداخلي الحريري. اصطكَّتْ أسنانها. أشفقت على نفسها لكونها ضحيةً لمثل هذه الرغبات، وهو ما شعرت به من قبلُ. لا يمكنها ادِّعاءُ ما هو خلاف ذلك، لكنْ لم يكن هذا يختلف كثيرًا عمَّا شعرتْ به من قبلُ.

وجدتِ المكانَ بسهولة؛ لا بد أنها حفظت الطريق جيدًا. دبَّرَتْ حكايةً في ذهنها؛ إنها ضلَّتِ الطريق. إنها كانت تبحث عن مكانٍ هنا يبيع شجيراتٍ للمشتل؛ سيتناسب ذلك مع هذا الوقت من العام. كان لادنر يقف بالخارج أمام أشجاره ويعمل على إصلاح مجرى الصرف بالطريق، وألقى عليها التحية بنبرة جادة، تخلو من الاندهاش أو الاستياء، لم تستدْعِ منها تقديم حُجتها.

قال: «انتظري فقط حتى أنتهي من هذا العمل. سيستغرق الأمر عشرَ دقائق تقريبًا.»

لم تشهدْ بي شيئًا كهذا من قبلُ؛ شيئًا يضاهي مراقَبة رجلٍ ينجز عملًا شاقًّا، وهو غافلٌ عنها ويعمل بكدٍّ، على نحوٍ منظَّم ورتيب. لا شيءَ يضاهي ذلك في إثارة حماستها. لم يكن ثمة عيب لدى لادنر؛ ليس ثمة وزن زائد، ولا طاقة غير ضرورية، وبالطبع لا أحاديث منمَّقة. كان شعره الرمادي قصيرًا للغاية، مصفَّفًا مثلما كان في شبابه، وكانت قمة رأسه تتألَّق بلون فضي.

أخبرته بي أنها توافِقه الرأي فيما يتعلَّق بالطلاب؛ قالت: «لقد عملتُ كمُعلِّمة بديلة لفترةٍ ما، واصطحبتُ الطلابَ في رحلاتٍ طويلة شاقة. مررتُ بأوقاتٍ شعرتُ فيها برغبةٍ في إطلاق كلاب الدوبرمان للانقضاض عليهم ودفعهم بالسيارة داخل بالوعة.»

قالت: «أتمنَّى ألَّا تظن أنني جئتُ إلى هنا لإقناعك بأي شيء. لا يدري أحدٌ أنني هنا.»

تمهَّلَ في الرد عليها، ثم أخبرها عندما أصبح مستعِدًّا: «أتوقَّعُ أنكِ تودين الذهاب في جولة، أليس كذلك؟ أتحبين التجوُّل في المكان بنفسك؟»

كان هذا ما قاله وما قصده. جولة. ارتدَتْ بي حذاءً غير مناسب؛ في ذلك الوقت من حياتها لم تكن تملك أي أحذية يمكن أن تكون مناسِبةً. لم يُبْطِئ في السير من أجلها أو يساعدها بأية طريقة في عبورِ جدولٍ مائي أو تسلُّقِ منحدرٍ. لم يبسط يده إليها قطُّ أو يقترح أنه يمكن لهما الجلوس والاستراحة فوق أي لوحٍ خشبي أو صخرة أو منحدر مناسب.

قادها في البداية فوق ممشًى خشبيٍّ يمرُّ فوق مستنقعٍ إلى بركة مياه؛ حيث يوجد بعض الإِوَزِّ الكندي وزوجٌ من البجع يلفُّ أحدهما حول الآخَر، جسداهما ساكنان، لكنَّ رقبتَيْهما نابضتان بالحياة، وتخرج من بين منقارَيْهما صرخاتٌ عنيفة. قالت بي: «هل هما زوجان؟»

فأجابها لادنر: «على ما يبدو.»

على مسافة غير بعيدة من هذه الحيوانات الحيَّة وقَفَ صندوقٌ ذو واجهة زجاجية يحوي نسرًا ذهبيًّا باسطًا جناحيه، وبومة رمادية، وبومة ثلجية محنَّطة. كان الصندوق عبارة عن مُجمِّد عتيق مفرَّغ، وتوجد نافذة في جانبه، ودوائر من طلاءٍ تمويهي رمادي وأخضر.

قالت بي: «مُبدِع.»

قال لادنر: «أستخدِمُ ما أستطيع الحصول عليه.»

أخذها لادنر لمشاهدة مرج القندس، والجذول المدبَّبة للأشجار التي مضغَتْها القنادس، وبيوتها الركامية غير المنظَّمة، وحيوانَي القندس بفروَيْهما الكثيفين داخل صندوقهما. بعد ذلك نظرَتْ تباعًا إلى ثعلب أحمر، ومِنْك ذهبي، ونمس أبيض، ومجموعة جميلة من حيوان الظربان، وشيهم، وحيوان الدلق، الذي أخبرها لادنر أنه كان شجاعًا بما يكفي لأن يقتل حيوانات الشيهم. تعلَّقَتْ حيوانات الراكون المحنَّطة التي كانت تبدو حيَّة بجذع شجرة، بينما وقف ذئبٌ بتوازُن في وضع العواء، ودبٌّ أسود تمكَّنَ توًّا من رفع رأسه الناعم الضخم ووجهه الحزين. قال لادنر إنه كان دبًّا صغيرًا. لم يَسَعه الاحتفاظ بالدِّبَبة الكبيرة؛ فقد كانت تجلب أسعارًا ضخمة للغاية، حسبما قال.

ضمَّ المكان الكثير من الطيور أيضًا؛ ديوك الرومي البرية، زوج من طائر الطهيوج المنفوش، وطائر التَّدْرُج بحلقة حمراء لامعة حول عينيه. أشارت اللافتات إلى موطنها، وأسمائها اللاتينية، وطعامها المُفضَّل، وأنماط سلوكها. كما وُضِعتْ لافتاتٌ تعريفية فوق بعض الأشجار أيضًا؛ معلوماتٌ مُوجَزة ودقيقة ومعقَّدة. ولافتاتٌ أخرى عرضتِ اقتباسات:

الطبيعة لا تفعل أيَّ شيءٍ عبثًا.

أرسطو

الطبيعة لا تخدعنا أبدًا، إنما نحن من نخدع أنفسنا.

روسو

عندما توقَّفَتْ بي لقراءة هذه اللافتات، شعرتْ أن لادنر كان قليلَ الصبر، وتجهَّمَ قليلًا. لم تَعُدْ تُعلِّق على أي شيءٍ تراه بعد ذلك.

لم تستطع تذكُّر المسار الذي سلكاه أو تستوعب تصميمَ المكان على الإطلاق. هل عبرا مجاريَ مائية مختلفة، أم عبرا الجدول المائي نفسه عدَّة مرات؟ ربما تمتد الغابة لأميال، أو تمتد حتى قمة تل قريب فحسب. كانت أوراق الشجر حديثةً ولم تنجح في حجب الشمس. عجَّ المكان بأزهار التريليوم. رفع لادنر فرعًا من نبات التفاح الهندي ليُرِيها الزهرة المستترة. مرَّت بأوراق نباتات سميكة، وسراخس تتفتَّح، وملفوف الظربان الأصفر ينبثق بين المستنقعات، ونسغ النباتات وأشعة الشمس تحيط بها، وعشب جاف تحت أقدامهما. وصلا بعد ذلك إلى بستان تفاح عتيق تطوِّقه الغابة، ثم أمرها بالبحث عن نبات عيش الغراب. عثر على خمسة منها بنفسه، ولم يعرض عليها تناوُلَها معه. اختلط عليها الفطر بالتفاح المتعفِّن من العام الماضي.

برزت تلة منحدرة أمامهما، مكتظَّة بأشجار الزعرور البري الشائكة المزهرة. قال: «يطلق عليها الأطفال «تل الثعلب». ثمة عرين له بالأعلى.»

تجمَّدت بي في مكانها: «لديك أطفال؟»

ضحك وقال: «كلَّا على حدِّ علمي. أقصدُ الأطفالَ القاطنين على الجانب الآخَر من الطريق. انتبهي من الأغصان؛ إنها شائكة.»

بحلول ذلك الوقت كانت شهوتها قد تلاشت تمامًا، على الرغم من أن رائحة زهور الزعرور البري بدت لها رائحةً حميمية، عَفِنة أو خميرية الرائحة. كانت قد توقَّفَتْ منذ وقتٍ عن التحديق في جزء بين عظام كتفَيْه متلهفةً أن يستدير ويُعانِقها. تبادَرَ إلى ذهنها أن هذه الجولة، المُرهِقة بدنيًّا وذهنيًّا للغاية، ربما تكون سخرية منها؛ عقابًا لكونها — في النهاية — امرأة محتالة تُغوي الرجال وتُراوِغهم؛ لذا أيقظتْ كبرياءها وتظاهَرَتْ بأنَّ هذا ما حضرت من أجله تمامًا. أخذت تطرح الأسئلة، وتُبدِي اهتمامها، ولا تُظهِر أي تعبٍ. فيما بعدُ — لكن ليس في هذا اليوم — ستتعلَّم أن تقابل غلظةَ قلبه وجموحَه الجنسي بنفس هذا القدر من الكبرياء.

لم تنتظر أن يطلب منها الدخول إلى المنزل، لكنه قال: «أتودين احتساء كوب من الشاي؟ أستطيع إعداد كوب من الشاي لكِ.» ودخلا إلى المنزل. وجدتْ في استقبالها رائحةُ الجلود، وصابون البوراكس، ورقائق خشبية، وزيت التربنتين. أكوام من الجلود مطوية إلى الخارج، ورءوس حيوانات بمحاجر عيون وأفواه فارغة كانت موضوعةً فوق حوامل. ما ظنَّتْه في البداية أنه جسد أيلٍ مسلوخٍ تبيَّنَ أنه هيكل من الأسلاك به حُزَم ممَّا بَدَا أنها قصبات بها مادة لاصقة مثبَّتة به. أخبرها أن الجسدَ سيصنعه من الورق العجيني.

رأت كتبًا في المنزل؛ قسم صغير منها كان عن التحنيط، وأخرى كانت في مجموعات في الأغلب؛ «تاريخ الحرب العالمية الثانية»، «تاريخ العلوم»، «تاريخ الفلسفة»، «تاريخ الحضارة»، «حرب شبه الجزيرة الأيبيرية»، «حرب الاستقلال الإسبانية»، «الحروب الفرنسية والهندية». فكَّرتْ بي في أمسياته الطويلة في الشتاء، عزلته المنظَّمة وقراءته المنهجية وقناعته العقيمة.

بَدَا متوترًا بعضَ الشيء أثناء إعداد الشاي. فحص الأكواب ليتأكَّد من خلوها من الغبار، نسي أنه سبق وأخرج اللبن من الثلاجة، ونسي أنها قالت قبلًا إنها لا تحب وضع السكر. عندما تذوَّقَتِ الشاي، راقَبَها وسألها إن كان على ما يرام. هل هو مركَّز أكثر من اللازم؟ هل تودين القليل من الماء الساخن؟ طمأنَتْه بي وشكرته على الجولة، وذكرت أمورًا عن هذه الجولة قد حظيت بتقديرها على نحوٍ خاص. دار بخَلَدها: ها هو ذا الرجل! ليس غريبًا للغاية في النهاية، وليس به شيء غامض للغاية، وربما لا يوجد به شيءٌ مثير للاهتمام مع ذلك. معلومات متراكمة. الحروب الفرنسية والهندية.

طلبت منه القليل من اللبن في كوبها. أرادتِ احتساء الكوب كله سريعًا والانصراف.

أخبرها أنه يتعيَّن عليها الحضور إلى هنا مرةً أخرى إذا جاءت إلى هذه الناحية من البلاد دون أن يكون لديها شيء بعينه لفعله؛ قال: «وإذا شعرتِ بحاجةٍ إلى قليل من التريُّض، فهناك دائمًا شيءٌ مشوِّق لمشاهدته، في أي وقتٍ من العام.» تحدَّثَ عن طيور الشتاء والمسارات بين الجليد وسألها إن كانت تملك زلَّاجات. رأت أنه لا يرغب في أن تنصرف. وقفا في مدخل المنزل المفتوح وأخبرها عن التزلُّج في النرويج، وعن عربات الترام المزوَّدة بحاملاتٍ للزلاجات أعلاها، والجبال عند أطراف المدينة.

قالت إنها لم تذهب إلى النرويج من قبلُ، لكنها واثقة أنها ستروق لها.

تأملت هذه اللحظة باعتبارها البداية الحقيقية لهما. بدَوَا كلاهما قَلِقين ومكبوتين، وليسا متردِّدين بقدرِ ما كانا مضطربين، بل ليس حتى آسِفين أحدهما على الآخر. سألته فيما بعدُ هل شعر بأي شيء ذي أهمية في ذلك الوقت، فقال أجل. أدرك أنها إنسانة يستطيع العيش معها. سألته إن كان يستطيع أن يقول إنه يريد العيش معها، فقال أجل، بإمكانه قول ذلك، بإمكانه قول ذلك، لكنه لم يَقُل.

كان أمامها الكثير من الأمور التي يمكن أن تتعلَّمها، أمور ذات صلة بصيانة هذا المكان، وأمور ذات صلة أيضًا بفن التحنيط ومهارته. ستتعلَّم، على سبيل المثال، كيفيةَ تلوين الشفاهِ وجفنِ العين وأطرافِ الأنف بمزيجٍ بارع من الطلاء الزيتي وبذر الكتان وزيت التربنتين. ثمة أشياءُ أخرى تعلَّمَتْها متعلِّقة بما يقوله وبما لا يقوله. بَدَا أنها اضطرت إلى التداوي ممَّا اتسمَتْ به من خيلاء وغرور، وأفكارها القديمة كافة عن الحُبِّ.

ذات ليلة أويتُ إلى فراشه ولم يصرف ناظِره عن كتابه أو يتحرَّك أو يتحدَّث إليَّ بكلمةٍ، حتى عندما تسلَّلتُ إلى الخارج وعُدْتُ إلى فراشي حيث غلبني النعاس على الفور؛ لأنني أعتقد أنني لم أتحمل هوان الاستيقاظ.
في الصباح جاء إلى فراشي وسار كل شيء كالمعتاد.
غدوتُ في مواجهةٍ مع عراقيلَ وسدودٍ حالكة الظلمة.

تعلَّمتْ. تغيَّرتْ. ساعَدَها الزمن في ذلك، والخمر أيضًا.

وعندما اعتادَ عليها، أو شعرَ بالأمان منها، تغيَّرَتْ مشاعره نحو الأفضل. تحدَّث إليها بسلاسةٍ عمَّا يلقى اهتمامَه، واستشعر راحةً أكثر رقةً في جسدها.

في الليلة التي سبقت العملية الجراحية استلقى أحدهما بجانب الآخَر فوق الفراش الغريب، وتلامست كل الأجزاء العارية من جسدَيْهما؛ سيقانُهما، أذرعُهما، أفخاذُهما.

٢

أخبرت ليزا وارن أن امرأةً تُدعَى بي دُود اتصلت بها من تورونتو، وسألت إن كان بمقدورهما — أيْ ليزا ووارن — الذهاب وتفقُّد المنزل في الريف؛ حيث عاشَتْ بي وزوجها؛ أرادا التأكُّد من أن المياه مغلقة. كانت بي ولادنر (التي لم يكن لادنر زوجها في الواقع، حسبما قالت ليزا) في تورونتو بانتظار أن يجري لادنر عمليةً جراحية؛ تحويل مجرى الشريان. قالت ليزا: «ربما تنفجر الأنابيب.» كان ذلك في ليلة الأحد من شهر فبراير إبَّان أعنف العواصف الشتوية.

قالت ليزا: «أنتَ تعرفهما، أجل تعرفهما، أتذكُر الزوجين اللذين قدَّمْتُهما إليك؟ في أحد أيام الخريف الماضي بالميدان أمام متجر راديو شاك؟ كانت لديه ندبة بإحدى وجنتَيْه، وكان لها شعرٌ طويل؛ نصفه أسود ونصفه رمادي. أخبرتك أنه مُحنِّط، وأنت قلت: «ماذا يعني ذلك»؟»

تذكَّرَ وارن الآن. زوجان عجوزان — ليسا عجوزين للغاية — يرتديان قمصانًا صوفية وسراويل فضفاضة. تذكَّرَ ندبتَه ولكنتَه الإنجليزية، وشعرَها الغريب، ومشاعرَ الودِّ الجيَّاشة. المُحنِّط هو من يُحنِّط الحيوانات النافقة؛ أيْ جلود الحيوانات، وكذلك الطيور والأسماك النافِقة.

كان قد سأل ليزا: «ماذا حدث لوجه ذلك الرجل؟» وأجابته ليزا قائلةً: «إصابةٌ في الحرب العالمية الثانية.»

قالت ليزا: «أعلمُ أين مفتاح المنزل. هذا هو سبب اتصالها بي. هذا في بلدة ستراتون؛ حيث عِشتُ في الماضي.»

قال وارن: «هل تردَّدَا على نفس الكنيسة التي كنتِ تذهبين إليها أو شيءٍ من هذا القبيل؟»

فعاجلَتْه ليزا بقولها: «بي ولادنر؟ دَعْنا من المزاح. لقد عاشا فقط على الجانب الآخر من الطريق.»

أردفت ليزا، كما لو أنَّ ثمة شيئًا يجب أن يعرفه: «كانت هي مَنْ أعطَتْني بعض النقود للالتحاق بالكلية. لم أطلب منها البتة. هاتفَتْني فحسب على حين غرَّة وقالت إنها تودُّ ذلك؛ لذا فكَّرْتُ أن لا بأس؛ فهي تملك الكثير من المال.»

•••

عندما كانت ليزا طفلة صغيرة، كانت تعيش في بلدة ستراتون مع أبيها وشقيقها كيني، في مزرعة. لم يكن أبوها مزارِعًا، بل استأجَرَ المنزل ليس إلا. كان يعمل في مجال بناء الأسقف. كانت والدتها مُتوفَّاة بالفعل. عندما تأهَّلَتْ ليزا للذهاب إلى المدرسة الثانوية — كان كيني يصغرها بعامٍ ويتأخَّر عنها عامين دراسيين — انتقل والدها إلى كارستيرز، التقى بامرأةٍ هناك تملك بيتًا متنقِّلًا، وتزوَّجها فيما بعدُ، وفي وقتٍ لاحق انتقل معها إلى تشاتام. لم تكن ليزا على دراية أكيدة بمكانهما الآن؛ تشاتام، أو والاسبرج، أو سارنيا. عندما انتقلا، كان كيني قد مات؛ لقي حتفه وهو في الخامسة عشرة من عمره، في إحدى حوادث سير المراهقين الضخمة، التي بَدَتْ أنها تحدث كل ربيع، وتتضمَّن سائقين ثَمِلِين، غالبًا لا يحملون رخصة قيادة، كما تتضمَّن سياراتٍ مسروقة بصفة مؤقتة، وحصًى حديثًا على الطرقات، وسرعاتٍ جنونية. أنهتْ ليزا دراستها الثانوية والتحقت بكليةٍ في جامعة جويلف لمدة عام واحد. لم تحب الكلية، ولم تحب الناس هناك، وبحلول ذلك الوقت كانت قد اعتنقَتِ المسيحية.

هكذا التقى بها وارن؛ فقد انتمَتْ عائلتُه إلى رابطة كنيسة سافيور الإنجيلية، بمدينة والي. كان يتردَّد على الكنيسة الإنجيلية طوال حياته. بدأتْ ليزا في الذهاب إلى هناك بعد أن انتقلَتْ إلى مدينة والي وحصلَتْ على وظيفةٍ في متجرٍ حكومي للمشروبات الكحولية. لا تزال تعمل هناك، على الرغم من شعورها بالضيق حيال تلك الوظيفة، وأحيانًا ما فكَّرتْ في ضرورة تركها. لم تَعُدْ تحتسي المشروبات الكحولية الآن، ولم تتناول السكر قطُّ، ولم ترغب أن يتناول وارن فطائرَ الدانيش في فترةِ راحته؛ لذا جهَّزَتْ له فطائر الشوفان التي أعدَّتها بالمنزل. كانت تغسل الثيابَ كل أربعاء ليلًا، وتحسب عدد حركات يدها أثناء تنظيف أسنانها بالفرشاة، وتستيقظ في ساعة مبكرة من الصباح لممارسة التمارين الرياضية وقراءة آيات الإنجيل.

فكَّرَتْ أنه ينبغي لها تَرْك وظيفتها، لكنهما كانا بحاجةٍ إلى المال؛ فقد أُغلِق متجر المحركات الصغيرة الذي اعتاد وارن العمل به، وكان يخضع لفترةِ إعادة تدريبٍ بحيث يتسنَّى له بيع أجهزة الكمبيوتر. كان قد مرَّ عامٌّ على زواجهما.

•••

في الصباح، كان الجو صافيًا، وانطلقا فوق عربة الجليد قبل الظهيرة بفترةٍ وجيزة. كان يوم الإثنين هو يوم عطلة ليزا. عملت الجرَّافات بالطريق السريع، أما الطرق الخلفية فكانت لا تزال مطمورةً بين الثلوج. مرَّت عربات الجليد بين شوارع البلدة قبل طلوع الفجر وخلَّفَتْ أثرها فوق الحقول الداخلية وفوق النهر المتجمِّد.

أخبرت ليزا وارن أن يتتبَّع مسارَ النهر حتى طريق هاي واي ٨٦، ثم يتجه نحو الشمال الشرقي عبر الحقول بحيث يلف نصف دائرة حول المستنقع. غطَّى النهر آثارَ أقدام حيواناتٍ في خطوط مستقيمة وحلقات ودوائر. كانت الآثارُ الوحيدة التي ميَّزَها وارن على نحوٍ مؤكَّدٍ آثارَ أقدام الكلاب. النهرُ المكسُوُّ بالثلوج لمسافة ثلاثة أقدام والغطاء الجليدي المستوي صنعَا طريقًا رائعًا. هبَّتِ العاصفة من الغرب، مثلما تهبُّ في العادة في هذه المنطقة، وكَسَتِ الثلوجُ جميعَ الأشجار الممتدة بمحاذاة الضفة الشرقية، وتكتَّلَتْ فوقها. انبسطَتْ أغصان الأشجار كسلالِ خيزرانٍ ثلجية، وعند الضفة الغربية تموَّجَ الرُّكام الثلجي كأمواجٍ متوقِّفة، كطبقاتٍ ضخمة من القشدة. كان من الممتع الخروج في مثل هذه الأجواء بكل عربات الجليد الأخرى التي تحفر آثارها، وتخترق هدأة اليومِ بضجيجها وحركتها الدوامية.

ظهر المستنقعُ بلونٍ أسود من مسافة بعيدة، كبُقعة ممتدة في الأفق الشمالي، لكن عندما دَنَا منه كان ممتلئًا بالثلوج أيضًا. مرَّتْ جذوع الأشجار السوداء بين الثلوج بسرعة خاطفة من جانبهما وعلى نحوٍ متكرِّرٍ يصيب بالدوار بعض الشيء. وجَّهَتْ ليزا وارن بضرباتٍ خفيفة من يدها على ساقه إلى طريقٍ خلفي ممتلئ بالثلوج عن آخِره، وفي النهاية أوقفَتْه بضربة قوية. كان التحوُّل من الضجيج إلى الصمت، ومن السرعة إلى السكون، يجعل الأمر يبدو كما لو أنهما سقطَا من سُحُب متدفِّقة فوق شيءٍ صلب. تعثَّرَا تمامًا وسط ثلوج هذا اليوم الشتوي.

ظهرت عند أحد جانبَي الطريق حظيرةٌ متهدِّمة ينبثق خارجَها قشٌّ رمادي عتيق. قالت ليزا: «عشنا هنا في الماضي. كلا، أنا أمزحُ معك، في حقيقة الأمر كان يوجد منزل. لقد اختفى الآن.»

وعلى الجانب الآخَر من الطريق ظهرتْ لافتةٌ مكتوب عليها «المُوحِش الأصغر» وخلفها أشجار، ومنزل هرمي الشكل مطليٌّ بلون رمادي فاتح. قالت ليزا إنه كان يوجد مستنقع في مكانٍ ما بالولايات المتحدة يُدعَى «المستنقع المُوحِش الأكبر»، وهذا ما أشار إليه اسم المنزل؛ على سبيل الدعابة.

قال وارن: «لم أسمع به من قبلُ.»

ظهرت لافتاتٌ أخرى تقول: «ممنوع التعدي»، «ممنوع الصيد»، «ممنوع دخول عربات الجليد»، «ممنوع الاقتراب».

كان مفتاح الباب الخلفي في مكانٍ غريب؛ في كيس بلاستيكي داخل فتحة بإحدى الأشجار. وُجِد العديدُ من الأشجار العتيقة المنحنية — أشجار فاكهة على الأرجح — بالقرب من السُّلَّم الخلفي. وُضِعَ قطران حول فتحة بالشجرة؛ قالت ليزا إن الغرض منه إبعاد السناجب. كذلك وُضِعْ قطران حول فتحاتٍ بأشجار أخرى، بحيث لا تكون الفتحة التي بها المفتاح مميَّزة بأية حال. سألَها وارن: «كيف عثرتِ على الشجرة الصحيحة إذن؟» أشارت ليزا إلى صورةٍ جانبية لوجه — يسهل تبيُّنها عند النظر إليها عن كثب — تم إبرازها بسكين يتتبع الشقوق في اللحاء؛ أنف طويل، عين مائلة إلى الأسفل، وفم، وقطرة كبيرة — كانت الفتحة المحاطة بالقطران — عند نهاية الأنف بالضبط.

قالت ليزا وهي تحشر الكيس البلاستيكي في جيبها وتلف المفتاح في الباب الخلفي: «أمرٌ غريب للغاية؟ لا تقف هناك، تعالَ إلى الداخل. يا للهول! كم الجو بارد هنا كالقبور!» كانت منتبهةً دائمًا إلى تغيير صِيَغ التعجب من «يا إلهي!» إلى «يا للهول!»، ومن «يا للجحيم!» إلى «يا للغوث!» كما كان يُفترَض بهما فعله في الرابطة.

تنقَّلَتْ ليزا في المكان بين ضوابط الحرارة لتشغيل التدفئة بأزرار الحائط.

قال وارن: «نحن لن نتجوَّل في أرجاء هذا المكان، أليس كذلك؟»

قالت ليزا: «سنتجوَّل حتى تدفأ أجسامنا.»

فتح وارن صنابير المياه بالمطبخ، لكن لم تتدفَّق المياه. قال: «المياه مغلقة، الأمور على ما يرام.»

كانت ليزا قد ذهبت إلى الحجرة الأمامية. صاحت: «ما الأمر؟ ما الذي بخير؟»

«المياه. إنها مغلقة.»

«أهي كذلك؟ حسنًا.»

توقَّفَ وارن في مدخل الحجرة الأمامية: «أَلَا ينبغي لنا خلع أحذيتنا كما لو أننا سنتجوَّل في المكان؟»

قالت ليزا وهي تضرب بقدميها فوق السجادة: «لماذا؟ ما الخطورة بثلج نظيف جميل؟»

لم يكن وارن من الأشخاص الذين يلحظون الكثير بشأن الحجرات وما يوجد بها، لكنه تبيَّنَ بالفعل في هذه الحجرة بعض الأشياء العادية وبعض الأشياء غير العادية؛ كان بها سجاد وكراسي وتليفزيون وأريكة وكتب ومكتب كبير، لكنها حَوَتْ أيضًا أرففًا عليها طيور مثبَّتة ومحنَّطة؛ بعضها ضئيل الحجم للغاية وبرَّاق، وبعضها كبير الحجم ومناسِب للصيد، وكذلك حيوان بُنِّي أملس — ابن عرس؟ — وقندس، عرَفه من ذيله المفلطح.

كانت ليزا تفتح أدراج المكتب وتفتِّش بين الأوراق التي عثرت عليها هناك. ظنَّ أنها تبحث عن شيءٍ ما طلبتْ منها المرأةُ إحضارَه. بعد ذلك، شرعت ليزا في جذب الأدراج إلى الخارج والإلقاء بها وبمحتوياتها على الأرض. أصدرت صوتًا مضحكًا؛ فرقعةً بلسانها في استحسان، كما لو أنها صادرة من الأدراج نفسها.

قال وارن: «يا إلهي!» (بما أنه كان في الرابطة طوال حياته، لم يكن حريصًا للغاية، مثلما كانت ليزا، حيال كلماته.) «ليزا؟ ماذا تخالين نفسك فاعلة؟»

قالت ليزا: «لا شيء يعنيك على الإطلاق.» لكنها تحدَّثَتْ بنبرة فَرِحة، بل حنونة أيضًا: «لماذا لا تستريح وتشاهد التليفزيون أو شيئًا من هذا القبيل؟»

كانت تلتقط الطيور والحيوانات المثبَّتة وتقذفها واحدًا تلو الآخر، فتزيد الفوضى التي تصنعها فوق الأرض. قالت: «إنه يستخدم خشب البَلسا. جميلٌ وخفيف.»

ذهب وارن بالفعل وشغَّلَ التليفزيون، كان تلفزيونًا أبيض وأسود، ولا تُظهِر معظمُ قنواته سوى تشويشٍ أو صورة مموَّجة؛ الشيءُ الوحيد الذي استطاع مشاهدته بوضوحٍ كان مشهدًا من مسلسل قديم به فتاة شقراء ترتدي زيًّا شرقيًّا — كانت ساحرةً — والممثِّل جيه آر إيونج عندما كان صغيرًا للغاية، ولم يكن قد أُطلِق عليه بعدُ جيه آر.

قال: «انظري إلى هذا! كما لو أن الزمن يعود إلى الوراء.»

لم تلتفت ليزا. جلسَ وارن فوق مَسندٍ للقدم وأدارَ ظهره إليها؛ كان يحاول أن يكون كالراشِد الذي لا يراقِب أفعال الصغار. تجاهَلْها وهي ستكُفُّ. مع ذلك، استطاع سماع تمزيق الكتب والأوراق من ورائه؛ كانت تنتزع الكتب من فوق الرفوف وتمزِّقها وتُلقِي بها على الأرض. سمعها وهي تتوجَّه إلى المطبخ وتخلع الأدراج، وتَصْفِقُ أبواب الخزانات، وتحطِّم الصحون. عادت إلى الحجرة الأمامية بعد برهة، وبدأ الهواء يمتلئ بغبار أبيض؛ لا بد أنها سكبت الطحين. كانت تسعل.

اضطر وارن إلى السعال أيضًا، لكن دون أن يلتفت حوله، وسرعان ما سمع صوت أشياءَ تُسكَب من زجاجاتٍ؛ سائل خفيف ومتناثِر وبقبقة ثقيلة. استطاع شمَّ رائحة الخل وشراب القيقب والويسكي؛ كان ذلك ما سكبته ليزا فوق الطحين والكتب والسجاد وريش الطيور وفراء الحيوانات. سمع صوتَ شيءٍ يُحطَّم فوق الموقد ظنَّ أنه زجاجة ويسكي.

قالت ليزا: «أصابتِ الهدف!»

لم يلتفت وارن. شعر بجسده كله يضطرب، مع سعيه إلى أن يجلس في سكون، وأن يتجاوز هذا الأمر.

ذات مرة، ذهب هو وليزا إلى حفل راقص للروك المسيحي بسانت توماس. دار الكثير من الجدل حول الروك المسيحي داخل الرابطة؛ حول إمكانية وجود شيءٍ كهذا من الأساس. كان هذا التساؤل يتسبَّب في حيرة ليزا، على عكس وارن. ذهبَ وارن بضع مراتٍ إلى حفلات رقص وموسيقى للروك لم يُطلَق حتى عليها مسيحية، لكن عندما شرعا في الرقص، كانت ليزا هي مَنْ تحرَّكت بخفةٍ، على الفور. كانت ليزا مَنِ استوقَّفت أنظار القائد الشبابي — بعينه اليقظة الحزينة — الذي كان يبتسم ويصفِّق في ارتيابٍ بين المتفرجين. لم يَرَ وارن ليزا ترقص قطُّ، وأدهشَتْه الروح الجنونية المتمايلة التي تستحوذ عليها. كان شعوره أقرب إلى الفخر منه إلى القلق، لكنه أدرك أن أيًّا كان ما يشعر به فلن يُحدِث أيَّ فارق. كانت ليزا ترقص، والشيء الوحيد الذي بوسعه فعله هو انتظارها وهي تتفاعل مع الموسيقى، تتضرع وتلتف على أنغامها، متحرِّرة، تغمض عينَيْها عن كل ما يحيط بها.

هذا ما تشعر به داخلها، هكذا أراد أن يخبر الجميع. ظنَّ أنه يدري ما تشعر به؛ فقد أدرك شيئًا في المرة الأولى التي شاهَدَها فيها بالرابطة. كان ذلك في فصل الصيف وكانت ترتدي قبعة صغيرة من القش وثوبًا بأكمامٍ تعيَّن على جميع فتيات الرابطة ارتداؤه، لكن بشرتها كانت ذهبية للغاية، وجسدها ممشوقًا للغاية بالنسبة إلى فتاة في رابطة دينية؛ هذا لا يعني أنها كانت تشبه فتيات المجلات؛ عارضات الأزياء أو فتيات الاستعراض. لم تكن ليزا هكذا، بجبهتها العالية المستديرة وعينيها البُنيتين الغائرتين، والتعبير الذي يعلو وجهها الطفولي والقاسي على حدٍّ سواء. بَدَتْ فريدة، وكانت كذلك بالفعل. لم تكن فتاة تقول: «يا إلهي!» لكنها — في لحظات الرضا التام والتبلُّد التأمُّلي — تقول: «حسنًا، سحقًا!»

قالت إنها كانت جامحة قبل أن تعتنق المسيحية؛ «حتى وأنا طفلة صغيرة.»

سألها: «جامحة بأي معنًى؟ أتقصدين في العلاقات الغرامية؟» فرمقته بتلك النظرة كما لو أنها أرادت أن تقول له: «لا تكن أحمق.»

شعر وارن بشيء يتقطَّرُ فوق جانبٍ من فروة رأسه؛ فقد تسلَّلَتْ ليزا خلفه. وضعَ يده فوق رأسه، وعندما أنزلها وجدها خضراء ولَزِجة، وتفوح منها رائحةُ النعناع.

قالت: «خُذْ رشفة.» وأعطته زجاجة. تجرَّع منها، وكاد أن يختنق بمذاق شراب النعناع المُركَّز. أخذت ليزا الزجاجة مرةً أخرى وقذفت بها تجاه النافذة الأمامية الضخمة. لم تمرَّ الزجاجة عبر النافذة إلى الخارج، لكنها هشَّمَتْ زجاجها. لم تنكسر الزجاجة؛ سقطت على الأرض، وتدفَّقت منها بحيرة صغيرة من سائل جميل كدَمٍ أخضر داكن. عجَّ زجاج النافذة بآلاف الشقوق المشعَّة، واستحال إلى اللون الأبيض كهالة القمر. وقف وارن يلهث من أثر الشراب؛ شعر بموجاتٍ من الحرارة تجتاح جسده. خَطَتْ ليزا برفق بين الكتب الممزَّقة النَّدِيَّة والزجاج المهشَّم، والطيور الملطخة المسحوقة بالأقدام، وبحيرات الويسكي، وشراب القيقب، وأعواد الحطب المتفحمة التي جلبتها من الموقد لتترك آثارًا سوداء فوق السجاد، والرماد والطحين الثخين والريش. خَطَتْ برفقٍ، بحذائها الذي ارتدته فوق عربة الجليد، معجبةً بما فعلَتْه؛ بما تمكَّنَتْ من فعله حتى الآن.

التقَطَ وارن مَسندَ القدمِ الذي كان يجلس فوقه وقذفه باتجاه الأريكة. سقطَ فوقها؛ لم يُحدِث أيَّ ضرر، لكن الفعل نفسه جعله مشاركًا في الحدث. لم تكن هذه المرة الأولى التي يتورَّط فيها وارن في إشاعة الفوضى بمنزلٍ؛ فمنذ فترة طويلة، عندما كان في التاسعة أو العاشرة من عمره، دخلَ مع صديقه إلى منزلٍ في طريق عودتهما من المدرسة، كان منزلَ خالة صديقه. لم تكن موجودةً في المنزل؛ كانت تعمل في متجر للحُليِّ، وتعيش بمفردها. اقتحَمَ وارن وصديقه المنزل لأنهما كانا يشعران بالجوع. أعَدَّا لنفسَيْهما شطائرَ من بسكوت الصودا والمربى، وشربَا بعضًا من جِعة الزنجبيل، لكن بعد ذلك فعلَا شيئًا آخَر؛ سكبا زجاجة كاتشب فوق مفرش المائدة وغمسا أصابعهما به، وكتبا فوق ورق الجدران: «احذري! دماء!» كسرا الصحون وألقيَا ببعض الطعام في أرجاء المكان.

كانا محظوظَيْن على غير العادة. لم يَرَهُما أحدٌ أثناء دخولهما وأثناء مغادرتهما، حتى الخالة نفسها ألقت باللوم على بعض المراهقين الذين أمرتهم بمغادرة المتجر مؤخرًا.

عندما تذكَّرَ وارن ذلك ذهبَ إلى المطبخ بحثًا عن زجاجة كاتشب. لم يَبْدُ أنه ثمة أي زجاجات كاتشب، لكنه عثرَ على علبة مفتوحة لصلصة الطماطم، كان قوامُها أخفَّ من الكاتشب ولم تُعْطِ النتيجة نفسها، لكنه حاوَلَ أن يكتب بها فوق جدار المطبخ الخشبي: «احذر! هذا دمُك!»

امتصَّ الجدار الخشبي الصلصة أو سالت فوقه. اقتربت ليزا كي تقرأ الكلمات قبل أن تنمحي. ضحكت. وجدت في مكانٍ ما بين الرُّكام قلمَ تلوين. تسلَّقَتْ فوق كرسي وكتبت أعلى الدم المزيَّف: «عاقبةُ الخطيئةِ الموتُ.»

قالت: «ينبغي أن أُخرِج المزيد من الأشياء. كان عمله يعجُّ بالطلاء والغراء وكلِّ هذه الأشياء، في تلك الحجرة الجانبية.»

قال وارن: «أتريدين أن أحضر بعضًا منها؟»

قالت: «كلَّا حقيقةً.» واستلقت فوق الأريكة؛ أحد الأماكن القليلة التي لا تزال صالحة للجلوس فوقها في الحجرة الأمامية. قالت في سكينة: «ليزا مينللي، اغرسِيه في بطنك يا ليزا مينللي.»

هل كان هذا شيئًا ردَّدَه الطلاب بالمدرسة أمامها، أم كلماتٍ ألَّفَتْها لنفسها؟

جلسَ وارن بجانبها وقال: «ما الذي فعلاه؟ ما الذي فعلاه ليجعلكِ تشعرين بالغضب إلى هذه الدرجة؟»

قالت ليزا: «مَنْ يشعر بالغضب؟» نهضت في ثقل واتجهت إلى المطبخ. تبعها وارن، ورأى أنها تضغط على أزرار الهاتف. انتظرتْ قليلًا ثم قالت: «بي؟» بصوتٍ خافتٍ جريحٍ ومتردِّد: «آهٍ يا بي!» ولوَّحَتْ بيدها لوارن كي يُطفِئ التليفزيون.

سمعها تقول: «النافذة الموجودة بجانب باب المطبخ … أعتقد هذا. حتى شراب القيقب، لن تصدِّقي هذا … أوه، والنافذة الأمامية الكبيرة الجميلة، قذفوا شيئًا بها، وأتوا بأعواد الحطب من الموقد والرماد والطيور الموجودة في أرجاء المكان والقندس الكبير. لا أستطيع إخبارك كيف يبدو الأمر …»

عادَ وارن إلى المطبخ، فعبست بوجهها، ورفعت حاجبيها وأخذت تُصدِر أصواتَ نحيبٍ وهي تستمع إلى الصوت على الجانب الآخَر من الهاتف. واستمرت في وصف الأوضاع في بؤس وسخط، بصوتٍ تشوبه شفقةٌ ورجفةٌ مصطنعة. لم يَرُقْ لوارن مشاهدتها، وذهبَ في البحث عن خوذتَيْهما.

عندما أغلقت الخط ذهبت إليه، وقالت: «هذا بسببها. سبقَ وأخبرتك بما فعلَتْه معي؛ ساعدَتْني في الالتحاق بالكلية!» وانفجَرَ كلاهما في الضحك.

لكن وارن كان ينظر إلى طائر وسط الفوضى التي عمَّتْ أرضية المكان؛ ريشه المبتل، ورأسه المتدلي، وتظهر منه عين واحدة حمراء قاسية. قال: «من الغريب فعل هذا لكسب الرزق. دائمًا ما توجد أشياءُ نافقةٌ بالمكان.»

قالت ليزا: «أجلْ، أمرٌ غريب.»

قال وارن: «أستشعرين بالخوف إنْ صاح؟»

أصدرت ليزا أصواتَ صياحٍ لتقطع عليه تأمُّلَه، ثم لامسَتْ رقبته بأسنانها ولسانها المستدق الطَّرف.

٣

طرحت بي على ليزا وكيني الكثير من الأسئلة؛ سألتهما عمَّا يفضِّلانه من برامج التليفزيون والألوان ونكهات الآيس كريم، والحيوانات التي يمكن أن يصيرا إليها إذا تحوَّلا إلى حيواناتٍ، وأول شيء يذكرانه. قال كيني: «التهام المخاط.» لم يقصد بذلك المزاح.

ضحك لادنر وليزا وبي جميعهم، كان صوت ليزا الأعلى بينهم. بعد ذلك، قالت بي: «أتدري، هذا من بين أول الأمور التي يمكنني تذكُّرها!»

ظنَّتْ ليزا أنها تكذب؛ تكذب من أجل كيني، دون أن يدري هذا من الأساس.

أخبرهما لادنر: «هذه الآنسة دُودْ. تعامَلَا معها بلطف.»

قالت بي، كما لو أنها أدركت شيئًا مباغِتًا: «الآنسة دُودْ، بي. اسمي بي.»

قال كيني لليزا، عندما مضى لادنر وبي أمامهما: «مَنْ هذه؟ هل ستعيشُ معه؟»

قالت ليزا: «إنها عشيقته. على الأرجح، إنهما سيتزوجان.» عندما مضى أسبوع على وجود بي بمنزل لادنر، لم تحتمل ليزا فكرة رحيلها قطُّ.

•••

في المرة الأولى التي ذهبت فيها ليزا وكيني إلى الأرض المملوكة للادنر، كانا قد تسلَّلَا إلى هناك من أسفل السياج، على الرغم من أن أباهما أخبرهما ألَّا يفعلَا ذلك، وكذلك أخبرتهما اللافتات التحذيرية هناك. عندما تغلغلا بين الأشجار حتى إنَّ ليزا لم تَعُدْ تدري الطريق، سمعَا صافرةً حادة.

نادى عليهما لادنر: «أنتما!» خرجَ عليهما من خلف شجرة، كسفَّاحٍ في الأفلام، يحمل بيده فأسًا صغيرة، قائلًا: «هل تستطيعان القراءة؟»

كانا في السابعة والسادسة من عمرهما تقريبًا في ذلك الوقت. قالت ليزا: «أجلْ.»

قال كيني بصوتٍ خافت: «لقد ركض ثعلبٌ إلى هنا.» عندما كانا مع أبيهما، ذات مرة، شاهدا ثعلبًا أحمر يركض عبر الطريق واختفى بين الأشجار هنا، وقال أبوهما: «هذا الماكِر يعيش في أدغال لادنر.»

أخبرهما لادنر أن الثعالب لا تعيش في الأدغال. أخذهما لرؤية المكان الذي يعيش فيه الثعلب؛ عرينه، كما أطلقَ عليه. كانت هناك كومة من الرمال بجانب حفرةٍ فوق جانب التل مغطَّاة بأعشابٍ جافة قاسية وزهور بيضاء صغيرة. قال لادنر: «عمَّا قريب ستصير هذه ثمارَ فراولة.»

قالت ليزا: «ستصير ماذا؟»

قال لادنر: «يا لكما من طفلَيْن أحمقَيْن! ماذا تفعلان طوال اليوم؛ تشاهدان التليفزيون؟»

كانت هذه بداية قضائهما أيام السبت مع لادنر — وفي الصيف، يقضيان الأيام كلها تقريبًا معه. قال أبوهما لا يرى بأسًا في ذلك، ما دام لادنر أحمقَ لدرجةٍ تجعله يحتملهما، وقال: «لكن لا يجدر بكما إغضابه وإلا فسيسلخكما أحياءً، كما يفعل مع حيواناته. أتعلمان هذا؟»

كانا على علم بما يفعله لادنر؛ فقد سمحَ لهما بمشاهدته. شاهداه وهو ينظِّف جمجمة سنجاب ويثبِّت ريشَ طائر على أفضل نحوٍ بسلك رقيق ودبابيس. بمجرد أنْ تأكَّدَ أنهما سيتوخَّيان الحذر جيدًا، سمحَ لهما بتثبيت العيون الزجاجية في مكانها. كذلك راقَبَاه وهو يسلخ الحيوانات، ويفرك الجلود لتنظيفها، وينثر عليها الملح ويتركها لتجف بالمقلوب قبل أن يرسلها إلى الدبَّاغ. يضع الدبَّاغ سمًّا بها كي لا تتشقَّق أبدًا، ولا يتساقط الفِراء عنها أبدًا.

كان لادنر يضع الجلود حول جسد غير حقيقي؛ ربما يكون جسد الطائر مكوَّنًا من قطعة واحدة، منحوتة من الخشب، وأما جسد الحيوان فيكون مكوَّنًا من مزيج رائع من الأسلاك والخيش والغِراء والورق المعجون والصلصال.

أمسكت ليزا وكيني أجسادًا مسلوخة قاسية كالحِبال، ولمسا أمعاءَ حيواناتٍ بَدَتْ كأنابيب بلاستيكية، كما سحقَا مُقَل عينٍ حتى أصبحت كالهُلام. أخبرا والدهما عن هذه الأمور؛ قالت ليزا: «لكننا لن نصاب بأية أمراض؛ فنحن نغسل أيدينا بصابون البوراكس.»

لم تكن كل المعلومات التي عرفاها عن الحيوانات النافقة فقط؛ بماذا يصيح طائر الشحرور الأسود أحمر الجناح؟ إنَّ لسان حاله يقول: «رِفاق!» بماذا يصيح طائر النمنمة البُني؟ إن لسان حاله يقول: «رجاءً! رجاءً! رجاءً! أعطني قطعة جُبن.»

قال أبوهما: «أوه، حقًّا!»

سرعان ما عرفا الكثير من الأمور. على الأقل، عرفت ليزا الطيور والأشجار وعُش الغراب والحفريات والمجموعة الشمسية، وعرفتْ منشأ صخور بعينها، وعرفتْ أنَّ الجزء المنتفخ بساق زهرة العود الذهبي يحوي دودةً بيضاء صغيرة لا تستطيع أن تحيا في أي مكان آخَر بالعالَم.

تعلَّمَتْ ألَّا تتحدَّث كثيرًا عن كل ما عرفته.

•••

وقفت بي عند ضفة بركة المياه ترتدي الكيمون الياباني. كانت ليزا تسبح بالفعل، نادت على بي: «هيا انزلي، هيا!» كان لادنر يعمل على الجانب البعيد من البركة؛ يقطع نبات القصب ويزيل الحشائش التي تسدُّ المياه. من المفترض أن كيني كان يساعده. دار بخَلَد ليزا: «كأننا أُسْرة واحدة.»

خلعتْ بي الكيمون ووقفت بثوب السباحة الحريري الأصفر. كانت امرأةً ضئيلةَ الحجم بشعر أسود، به بعض الشَّيب، ينسدل في غزارة حول كتفَيْها. كان حاجباها سميكَيْن داكنين مُقوَّسين، كالشكل العابس الجميل لفمها، المستجدي للعطف والمواساة. كستِ الشمسُ جسدها بنمشٍ داكن، كانت امرأةً غيداء للغاية في جميع أجزاء جسدها. عندما كانت تُدنِي ذقنها، ينتفخ الجزء الذي يلي فكَّها وكذلك عيناها. كانت عُرضةً لانتفاخ جلدها أو لحمها، وارتخائه وانبعاجه وتجعُّده، وكذلك لظهور الشرايين الأرجوانية وتغيُّر لون تجاويف أسفل العين. في واقع الأمر، كانت هذه العيوب، هذا الضرر الغامض، هو ما أحَبَّتْه ليزا على وجه الخصوص. كذلك أحَبَّتِ العَبْرة المترقرقة التي كثيرًا ما انعكست في عين بي، والمناشَدة المرتجفة والمازحة في صوتها، وخشونة صوتها وتكلُّفه. لم تكن ليزا تحكم على بي أو تُقيِّمها بالطريقة التي يفعلها الآخرون، لكن هذا لا يعني أن حُبَّ ليزا لبي كان سهلًا أو مطمئِنًا، كان حُبُّها لها يملؤه الرجاء، لكنها لم تَدْرِ ما كانت ترجوه.

نزلت بي إلى بركة المياه. فعلتْ هذا على عدَّة مراحل؛ اتخذتِ القرار، وتريَّضَتْ قليلًا، وتوقَّفتْ، ثم نزلتْ إلى البركة حتى وصلت المياهُ إلى ركبتَيْها، وطوَّقَتْ ذراعيها، وأطلقت صرخةً.

قالت ليزا: «المياه ليست باردة.»

قالت بي: «كلَّا، كلَّا، إنني أحبها!» وواصلت السباحة، وهي تطلق صيحات الإعجاب، إلى بُقعة ترتفع فيها المياه حتى خصرها، ثم استدارت لمواجهة ليزا، التي سبحت من خلفها بنيَّة نثر المياه في وجهها.

صاحت بي: «أوه، كلَّا، لا تفعلي!» وبدأت في القفز في مكانها، تمرِّر يدَيْها في المياه، بأصابع ممتدة، وتجمع المياه في يدها كما لو أنها بتلات زهور، وتنثرها باتجاه ليزا بلا تأثير.

دارت ليزا وطفَتْ على ظهرها وأخذت تركُلُ القليل من المياه برفقٍ تجاه وجه بي. أخذت بي تقفز وتهبط وتتحاشى المياه التي تركلها ليزا، وبينما تفعل ذلك أَلِفَتْ شيئًا من قبيل نغم سعيد وسخيف: «أوه-وو! أوه-وو! أوه-وو!» شيءٌ من هذا القبيل.

على الرغم من أنها كانت تسبح على ظهرها، طافيةً فوق المياه، استطاعت ليزا أن ترى لادنر وقد توقَّفَ عن العمل. وقفَ في بُقعة من المياه تصل إلى خصره على الجهة الأخرى من البركة، وراء بي. كان يراقبها، وبعد ذلك، شرعَ هو الآخَر في الوثب لأعلى وأسفل في المياه. كان جسده متيبسًا، لكنه حرَّك رأسه بقوة من جانبٍ إلى آخَر، مُمرِّرًا يديه الخفَّاقتَيْن بخفَّة أو مُربِّتًا فوق المياه؛ يختالُ وينتفضُ كما لو أن مشاعر الإعجاب بنفسه جرَفَتْه.

كان يحاكي بي، يفعلُ ما تفعله، لكن بطريقة قبيحة وأكثر سخافةً. كان يستهزئ بها في تعمُّدٍ وإصرار إلى أبعد حدٍّ. كان تراقُصُه الفَظُّ يقول أترين كَمْ هي مغترة؟ أترين كَمْ هي مخادعة؟ تتظاهر بأنها لا تخشى المياه العميقة، تتظاهر بأنها سعيدة، تتظاهر بأنها لا تدري كَمْ تمقتها.

كان هذا مشوقًا وصادمًا. ارتجفَ وجه ليزا برغبةٍ في الضحك؛ أرادَ جزءٌ منها أن يتوقَّف لادنر، أن يتوقَّف في الحال، قبل أن يقع الضرر، وتلهَّفَ جزءٌ آخَر إلى ذلك الضرر بعينه؛ الضرر الذي يمكن أن يُحدِثه لادنر؛ أن ينفضح أمره؛ أن ترى اللَّذة النهائية لذلك.

صاحَ كيني بصوتٍ عالٍ. لم يتفهَّم الأمر.

لاحظتْ بي بالفعل تغيُّر تعبير وجه ليزا، وسمعتْ كيني الآن. استدارتْ لترى ما يحدث وراء ظهرها، لكن لادنر نزلَ في المياه مرةً أخرى، وكان يقتلع الحشائش.

في الحال ركلت ليزا الكثير من المياه لإلهائها. عندما لم تستجب بي لذلك، سبحت ليزا إلى الجزء العميق من البركة وغاصت فيه نحو الأعماق السحيقة؛ حيث يعمُّ الظلام، ويعيش سَمكُ الشَّبوط، في الطين. مكثَتْ بالأسفل لأطول فترة ممكنة. سبحت بعيدًا حتى إنها علقت بين الحشائش بالقرب من الضفة الأخرى، وصعدت إلى السطح وهي تلهث، وتبعد ياردة تقريبًا عن لادنر.

قالت: «لقد علقتُ بين القصب، كان من الممكن أن أغرق.»

قال لادنر: «لسوء الحظ لم يحدث ذلك.» جذَبَها جذبةً كمَنْ يريد أن يطأها، وفي الوقت نفسه رسمَ على وجهه نظرةً وَرِعة ذاهِلة، كما لو أن الشخص الذي برأسه يستشيط غضبًا ممَّا يمكن أن تفعله يده.

تظاهرت ليزا بأن الأمر لم يسترعِ انتباهَها، وقالت: «أين بي؟»

نظرَ لادنر إلى الضفة الأخرى وقال: «ربما ذهبتْ إلى المنزل. لم أرَها أثناء خروجها.» انشغل في أعماله العادية مرةً أخرى، كعاملٍ مُجِدٍّ، يشعرُ بالسأم قليلًا من كل حماقاتهم. يستطيع لادنر فعل ذلك؛ يستطيع التحوُّل من شخصٍ إلى آخَر، وأن يُشعِرك بالذنب إنْ تذكَّرت.

سَبحتْ ليزا في خطٍّ مستقيم بكل ما أُوتِيتْ من قوةٍ عبر البركة. تناثَرَت المياه من حولها أثناء سباحتها، وتسلَّقت الضفة في تثاقُل. مرَّتْ من جانب البومات والنسر المُحدِّقين من خلف الزجاج. كانت هناك لافتة تقول: «الطبيعةُ لا تفعل أيَّ شيءٍ عبثًا.»

لم تجدْ بي في أي مكان؛ لم تجدها عند المَمشى الخشبي فوق المستنقع، ولا عند المكان الفسيح أسفل أشجار الصنوبر. سلكت ليزا الممر حتى الباب الخلفي للمنزل، وفي منتصف الممر وقفت شجرة الزان التي تعيَّن عليها الالتفافُ حولها، وحُفِرَتْ فوق لحائها الأملس الأحرف الأولى: «ل» في إشارةٍ إلى لادنر، و«ل» في إشارة إلى ليزا، و«ك» في إشارة إلى كيني، وأسفلها بقَدم تقريبًا كُتبتِ الأحرف: «ا. ب. أ.» عندما جعلت ليزا بي ترى هذه الأحرف للمرة الأولى، ضربَ كيني بقبضته عند «ا. ب. أ.» وصاح: «اجذب بنطالك إلى أسفل!» وهو يَثِبُ صعودًا وهبوطًا، فوجَّهَ إليه لادنر ضربة قوية مازحة على رأسه وقال إنها تعني: «امضِ بالممر أمامك.» وأشار إلى السهم المحفور باللحاء دائرًا حول الجذع، وقال لبي: «لا تُلقِي بالًا للصغار بأفكارهم البذيئة.»

لم تستطع ليزا حمل نفسها على طَرْقِ الباب؛ فقد كانت تملؤها الهواجس والشعور بالذنب. بدا لها أن بي ستضطر إلى الرحيل؛ فكيف لها أن تمكث بعد مثل هذه الإهانة؟! كيف ستتحمل أيًّا منهم؟ لم تستطع بي فهم لادنر، وكيف لها أن تفهمه؟! لم تستطع ليزا نفسها أن تصف لادنر لأي شخص. في الحياة السرية التي جمعتها به، كانت الأمور المُريعة دائمًا مُضحِكة، وكان الشرُّ مختلِطًا بالسُّخْف، ودومًا ما تضطر إلى المشاركة بوجوهٍ وأصواتٍ بليدة، والادِّعاء بأنه وحشٌ كارتوني. لا يمكنك التخلُّص من هذا، أو حتى أن تساورك رغبةٌ في ذلك، بقدر ما لا يَسَعك منع شعورٍ بالألم الطفيف بعد تنميل أحد أطرافك.

سارت ليزا حول المنزل وبعيدًا عن ظل الأشجار، وعبرت بقدمٍ عارية الطريق المفروش بالحصى الساخن. وقَفَ هناك منزلها في منتصف حقل ذرة عند نهاية ممر قصير. كان منزلًا خشبيًّا بقمة مطلِيَّة بطلاءٍ أبيض، والجزء الأدنى منه مطليًّا باللون الوردي المتوهِّج كأحمر الشفاه. كانت هذه فكرة والِد ليزا؛ ربما ظنَّ أن هذا الطلاء سيضفي على المنزل مظهرًا جديدًا أجمل، وربما ظنَّ أن اللون الوردي سيجعله يبدو كما لو أن امرأةً تعيش بداخله.

يا لها من فوضى بالمطبخ؛ حبوبُ الإفطار مسكوبة فوق الأرض، بُقَع من اللبن الفاسِد فوق الطاولة، كومة من الملابس القادمة من مغسلة الملابس العامة تتدلَّى من فوق الكرسي بالزاوية، ومنشفة الصحون — علمت ليزا هذا دون أن تنظر — متكدِّسة مع القمامة في حوض المطبخ! كانت وظيفتُها تنظيف كل هذا، ويجدر بها إنهاؤه قبل أن يعود أبوها إلى المنزل.

لم تنزعج بشأن التنظيف الآن. اتجهت إلى الطابق العلوي، حيث الحرُّ القائظ تحت السقف المائل، وأخرجت حقيبتها الصغيرة التي تحوي أشياءَ ثمينة. احتفظتْ بهذه الحقيبة داخل حذاءٍ مطاطي قديم أصبح أصغر من أن يناسبها. لا يعلم أحدٌ بشأن هذا، وبالأخص كيني.

يوجد بالحقيبة ثوبُ سهرةٍ لدمية باربي، سرقَتْه من فتاةٍ اعتادت اللعب معها (لم تَعُدْ ليزا تحبُّ هذا الثوب كثيرًا، لكنه يحمل أهميةً لأنه مسروق)، وعلبةٌ زرقاء مُحكَمة الغلق بداخلها نظارة أمها، وبيضةٌ خشبية ملونة حصلت عليها كجائزة في مسابقة عيد الفِصْحِ للرسم بالصَّف الثاني (بداخلها بيضة أصغر، وداخلها بيضة أكثر صِغَرًا)، وقرطٌ من حجر الراين عثرت عليه بالطريق. كان تصميم القرط دقيقًا وجميلًا، به قِطَع من حجر الراين متدلية من حلقاتٍ ونتوءاتٍ مستديرة من أحجار أصغر، وكان عندما يتدلَّى من أذن ليزا يكاد يلامس كتفَيْها.

وحيث إنها كانت لا ترتدي سوى ثوب السباحة، تعيَّن عليها حمل القرط مطويًّا في راحتها، كأنشوطة ملتهبة. شعرت بأن رأسها متورِّم من شدة الحرارة، مع جثومها فوق حقيبتها السرية، واتخاذها القرار. تفكِّر باشتياقٍ في الظل أدنى أشجار لادنر، كما لو كانت بِركة سوداء.

لا توجد شجرة واحدة بالقرب من هذا المنزل من أي جهة، والشجيرة الوحيدة كانت شجيرة ليلك بأوراق متموِّجة أطرافها بُنيَّة، بالقرب من السُّلَّم الخلفي، ولا يوجد حول المنزل سوى الذرة، وعلى مسافةٍ بعيدة تقف الحظيرة العتيقة المائلة التي يحظر على ليزا وكيني دخولها؛ لأنها من الممكن أن تنهار في أي وقتٍ. لا توجد تقسيماتٌ هنا أو أماكن سرية؛ كلُّ شيء عارٍ وبسيطٌ.

لكن عند عبور الطريق — كما تفعل ليزا الآن؛ إذ تهرول فوق الحصى — أو قُلْ عند العبور إلى أرض لادنر، تبدو كأنك دخلت إلى عالم يضم بلدانًا مختلفة ومتمايزة؛ فهذه منطقة المستنقعات، وهي عميقة تمتلئ بالأدغال وذباب النبر وأزهار البَلسم وملفوف الظربان. ثَمة شعور يسود المكان بأخطار المناطق الاستوائية وصعوباتها. ثُم منطقة أشجار الصنوبر المهيبة كالكنيسة، بأغصانها العالية، وبساطها الإبري، تحثُّ على التهامس، والحجرات المظلمة أسفل الأغصان المنحنية لأشجار الأرز؛ حجرات سرية مظللة تمامًا بأرضٍ جرداء. تنسابُ أشعة الشمس في الأماكن المختلفة بطرقٍ شتَّى، وفي أماكن أخرى لا تنسابُ على الإطلاق. في بعض الأماكن يكون الجوُّ خانقًا ومنعزلًا، وفي أماكن أخرى تشعر بنسيمٍ مفعم بالحياة، والروائح إمَّا مزعجة وإمَّا جذَّابة، وكذلك بعض الممرات تفرض عليكَ اتباع سلوكٍ لائق، وأخرى تكون بعض أحجارها متباعِدة تتطلَّب الوثب بينها فتستدعي بعض الجنون. وهنا توجد مشاهِد التعليمات الجادة حيث علَّمَهما لادنر كيفية التفريق بين شجرة الجوزية والجوز الأرمد، والتفريق بين النَّجم والكوكب، فضلًا عن الأماكن التي ركضا فيها وصاحا وتدلَّيَا من أغصانها وقاما بكل الألعاب البهلوانية الطائشة، وأماكن أخرى فكَّرَتْ ليزا أنها تحمل جُرحًا فوق أرضها، وَخْزًا وَخِزيًا فوق حشائشها.

عندما أمسكَ لادنر ليزا بقوة والتصق بجسدها، تملَّكَها شعورٌ بخطر متأصِّل داخله، وبدا لها كما لو أنه سيهلك في صعقة برق، ولا يتبقى منه شيءٌ سوى دخان أسود، ورائحة حريق، وأسلاك مهترئة، لكنه كان يسقط على الأرض في ثقل كجلد حيوان انسلخ من اللحم والعظم. يرقد ثقيلًا وعديم الجدوى للغاية حتى إن ليزا وكيني يشعران لِلَحظة أن النظر إليه خطيئة. يضطرُّ إلى انتزاع صوته المتأوِّه من داخله ليخبرهما أنهما كانا سيئيْن.

يطقطق بلسانه في وهنٍ وتلمع عيناه في تربُّص. كانت عيناه قاسيتيْن ومستديرتيْن كالعيون الزجاجية للحيوانات.

سيئان! سيئان! سيئان.

قالت بي: «إنه أروع شيءٍ، ليزا، أخبريني؛ هل كان هذا لوالدتك؟»

أجابت ليزا بالإيجاب. تفهمتِ الآن أن هدية قرط ربما تُعتبَر سخيفةً ومثيرة للشفقة؛ ربما مثيرةً للشفقة عمدًا؛ حتى إن الاحتفاظ بها كشيءٍ ثمين ربما يبدو حماقة، لكن إذا كانت تخصُّ أمها، فسيكون الأمر مفهومًا، ومن الممكن أن تكون هديةً ذات قيمة. قالت ليزا: «بإمكانكِ وضعها في سلسلةٍ، إذا وضعتِها في سلسلةٍ فسيتسنَّى لكِ ارتداؤها حول رقبتكِ.»

قالت بي: «كنت أفكِّر في هذا توًّا! كنت أفكِّر أنها ستبدو جميلة إنْ وُضِعتْ في سلسلةٍ؛ سلسلةٍ فضية. ما رأيكِ؟ آهٍ يا ليزا! أشعرُ بالفخر الشديد لأنكِ أعطيتِني هذا!»

قال لادنر: «يمكنكِ وضعه في أنفك.» لكنه قال هذا دون أي حدة. كان مسالِمًا آنذاك، ومنهكًا ومسالِمًا. تحدَّث عن أنف بي كما لو أنه شيءٌ جميل يتأمَّله.

جلسَ لادنر وبي أدنى أشجار البرقوق خلف المنزل مباشَرةً. جلسا فوق كراسيٍّ من الصفصاف أحضرتها بي من البلدة. لم تُحضِر بي الكثير من الأشياء؛ أشياء كافية وضعتها هنا وهناك بين جلود لادنر ومُعدَّاته؛ هذه الكراسي، وبعض الأكواب، ووسادة، وأقداح النبيذ التي يشربان منها الآن.

كانت بي قد بدَّلَتْ ثوبَ السباحة وارتدَتْ ثوبًا أزرق داكنًا من قماشٍ رقيق وناعم للغاية، تدلَّى من حول كتفَيْها. داعبَتْ أحجار الراين بأصابعها، ثم أسقطت القرط فتلألأ بين ثنايا ثوبها الأزرق. كانت قد سامحَتْ لادنر في النهاية، أو ساومَتْ على ألَّا تتذكَّر.

كان بوسع بي بثُّ الأمان، إنْ أرادت ذلك. كان بوسعها بالطبع؛ كلُّ ما تطلَّبَه الأمرُ منها هو أن تغيِّر نفسها إلى نمطٍ مختلف من النساء؛ نمطٍ صارم، وعادل، وحاسم، ومفعم بالنشاط، وغير متسامِح. «لا شيءَ من هذا. هذا غير مسموح به. أَحْسِنِي التصرُّف.» المرأة التي كان بمقدورها إنقاذهم، والتي كان بوسعها أن تجعلهم جميعًا في حال طيبة، وتصونهم جميعًا.

الشيءُ الذي أُرسِلتْ بي من أجله، لا تراه.

تراه ليزا فقط.

٤

أغلقت ليزا البابَ كما تعيَّن عليها، من الخارج. وضعت المفتاح بالكيس البلاستيكي ثم وضعت الكيس في تلك الفتحة الموجودة بالشجرة. توجَّهَتْ نحو عربة الجليد، وعندما لم يفعل وارن الأمر نفسه، قالت: «ما الأمر؟»

قال وارن: «ماذا عن النافذة بجانب الباب الخلفي؟»

تنفَّسَتْ ليزا بصوتٍ عالٍ وقالت: «رباه! كَمْ أنا حمقاء! أنا أكبر حمقاء!»

عاد وارن إلى النافذة وركَلَ زجاج النافذة السفلي، ثم أحضر عُودًا من حطب الوقود من الكومة بجانب المخزن الصفيحي واستطاع تحطيم الزجاج وقال: «أصبحت كبيرةً بما يكفي كي تسمح بعبور فتًى منها.»

قالت ليزا: «كيف لي أن أكون بهذه الحماقة؟ لقد أنقذتَ حياتي.»

قال وارن: «حياتنا.»

لم يكن المخزن الصفيحي مغلقًا، عُثِرَ بداخله على بعض الصناديق الكرتونية، وقِطَع خشبية، وأدوات بسيطة. مَزَّقَ صندوقًا كرتونيًّا بحجم مناسب، وشعر برضًا كبير في تثبيت الكرتون فوق لوح النافذة التي حطَّمَها توًّا. قال لليزا: «ستدخل الحيوانات إلى المنزل إنْ لم نفعل ذلك.»

عندما انتهى من هذا الأمر تمامًا، وجدَ أن ليزا كانت تسير وسط الثلوج بين الأشجار. ذهبَ ليلحق بها.

قالت: «كنتُ أتساءل هل لا يزال الدُّبُّ هناك؟»

كان سيقول إنه لا يعتقد أن الدِّبَبة تأتي إلى هذا المكان البعيد من الجنوب، لكنها لم تفسح له المجال، قالت: «هل تستطيع التعرُّف على الأشجار من لحائها؟»

قال وارن إنه لا يستطيع التعرُّف عليها حتى من أوراقها، وقال: «حسنًا هذه أشجار قيقب، قيقب وصنوبر.»

قالت ليزا: «إنها أشجار الأَرْز. يتعيَّن عليك معرفة أشجار الأَرْز. هذه شجرة أَرْز، وهذه شجرة كرز بري، وهناك شجرة القضبان، والأشجار البيضاء، وتلك الشجرة ذات اللحاء الذي يبدو كقشرة رمادية، هذه شجرة الزان. أترى، كان محفورًا عليها حروف، لكن تلك الحروف تمدَّدت فأصبحت تبدو كلطخة قديمة الآن.»

لم يُبْدِ وارن اهتمامَه؛ أراد العودة إلى المنزل فحسب. لم تكن الساعة تجاوزتِ الثالثة بكثير، لكن يمكنكَ أن تشعر بالظلام يستجمع خيوطه ويرتفع بين الأشجار كدخانٍ بارد ينبعث من الثلوج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١