الجزء الثاني

عطايا القدر

يرويها الدكتور كريستوفر جيرفيز

من مساوئ مهنة الطب أن أصحابها لا يتحررون أبدًا من أعباء مسئولياتهم. فالتاجر والمحامي والموظف العمومي كلٌّ يُغلق مكتبه في الموعد المحدد له، ويعتمر قبعته، وينطلق كرجلٍ حرٍّ، لقضاء فترة متواصلة من المتعة واللهو لا يُكدر صفوه خلالها شيء. أما الطبيب فلا يمكنه التمتع بذلك، فهو خادم للإنسانية في كل وقت؛ في وقت عمله أو لهوه، وفي يقظته ونومه. يقدِّم خدماتِه على الفور لمن يحتاجه على وجه الضرورة، وللصديق والغريب على حدٍّ سواء.

عندما وافقتُ على مرافقة زوجتي إلى الحفل الراقص الذي أقامته العزباوات في رينسفورد، تخيلتُ أني سأتحرر من واجبات العمل بكل تأكيد في تلك الأمسية على الأقل، وظللت على اعتقادي هذا حتى ختام الرقصة الثامنة. وإحقاقًا للحق، لم آسف عندما خالف الواقعُ طموحي. فقد كانت رفيقتي الأخيرة شابة تتحدث بلهجة مفرطة في العامية حتى كادت تخلو من الوضوح، لم يكن من السهل تبادلُ الأفكار بهذه اللغة الركيكة، ولم تكن المحادثة مع شخص لا يستخدم إلا أضعف المفردات لتتسم بالرقي. في الحقيقة، أصابني الضجرُ، وفكرتُ في تناول شطيرة متواضعة لعلها تمدُّ جسورًا جديدة للحوار، وهممت بدعوة رفيقتي للذهاب إلى غرفة المشروبات فإذا بأحدهم يجذب كمَّ قميصي. التفتُّ سريعًا لأجد زوجتي تنظر إليَّ وقد ارتسم على وجهها القلق والرعب.

قالت لي: «الآنسة هاليويل تبحث عنك. ثمة سيدة مريضة. هلَّا أتيت لفحصها؟» وأمسكتْ بذراعي، فاعتذرتُ لرفيقتي، وجذبتني زوجتي بسرعة نحو الحديقة.

تابعت زوجتي: «الأمر غامض. المريضة هي السيدة تشاتر، أرملة أمريكية فاحشة الثراء. عثرت إيديث هاليويل والميجور بودبيري عليها مستلقية بين الشجيرات وحدها ولا يمكنها الحديث. إيديث المسكينة في غاية الانزعاج لا تفهم ما الأمر.»

رددتُ عليها: «ماذا تقصدين؟» ولكن في تلك اللحظة لمحتنا الآنسة هاليويل التي كانت تنتظر بالقرب من قوس مغطًّى باللبلاب، وهرعت نحونا.

قالت الآنسة هاليويل: «أسرع، رجاءً، يا دكتور جيرفيز. حدث أمرٌ صادم، هل أخبرتك جولييت؟» ودون أن تنتظر إجابتي، انطلقتْ مسرعة عبر القوس وسبقتنا عبر طريق ضيق تهرول بالإيقاع المتثاقل الخالي من أي تكلف المألوف بين أغلب السيدات الراشدات. وبعد قليل هبطنا درجًا ريفيًّا قادنا إلى مقعد امتد أمامه ممرٌّ مستقيم فبدا كشرفة صغيرة تطل على جرف شديد الانحدار ترتفع الأرض عن يمينه وتنحدر عن يساره. وجدنا في الأسفل رجلًا برز رأسه وكتفاه من فوق الشجيرات يُمسك بمصباح كان من الواضح أنه أخذه من أعلى شجرة. نزلت المنحدر باتجاهه، وعندما وصلت إلى الشجيرات، رأيت امرأة في ملابس تنمُّ عن الثراء مكومة على الأرض. لم تكن غائبةً عن الوعي تمامًا؛ إذ ندت عنها حركة طفيفة عند اقترابي، وتمتمت ببعض الكلمات بلهجة ثقيلة غير واضحة. أخذت المصباح من الرجل الذي افترضت أنه الميجور بودبيري، وبينما كان يناولني المصباح نظر إليَّ نظرةً ذات مغزًى ورفع حاجبيه قليلًا، ففهمت سبب اضطراب الآنسة هاليويل.

للحظة مرعبة عابرة، ظننت في الواقع أنها كانت محقة في ظنها بأن المرأة القابعة في الأسفل مخمورة. ولكن عندنا اقتربت أكثر، أظهر ضوء المصباح المتراقص على وجهها بقعة مربعة حمراء اللون تغطي الأنف والفم، كالعلامة التي تتركها لصقة الخردل، وحينها شممت رائحةَ أمر خطير.

قلتُ وأنا أناول المصباح للآنسة هاليويل: «من الأفضل أن نحملها إلى المقعد، بعدها يمكننا أن نرى ما إذا كان من الممكن أن ننقلها إلى داخل المنزل.» تعاونتُ أنا والميجور في حمل السيدة المسكينة وبعد أن صعدنا بحرص إلى الطريق، مددنا جسدها على المقعد.

همست الآنسة هاليويل: «ما الأمر يا دكتور جيرفيز؟»

أجبتها: «لا يمكنني الجزم الآن، ولكن الأمر ليس ما كنت تخشين منه.»

قالت متلهفة: «أشكر الرب على ذلك، وإلا لكانت فضيحة مدوية.»

أخذتُ المصباح الخافت وانحنيت مجددًا فوق السيدة التي لم تكن بكامل وعيها. حيَّرني مظهرُها كثيرًا. فقد بدت كمن يفيق من التخدير، لكن الرقعة الحمراء المربعة على وجهها، التي ذكَّرتني بجرائم بيرك، كانت تُوحي بأنها محاولة للخنق. وبينما كنت أفكر في ذلك، سقط ضوء المصباح على شيء أبيض اللون على الأرض خلف المقعد، وعندما قرَّبتُ المصباح منه، وجدتُه قطعة مربعة من القطن الطبي. خطر لي على الفور وجود تطابق في شكلها وحجمها مع البقعة الحمراء الموجودة على وجه المرأة، وانحنيتُ لالتقاطها، وعندئذٍ وجدتُ تحت المقعد قارورة صغيرة. التقطتُ القارورة وأخذت أتفحصها هي الأخرى على ضوء المصباح. كانت قارورة سعة أونصة واحدة، فارغة تمامًا، ومكتوب عليها «كلوروفورم ميثيلي». هنا بدا لي ذلك تفسيرًا متكاملًا ما كانت عليه السيدة من صعوبة في النطق وهيئة ثملة؛ ولكن هذا التفسير في حد ذاته استلزم تفسيرًا. من الواضح أنه لم تحدث أي سرقة؛ إذ كانت المرأة تشعُّ بريقًا من كثرة ما ترتديه من ألماس. كما كان من الواضح أنها لم تضع الكلوروفورم على وجهها بنفسها.

لم يكن أمامنا شيءٌ نفعله سوى حملها إلى الداخل وانتظار تعافيها بصورة أكبر؛ فساعدني الميجور على حملها بين الشجيرات وعبر حديقة المطبخ إلى باب جانبي، ثم وضعناها على أريكة في غرفة لم يكتمل تأثيثها.

في هذه الغرفة، استفاقت سريعًا جراء رش بعض الماء على وجهها وقُرِّبت بعض الأملاح ذات الرائحة النفاذة بقدر كبير من أنفها فاستفاقت سريعًا، وسرعان ما تمكنت من رواية ما حدث.

كان الكلوروفورم والقطن الطبي يخصانها. استخدمتهما لتسكين ألم أسنانها، وكانت تجلس وحدها على المقعد، بجانبها القارورة والقطن، عندما حدث ذلك الأمر الذي ما تعذر تفسيره. فعلى حين غرة وبدون سابق إنذار امتدت يدٌ من خلفها وضغطت قطعة القطن الطبي على أنفها وفمها. وكان القطن مشبعًا بالكلوروفورم، فغابت عن الوعي في لمح البصر تقريبًا.

سألتُها: «ألم ترَي الشخص إذن؟»

ردت: «كلَّا، لكني أعرف أنه كان يرتدي بذلة مسائية؛ لأن رأسي كان على مقدمة قميصه.»

قلتُ: «إذن، فإما أنه لم يزل هنا، أو أنه قصد غرفة الأمتعة. لا يمكن أن يكون قد غادر بدون معطف.»

صاح الميجور: «بالطبع، هذا صحيح. سأذهب لتقصي الأمر.» خرج في حماس شديد، ثم تبعتُه على الفور بعد أن اطمأننت أن السيدة تشاتر ستكون في أمان بمفردها.

توجهت مباشرة إلى غرفة الأمتعة، فوجدت الميجور وواحدًا أو اثنين من رفاقه الضباط يرتدون معاطفهم في حماس مشوب بالجذل.

قال بودبيري فيما كان يحاول ارتداء معطفه بصعوبة: «لقد غادر المكان منذ ساعة تقريبًا على دراجة، وبدا مضطربًا للغاية وفقًا لقول الحارس، ولا عجب في ذلك. سنلاحقه بسيارتنا. هل تودُّ الانضمام إلينا في المطاردة؟»

رددت قائلًا: «كلا، شكرًا لك. عليَّ البقاء مع المريضة. ولكن كيف ستعرف أن من تطارده هو الفاعل؟»

قال بودبيري: «لم يفعلها غيره. صاحب المعطف الوحيد المتبقي. بالإضافة إلى ذلك … بئسًا! لقد أعطيتني معطفًا غير معطفي!» وخلع المعطف وأعطاه للحارس، فنظر إليه في خوف.

سأله: «هل أنت متأكد، يا سيدي؟»

رد الميجور: «متأكد تمامًا. هيا، أسرع يا صديقي.»

سأل الحارس: «يؤسفني يا سيدي أن أخبرك بأن السيد الذي غادر قد أخذ معطفك. كان المعطفان معلَّقَين على المشجب نفسه. أنا في غاية الأسف، يا سيدي.»

وقف الميجور صامتًا وقد اشتد به الغضب. فما فائدة الاعتذار؛ وكيف له أن يستعيد معطفه.

وهنا تدخلت قائلًا: «ولكن، إذا كان الغريب قد أخذ معطفك، فلا بد أن هذا معطفه.»

رد بودبيري: «أعرف، ولكني لا أريد معطفه الرديء هذا.»

قلت له: «ولكنه قد يفيدنا في تحديد هويته.»

هوَّن ذلك قليلًا على الضابط المكلوم في معطفه، ولكن كانت السيارة قد أصبحت جاهزة، فانطلق من فوره، وبعد أن كلفتُ الحارس بالاحتفاظ بالمعطف في مكان آمن، عدتُ إلى مريضتي.

كانت السيدة تشاتر قد تعافت إلى حدٍّ كبير الآن، وكانت متحمسة لمعرفة مهاجمها لتقتصَّ منه. بل إنها أبدت أسفها أنه لم يأخذ بعض ألماساتها على الأقل، حتى يمكن توجيه تهمة السرقة إليه بالإضافة إلى تهمة الشروع في قتلها، وأعربت عن أملها الشديد في ألا يتحامقَ الضباط ويرفقوا به عندما يقع تحت أيديهم.

قالت الآنسة هاليويل: «بالمناسبة يا دكتور جيرفيز، أعتقد أنه يجدر بي ذكرُ أمر غريب نوعًا ما حدث فيما يتعلق بالحفل الراقص. لقد تلقينا خطابًا يفيد بقبول سيد يُدعى هارينجتون بايلي للدعوة، وكان مصدر الخطاب فندق سيسيل. ولكني متأكدة الآن أن أيًّا من العزباوات لم تقترح إرسال دعوة إلى شخص بهذا الاسم.»

تساءلتُ: «لكن هل سألتِهن؟»

أجابت: «في واقع الأمر، اضطُرَّت إحداهن — وهي الآنسة واترز — إلى السفر خارج البلاد فجأة، ولم نكن قد عرفنا عنوانها بعد، ولما كان من الوارد أن تكون هي من وجَّهت إليه الدعوة، لم أُرِدْ أن أتخذ قرارًا في هذا الشأن. وليتني فعلت. ربما سمحنا لمجرم عتيد الإجرام بدخول الحفل، على الرغم من أني لا يمكنني تصور السبب الذي دفعه لمحاولة قتل السيدة تشاتر.»

كان الأمر غامضًا بكل تأكيد، ولم يُفلح مطاردو الفاعل في كشف هذا الغموض؛ إذ عادوا خالي الوفاض بعد ساعة. يبدو أنهم تتبعوا أثر الدراجة لبضعة أميال باتجاه لندن، ولكن عندما وصلوا إلى مفترق الطرق، اختلطت آثار الدراجة تمامًا مع آثار المركبات الأخرى، فحام الضباط حول المكان لبعض الوقت بلا هدف، ثم يأسوا وعادوا أدراجهم.

قال الميجور بودبيري موضحًا في لهجة اعتذار: «المشكلة يا سيدة تشاتر أن الرجل كانت لديه ساعة كاملة للهرب، ولا بد أن هذه الساعة جعلته قريبًا إلى حدٍّ كبير من لندن.»

رمقت السيدة تشاتر الميجور بنظرة ازدراء فشلت في إخفائها وصاحت قائلة: «أتقصد أن تُخبرني أن المجرم هرب ونجا بفعلته؟»

رد بودبيري: «يبدو كذلك، ولكن لو كنتُ مكانك، لأخذتُ أوصاف الرجل من حارسَي المرأب وغرفة الأمتعة اللذين رأياه، ومن ثَم توجهتُ إلى مقر الشرطة في سكوتلاند يارد غدًا وأبلغتهم بها. فلربما تعرفوا عليه، وقد يتعرفون على معطفه كذلك إذا أخذته معك.»

قالت السيدة تشاتر: «لا يبدو ذلك ممكنًا.» وبالفعل لم يكن ذلك ممكنًا على الإطلاق، ولكنها قررت قبول الخطة المقترحة؛ إذ لم يُقترح بديل أفضل، وعندئذٍ ظننتُ أنني لن أسمع المزيد بهذا الشأن.

لكنني كنت مخطئًا في ظني. فقبيل ظهيرة اليوم التالي، وبينما النعاس لم يزل يثقل جفوني، كنت أدرس النقاط الواردة في مذكرة تتناول مسألة حق الوراثة، بينما كان ثورندايك يكتب مسودة محاضرته الأسبوعية، فإذا بطرق إيقاعي متكرر على باب مسكننا يُعلن عن قدوم زائر. قمت لفتح الباب متعَبًا؛ إذ لم أحظَ إلا بأربع ساعات فقط من النوم في الليلة الماضية، فإذا بالسيدة تشاتر بنفسها تدلف إلى المنزل، يتبعها المفتش ميلر مبتسمًا ابتسامة عريضة وحاملًا تحت ذراعه طردًا ملفوفًا بورق بُنِّيٍّ.

لم تكن السيدة تشاتر في أفضل حالاتها المزاجية، ومع ذلك بدت عليها الحيوية والتيقظ على نحو مذهل رغم الصدمة القاسية التي تعرضت لها في الليلة الماضية، وكان امتعاضها من ميلر واضحًا تمام الوضوح.

قالت بينما كنت أعرِّفها بزميلي: «لعل الدكتور جرفيز قد أخبرك بمحاولة القتل التي تعرضتُ لها الليلة الماضية. هل تصدق ما جرى بعد ذلك؟ ذهبت إلى الشرطة وأعطيتهم وصفًا للقاتل المجرم، وأريتهم المعطف الذي كان يرتديه، فقالوا لي إن ما بيدهم حيلة. باختصار، هذا المجرم الوغد سيُترك مطلق السراح بدون عقاب.»

قال ميلر: «ستلاحظ يا دكتور أن الأوصاف التي أدلت بها السيدة تنطبق على نصف رجال الطبقة المتوسطة في المملكة المتحدة، وأنها أعطتنا معطفًا ليس به علامة واحدة من أي نوع تساعد في تحديد هوية صاحبه، ومع ذلك تتوقع منَّا أن نوقع بصاحب المعطف بدون دليل واحد يرشدنا. لسنا سحرة في سكوتلاند يارد، بل مجرد رجال شرطة. لذا سمحتُ لنفسي بأن أحيل السيدة تشاتر إليك.» وابتسم بخبث ووضع الطرد على الطاولة.

سأل ثورندايك بهدوء: «وما المطلوب مني؟»

رد ميلر: «سيدي، لدينا معطف كان في جيبه قفازان ووشاحٌ وعلبةُ ثقاب وتذكرة ترام ومفتاحٌ مكتوب عليه ييل. وتُريد السيدةُ تشاتر أن تعرف من هو صاحب المعطف.» وفتح الطرد وعيناه مثبتتان على عميلتنا المضطربة، في حين تابعه ثورندايك بابتسامةٍ خفيفة.

قال ثورندايك: «هذا لطف كبير منك يا ميلر، ولكني أعتقد أنك بحاجة إلى مستبصر، سيكون أقدرَ مني على المهمة.»

زالت عن وجه المفتش الابتسامة الساخرة في لمح البصر.

قال: «بعيدًا عن الهزل يا سيدي، سأكون سعيدًا لو ألقيتَ نظرة على المعطف. ليس لدينا أيُّ أدلة نسترشد بها مطلقًا، ولكننا لا نريد حفظ القضية. لقد تفحصتُ المعطف بعناية فائقة فلم أجد دليلًا واحدًا نهتدي به. لكني أعلم أن لا شيء يفوتك، وربما تلاحظ شيئًا لم أنتبه أنا له؛ من شأنه أن يُرشدنا إلى نقطة نبدأ منها تحقيقَنا.» ثم ابتسم في استنكار وأضاف: «ألا يمكنك فحصه تحت الميكروسكوب على سبيل المثال؟»

فكر ثورندايك وهو يرمق المعطف بنظرة متفحصة. لاحظتُ أن القضية قد أثارت حماسه، وعندما كررت السيدة طلب ميلر بحماس مقنع، حدثت النتيجة الحتمية.

قال ثورندايك: «حسن جدًّا. اتركَا المعطف معي لساعة أو نحو ذلك، وسوف أفحصه. المؤسف أنه لا توجد أدنى فرصة لاكتشاف أيِّ دليل منه، ومع ذلك فالفحص لن يضرَّ. عودَا في الساعة الثانية، عندئذٍ سأكون مستعدًّا لإخباركما بفشلي المتوقع.»

انحنى ثورندايك يودع الزائرين، ثم عاد إلى الطاولة ونظر بابتسامةٍ حائرة إلى المعطف والطرد الرسمي الكبير الذي يحوي الأغراضَ التي كانت في الجيوب.

ثم نظر إليَّ وسألني: «وماذا يقترح أخي الخبير المطلع؟»

أجبتُه: «أقترح فحص تذكرة الترام أولًا، ثم … حسنًا، اقتراح ميلر ليس سيئًا؛ لنفحص سطح المعطف بالميكروسكوب.»

قال ثورندايك: «أرى أن نفحص المعطف بالميكروسكوب أولًا. إن تذكرة الترام قد تُولد لدينا نزعة مضللة. فقد يستقل أيُّ شخص الترام إلى أي مكان، في حين أن ما قد يعلق بمعطف شخص من أتربة ينتمي إلى مكان محدد.»

رددت عليه: «نعم، ولكن المعلومات التي قد تأتي منه ستكون بالغة الغموض.»

قال موافقًا وهو يأخذ المعطف والطرد ليحملهما إلى المختبر: «هذا صحيح، ولكن كما تعلم يا جيرفيز، وكما أشرتُ كثيرًا من قبل، فالبعض يستهين بقيمة الأتربة بوصفها دليلًا. إن المظاهر العادية التي تراها العين المجردة — والتي هي المظاهر العادية — مضللة. فإذا جمعتَ بعض الأتربة، مثلًا، من فوق سطح طاولة، ماذا سيكون لديك؟ مسحوق ناعم رمادي لا سمة مميزة له، مثل أيِّ أتربة تجدها على أي طاولة أخرى. ولكن تحت الميكروسكوب، يتحلل هذا المسحوق الرمادي إلى جزيئات يمكن تمييزها لمواد محددة، وهذه الجزيئات غالبًا ما يمكن الربط بينها وبين الكتل الأكبر التي انفصلت عنها على نحوٍ يقيني. وأنت تعرف كلَّ ذلك مثلما أعرفه.»

قلت له: «إنني أقدِّر تمامًا قيمة الأتربة كدليل في ظروف محددة، ولكن لا شك أن المعلومات التي يمكن التوصل إليها من الأتربة التي تغطي معطف رجل مجهول تكون عامة لدرجة لا تفيد في تقفِّي أثر صاحبه.»

قال ثورندايك وهو يضع المعطف على طاولة المختبر: «أخشى أنك محقٌّ، ولكنْ قريبًا سنرى ما إذا كان بولتون سيعطينا جهاز استخلاص الأتربة الذي اخترعه.»

كان الجهاز الصغير الذي أشار إليه زميلي من اختراع زميلنا مساعد المختبر العبقري، وكان يُشبه في فكرته فكرةَ عمل «المكانس الكهربائية» المستخدمة في تنظيف السجاد. ولكنه كان يتميز بخاصية فريدة: كان الجزء الذي يستقبل الأتربة مزودًا بمكان توضع فيه شريحة ميكروسكوب، بحيث يسقط على هذه الشريحة الهواء المحمَّل بالأتربة.

بعد أن ثبت مخترع «المستخلِص» في الطاولة في فخر، وأدخل شريحة مبللة في الجزء الذي يستقبل الأتربة، وضع ثورندايك فوهة الجهاز على ياقة المعطف في حين شغل بولتون المضخة. بعد ذلك سُحبت الشريحة ووضعت أخرى مكانها، ووُجهت الفوهة إلى الكُمِّ الأيمن بالقرب من الكتف، ثم شغل بولتون الجهاز. وكُررت العملية حتى صار لديهم ستُّ شرائح محملة بالأتربة من أجزاء مختلفة من المعطف، ثم جهَّز كلٌّ منا ميكروسكوبًا وشرعنا نفحص العينات.

من خلال فحص سريع للغاية، لاحظتُ أن هذه الأتربة كانت تحتوي على مواد لا نجدها في المعتاد، بأي حال من الأحوال، بكميات معتبرة. بالطبع وجدتُ بقايا من أنسجة الصوف والقطن والأنسجة الأخرى العادية التي تتركها الملابس أو قطع الأثاث، وكذلك جزيئات من القش والقشور والشعر، والعديد من الجزيئات المعدنية، بل المكونات عادية للأتربة التي تعلق بالملابس. ولكني وجدت معها عددًا من أجسام أخرى بكميات أكبر بكثير، ومعظم هذه الأجسام من أصل نباتي وتظهر بشكل واضح ومحدَّد وبتنوع كبير، كما وجدتُ الكثير من حبيبات النشا.

نظرتُ إلى ثورندايك فوجدته منهمكًا بالفعل في الكتابة بقلم رصاص على ورقة صغيرة، وكان يبدو أنه يكتب قائمة بالمواد التي رآها تحت الميكروسكوب. سارعت أحذو حذوه، وظللنا نعمل لبعض الوقت في صمت. وبعد فترة اتكأ زميلي إلى الخلف في كرسيِّه وقرأ قائمته.

قال لي: «هذه مجموعة مثيرة جدًّا للاهتمام يا جيرفيز. ماذا وجدتَ على شرائحك مما يخرج عن المألوف؟»

رددتُ عليه أُخبره بقائمتي: «لديَّ متحفٌ صغير هنا. بالطبع يوجد كلس مصدرُه الطريق المؤدي إلى رينسفورد. بالإضافة إلى ذلك، وجدتُ أنواعًا مختلفة من النشويات، معظمها قمح وأرز، وخاصة الأرز، ووجدت شظايا من لُب الكثير من البذور، والكثير من الخلايا الصلبة المتنوعة، وكتلًا صفراء تُشبه الكركم، وخلايا صمغية للفلفل الأسود، وخلية فلفل أحمر، وواحدًا أو اثنين من جسيمات الجرافيت.»

صاح ثورندايك متعجبًا: «جرافيت! لم أجد أي جرافيت، ولكني وجدت بقايا كاكاو، عبارة عن أوعية حلزونية وحبيبات نشوية، وبقايا من عشبة حشيشة الدينار، عبارة عن جزء من ورقة النبات والعديد من غدد اللوبولين. هلا أريتني الجرافيت؟»

أعطيتُه الشريحة ففحصها باهتمام شديد وقال: «نعم، هذا جرافيت بلا شك، ويوجد منه ستة جسيمات على الأقل. من الأفضل أن نفحص المعطف على نحو ممنهج. هل تفهم أهمية ذلك؟»

رددتُ عليه: «أفهم أن هذه الأتربة من الواضح أن مصدرها أحدُ المصانع، وقد يرشدنا ذلك إلى موقع ما، ولكني لا أعتقد أنه سيفيدنا بأكثر من ذلك.»

قال: «لا تنسَ أن لدينا دليلًا آخر.» وعندما رفعت حاجبيَّ مستفهمًا، أضاف قائلًا: «المفتاح الذي يحمل اسم ييل، إذا ضيقنا نطاق البحث عن الموقع بالقدر الكافي، يمكن لميلر أخذ جولة على الأبواب الأمامية.»

قلت في عدم تصديق: «لكن أيمكننا ذلك حقًّا؟ أشك في ذلك.»

أجاب ثورندايك: «يمكننا المحاولة. من الواضح أن بعض المواد موزعة على المعطف بأكمله من الداخل والخارج، في حين يوجد البعض الآخر كالجرافيت على أجزاء محددة دون غيرها. علينا تحديد هذه الأجزاء بدقة ثم التفكير في دلالة هذا التوزيع.» وسريعًا رسَمَ شكلًا تقريبيًّا للمعطف على ورقة، وميَّز كلَّ جزء فيه بحرف، ثم أخذ عددًا من الشرائح المزودة بملصق، وكتب حرفًا على كل شريحة، بحيث يمكن بسهولة تحديدُ المكان الذي أُخذت منه كل عينة من عينات الأتربة ثم فحصها على الشرائح.

عدنا إلى الميكروسكوب مجددًا، وأخذنا نضيف بندًا جديدًا إلى قائمتنا من الاكتشافات من حين إلى حين، وبعد نحو ساعة من البحث المضني، كانت كلُّ الشرائح قد فُحصت وقورنت القائمتان.

قال ثورندايك: «النتيجة النهائية للفحص هي كالتالي. يتناثر على المعطف بأكمله، من الداخل والخارج، وبتوزيع متساوٍ المواد التالية: الكثير من نشا الأرز، ونشا القمح بكمية أقل، وكميات أقل من نشا الزنجبيل والفلفل، وألياف لحاء القرفة، ولُب الكثير من البذور، وخلايا صلبة للفلفل الأحمر والقرفة الصينية والفلفل الأسود، وشظايا أخرى من مصدر مشابه، مثل الخلايا الصمغية وصبغة بُنِّيَّة ليس مصدرها الكركم. وبالإضافة إلى ذلك يوجد على الكتف اليمنى والكم آثار للكاكاو وحشيشة الدينار، وعلى الظهر تحت الكتفين يوجد بعض من بقايا الجرافيت. هذه هي البيانات؛ والآن ما هي الاستنتاجات؟ تذكَّر أن هذه ليست مجرد أتربة سطحية فحسب، ولكنها ركام شهور وتوغلت النسيج في نتيجة للفرك المتكرر بفرشاة الملابس؛ أتربة لا يمكن استخلاصها إلا بجهاز شفط.»

قلتُ: «من الواضح أن الجسيمات المنتشرة عبر أجزاء المعطف بالكامل تمثِّل مكونات الغبار العالق بهواء المكان الذي يُعلَّق فيه المعطف في المعتاد. يبدو أن المعطف التقط الجرافيت من فوق مقعد ما، أما الكاكاو وحشيشة الدينار فمصدرهما بعض المصانع التي يمرُّ بها الرجل كثيرًا، وإن كنت لا أفهم لماذا وُجدت على الجانب الأيمن فقط.»

قال ثورندايك: «تلك مسألة تتعلق بالوقت، والمصادفة أنها تُسلِّط بعض الضوء على عادات صديقنا. فعندما يغادر منزله، يمرُّ بمصانع تكون على يمينه، وفي طريق عودته تكون المصانع نفسها على يساره، ولكنها تكون قد توقفت عن العمل حينئذٍ. ومع ذلك، فالمجموعة الأولى من المواد هي الأكثر أهمية؛ إذ تشير إلى موقع مسكنه، فمن الواضح أنه ليس حِرفيًّا أو موظفًا في مصنع. أما عن نشا الأرز ونشا القمح والمواد الأخرى التي تُصنَّف معًا تحت فئة «التوابل»، فهي تدل على وجود مضرب أرز أو مطحن دقيق أو مصنع توابل بالجوار. هلا ناولتني دليلَ مكتب البريد يا بولتون؟»

أخذ يُقلِّب في صفحات قسم «المهن» في الدليل وتابع: «أرى أن في لندن أربعةَ مضارب للأرز، أكبرها هو مضرب «كاربوت» في دوكهيد. لنبحث الآن عن مصانع التوابل.» وعاد يقلب في الصفحات من جديد وقرأ قائمة الأسماء، ثم قال: «توجد في لندن أربعة مطاحن توابل، أحدها موجود أيضًا في دوكهيد، وهو مطحن «توماس ويليامز آند كو»، أما المطاحن الأخرى فليست على مقربة من أي مضرب أرز. الأمر التالي يتعلق بمطحن الدقيق. دعونا نرَ. ها هي أسماء عدة مطاحن دقيق، ولكنَّ أيًّا منها ليس على مقربة من مضرب أرز أو من مطحنة توابل، باستثناء واحدة، وهي مطاحن دقيق «سانت سافيور» في دوكهيد.»

قلتُ: «الأمر يزداد إثارةً.»

رد ثورندايك: «لقد بات مثيرًا بالفعل. لاحظ أن في دوكهيد توجد مجموعة المصانع التي يمكن أن تخرج منها مكونات الأتربة التي وجدناها عالقة على هذا المعطف، ودليل البريد يشير إلى أن هذه المجموعة الخاصة من المصانع لا توجد في أي مكان آخر في لندن. ثم لدينا الجرافيت والكاكاو وحشيشة الدينار التي تميل إلى تأكيد الاستنتاجات الأخرى. كلُّ شيء يتعلق بصناعات المنطقة. وعربات الترام التي تمر بدوكهيد، حسب علمي، تمر أيضًا بالقرب من «مصانع بيرس داف آند كو» للرصاص الأسود الموجودة في طريق رويل، ومن المرجح أن يعلق بمقاعدها بعضٌ من جسيمات الرصاص الأسود عند هبوب الرياح في اتجاهات معينة. أرى كذلك أنه يوجد مصنع كاكاو، يدعى «باين»، في شارع جوت في هورسلي داون، يقع على يمين خط الترام المتجه غربًا، كما لاحظت وجود العديد من مخازن حشيشة الدينار على يمين شارع ساوثبارك، عند الاتجاه غربًا فيه. ولكن هذه مجرد فرضيات؛ أما المعلومات المهمة حقًّا فهي مضرب الأرز ومطاحن الدقيق ومطاحن التوابل، التي يبدو أنها جميعًا تقودنا إلى دوكهيد.»

تساءلتُ: «هل توجد أي منازل خاصة في دوكهيد؟»

رد ثورندايك: «علينا أن نبحث في قائمة أسماء الشوارع. إن المفتاح الذي يحمل اسم ييل يشير إلى شقة يسكنها شخص واحد، كما تدل عادات صديقنا المجهول المحتملة على فرضية مماثلة.» تفقَّد القائمة سريعًا ثم التفت إليَّ واضعًا إصبعه على الصفحة.

«إذا افترضنا أن الحقائق التي استنبطناها، تلك السلسلة الفريدة من المعلومات المتوافقة مع الملابسات المفروضة، ليست سوى سلسلة من المصادفات، فإليك مصادفة أخرى. يوجد في جنوب دوكهيد مجمع شقق للحرفيين ملاصق لمطاحن التوابل ومقابل لمضارب «كاربوت» للأرز، يعرف باسم بنايات هانوفر، وتنطبق عليه المواصفات بدقة. إذا عُلِّق معطف في إحدى غرف تلك الشقق وتُركت النوافذ مفتوحة (وهو المتوقع في هذا الوقت من العام)، فسيتعرض هذا المعطف إلى الهواء المحمل بأتربة مطابقة تمامًا للأتربة التي وجدناها على المعطف. وبالطبع تسري الظروف نفسها على المساكن الأخرى في هذا الجزء من دوكهيد، ولكن الكفة الأرجح تصب في صالح هذه البنايات. وهذا كل ما يمكننا افتراضه دون الجزم به. فقد يكون في استدلالنا عوارٌ جوهري. ولكن يبدو من ظاهر الأمور أن وجود الباب الذي يفتحه المفتاح الموجود لدينا في دوكهيد مرجح بنسبة ألف إلى واحد، وأغلب الظن أنه في بنايات هانوفر. علينا أن نترك مهمة التحقق من ذلك لميلر.»

سألته: «ألن يكون من المفيد أن نتفقد تذكرة الترام؟»

صاح قائلًا: «يا إلهي، لقد نسيت التذكرة. نعم، بكل تأكيد.» وفتح الطرد، وأفرغ محتوياته على الطاولة، وأمسك بالورقة المتهالكة، ثم أعطاني إياها بعد نظرة سريعة إليها. كانت التذكرة لرحلة من شارع تولي إلى دوكهيد.

قال ثورندايك: «مصادفة أخرى، وها هو ميلر يطرق الباب في مصادفة إضافية.»

كان المفتش هو الطارق، وبينما كنا ندخله الغرفة، أعلن هدير محرك سيارة قادمة من شارع تيودور عن وصول السيدة تشاتر. انتظرناها عند الباب المفتوح، وعندما دخلت أشارت بيديها باندفاع.

صاحت قائلة: «تفضل يا دكتور ثورندايك، هل لديك ما تُخبرنا به؟»

رد ثورندايك: «لديَّ اقتراح. أعتقد أنه لو أخذ المفتش هذا المفتاح إلى بنايات هانوفر، الواقعة في دوكهيد، في بيرموندزي، فقد يجد بابًا يدخل فيه المفتاح.»

صاح ميلر متعجبًا: «يا إلهي! أستميحك عذرًا يا سيدتي، ولكني ظننتُ أنني فحصتُ المعطف بالكامل. ما الذي أغفلتُه يا سيدي؟ هل وجدتَ خطابًا مخبَّأً فيه؟»

قال ثورندايك: «لم تغفل سوى الأتربة العالقة به فحسب يا ميلر.»

صاح المفتش محدقًا بعينيه على اتساعهما في زميلي: «الأتربة!» ثم ضحك ضحكة خفيفة وقال: «حسنًا، قلت سابقًا إنني لستُ بساحر، بل شرطي فحسب.» ثم أخذ المفتاح وسأل: «هل ستأتي لترى نتيجة البحث يا سيدي؟»

قالت السيدة تشاتر: «بالطبع سيأتي، والدكتور جيرفيز كذلك، للتعرف على الرجل. بعد أن وصلنا إلى المجرم علينا ألا ندعَ له وسيلة للهرب.»

ابتسم ثورندايك بجفاء وقال: «سنأتي إذا كانت هذه رغبتك يا سيدة تشاتر، ولكن يجب ألا تعتبري بحثنا حقيقةً يقينية. فربما ارتكبنا خطأً في الاستدلال، وفي الحقيقة ينتابني فضول لمعرفة ما إذا كان استنتاجنا صحيحًا. ولكن حتى إذا أوقعنا بالرجل، فلا أرى لديك أيَّ أدلة ضده. أقصى ما يمكنك إثباته أنه كان في المنزل وأنه غادره مسرعًا.»

نظرت السيدة تشاتر إلى زميلي للحظة في صمت يشي بالازدراء، ثم لملمت أطراف تنورتها، وخرجت من الغرفة. إذا كان هناك شيء تكرهه المرأة العادية أكثر من أي شيء آخر، فهو الرجل المفرط في العقلانية.

أسرعت بنا السيارة الكبيرة عبر جسر بلاكفرايرز حتى وصلنا إلى منطقة الإقليم التي اتجهنا منها إلى شارع تولي في طريقنا إلى بيرموندزي.

ما إن أصبحت دوكهيد في مرمى أبصارنا حتى ترجلتُ أنا وثورندايك والمفتش وأكملنا طريقنا سيرًا على الأقدام، تاركين عميلتنا متلثمة في السيارة التي تبعتنا على مسافة قريبة. توقف ثورندايك قبالة رصيف ميناء سانت سافيور، ونظر من فوق السور، ولفت نظري إلى المسحوق الشبيه بالجليد الذي استقر على كل بروز في الجانب الخلفي من المباني العالية وعلى متن الصنادل النهرية التي كانت تُحمَّل بالدقيق والأرز المطحون. وبعد أن عبر الطريق أشار إلى المصباح الخشبي فوق سطح مصنع التوابل، وكانت فتحاته مغطاةً بأتربة برتقالية مائلة للون الرمادي.

قال ثورندايك بلهجة وعظ: «هكذا تخدم التجارة أهداف العدالة.» ثم أضاف سريعًا بينما اختفى ميلر داخل الطابق تحت الأرضي للبنايات: «أو هكذا نأمل على الأقل.»

التقينا بالمفتش أثناء عودته من مهمته ونحن ندخل المبنى.

قال لنا: «لا جدوى من الذهاب هناك. سنجرب الطابق التالي.»

كان هذا هو الطابق الأرضي، وربما يُعتبر الطابق الأول. على أي حال، لم يُفدنا بشيء مهم، وبعد نظرة سريعة إلى الأبواب المؤدية إلى بسطة الدرج، صعد الدرج الحجري متحمسًا. لم يُفد الطابق التالي بشيء هو الآخر، إذ لم يُفشِ بحثنا المتحمس عن شيء سوى ملاحظتنا لثقوب المفاتيح الواسعة المتصلة بالنوع الشائع من المزاليج الليلية.

خرج عامل حرفي أغبر من إحدى الشقق وسألهم: «عمن تبحثون؟»

رد ميلر بسرعة بديهة لافتة: «ماجز.»

رد العامل: «لا أعرفه، أعتقد أنه في أحد الطوابق العليا.»

صعدنا إلى الطوابق العليا، فلم نجد إلا نفس ثقوب المفاتيح البسيطة ذات الشكل الرتيب المقبض تطلُّ علينا من الأبواب. بدأتُ في التململ، وعندما صعدنا إلى الطابق الرابع دون أن نجد نتيجة أفضل، زاد قلقي. ربما تكون الألغاز الزائفة مثارَ فضول كبير، لكنها لا تجلب أيَّ مجدٍ لمكتشفيها.

توقَّف ميلر يمسح العرق عن جبينه وقال: «أعتقد أنك لم ترتكب خطأً ما يا سيدي، صحيح؟»

رد ثورندايك في رباطة جأش: «ثمة احتمال كبير أن أكون قد أخطأت. لقد اقترحتُ هذا البحث كإجراء مبدئي لا يحمل أيَّ ضمانات، كما تعرف.»

زمجر المفتش. فقد كان معتادًا — وكذلك أنا — على التعامل مع «الاقتراحات المبدئية» لثورندايك معاملة الحقائق المؤكدة لدى غيره.

وبينما كنا نصعد إلى الطابق الأخير، قال المفتش متبرمًا: «ستُحبَط السيدة تشاتر بشدة إذا لم نجده في نهاية المطاف. فقد استبقت الأمور وفكَّرت فيما تريد أن يحدث عندما نُمسك به.» توقف في أعلى الدرج ووقف للحظات قليلة ينظر حول بسطة الدرج. وفجأة التفت متلهفًا، ووضع يده على ذراع ثورندايك، وأشار إلى باب في الركن الأقصى.

ثم همس متحمسًا: «قفل ييل!»

تبعناه صامتين وهو يختلس الخُطَى على أطراف أصابعه عبر بسطة الدرج، وشاهدناه يقف للحظة وهو يحمل المفتاح في يده وينظر إلى القفل النحاسي في تشفٍّ. تابعناه وهو يُدخل مقدمة الطرف المحزز للمفتاح برفق في الثقب المعوج للقفل، فدخل المفتاح في قلب القفل دون صوت. نظر المفتش وعلى وجهه ابتسامة انتصار، ثم سحب المفتاح بدون صوت وتراجع نحونا.

ثم همس: «أوقعتم به يا سيدي، ولكني لا أعتقد أنه في المنزل. لا يمكن أن يكون قد عاد بعد.»

سأل ثورندايك: «ولِمَ لا؟»

أشار ميلر بيده نحو الباب قائلًا: «لا يوجد أيُّ شيء غير طبيعي. فلا توجد أيُّ علامات على الطلاء. إن المفتاح الآن ليس بحوزته، ولا يمكنه فتحُ قفل من نوع ييل عنوةً. كان سيضطر لكسر الباب، وهو ما لم يحدث.»

خطا ثورندايك نحو الباب ودفع غطاء فتحة إدخال الخطابات، ونظر منها إلى داخل الشقة.

قال: «لا يوجد صندوقُ خطابات يا عزيزي ميلر، سأتولَّى فتح هذا الباب في خمس دقائق بقطعة من السلك وخيط راتينجي.»

هز ميلر رأسه وابتسم مجددًا وقال: «يُسعدني أنك لم تتجه إلى الإجرام يا سيدي، وإلا لأتعبتنا كثيرًا. هل ننادي السيدة؟»

خرجتُ إلى شرفة الطابق ونظرت إلى السيارة المنتظرة بالأسفل. كانت السيدة تشاتر تحدق باهتمام إلى البناية، وأخذ الحشد الصغير المجتمع حول السيارة ينظرون تارة إلى السيدة تشاتر وتارة إلى حيث كانت تنظر. مسحتُ وجهي بمنديلي — وهي الإشارة المتفق عليها — فقفزت من السيارة من فورها وما لبثت أن صارت أمامنا على بسطة الدرج، وقد اصطبغ وجهها بلون قرمزي وأخذت تلهث من فرط الإسراع، في حين تطاير شررُ العداء من عينيها.

قال ميلر: «وجدنا شقته يا سيدتي، وسندخلها.» ولما لاحظ ببعض القلق الشراسةَ المرتسمة على ملامحها أضاف قائلًا: «أتمنى ألا تكوني عازمة على أي عنف.»

ردت السيدة تشاتر: «بالطبع لا. في الولايات المتحدة لا تضطر السيدات للانتقام لإهانة لحقت بهن بأنفسهن. لو كنتم أنتم رجالًا أمريكيين لشنقتم المجرم على قائم سريره.»

رد المفتش بحزم وحدة: «لسنا رجالًا أمريكيين يا سيدتي. نحن رجال إنجليزيون نحترم القانون، ولا تنسي أننا جميعًا رجال قانون. هذان السيدان يعملان بالمحاماة وأنا ضابط شرطة.»

بعد هذا التحذير المبدئي، أدخَلَ المفتاح في ثقب الباب مجددًا، ثم أداره ودفع الباب فاتحًا إياه وتبعناه جميعًا إلى غرفة الجلوس.

قال ميلر وهو يُغلق الباب برفق: «قلت لك يا سيدي؛ لم يَعُد إلى المنزل بعد.»

كان محقًّا على ما يبدو. لم يكن في الشقة أحدٌ، على أي حال، ما دفعنا للبدء في تفتيشها بدون عائق. كان المشهد مزريًا، وبينما كنا نتنقل من غرفة قذرة إلى أخرى، انتابني شعورٌ بالشفقة على البائس الجائع الذي اقتحمنا مسكنه، حتى خفَّت في نظري بشاعةُ جريمته. كان الفقر المدقع الطاحن يحدق في وجوهنا من كل ركن في الشقة. رأيناه صارخًا في غرفة الجلوس البائسة التي خلت أرضيتُها من السجاد ولم يكن فيها إلا كرسي واحد وطاولة متهالكة، وفي الجدران غير المطلية والنوافذ المجردة من الستائر. رأينا الجوع على الطاولة في قطعة من الجبن الهولندي كانت مجردَ قشرة كُحت منها الجبن حتى أصبحت رفيعةً كالورقة، ورأيناه رابضًا في خزانة الأواني الفارغة وطبق الخبز الخالي، وعلبة الشاي التي خلت إلا من بقايا تراب استقر في قاعها، وبرطمان المربي الذي مُسح تمامًا بكسرة خبز ولم يتبقَّ فيه إلا الفتات. لم يكن في الشقة كلِّها طعامٌ يكفي لوجبة واحدة لفأر صحيح البدن.

حكَتْ غرفةُ النوم حكاية البؤس نفسها بتفاصيل مغايرة مثيرة للفضول. كان أثاث الغرفة المزري يتكون من سرير مدولب بائس تعلوه مرتبةٌ من القش وملاءة من الخيش الرخيص، وصندوق برتقالي اللون يقف على الطرف يُستخدم كمنضدة زينة، وصندوق آخر يعلوه حوض غسيل من الصفيح. لكن البذلة المتدلية من مسمارين في الحائط كانت ذات تفصيلة جيدة ومسايرة للموضة رغم اهترائها، كما كانت على الأرض بذلة أخرى مطوية بإتقان ومغطاة بورق جريدة، وكان أغرب ما وجدناه بين كل ذلك علبة سجائر فضية قابعة على منضدة الزينة.

صحتُ متعجبًا: «لماذا يترك هذا الرجل نفسه للجوع يفتك به ولديه هذه العلبة الفضية التي يمكنه رهنُها؟»

قال ميلر: «ما كان ليُقدمَ على ذلك. فالمرء لا يرهن أدوات مهنته.»

أخذت السيدة تشاتر تُحدق حولها بالذهول الصامت الذي ينتاب سيدة اعتادت حياة السعة والثراء، ترى نفسها لأول مرة وجهًا لوجه أمام مشهد حيٍّ للفقر المدقع، ثم التفتت فجأة إلى المفتش وقالت: «لا يمكن أن يكون هذا هو الشخص المقصود! لا بد أنكم ارتكبتم خطأً ما. محال أن يتمكن هذا الفقير البائس من دخول منزل ويلوديل.»

رفع ثورندايك الجريدة، فوجد تحتها بذلة سهرة كاملة، وقد كويت جميع مكوناتها، من القميص والياقة ورابطة العنق، وطويت بعناية. فض ثورندايك طيات القميص وأشار إلى مقدمته المغضنة على نحو لافت. ثم فجأة قربه إلى عينيه، ثم سحب شعرةً واحدة من وراء زر من الألماس المقلد، وكانت شعرة امرأة.

قال ثورندايك وهو يمسك الشعرة بين سبابته وإبهامه: «هذا مهم نوعًا ما.» وبدت السيدة تشاتر مقتنعة بذلك أيضًا؛ إذ اختفت من وجهها فجأة تعابير الشفقة والتأثر، وتطاير شرر الانتقام مجددًا من عينيها.

صاحت في شراسة: «أتمنى أن يأتي. لن يكون السجن قاسيًا على من يعيش عيشته، ولكني أريد أن أراه في قفص الاتهام على أي حال.»

وافقها المحقق: «صحيح، لن يُضيرَه كثيرًا أن يعيش في سجن بورتلاند بدلًا من مسكنه هذا. اسمعوا!»

كان مفتاح يُدخَل في الباب الخارجي، فوقفنا جميعًا ساكنين كالتماثيل، ودخل رجل وأغلق الباب وراءه. مر بباب غرفة النوم بدون أن يرانا، وكان يسير بخُطًى متثاقلة تشي بالتعب والإحباط. وعلى الفور سمعناه يتوجه إلى المطبخ ويصب ماءً في وعاء ما، ثم عاد إلى غرفة الجلوس.

قال ميلر: «تعالوا!» وتقدم نحو الباب في صمت. تبعناه عن كثب، وبينما كان يفتح الباب، نظرنا إلى الداخل من فوق كتفيه.

كان الرجل جالسًا إلى الطاولة، وكان عليها قطعة من الخبز المنزلي على ورقة لفَّها بها، وكأس من الماء. عندما انفتح الباب همَّ بالوقوف نصف وقفة، وأخذ يُحدق في ميلر كمن تجمد من الخوف، وقد ارتسم على وجهه المكفهر تعبيرٌ نمَّ عن رعب شديد.

في هذه اللحظة شعرتُ بيدٍ تُمسك بذراعي، وتجاوزتني السيدة تشاتر مسرعةً إلى الغرفة. لكنها توقفت فجأة عند عتبة الباب، وتسلل إلى وجه الرجل المرتعب تغيُّرٌ غريب وملحوظ دفعني لتحويل نظري عنه إلى عميلتنا بدون تفكير. كان وجهها قد شحب تمامًا في لحظة وارتسم عليه تعبيرٌ متجمد من الهلع وهي لا تكاد تصدق عينَيها.

عمَّ صمت درامي، قطعه صوت المحقق الحازم.

«أنا ضابط شرطة، وسألقي القبض عليك بتهمة …»

وعندئذٍ قطع كلامَه نوبةٌ من الضحك الهستيري من السيدة تشاتر، فنظر إليها مذهولًا. صاحت بصوت مرتجف: «توقف! توقف! أعتقد أننا ارتكبنا خطأً سخيفًا، هذا ليس الرجل المقصود. هذا السيد هو الكابتن رولاند، صديق قديم لي.»

قال ميلر: «يؤسفني ذلك؛ لأني سأطلب منك مواجهته أمام القضاء.»

ردت السيدة تشاتر: «اطلب ما تريد، لكني أقول لك إنه ليس الرجل المقصود.»

فرك المفتش أنفه ونظر إلى طريدته بتحفز، وسأل بحدة: «هل أفهم يا سيدتي أنك ترفضين مقاضاته؟»

قالت متعجبةً: «مقاضاته؟! أأقاضي أصدقائي على جرائم أعلم أنهم لم يرتكبوها؟ بالطبع أرفض ذلك.»

نظر المفتش إلى ثورندايك، ولكن ملامح زميلي كانت متحجرةً تمامًا وخلت من أي تعبير كوجه الساعة الهولندية.

قال ميلر وهو ينظر إلى ساعته في حدة: «حسنًا. إذن فقد بذلنا كل هذا المجهود بلا طائل. طاب مساؤك يا سيدتي.»

قالت السيدة تشاتر: «أعتذر عن إزعاجكم.»

رد عليها المفتش باقتضاب: «يؤسفني ذلك.» ثم ألقى بالمفتاح على الطاولة، وخرج من الغرفة.

بعد أن أغلق الباب الخارجي بعنف، جلس الرجل متحيرًا، ثم فجأة مدَّ ذراعيه على الطاولة، ووضع رأسه عليهما، وانفجر في نوبة بكاء مرير.

كان الموقف محرجًا للغاية. هممتُ أنا وثورندايك بالمغادرة في الوقت نفسه، ولكن السيدة تشاتر أشارت إلينا بالبقاء. توجهتْ نحو الرجل، ولمست ذراعه بحنوٍّ.

سألته بنبرة تأنيب رقيق: «لماذا فعلتها؟»

رفع الرجل رأسه وانتصب في مقعده ولوح بإحدى ذراعيه مشيرًا إلى الغرفة البائسة وخزانة الأواني الفارغة.

ثم قال: «كانت لحظةَ ضعف. كنتُ مفلسًا، وتلألأت في عيني تلك الألماسات اللعينة؛ وجدتها غنيمة سهلة. كانت لوثة جنون على ما أعتقد.»

سألتْه: «ولكن لِمَ لم تأخذها؟ لماذا؟»

رد: «لا أعرف. لقد مرت لحظة الجنون، وعندما رأيتك راقدة هناك … يا إلهي! لِمَ لا تسلمينني للشرطة؟» وضع رأسه على الطاولة وعاد للبكاء من جديد.

مالت السيدة تشاتر عليه وقد ترقرقت الدموع في عينيها الرماديتين الجميلتين وقالت: «لكن أخبرني، لِمَ لمْ تأخذ الألماسات؟ كان بمقدورك ذلك لو أردت، حسبما أعتقد.»

رد منفعلًا: «وما نفعي بها؟ ما أهمية أي شيء لي؟ لقد ظننتك توفيت.»

قالت بابتسامة دامعة: «لكني لم أمت، كما ترى. أنا في أفضل حال يمكن أن تتوقعه امرأة في عمري. وأريد عنوانك لأكتب إليك بعض النصائح الجيدة.»

انتصب الرجل في مقعده وأخرج من جيبه علبة بطاقات مهترئة، وأخذ منها عددًا من البطاقات وفردها على الطاولة كورق اللعب، وحينئذٍ لمحتُ التماعة في عين ثورندايك.

قال الرجل: «اسمي أوجستس بايلي.» واختار البطاقة المناسبة، وكتب عنوانه مسرعًا عليها بقلم رصاص صغير، ثم عاد إلى وضعيته السابقة.

قالت السيدة تشاتر: «شكرًا لك.» ومكثت عند الطاولة للحظة ثم تابعت: «سنغادر الآن، إلى اللقاء يا سيد بايلي. سأكتب إليك في الغد، وعليك أن تستمع لنصيحة صديقتك القديمة بجدية.»

فتحتُ لها الباب وأمسكتُه حتى مرت، ثم التفتُّ إلى الخلف قبل أن أتبعها. لم يزل بايلي جالسًا يبكي في صمت ورأسه مستند على ذراعيه، وكان على زاوية الطاولة كومة صغيرة من القطع الذهبية.

قالت السيدة تشاتر وثورندايك يأخذ بيدها لدخول السيارة: «أتوقع يا دكتور أنك اعتبرتني حمقاء عاطفية.»

رمقها ثورندايك بنظرة هادئة لم يعتدها وجهه الحاد وأجاب في هدوء: «طوبى للرحماء.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١