الجزء الثاني

المكر والمكر المقابل

يرويها الدكتور كريستوفر جيرفيز

ربما كانت النصف الساعة التي تلي تناول الإفطار أجملَ أوقات اليوم كلها، حين تستعرُ نيران التدفئة في مصطلاها، ويُطلق غليون الصباح سُحُبَ دخانِه. وتكون كذلك بشكل خاص حين تشير السماء الداكنة، التي تغطي البلدة، إلى شوارع يغزوها هواء الصباح البارد، فيما تُطلق المراكب العالقة على صفحة النهر صافراتِ استهجان، معلنةً تلكُّؤَ الضباب الذي خلَّفه الليل المتلاشي لتوِّه في الزوال.

كان هذا الصباح الخريفي ناضرًا، وكانت نيران المدفأة تحترق مشعة بهجة، فمددتُ قدميَّ في خفَّيهما نحو اللهب أُدفئهما وأخذتُ أتأمل في متعة كالقطط، دون التفكير في شيء بعينه. وبعد قليل قطعتْ زفرةٌ ممتعضة أصدرها ثورندايك تأملي وجذبت انتباهي، فالتفتُّ إليه متكاسلًا. كان يقصُّ الأخبار البارزة من جريدة الصباح بمقص مكتب، وتوقف لوهلة وبين إصبعيه قصاصة صغيرة وقال: «كلاب الصيد مجددًا! قريبًا سنسمع بعودة طقوس المحاكمة بالنار.»

قلتُ له وأنا أُدلِّكُ ساقيَّ في نشوة: «ويا لها من محاكمة دافئة ومريحة للغاية في صباح كهذا! ما القضية؟»

كان على وشك الإجابة ولكنَّ طرقًا شديدًا على الباب بمطرقته النحاسية قطع كلامنا. ذهب ثورندايك إلى الباب فوجد الطارق مفتشَ شرطة مرتديًا الزيَّ الرسمي، فأدخله، ووقفتُ أنا، موجِّهًا ظهري إلى النار، وتأهبت للجمع بين الدعة والراحة الجسدية وبين العمل.

قال الشرطي: «دكتور ثورندايك، أليس كذلك؟» فأومأ ثورندايك بالموافقة، وتابع الشرطي قائلًا: «اسمي فوكس يا سيدي، المفتش فوكس من شرطة بيسفورد. لعلك طالعتَ جريدة الصباح؟»

رفع ثورندايك القصاصة التي تحمل الخبر، ووضع كرسيًّا بالقرب من المدفأة، وسأل المفتش إن كان قد تناول وجبة الإفطار.

رد المفتش فوكس: «أشكرك يا سيدي، لقد أفطرتُ بالفعل. لقد جئت إلى البلدة على متن القطار المتأخر الليلة الماضية لأكون هنا في وقت مبكر، وبتُّ في أحد الفنادق. لا بد أنك عرفتَ من الجريدة أننا اضطررنا إلى القبض على أحد رجالنا. أمر محرج بالطبع، كما تعلم يا سيدي.»

وافقه ثورندايك الرأي: «محرج جدًّا.»

تابع المفتش: «أجل، إنه يسيء إلى سمعة الشرطة ويسيء إلى العامة أيضًا. ولكننا اضطررنا لذلك. لم نجد مفرًّا منه. ومع ذلك نودُّ منح المتهم كلَّ الفرص الممكنة، من أجلنا ومن أجله هو أيضًا؛ لذا يود رئيس الشرطة أن يسمع رأيك في الواقعة، وخطر بباله أنك ربما تكون راغبًا في تولِّي مهمة الدفاع عن المتهم.»

ردَّ ثورندايك: «أطلعْنا على التفاصيل.» وأخذ من الدرج دفتر ملاحظات وجلس في كرسي ذي ذراعين، ثم أضاف: «ابدأ من البداية، وأخبرنا بكل ما تعرف.»

تنحنح المفتش ثم قال: «حسنًا، سأبدأ بالقتيل: اسمه برات. كان سجَّانًا متقاعدًا، وعيَّنه الجنرال أوجورمان خادمًا بمنزله، أما الجنرال أوجورمان فهو مدير سجن متقاعد؛ ربما سمعت عنه وعن قطيع كلاب الصيد الذي يربيه. جاء برات من لندن مساء أمس على متن قطار يصل إلى بيسفورد في السادسة والنصف. وقد شوهد من قِبَل حارس المحطة، والكمسري، والحمَّال. وشاهده الحمَّال يغادر المحطة في السادسة وسبع وثلاثين دقيقة. يبعد منزل الجنرال أوجورمان عن المحطة نحو نصف ميل تقريبًا. في السابعة إلا خمس دقائق عثر الجنرال ورجل يُدعى هانفورد والسيدة بارتون مدبرة منزل الجنرال على جثة برات ملقاة على أرض الجادة التي تؤدي إلى منزل الجنرال. يبدو أن أحدهم طعنه؛ إذ كان هناك الكثير من الدم حوله، وعُثر على سكين — سكين نرويجية بالتحديد — على الأرض بالقرب من الجثة. تعتقد السيدة بارتون أنها سمعت شخصًا يستغيث في الجادة؛ ونظرًا لأن حضور برات كان متوقعًا في ذلك الوقت، خرجت إليه تحمل مصباحًا. وهناك التقت بالجنرال والسيد هانفورد، ويبدو أن الثلاثة رأوا الجثة في اللحظة نفسها. وفي الحال جاءنا السيد هانفورد على دراجته في مركز الشرطة وأبلغنا بما حدث؛ فأرسلنا في طلب طبيب، وعدتُ مع السيد هانفورد إلى مسرح الجريمة مصطحبًا معي رقيبَ شرطة. وصلنا في السابعة واثنتي عشرة دقيقة، وقام الجنرال، الذي كان قد جال المروج المحيطة بحصانه في كل الاتجاهات المحيطة بالجادة دون أن يرى أحدًا، بجلب كلابه واقتادها إلى السكين. شمَّ ثلاثة كلاب السكين وتعرفت على رائحة فيها على الفور، وكنت أنا أمسك بزمام أحد الكلاب، وقطعت بنا الكلاب المروج بدون توقف أو تردد، وتجاوزت الحواجز والأسيجة، وسارت عبر زقاق ومنه إلى البلدة، ثم عبرت الكلاب الطريق واحدًا تلو الآخر في صفٍّ واحد متوجهةً إلى مركز الشرطة وركضت نحو الباب الذي كان مفتوحًا، وتوجهت مباشرة إلى المكتب حيث كان يجلس إليه شرطي يدعى إيليس يكتب. وأحدثت ضجيجًا ندر مثيله، محاولة الوصول إلى إيليس بكل جهدها، وحاولنا كبحها بقدر استطاعتنا؟ أما إيليس، فقد امتقع لونه حينها وصار كالشبح.»

سأل ثورندايك: «هل كان في الغرفة أحد آخر؟»

ردَّ المفتش: «نعم، رجلَا شرطة ورسول. وقد اقتدنا الكلاب إليهم، فلم تُعرْهم أيَّ اهتمام. لقد كانت تقصد إيليس.»

قال ثورندايك: «وماذا فعلتم؟»

أجابه المفتش: «ألقينا القبض على إيليس بالطبع. ماذا عسانا أن نفعل غير ذلك خاصة أن الجنرال كان هناك؟»

سأل ثورندايك: «وما علاقة الجنرال بالموضوع؟»

رد المفتش: «إنه ضابط قضائي، وحاكم سابق لدارتمور، وكلابه هي التي لاحقت الرجل حتى أمسكت به. ولكن كان علينا القبض على إيليس على أي حال.»

سأل ثورندايك: «هل يوجد أيُّ دليل ضد المتهم؟»

أجابه المفتش: «نعم. كانت علاقته ببرات عدائية على نحوٍ واضح. لقد كانَا رفيقين قديمين؛ إذ كان إيليس في الحرس المدني في بورتلاند عندما كان برات سجَّانًا هناك، وأُحيل إيليس للتقاعد بسبب بتر سبابة يده اليسرى، لكن ثمة ضغينة تولدت بينهما مؤخرًا بسبب امرأة تعمل خادمة في منزل الجنرال. يبدو أن إيليس، وهو رجل متزوج، كان يوليها اهتمامًا زائدًا عن الحد، أو هكذا اعتقد برات، وحذر إيليس من الاقتراب من المنزل. ومنذ ذلك الحين لم يجمعهما حديث.»

سأل ثورندايك: «وماذا عن طباع إيليس؟»

أجابه المفتش: «طالما بدَا رجلًا مهذبًا؛ هادئًا ورزينًا وحسنَ الطباع؛ بل إنه لا يمكن أن يؤذيَ ذبابة. لقد كنا جميعًا نحبُّه، أكثر حتى من برات؛ فقد كان برات المسكين محاربًا قديمًا إن جاز التعبير؛ أعني يا سيدي أنه كان داهية وماكرًا بعض الشيء.»

سأل ثورندايك: «أظنكم فتشتم إيليس جيدًا، أليس كذلك؟»

أجاب المفتش: «نعم، ولم نجد معه شيئًا مثيرًا للريبة سوى كيسَي نقود. لكنه قال إنه عثر على أحدهما — وهو كيس صغير من جلد الخنزير — في ممر المشاة على طريق ثورب عصر أمس، ولم نجد سببًا لتكذيبه. لم يكن كيس النقود ملكًا لبرات على أي حال.»

دوَّن ثورندايك ملاحظة في دفتره، ثم سأل: «هل كانت على ملابسه بُقَعُ دماء أو علامات؟»

ردَّ المفتش: «كلَّا. لم نجد على ملابسه أيَّ بُقَع أو أيَّ شيء غير طبيعي بأي حال.»

سأل ثورندايك: «هل وجدتم به أيَّ جروح أو خدوش أو كدمات؟»

ردَّ المفتش: «لم نجد أيَّ شيء من ذلك.»

سأل ثورندايك: «ومتى ألقيتم القبض على إيليس؟»

رد المفتش: «في السابعة والنصف تمامًا.»

سأل ثورندايك: «هل تأكدتم من تحركاته؟ هل كان قريبًا من مسرح الجريمة؟»

ردَّ المفتش: «نعم، كان في ثورب، ولا بد أنه عبر بوابتَي الجادة في طريق عودته. وقد تأخر عن عادته في العودة، ولو أنه لم يتأخر كثيرًا عما اعتاد في مرات سابقة.»

سأل ثورندايك: «والآن نتحول إلى القتيل؛ هل فُحصت جثته؟»

أجابه: «نعم، لقد حصلتُ على تقرير الدكتور هيلز قبل أن أغادر. كان هناك سبع طعنات نافذة على الأقل، كلُّها في الجانب الأيسر من الظهر. وكان على الأرض الكثيرُ من الدماء، ويرى الدكتور هيلز أن برات ظل ينزف حتى مات خلال دقيقة أو اثنتين.»

سأل ثورندايك: «وهل تتطابق الطعنات مع السكين التي عُثر عليها؟»

أجابه: «سألت الطبيب عن ذلك، فأجابني بالإيجاب، وإن لم يجزم بنوع سكين محدد. ولكن هذه المسألة ليست ذات أهمية على أي حال. فقد كانت السكين مضرجًا بالدماء، ووُجدت بالقرب من الجثة.»

سأل ثورندايك: «وماذا فعلتم بالسكين بالمناسبة؟»

أجابه: «أخذه الرقيب الذي كان برفقتي ولفَّه بمنديله ووضعه في جيبه. وقد أخذتُها منه على حالها بالضبط، ووضعتها في صندوق حفظ.»

سأل ثورندايك: «وهل عرفتم أن إيليس هو صاحب السكين؟»

ردَّ: «كلَّا، سيدي، لم نفعل.»

سأل ثورندايك: «هل وجدتم آثار أقدام، أو أدلة على عراك؟»

ابتسم المفتش بخجل وقال: «لم أفحص مسرح الجريمة يا سيدي، ولكن بعد أن وَطِئه حصان الجنرال وكلاب الصيد والجنرال نفسه وأنا أيضًا والبستاني والرقيب والسيد هانفورد مرتين ذهابًا وإيابًا. لا بد أنك فهمت ما أقصد يا سيدي.»

قال ثورندايك: «بالطبع، بالطبع. حسنًا سيدي المفتش، يسعدني أن أتولَّى مهمة الدفاع؛ يبدو لي أن الأدلة ضد إيليس غيرُ حاسمة في بعض جوانبها.»

أبدى المفتش دهشةً صريحة وقال: «بالتأكيد لم يبدُ لي ذلك سيدي.»

قال ثورندايك: «حقًّا؟ حسنًا، هذه وجهة نظري، وأعتقد أن الحل الأمثل أن آتيَ معك وأن أحقق في الأمر في مكان الجريمة.»

وافق المفتش مبتهجًا، وأعطيناه جريدة ثم ذهبنا إلى المختبر لإلقاء نظرة على جداول مواعيد القطارات والاستعداد للمهمة.

قال لي ثورندايك: «أظنك ستأتي معي يا جيرفيز، صحيح؟»

أجبتُه: «إذا كان لوجودي أيُّ جدوى.»

فقال ثورندايك: «بالطبع، عقلان أفضل من عقل واحد، وعلى ما يبدو أن عقلَينا سيكونان العقلَين الوحيدين المنطقيين. سنأخذ حقيبة الأبحاث بالطبع، ولنأخذ كاميرا معنا كذلك. أرى أن هناك قطارًا من تشارينج كروس سينطلق بعد عشرين دقيقة.»

خلال النصف الساعة الأولى من الرحلة جلس ثورندايك في ركنه يتفحص ملاحظاتِه حينًا ويحدق من النافذة بعينين متأملتين حينًا. أدركتُ أنه تحمَّس للقضية، وكنتُ حريصًا على ألا أقطعَ حبلَ أفكاره. ولكنه سرعان ما ترك ملاحظاتِه وبدأ في حشو غليونه، ثم أشعله له المفتش الذي لم يكن يطيق صبرًا للوصول.

وقال المفتش: «إذن سيدي، هل ترى لإيليس مخرجًا؟»

ردَّ ثورندايك: «أعتقد أن لدى الدفاع ما يستند إليه، بل لا أبالغ إن قلتُ إن الأدلة ضده ضعيفة.»

لهث المفتش وقال: «ولكن السكين، يا سيدي؟ ماذا عن السكين؟»

ردَّ ثورندايك: «ماذا عنه؟ سكين مَن هو؟ أنت لا تعلم. لقد كانت مغطَّاة بالدم، ولكن دم مَن؟ لا تعلم كذلك. لنفترض جدلًا أنها سكين القاتل. إذن فالدم الذي عليها هو دم برات. ولكن لو كان الدم دم برات، لكانت الكلاب قادتكم إلى جثته بعد أن اشتمت السكين؛ لأن الدم له رائحة قوية. ولكنها لم تفعل، وتجاهلت الجثة، مما يدل على أن الدم الموجود على السكين ليس دم برات.»

خلع المفتش قبعته وحك مؤخر رأسه برفق، وقال: «أنت محقٌّ تمامًا، يا سيدي. لم أفكر في هذا قط. بل لم يفكر فيه أيٌّ منا.»

واصل ثورندايك كلامه: «ولنفترض أن السكين سكين برات. حينها سيبدو أن السكين قد استُخدم دفاعًا عن النفس. ولكنها كانت سكين نرويجية، أداة واهية، لا تُستخدم كسلاح مطلقًا، ويستغرق فتحُها بعضَ الوقت، ويتطلب استخدام يدَين حرَّتين. دعْني الآن أسأل، هل كانت يدَا برات حرَّتَين؟ بالطبع لم تكونَا كذلك بعد بدء الهجوم. كانت هناك سبع طعنات، كلُّها على الجانب الأيسر من الظهر؛ مما يدل على أن برات كان يمسك بتلابيب القاتل بيديه، وأن ذراعَي القاتل كانتَا تطوقانه. كذلك يدل على أن القاتل يستخدم اليد اليمنى، بالمناسبة. ولكن لنفترض رغم ذلك أن السكين كانت سكين برات؛ في هذه الحالة يكون الدم الذي عليها هو دم القاتل. إذن لا بد أن القاتل قد جُرح. ولكن إيليس لم يُجرح، مما يعني أنه ليس القاتل. إن السكين ليس لها جدوى هنا على الإطلاق.»

نفخ المفتش وجنتيه ثم صفَّر برفق وقال: «لقد احترتُ في الأمر. ولكن يا سيدي، لا يمكننا تجاوزُ مسألة الكلاب. إنها تُخبرنا بوضوح بأن السكين هي سكين إيليس، ولا أجدُ إجابة لذلك على الإطلاق.»

ردَّ ثورندايك: «لا توجد إجابة لعدم وجود سؤال من الأصل. فالكلاب لم تُخبركم بشيء. لقد استنتجتم من سلوكها استنتاجاتٍ ربما كانت خاطئة تمامًا، وبالتأكيد لا تمثِّل دليلًا.»

قال المفتش: «يبدو أنك لا تعول كثيرًا على كلاب الصيد.»

ردَّ ثورندايك: «إنني أراها عديمة الفائدة كوسيلةٍ لكشف الجرائم. فلا يمكنك أن تضع كلب الصيد على منصة الشهود. ولا يمكنك أن تأخذ منه إفادة مفهومة. وإذا كان لديه أيُّ معلومة، فلا وسيلة له لتوصيلها إلى الآخرين. حقيقة الأمر أن نظام استخدام كلاب الصيد في الإيقاع بالمجرمين بأكمله قائمٌ على مغالطة. في المزارع الأمريكية كانت هذه الحيوانات تُستخدم بفاعلية في الإمساك بالعبيد الآبقين. ولكن العبد شخصٌ معروف، وكل ما كان مطلوبًا هو التعرف على مكانه. أما في كشف الجرائم فالأمر مختلف. فالمحقق لا يسعى لمعرفة مكان شخص معروف، ولكنه يسعى لمعرفة هوية شخص مجهول، الأمر الذي لا تفيد فيه كلابُ الصيد. قد تكتشف كلاب الصيد هوية الشخص، ولكنها إن فعلت فلن تتمكن من إخبار غيرها باكتشافها هذا. أما إذا كان المجرم مجهولًا، فلا يمكنها تحديدُ هويته؛ وإذا كان معلومًا، انتفت حاجة الشرطة إليها.»

توقف ثورندايك لوهلة ثم واصل حديثه: «بالعودة لقضيتنا الحالية، لقد استخدمنا وسيلة محددة — هي كلاب الصيد — وليس لنا وسيلةٌ للتواصل معها، كما يقول الوسطاء الروحانيون؛ أي ليس لدينا «وسيط». إن كلب الصيد يمتلك حاسة ذات قدرات خاصة، وهي حاسة الشم، التي تُعدُّ قوتها متواضعةً عند البشر. إن الكلب يفكر بأنفه، إذا جاز التعبير، وأفكاره غير قابلة للترجمة للكائنات التي لم تتطور لديها حاسة الشم بالدرجة نفسها. لقد قدمنا للكلب سكينًا، واكتشف في رائحتها بعض الخصائص، وقد يكتشف خصائص مماثلة أو مشابهة في قطعة أرض أو في شخص ما، الذي هو إيليس في هذه الحالة. لكن لا يمكننا التحقق من اكتشافاته أو التأكد من طبيعتها. ماذا يتبقى لنا إذن؟ كلُّ ما يمكننا قوله إنه يبدو أن ثمة صلةً ما بين السكين وإيليس فيما يتعلق بالرائحة. ولكن إلى أن نتأكد من طبيعة هذه الصلة، لا يمكننا أن نحدد قيمة الدليل أو وزنه. وكل ما قد تعتبرونه «أدلةً» أخرى هو من نسج خيالكم أو خيال الجنرال. أما في الوقت الحالي، فلا حجة ضد إيليس.»

قال المفتش: «لا بد أنه كان قريبًا جدًّا من مسرح الجريمة عند وقوعها.»

ردَّ ثورندايك: «وكذلك كان آخرون كُثُر على الأرجح، ولكن هل كان لديه وقتٌ كافٍ للاغتسال وتبديل ثيابه؟ فقد كان سيحتاج لذلك لو كان الفاعل.»

قال المفتش مفكرًا وقد وافقه الرأي: «أعتقد أنك محق.»

رد ثورندايك: «بلا شك. لقد كان هناك سبع طعنات، لا بد أن تسديدها استغرق بعض الوقت. ولا يمكننا أن نفترض أن برات وقف يتلقى الطعنات بلا حراك أو مقاومة؛ ومواضع الطعنات، في الواقع، لا تدل على ذلك، كما قلت. لقد حدث عراك، واشتبك الرجلان. وكانت إحدى يدي القاتل خلف ظهر برات، وربما كلتا يديه، واحدة تُمسك ببرات والأخرى تسدد الطعنات. لا بد أن إحدى اليدين — وربما كليهما — قد تلطخت بالدماء. ولكنك تقول إن إيليس لم يكن به أيُّ دماء، ولا يبدو أنه حظيَ بالوقت أو الفرصة لكي يغتسل.»

قال المفتش: «إنها مسألة غامضة، ولكني لا أعرف بعدُ كيف ستفسر سلوك كلاب الصيد.»

هز ثورندايك كتفَيه في نفاد صبر وقال: «كلابُ الصيد مجرد وهْم. المشكلة الحقيقية تكمن برمَّتها في السكين. والأسئلة التي تطرح نفسَها هي: مَن صاحب السكين؟ وما الصلة بينه وبين إيليس؟» والتفت إليَّ ثم تابع حديثه قائلًا: «توجد مشكلة يا جيرفيز أتركُها لتقديرك. وبعض من الحلول المحتملة لها بالغة الغرابة.»

عندما خرجنا من محطة بيسفورد، تفقَّد ثورندايك ساعته ودوَّن الوقت، ثم قال للمفتش: «ستمضي بنا في الطريق الذي سلكه برات.»

فقال المفتش: «ربما سلك الطريق الرئيسي أو ممر المشاة، ولكنَّ فرقَ المسافة بينهما ضئيلٌ للغاية.»

انصرفنا من بيسفورد وسلكنا الطريق غربًا، وتحديدًا نحو قرية ثورب، وبعد قليل مررنا بحاجز عند مدخلٍ يؤدي إلى ممرٍّ للمشاة على يميننا.

قال المفتش: «هذا الممر يقطع الجادة في منتصفها تقريبًا، ولكن الأفضل أن نلزم الطريق.» وبعد ربع ميل وصلنا إلى بوابتَين حديديَّتَين صَدِئتَين كانت إحداهما مفتوحة، ودخلنا فوجدنا أنفسنا في طريق عريض يحدُّه صفَّان من الأشجار، ومن بين جذوعها رأينا مروجًا ممتدة على الجانبين. كانت جادةً جميلة، وعلى الرغم من قرب نهاية العام، لم يزل ورق الشجر المصفر معلقًا بأغصانه بكثافة.

مشينا حوالي مائة وخمسين ياردة بعد البوابتين، ثم توقف المفتش.

وقال: «هذا هو المكان.» ودوَّن ثورندايك وقت وصولنا مرة أخرى.

ثم قال: «تسع دقائق بالضبط. معنى هذا أن برات وصل إلى هنا في السابعة إلا أربع عشرة دقيقة تقريبًا، وعُثر على جثته في السابعة إلا خمس دقائق، أي بعد وصوله بتسع دقائق. لا بد أن القاتل لم يكن بعيدًا عن المكان إذن.»

قال المفتش: «بالفعل، لقد كانت الرائحة طازجة، أظنك قد قلت إنك تريد رؤية الجثة أولًا يا سيدي؟»

رد ثورندايك: «بلى، والسكين كذلك، من فضلك.»

قال المفتش: «سأضطر إلى إرسال مَن يأتي بها من المخفر؛ فهي مُحرزة في المكتب.»

دخل المفتش المنزل، وأرسل رسولًا إلى المخفر، ثم خرج وأوصلَنا إلى المبنى الخارجي الملحق الذي نُقلت إليه الجثة. أجرى ثورندايك فحصًا سريعًا للإصابات وللفتحات التي أحدثتْها الطعنات في الملابس، فلم يخرج منها بشيء ذي دلالة. بدا جليًّا أن السلاح المستخدم كان له نصلٌ واحد، وأنه سميك من الناحية الأخرى كما وُصف له، ودلَّ تغيُّرُ لونِ الجلد حول الجروح على أن السلاح كان لنصله قاعدة تفصله عن مقبضه، وهو ما ينطبق على السكين النرويجية، وأنه أيضًا غُرز في جسم القتيل بعنف بالغ.

لما فرغ ثورندايك من فحصه، سأله المفتش: «هل وجدتَ شيئًا يكشف أيَّ جديد عن القضية؟»

رد ثورندايك: «يستحيل أن نتوصل إلى استنتاج بدون أن نرى السكين، ولكن بينما نحن ننتظر وصوله، يمكننا أن نذهب لإلقاء نظرةٍ على مسرح المأساة. أظن أن هذا حذاء برات، صحيح؟» ورفع فردتَي حذاء سميك ذي رباطَين عن الطاولة وقلَبَهما لفحص نعلَيهما.

أجاب فوكس: «نعم، هذا حذاؤه، لو انعكس الحال وكان هو القاتل لسَهُل الإيقاع به بتتبع هذا الحذاء. فقِطْعتَا الحماية المثبتتان في الكعبين مميزتان، وهما من نوع «بلاكي» المعروف.»

قال ثورندايك: «سنأخذهما، على كل حال.» وأخذ المفتش الحذاء منه، ثم اقتفينا آثار خطواتنا عائدين إلى الجادة.

كان من السهل التعرُّف على مكان وقوع الجريمة؛ إذ ميَّزتْه بقعةٌ داكنة ضخمة لطخت الحصى على أحد جانبي الجادة في منتصف المسافة بين شجرتين؛ إحداهما كانت شجرة بوق عتيقة مقطوعٌ أعلاها، والأخرى شجرة دردار. وبجانب شجرة الدردار كانت هناك شجرة بلوط ذات جذع عريض مليء بالنتوءات طولُه نحو سبع أقدام ويخرج منه ثلاثة أفرع ضخمة، يميل واحدٌ منها باتجاه الجادة فيصِلُ إلى منتصفها، وكانت الأرض بين هاتين الشجرتين مغطاةً بآثارٍ تركتها أقدامُ رجال وكلاب صيد فوق آثار سنابك الحصان.

سأل ثورندايك: «أين عُثر على السكين؟»

أشار المفتش إلى موضع بالقرب من منتصف الطريق، مقابل شجرة البوق تقريبًا، فأخذ ثورندايك حجرًا كبيرًا من الأرض ووضعه في الموضع الذي أشار إليه المفتش. ثم تفقَّد المكان متفكرًا، وظل يُجيل نظرَه بين طرفَي الطريق ويتأمل الأشجار التي تصطفُّ على جانبَيها، وفي النهاية سار ببطء نحو المساحة الفاصلة بين شجرتَي الدردار والبلوط ممرِّرًا بصرَه على الأرض في طريقه. قال في عبوس وهو ينظر إلى الأرض المدهوسة: «آثار الأقدام كثيرة.»

قال المفتش: «لا، بل السؤال هو: لمن هذه الآثار؟»

وافقه ثورندايك: «نعم، هذا هو السؤال، وسنبدأ في إيجاد الإجابة بتحديد آثار أقدام برات.»

قال المفتش: «لا أفهم كيف سيساعدنا ذلك؟ نحن نعلم بالفعل أنه كان هنا.»

نظر ثورندايك إليه متفاجئًا، ولا بد أن أعترف أن هذا السؤال الأحمق أذهلني أنا الآخر؛ فقد عهدتُ ضباطًا في سكوتلاند يارد سريعي البديهة.

قال ثورندايك: «يبدو أن الجمع الذي عثر على الجثة مرَّ بين شجرتَي الدردار والبلوط؛ فالأرض تبدو خاليةً من الآثار فيما عدا هذه المنطقة.» وسار حول شجرة الدردار ولم يَزَل يتأمل الأرض بعينٍ فاحصة، وبعد قليل تابع حديثه قائلًا: «أما هنا، حيث التراب الناعم المحيط بالعشب، أرى آثار قدمَين صغيرتَين تنتعلان حذاءً طويلًا مدبَّبًا من الأمام، يبدو أنها لرجل قصير القامة، كما يبدو من حجم القدم وطول الخطوة، ولا يبدو أنه كان من بين الجمع الذين عثروا على الجثة. ولكني لا أرى أيَّ آثار لقدمَي برات؛ يبدو أنه لم يَخْطُ خارج الحصى الصلب.» وواصل ثورندايك السير ببطء نحو شجرة البوق وعيناه مثبتتان على الأرض. وفجأة توقَّف وجثا على الأرض وفي عينيه نظرةُ تلهف، وعندما اقتربتُ أنا وفوكس، وقف وأشار بيده. «آثار أقدام برات، ممسوحة قليلًا ومتقطعة، ولكن لا تُخطئها العين. والآن، سيدي المفتش، لعلك تُدرك أهمية آثار قدمَيه؛ إذ يُخبرنا تزامنها مع أيٍّ من الآثار الأخرى بالكثير. انظر إلى هذا الأثر، ثم إلى ذاك.» وأشار إلى اثنين من الآثار الممسوحة بعضَ الشيء لقدمي القتيل.

قال فوكس: «أتعني أن هناك آثارًا لعراك؟»

رد ثورندايك: «بل أعني أكثر من ذلك. ها هو أحدُ آثار قدم برات فوق أثر حذاء صغير ومدبَّب، وهنا عند حافة الممر الحصوي أثرٌ آخر لقدم برات ممحوة تمامًا تقريبًا بفعل حذاء مدبَّب. من الواضح أن الأثر الأول للحذاء المدبَّب على الأرض سبق أثر حذاء برات، أما الأثر الثاني فكان لحذاء برات ثم الحذاء المدبب؛ والاستنتاج الأساسي هنا أن صاحب الحذاء المدبب كان هنا مع برات في الوقت نفسه.»

صاح فوكس: «إذن فهو القاتل بلا شك!»

ردَّ ثورندايك: «هذا هو المفترض، ولكن دعْنا نرَ إلى أين ذهب. لعلك تلاحِظ، في الموضع الأول، أن الرجل كان واقفًا بالقرب من هذه الشجرة.» وأشار إلى شجرة البوق ثم واصل قائلًا: «وأنه سار باتجاه شجرة الدردار. دعْنا نتبعْه. لقد مرَّ بشجرة الدردار، كما ترى، وستلاحظ أن هذه الآثار تسير متتابعةً من عند شجرة البوق، ولا تتداخل مع آثار العراك. لذا فالأرجح أن تكون هذه الآثار قد نتجت بعد ارتكاب الجريمة. وستلاحظ أيضًا أن الآثار تظهر على جذوع الأشجار من الخلف، أي خارج الجادة؛ ماذا تستنتج من ذلك؟»

هزَّ المفتش رأسه في يأس، فبادرتُ أنا بإجابة ثورندايك: «أستنتج من ذلك أن شخصًا ما ربما كان في الجادة عندما كان الرجل يحاول الهرب.»

رد ثورندايك: «بالضبط. لقد عُثر على الجثة بعد وصول برات إلى هنا بفترة لا تزيد على تسع دقائق. ولكن لا بد أن القاتل قد استغرق بعض الوقت. ثم ظنت مدبرة المنزل أنها قد سمعت شخصًا ينادي وخرجت وبيدها مصباح، وتزامن ذلك مع وصول الجنرال والسيد هانفورد. الاستنتاج هو أن الرجل تسلَّل إلى خلف الأشجار ليتوارى عن الأنظار. ومع ذلك، لنتتبع آثار الأقدام. إنها تمرُّ بشجرة الدردار ثم خلف الشجرة التي تليها، لكن انتظر! ثمة شيء غريب هنا.» ومرَّ من خلف شجرة البلوط الضخمة المقطوع أعلاها وأخذ يتأمل التراب الناعم المحيط بجذورها، وتابع: «ها هما أثران أعمق بكثير من الآثار الأخرى، وليسَا جزءًا من الآثار المتتابعة. ماذا تستنتج من ذلك؟» وبدونِ أن ينتظر الإجابة بدأ يفحص جذع الشجرة بعناية، وركز بالأخص على بروزٍ كبير في الشجرة مليء بالنتوءات الصغيرة يرتفع عن الأرض بنحو ثلاث أقدام. ووجد على اللحاء الذي يعلوه علامة رأسية يبدو من مظهرها وكأن شيئًا قد انزلق من أعلى الشجرة وترك عليها خدشًا، وبدا له أن غصنًا صغيرًا ميتًا قد انفصل عن النتوء حديثًا وسقط على الأرض. أشار ثورندايك إلى هذه العلامات ثم وضع قدمه على البروز ثم اعتلاه، فأصبح بصرُه فوق مستوى قمة الشجرة التي تفرعت منها الفروع الكبيرة.

قال ثورندايك متعجبًا: «ها هو شيء أكثر حسمًا بكثير.» وبالاعتماد على بروز آخر تسلَّق حتى وصل إلى قمتها، وألقى نظرة سريعة حوله، ثم نادانا. وضعتُ قدمي على الكتلة البارزة لأتسلق الشجرة، وعندما صارت عيني فوق مستوى قمتها، وجدتُ أثرًا بُنِّيًّا لامعًا تركتْه يدٌ على الحافة. تسلقتُ حتى اعتليتُ قمة الشجرة، وتبعني المفتش سريعًا، ووقفنا معًا بجانب ثورندايك بين الأغصان الثلاثة. ومن موضع وقوفنا نظرنا إلى الجزء العلوي من الفرع الكبير الذي قطع الجادة، فوجدنا على سطحه المغطَّى بالحزاز أثرَين بُنِّيَّين مائلين للحمرة لراحتَي يدٍ مفتوحتين.

مال ثورندايك على الغصن وقال: «تلاحظان أنه رجل قصير القامة؛ فلا يمكنني أنا أن أضع يديَّ في هذا الموضع المنخفض بارتياح. كما تلاحظان أثرَي السبابتين، مما يقطع بأن الفاعل ليس إيليس.»

قال فوكس: «إن كنت تقصد يا سيدي أن القاتل هو من ترك هاتين العلامتين، فأنا أرى ذلك مستحيلًا. فهذا يعني أنه كان هنا يراقبنا من علٍ عندما كنا نبحث عنه بالكلاب. فوجود الكلاب هنا يثبت أن هذا الرجل لا يمكن أن يكون القاتل.»

قال ثورندايك: «على العكس؛ إن وجود هذا الرجل بيدَين داميتَين يؤكد الأدلة الأخرى التى تُشير كلها إلى أن الكلاب لم تكن في أثر القاتل قط. سأشرح لك يا سيدي المفتش: لدينا رجلٌ مقتول، وثمة شِبهُ تأكيد أن يدَي القاتل مضرجتان بالدماء، ولدينا رجل آخر يداه داميتان، ينتظر متربصًا فوق شجرة على مسافة أقدام قليلة من الجثة بعد اكتشافها بدقائق قليلة (كما يتبين من آثار الأقدام)؛ فما هي إذن الاحتمالات المعقولة؟»

ردَّ المفتش مجادلًا: «ولكنك نسيتَ أمرَ الكلاب، يا سيدي، وسكين القاتل.»

صاح ثورندايك: «دعْك من ذلك يا رجل! كلاب الصيد هذه محض هواجس. ولكني أرى الرقيب قادمًا عبر الطريق وآملُ أن يكون السكين معه. ربما ساعدتنا في حلِّ اللغز.»

جاء الرقيب حاملًا صندوقَ حفظٍ صغير، فتوقف أمام الشجرة متفاجئًا بعض الشيء، بينما كنا ننزل من أعلى الشجرة، ثم أقبل علينا وأدى تحيةً عسكرية ثم سلم المفتش الصندوق ففتحه على الفور، ورفع عنه الغطاء، فظهر بداخله شيءٌ ملفوف بمنديل جيب.

قال المفتش: «هذه هي السكين، يا سيدي، على الحال الذي تسلمتُها به بالضبط. أما المنديل فهو منديل الرقيب.»

فردَّ ثورندايك المنديل، وأخذ منها سكينًا نرويجية كبيرة، فتأمَّلَها بتمعنٍ ثم أعطاني إياها. وبينما كنتُ أتفقد النصل، كان هو يهزُّ المنديل ويتفقده من الجانبين، ثم التفت إلى الرقيب وسأله: «متى التقطتَ هذه السكين بالتحديد؟»

أجاب الرقيب: «في حوالي السابعة وخمس عشرة دقيقة يا سيدي، فور انطلاق الكلاب. كنتُ حريصًا على التقاطها من الحلقة، ولففتها بالمنديل على الفور.»

فقال ثورندايك: «السابعة وخمس عشرة دقيقة، أي بعد الجريمة بأقل من نصف الساعة. أمر غريب جدًّا. هل تلاحظ حالة هذا المنديل؟ لم يتلطخ بأيِّ علامة، ولا أثرَ لبقعة دم عليه، مما يُثبت أنه عند التقاط السكين، كان الدم الذي يُغطيها قد جفَّ بالفعل. ولكن الأشياء تجفُّ ببطء — إن جفت أصلًا — في الهواء المشبع بالرطوبة لأمسية خريفية. يبدو أن الدم الذي تضرجت به السكين كان جافًّا بالفعل عندما أُلقيت بالسكين في مكانها. بالمناسبة، يا سيادة الرقيب، بمَ تُعطر منديلك؟»

ردَّ الرقيب مندهشًا بنبرة استياء: «أنا أعطر منديلي! كلَّا يا سيدي، قطعًا لا أعطره. لم أستخدم العطر في حياتي قط، يا سيدي.»

رفع ثورندايك المنديل، فشمه الرقيب وهو غير مصدق، ثم اعترف قائلًا: «بالفعل تبدو فيه رائحةُ عطر، ولكن لا بد أن مصدرها السكين.» وجالت الفكرة نفسها بخاطري، فقرَّبتُ مقبض السكين من أنفي وميزتُ على الفور رائحةَ المسك السكرية المثيرة للغثيان.

وبعد أن تناوبْنا جميعًا شمَّ المنديل والسكين، قال المفتش: «السؤال هو: هل انتقلت الرائحةُ من السكين إلى المنديل أم من المنديل إلى السكين؟»

ردَّ ثورندايك: «لقد سمعتَ قول الرقيب. لم يكن بالمنديل أيُّ رائحة عندما لُفَّ السكين به. أتعلم يا سيدي المفتش، هذه الرائحة تبدو أنها تقودني إلى فرضية غريبة جدًّا. فكِّر في وقائع القضية: المسار الواضح الذي قاد إلى إيليس مباشرةً، على الرغم من أنه لم يوجد به خدشٌ ولا بقعةُ دم، وتناقضات القضية التي أشرتُ إليها ونحن على متن القطار، والآن هذه السكين، التي يبدو أنها أُلقيَ بها مضرجة بدم جاف ومعطرًا بالمسك. كلُّ هذا يشير حسب تقديري إلى جريمة خُطط لها بعناية، وإلى نية مبيتة لارتكابها. لقد علم القاتلُ بشأن كلاب الصيد التي يربيها الجنرال واستغلها لصرف الانتباه. ودسَّ هذه السكين مضرجة بالدماء ومعطرة بالمسك لتشمَّه الكلاب. ولا شك أن شيئًا ما، معطرًا بالمسك هو الآخر، سُحب على الأرض لإعطاء مسارٍ للكلاب. هذه مجرد فرضية بالطبع، ولكنها تستحق أخذها بعين الاعتبار.»

قال المفتش معترضًا: «ولكن يا سيدي، لو كان القاتل قد أمسك بالسكين، لعلقت الرائحة به هو الآخر.»

رد ثورندايك: «بالضبط، إذن بما أننا نفترض أن الرجل ليس غبيًّا، فقد نفترض كذلك أنه لم يمسك بالسكين. ربما تركها حتى الوقت المناسب، مخبَّأة في مكان يمكنه أن يدفعها منه بعصا، مثلًا، إلى حيث عُثر عليها، دون أن يلمسها.»

أشار الرقيب إلى شجرة البلوط وقال: «ربما في هذه الشجرة نفسها يا سيدي.»

ردَّ ثورندايك: «كلَّا، من المستبعد أن يكون قد اختبأ على الشجرة التي كان السكين عليها. فلربما قادت الرائحةُ الكلاب إلى الشجرة بدلًا من تتبع المسار على الفور. المخبأ الأرجح للسكين هو الشجرة الأقرب لمكان العثور عليها.» وسار نحو الحجر الذي ميَّز به الموضع الذي عُثر فيه على السكين، ونظر حوله، ثم تابع: «كما ترون، فشجرة البوق هي الأقرب، كما أن قمتها المسطحة مناسبة تمامًا للهدف؛ إذ يسهل الوصول إليها حتى على رجل قصير القامة كما يبدو على القاتل. لنرَ إذا ما كانت عليها أيُّ آثار. ساعدْني في تسلُّقِها من فضلك يا حضرة الرقيب؛ فليس لدينا سُلَّم.»

وافق الرقيب بابتسامة باهتة، وانحنى بجانب الشجرة في وضعية كتلك التي تُتخذ في لعبة الضفدع القفاز، واضعًا يديه بقوة على ركبته. وأمسك ثورندايك بفرع متين، ثم قفز فوق ظهر الرقيب العريض، ومن موضعه هذا نظر إلى أعلى الشجرة. ثم باعد بين الأفرع ووضع قدمه على حافة الشجرة ثم اختفى في وسطها.

عندما ظهر ثورندايك مرةً أخرى كان يُمسك في يديه بشيئين شديدَي الغرابة: ماسكَي بوتقة حديديَّين، وعلبة فرش رسم من القصدير المطلي باللون الأسود اللامع. ناولَني الماسكَين، وأمسك هو بعلبة الفرش بحرص من حاملها ثم نزل عن الشجرة.

قال ثورندايك: «أعتقد أن دلالة هذين الغرضين واضحة. فهذان الماسكان استُخدمَا في الإمساك بالسكين، أما علبة الفرش فقد كانت السكين محمولة بداخلها حتى لا تتسرب منها الرائحة إلى ملابسه أو حقيبته. لقد وُضعت الخطة بعناية.»

قال المفتش: «إذا كان ذلك صحيحًا، فمن المفترض أن تفوح رائحة المسك من داخل العلبة.»

رد ثورندايك: «بلا شك، ولكن قبل أن نفتحها، ثمة أمر مهم يجب أن نهتمَّ به. هلا أعطيتني مسحوق الفيتوجين يا جيرفيز؟»

فتحتُ «حقيبة الأبحاث» المغطاة بالقماش وأخذتُ منها شيئًا صغيرًا يُشبه مملحة المائدة — كانت في الواقع علبة ذات مصفاة تحتوي على مادة اليودوفورم — وناولتُه إياه. فأمسك علبة الفرش من حاملها السلكي، ورشَّ المسحوق الأصفر الفاتح من العلبة بوفرة حول الغطاء الخارجي بالكامل، وأخذ يطرق على أعلى العلبة بعقلات إصبعه ليوزع الحبيبات الدقيقة، ثم نفخ المسحوق الزائد من فوق العلبة، فصاح الضابطان معًا مندهشَين؛ فقد ظهر على العبوة السوداء عددٌ من بصمات الأصابع، واضحةً تمامًا ومميزة لدرجة جعلت تمييز خطوطها ومنحنياتها سهلًا.

قال ثورندايك: «على الأرجح ستكون هذه بصمات يده اليمنى.»

«والآن لنُلقِ نظرة على اليسرى.» ورش المسحوق على العبوة نفسها بالطريقة نفسها، وعندما نفخ المسحوق، كان سطحها مليئًا ببقع بيضاوية صفراء، ثم قال: «والآن يا جيرفيز، ارتدِ قفازًا وانزع الغطاء، لنرى ما سنجد بالداخل.»

لم يكن نزعُ الغطاء صعبًا؛ فقد كانت حافة العلبة مدهونة بالفازلين — وكان واضحًا أن ذلك كان بغرض إحكام الغلق — وعندما انفصل عن العلبة وصدر صوتُ اندفاع الهواء من تجويفها، فاح من داخلها رائحةُ مسك خفيفة.

قال ثورندايك عندما نزعتُ الغطاء مرة أخرى: «باقي التحقيق من الأفضل أن نُجريَه في مخفر الشرطة، حيث يمكننا أيضًا تصويرُ هذه البصمات.»

قال فوكس: «أقصر الطرق سيكون عبر المروج، من حيث ذهبت الكلاب.»

سلكنا الطريق المقترح، في حين حمل ثورندايك علبةَ الفرش من مقبضها برفق.

وبينما نحن في طريقنا علَّق المفتش قائلًا: «لا أفهم تمامًا صلة إيليس بالأمر، في حين أنه كان يُكنُّ ضغينة لبرات. فلم يكونَا صديقَين.»

قال ثورندايك: «أعتقد أنني فهمتُ الصلة. لقد قلتَ إن الرجلين كانَا حارسَي سجن في بورتلاند في الوقت نفسه. ألا يبدو من المحتمل أن يكون ما حدث من فعل مجرم سابق تعرَّف عليه أحدهما، وربما ابتزَّه برات أو ربما إيليس أيضًا؟ هنا تظهر أهمية بصمات الأصابع. إذا كان سجينًا سابقًا حقًّا؛ فستكون بصماتُه في سكوتلاند يارد. أما إن لم يكن كذلك، فلن تكون هذه البصمات دليلًا ذا قيمة.»

قال المفتش: «هذا صحيح يا سيدي. أعتقد أنك تودُّ رؤية إيليس.»

رد ثورندايك: «بل أريد رؤية كيس النقود الذي تحدثتَ عنه أولًا. لعله يكون طرفَ الخيط الآخر.»

ما إن وصلنا إلى المخفر حتى فتح المفتش خزانةً وأخرج منها حزمةً ففتحها وقال: «هذه متعلقات إيليس، وهذا هو كيس النقود.»

وأعطى ثورندايك كيسًا صغيرًا من جلد الخنزير، ففتحه زميلي، وشمَّه من الداخل ثم ناولني إياه. كانت رائحة المسك ملحوظةً، خاصةً في الجيب الصغير في الجانب الخلفي من الكيس.

قال ثورندايك وهو يشمُّ المحتويات واحدًا تلو الآخر: «من المرجح أن تكون الرائحة قد علقت بالمحتويات الأخرى للحزمة، ولكن حاسة الشم لديَّ ليست حادة بما يكفي لكشف الرائحة. تبدو لي كل الأغراض خالية من الرائحة، أما كيس النقود فرائحته مميزة جدًّا، هلَّا أحضرتم إيليس الآن؟»

أخذ الرقيب مفتاحًا من درج مغلق وذهب به إلى الزنازين، وسرعان ما عاد إليهم بصحبة السجين، وكان رجلًا ممتلئَ الجسم قويَّ البنية، وبدا في أعلى درجات البؤس والكآبة.

قال المفتش: «هوِّن عليك يا إيليس! لقد جاء الدكتور ثورندايك ليساعدنا، ويريد أن يسألك سؤالًا أو اثنين.»

نظر إيليس إلى ثورندايك بعينين ملأهما الانكسار، وقال: «لا أعرف شيئًا عن هذا الأمر سيدي، أقسم بالرب إنني لا أعرف شيئًا.»

قال ثورندايك: «وأنا لم أفترض قط أنك تعرف شيئًا. ولكن ثمة أمرًا أو اثنين أريدك أن تُخبرني بهما. أخبرْني أولًا عن هذا الكيس؛ أين وجدتَه؟»

فردَّ: «على طريق ثورب، يا سيدي. كان ملقًى في منتصف ممر المشاة.»

سأله ثورندايك: «هل سبقك أيُّ شخص آخر في المرور بذلك الموضع؟ هل مررتَ أو التقيتَ بأحد؟»

رد إيليس: «نعم يا سيدي. التقيتُ بعامل قبل أن أرى الكيس بدقيقة تقريبًا. ولا أفهم لِمَ لم يره.»

قال ثورندايك: «ربما لأنه لم يكن موجودًا عندئذٍ. هل يوجد سياج شجري هناك؟»

رد إيليس: «نعم يا سيدي. سياج شجري على حافة منخفضة.»

«حسنًا، والآن أخبرني، هل يوجد أيُّ شخص في الجوار كنتَ تعرفه عندما كنت أنت وبرات تعملان في بورتلاند؟ أقصد سجينًا سابقًا، مارستَ عليه أنت وبرات نوعًا من الضغط أو الترهيب.»

رد إيليس: «كلَّا يا سيدي، أُقسم لك. لكني لا أعلم بالنسبة إلى برات. لقد كان يتمتع بذاكرة نادرة للوجوه.»

فكَّر ثورندايك لوهلة ثم سأله: «هل هرب أيُّ سجين من بورتلاند عندما كنتَ تعمل هناك؟»

ردَّ إيليس: «واحدٌ فقط؛ رجل يُدعى دوبز. هرب إلى البحر وسط ضباب مفاجئ حلَّ بالمنطقة، واعتُقِد أنه غرق. فقد جرفت الأمواج ملابسَه على شاطئ بيل، دون الجثة. ولم يُسمع به بعد ذلك قط على أي حال.»

قال ثورندايك: «شكرًا يا إيليس. هل تمانع إن أخذتُ بصماتك؟»

ردَّ إيليس متحمسًا: «بالطبع لا يا سيدي.» وأُرسِل في طلب المحبرة، وأُخذت بصماته، وحين ضاهاها ثورندايك مع تلك التي وُجدت على عُلبة الفرش ولم يجد تشابهًا، عاد إيليس إلى زنزانته وقد انفرجت أساريرُه.

بعد أن التقطنا عدة صور فوتوغرافية للبصمات الغريبة، عُدنا إلى البلدة في ذلك المساء، وأخذنا معنا الصور السالبة معنا لتحميضها لاحقًا، وحينما كنا في انتظار قطارنا، أعطى ثورندايك بعض التعليمات للمفتش قبل المغادرة: «تذكَّر! لا بد أن الرجل غسل يديه قبل أن يتمكن من الظهور للعامة. فتِّشوا ضفافَ كلِّ البِرَك والقنوات والجداول في الجوار، وابحثوا عن آثار أقدام كتلك التي وجدناها في الجادة، وإذا وجدتم أيًّا منها، ففتِّشوا قاع المياه جيدًا؛ فمن المرجح أنه ألقى بالسكين في الطين.»

سلَّمنا الصور الفوتوغرافية إلى سكوتلاند يارد في تلك الليلة، فتمكن الخبراء من مضاهاتها مع بصمات فرانسيس دوبز، وهو مجرم هارب، وأُرسلت صور لوجهه كاملًا ومن الجانب، كانت ملحقةً بملفه، إلى بيسفورد، بالإضافة لوصف للرجل، ولم يمرَّ وقت طويل حتى تمت مضاهاةُ الصور والأوصاف مع شخص غامض بعض الشيء يُعرف باسم روفوس بيمبري، يسكن الحي منذ نحو سنتين، وكان منعزلًا عن المحيطين. ولكن لم يُعثر على روفوس بيمبري في منزله الأنيق ولا في أي مكان آخر. كلُّ ما عُرف هو أنه في نفس يوم الجريمة، حوَّل كل ممتلكاته إلى «أوراق مالية لحامله»، ثم لم يُعثر له على أثر، ولم يُسمع عنه حتى يومنا هذا.

عندما كنتُ أتناقش مع ثورندايك حول هذه القضية في وقت لاحق، قال لي: «أَصدقُك القول، لقد حقَّ عليه أن يهرب. لقد كانت حالةَ ابتزاز واضحة، وقتْل المبتز، إذا لم تجد مهربًا آخر منه، ليس جريمة. أما عن إيليس، فلم يكن من الممكن أن يدان. ولا بد أن دوبز، أو بيمبري، كان يعلم بذلك. ولكنه كان سيمثل أمام محكمة الجنايات، وكان ذلك سيتيح وقتًا يسمح بزوال كل الآثار. ولكن دوبز كان جسورًا ومبتكرًا وواسع الحيلة، والأهم من ذلك، أنه فضح خرافة كلاب الصيد تمامًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١