الجزء الثاني

سفينة الصحراء

لطالما بدتْ لي القضية التي سأروي تفاصيلها في السطور التالية قضية ذات دلالة كبيرة؛ إذ تبرز قيمة وأهمية تلك القاعدة الأساسية التي أكَّد ثورندايك كثيرًا اتباعها عند إجراء التحقيقات، وهي أن كلَّ الحقائق المتعلقة بأي حال بقضية ما ينبغي جمعُها بحيادٍ وبصرف النظر عن أي فرضيات، وأن كلَّ حقيقة، مهما كانت تفاهتها أو عدم ارتباطها بالقضية في ظاهر الأمر، ينبغي تمحيصُها بعناية. ولكنْ، يتعين عليَّ ألا أستبقَ ملاحظات صديقي الجهبذ الموهوب عن هذه القضية التي سأروي أحداثها للتوِّ، بل سأخوض في الحديث عن القضية نفسها.

كنت قد خلدت للنوم في منزلنا في شارع كينجز بنش ووك، مثلما اعتدت أن أفعل ليومين أو ثلاثة في الأسبوع، وعندما نزلت إلى غرفة الجلوس، وجدت بولتون، مساعد ثورندايك، يضع اللمسات الأخيرة على مائدة الإفطار، في حين انكب ثورندايك على صورتين لبصمات أصابع، وبدا أنه يأخذ قياسات دقيقة لها بدبوس شعر. رحب بي بابتسامته الهادئة الودودة ووضع دبوس الشعر جانبًا، ثم اتخذ مقعده على مائدة الإفطار.

قال لي: «أظنك ستأتي معي هذا الصباح. جريمة قتل كامبرويل.»

«بكل تأكيد، إذا سمحتَ لي، ولكني لا أعرف شيئًا عن القضية. هلا أعطيتني فكرة عامة عن الوقائع المعروفة للقضية؟»

نظر لي ثورندايك بجدية، ولكن كانت في عينه التماعةُ لعوب.

قال: «ما نحن بصدده يُذكِّرني بقصة الثعلب والغراب القديمة، تُسمعني حلوَ الكلام، فأشنف أنا آذانَك بالغناء، فتسقط قطعةُ اللحم المشوي من فمي، وتأخذها أنت وتُطلق ساقَيك للريح. مكيدة مُحكمة يا أخي النابه.»

قلتُ له: «ذاك هو محصلة التعامل مع فئات المجرمين!»

رد بابتسامة خبيثة: «يؤسفني أن تكون هذه نظرتك إلى نفسك، أما بالنسبة إلى هذه القضية، فالحقائق بإيجاز كالتالي: كان القتيل كالدويل، الذي يبدو أنه كان فيما سبق يتاجر في المسروقات، وربما كان يعمل مرشدًا للشرطة كذلك، كان يعيش وحيدًا في منزل صغير خلا من البشر إلا امرأة عجوز تعتني به.

ذهبت العجوز منذ أسبوع لزيارة ابنةٍ متزوجة لها وقضت ليلتها معها، تاركةً كالدويل وحده في المنزل. وعندما عادت في صباح اليوم التالي وجدتْ سيدَها صريعًا على أرضية مكتبه وحوله بركة صغيرة من الدماء.

اكتشف الطبيب التابع للشرطة أنه مات منذ نحو اثنتي عشرة ساعة. قُتل بضربة واحدة من الخلف بأداة ثقيلة، ووُجدت بجانبه على الأرض عتلة تُطابق الجرح تمامًا. كان القتيل يرتدي رداء نوم بدون ياقة، وكان على الأرض شمعدان مقلوب، مع أن المنزل موصل بالغاز؛ ونظرًا لأن نافذة المكتب على ما يبدو فُتحت عنوة بالعتلة التي عُثر عليها، بالإضافة إلى وجود آثار أقدام مميزة على حوض الأزهار الكائن خارج النافذة، تعتقد الشرطة أن القتيل كان يتخفف من ملابسه استعدادًا للنوم عندما سمع صوت فتح النافذة، فنزل إلى المكتب وما إن دخله حتى أرداه اللصُّ الذي كان مختبئًا خلف الباب صريعًا. وجدت الشرطة على زجاج النافذة بصماتٍ لزجة ليدٍ يمنى مفتوحة، وكما تعرف فقد تبيَّن للخبراء تطابق البصمات المعثور عليها مع بصمات مجرم سابق يُدعى بيلفيلد. وكما تعلم أيضًا، فقد أثبتُّ أن تلك البصمات المعثور عليها ما هي إلا بصمات مزيفة في الحقيقة، أُحدثت بطبَّاعات جيلاتينية أو مطاطية. هذا هو ملخص القضية.»

ومع ختام هذا السرد فرغنا من تناول الإفطار، وبدأنا نستعد لزيارة مسرح الجريمة. وضع ثورندايك في جيبه زيَّه الغريب، الشبيه بزيِّ الجيولوجيين الميدانيين، ولملم الصور وخبَّأها، وانطلقنا من طريق إمبانكمنت.

سألتُه ونحن نتقدم بخُطًى مسرعة معًا: «أظن أن الشرطة ليس لديها أيُّ دليل يُمكِّنها من تحديد هوية القاتل، خاصة بعد ثبوت تزوير البصمات، صحيح؟»

ردَّ ثورندايك: «هذا ما أظن، وإن كان من الممكن أن يكونوا قد توصلوا إلى دليل إذا تفقدوا ما لديهم من مواد. لقد أوضحتُ نقطة مثيرة نوعًا ما هذا الصباح؛ وهي أن مَن ترك هذه البصمات الزائفة استخدم طبَّاعتين، واحدةً للإبهام، والأخرى للأصابع الأربع الأخرى، وهاتان الطبَّاعتان صُنعتَا باستخدام نموذج البصمات الرسمي.»

سألتُه: «وكيف اكتشفتَ ذلك؟»

أجابني: «كان ذلك سهلًا للغاية. تذكَّر أن السيد سنجلتون، بقسم البصمات، أرسل إليَّ مع المفتش ميلر صورتين، إحداهما للبصمات التي كانت على النافذة، والأخرى للنموذج الرسمي الذي يحمل بصمات بيلفيلد. فقمتُ بمضاهاتهما وأخْذِ قياسات كلٍّ منهما بدقة بالغة، فتبيَّن لي تطابقهما. حتى العيوب الدقيقة في طباعة البصمات في النموذج — الناتجة عن عدم تحبير الأصابع بعناية كافية — وجدتُها مستنسخة بدقة على زجاج النافذة، ولكن وضعيات الأصابع بالنسبة إلى بعضها ظهرت متطابقة تمامًا في مجموعتَي البصمات. وبالطبع صُنعت بصمة الإبهام من خلال التقاط صورة لبصمة بيضاوية من البصمات المستديرة الموجودة على النموذج.»

قلتُ: «هل تفترض إذن أن هذه الجريمة ارتكبها شخص له صلة ما بقسم البصمات في سكوتلاند يارد؟»

رد ثورندايك: «ليس كذلك تحديدًا. ولكنه شخص يمكنه الوصول إلى هذه النماذج. لقد تسربت تلك النماذج من مكان ما.»

عندما وصلنا إلى المنزل الصغير المنعزل الذي كان القتيل يعيش فيه، فتحت سيدةٌ عجوزٌ الباب، ورحب بنا صديقُنا المفتش ميلر في صالة المنزل.

قال ميلر: «نحن جميعًا مستعدون لاستقبالك يا دكتور. لقد فحصنا كلَّ شيء مرة واحدة بالطبع، ولكننا نُجري الآن فحصًا آخر أكثر تدقيقًا.» وقادنا إلى المكتب الصغير الذي خلا تقريبًا من أيِّ أثاث إلا القليل، والذي وقعت فيه المأساة. دلَّت بُقعةٌ داكنة على السجادة وفتحة مربعة في إحدى النوافذ على ملابسات الجريمة ووقائعها، والتي اكتملت بتشكيلة غريبة من الأشياء وجدناها على الطاولة المغطاة بورق الجرائد. كان من بين هذه الأشياء ملاعق فضية صغيرة، ساعات يد، عدة قطع من الحُليِّ نُزعت منها فصوص الجواهر، رغم انعدام قيمتها، وعتلة بدائية الصنع.

قال المفتش: «لا أعلم لِمَ كان كالدويل يحتفظ بكل هذه الأشياء. توجد أشياء هنا يمكنني التعرف عليها، إذ ارتبطت بست جرائم سطو مختلفة لم يُدَن فيها أحد.»

نظر ثورندايك لمجموعة الأشياء باهتمام فاتر، وبدا عليه الإحباط من العبث الذي نال الغرفة.

سأل ثورندايك: «هل لديك فكرة عما سُرق؟»

رد ميلر: «ليس لديَّ أدنى فكرة بعد. لا نعلم حتى ما إذا كانت الخزينة قد فُتحت. لقد كانت المفاتيح على طاولة الكتابة، لذا أعتقد أن يكون الفاعل قد فتش كلَّ شيء، رغم أني لا أعرف لمَ ترك هذه الأشياء إن كان قد فعل. لقد وجدناها جميعًا في الخزينة.»

سأل ثورندايك: «هل رفعتم البصمات على العتلة؟»

احمرَّ وجه المفتش بشدة وقال مزمجرًا: «نعم، ولكن ستة تقريبًا من الحمقى الخُرق أمسكوا بها قبل أن أراها، كان الحمقى يجربونها على النافذة، لذا لم نتبيَّن عليها إلا بصمات أيديهم العابثة بالطبع.»

قال ثورندايك: «لم تُفتح النافذة عنوةً في الواقع، أليس كذلك؟»

رد ميلر وهو ينظر إلى زميلي متفاجئًا: «كلَّا، كانت تلك حيلة، وآثار الأقدام كذلك كانت حيلة. لا بد أن الفاعل انتعل إحدى أحذية كالدويل وخرج ليترك آثار الأقدام تلك، إلا إذا كان كالدويل هو من تركها بنفسه، وهذا غير وارد.»

سأل ثورندايك: «هل وجدتم أيَّ خطاب أو برقية؟»

رد ميلر: «وجدنا خطابًا يحدد موعدًا لمقابلة في التاسعة مساءً ليلة الجريمة، بدون توقيع أو عنوان، وبالطبع كان خطُّ اليد مفبركًا.»

سأل ثورندايك: «هل هناك أيُّ شيء آخر قد يعتبر دليلًا من أي نوع؟»

رد ميلر: «نعم يا سيدي. وجدنا هذا في الخزينة.» وأخرج طردًا صغيرًا وشرع في فتحه، وهو يرمق ثورندايك بنظرات غريبة نوعًا ما. كان الطرد يحوي العديد من قطع الحُليِّ الصغيرة، وكان هناك طردٌ أصغر حجمًا يتكون من منديل جيب مربوط بشريط، ففتحه المفتش هو الآخر، فظهرت به ستُّ ملاعق فضية عليها جميعًا نفس النقش، ومملحتان، وقلادة ذهبية تحمل حرفًا واحدًا. ووُجد كذلك نصف ورقة مكتوب عليها بخطٍّ يدويٍّ مقلَّد بوضوح: «هذه هي البضاعة التي أخبرتك بشأنها — إف بي.» ولكن ما جذب اهتمام ثورندايك واهتمامي أكثر من كل ذلك هو المنديل نفسه (الذي لم يكن نظيفًا للدرجة وكانت عليه بقعة أو بقعتان من الدم)؛ إذ كُتِب على أحد أطرافه اسم «إف بيلفيلد» مطبوع بخط واضح بحبر تأشير بواسطة طبَّاعة من المطاط.

نظر ثورندايك والمفتش كلٌّ منهما إلى الآخر وابتسمَا.

قال المفتش: «أعلم ما يدور في ذهنك يا سيدي.»

رد ثورندايك: «أنا متأكد من ذلك، ولا جدوى من تظاهرك بعدم موافقتي الرأي.»

قال ميلر بإصرار: «حسنًا، إذا كان المنديل قد دُسَّ هنا عمدًا، فعلى بيلفيلد إثبات ذلك يا دكتور.» وأضاف بلهجة مقنعة: «كما ترى يا دكتور، فالأمر لا يتعلق بهذه القضية وحدها. فهذه الملاعق، والمملحتان، والقلادة كلُّها من مسروقات جريمة سطو وينشمور هيل، ونحن نريد الإيقاع بمن قام بهذا السطو، ونريده بشدة.»

رد ثورندايك: «لا شك في ذلك، ولكن هذا المنديل لن يُفيدَكم؛ فأيُّ محامٍ ذكيٍّ — كالسيد أنستي على سبيل المثال — سوف يُثبت عدم جدواه كدليل في خمس دقائق. أؤكد لك يا ميلر أن المنديل لا قيمة له كدليل على الإطلاق، بينما قد يكون أداةَ بحث لا تُقدَّر. أفضل ما بوسعك فعله هو أن تسلمه لي وتدعني أرى ما يمكن أن نعرفه منه.»

بدا الامتعاض واضحًا على المفتش، ولكنه في النهاية وافق على مضض على اقتراح ثورندايك.

وقال: «حسنًا يا دكتور، سأتركه لك ليوم أو يومين. هل تريد الملاعق والأغراض الأخرى كذلك؟»

رد ثورندايك: «كلَّا، المنديل فقط، والورقة التي كانت فيه.»

وهكذا تسلَّم ثورندايك المنديل والورقة، وأودعهما في علبة من القصدير اعتاد حملها في جيبه، وبعد بضع كلمات إضافية مع المفتش التعس غادرنا المكان.

كان تعليق ثورندايك بعدما غادرنا المنزل: «صباح مخيب جدًّا للآمال. كان من المفترض بالطبع أن يتولَّى خبيرٌ فحصَ الغرفة قبل أن يُرفع أيُّ شيء فيها من مكانه.»

سألتُه: «هل توصلت إلى أي معلومات جديدة؟»

رد ثورندايك: «القليل جدًّا، عدا تأكيد نظريتي الأولى. لقد كان كالدويل هذا تاجرًا للمسروقات، ومن الواضح أنه كان مرشدًا للشرطة. كان يزوِّد رجال الشرطة بمعلومات قيمة، وفي المقابل يمتنعون عن مساءلته. ولكن مَن يعمل جاسوسًا أو «مرشدًا» يمارس الابتزاز كذلك في أغلب الأحيان، والاحتمال الأرجح في هذه القضية أن أحد المجرمين، كان يتعرض لابتزاز وترهيب شديدَين من كالدويل، أرسل إليه يحدد موعدًا للزيارة بحيث يكون المنزل خاليًا إلا منه، ثم حضر وضرب كالدويل على رأسه. من الواضح أن هذه الجريمة كان وراءها تخطيطٌ مسبق، وأن القاتل جاء متأهبًا لضرب عدة عصافير بحجر واحد.، فجلب معه الطباعات التي استخدمها في دسِّ البصمات الزائفة على النافذة، ولا شك لديَّ أنه قد أحضر أيضًا هذا المنديل والفضيات والحُليَّ ذات الصلة بتلك السرقات الأخرى التي كان ميلر معنيًّا بها بشدة، ودسَّها جميعًا في الخزينة. هل لاحظت أن أيًّا من هذه الأغراض لم يكن ذا قيمة، ولكنها جميعًا يسهل التعرف عليها؟»

«نعم، لاحظتُ ذلك، يبدو أنه كان يريد إلصاق السرقات السابقة وجريمة القتل هذه ببيلفيلد المسكين.»

قال ثورندايك: «بالضبط. ويمكنك أن تلاحظ موقف ميلر؛ إنه يعتبر بيلفيلد عصفورًا في اليد، في حين أن الرجل الآخر — إن وُجد — عصفور لم يزل على الشجرة، فرأى أن يلاحق بيلفيلد ويُدينه بالجرم إن أمكن. وإذا كان بريئًا، فهذا شأنه، وهو من عليه إثبات ذلك.»

سألته: «وماذا ستفعل الآن؟»

أجابني: «سأرسل برقية إلى بيلفيلد أطلب منه المجيء للقائنا هذا المساء. فربما يستطيع أن يخبرنا بشيء عن هذا المنديل من شأنه، حين نربط بينه وبين ما بيدنا من أدلة أخرى، أن يضعنا على المسار الصحيح. متى موعد عيادتك؟»

قلتُ: «الثانية عشرة والنصف، وها هي حافلتي قد وصلت. أراك على الغداء.» ركبتُ الحافلة، وعندما اتخذتُ مقعدي في أعلاها ونظرت إلى الخلف أراقب صديقي يمشي بخُطًى نشيطة، أدركتُ أنه كان مستغرقًا في التفكير، على الرغم من انتباهه التلقائي لكل ما يحدث من حوله.

فرغت من عيادتي — وكان معي حالة اختلال عقلي مهمة بعض الشيء — في وقت سمح لي بالعودة إلى منزلنا في موعد الغداء بالضبط، وما إن دخلتُ على ثورندايك حتى وجدتُ على ملامحه ما يشي بجديد، كان يبدو في حالة مؤكدة من النشوة والابتهاج تعلمتُ من خبرتي به أنهما يدلان على تقدُّمٍ أحرزه في قضية متشابكة ومحيرة. غير أنه لم يصرح لي بشيء، بل بدا راغبًا في أن يُنحِّيَ جانبًا كلَّ همومه وشواغله المهنية لبعض الوقت.

قال ثورندايك مبتهجًا: «هلَّا أخذنا إجازة من العمل هذا المساء يا جيرفيز؟ إنه يوم جميل والعمل متباطئ الآن. ما رأيك لو ذهبنا إلى حديقة الحيوان؟ لديهم شمبانزي مذهل، وعينات عديدة من الأسماك من فصيلة نطاط الطين المدهشة تلك. هلَّا ذهبنا؟»

أجبتُه: «بكل سرور، ويمكننا أن نركب الفيل إذا أردت، ونرمي بكِسر الخبز إلى الدب الرمادي، ونجدد شبابنا بوجه عام مثل النسور.»

ولكن حين وجدنا أنفسنا، بعد ساعة، في الحديقة، بدأ الشك يتنامى لديَّ إزاء وجود غرض خفي لدى صديقي من هذه النزهة، إذ لم يجذب انتباهَه الشمبانزي أو ذلك السمك المذهل. على العكس، فقد ظل يتسكع في محيط حيوانات اللاما والجِمال على نحوٍ لم تفتني ملاحظته، وحتى ونحن هناك لم يكن اهتمامُه بالحيوانات نفسها بقدر ما كان بحظائرها ومساكنها.

وبينما كان جمل مسرج يبدو عليه الوهن والمرض يُقتاد نحو مبركه قال لي ثورندايك: «انظر يا جيرفيز، انظر إلى سفينة الصحراء، والهودج العظيم الذي يعلوه وبداخله عدة مقصورات مُحكمة، ويبدو على مفصل فخذه الأيمن آثار التهاب المفاصل الروماتويدي. لنذهب ونفحصه قبل أن ينيخ.» فذهبنا لاعتراض طريق الجمل إلى مبركه، وأخذ ثورندايك يتحدث بلهجة وعظية ونحن ماضيان في طريقنا.

«من المثير أن نلاحظ كيفية تطويع الإنسان للحيوانات المتخصصة، مثل الحصان والرنة والجمل، وكيفية تطويع سماتها الخاصة لتلبية احتياجاته. فكِّر مثلًا في الدور الذي لعبه الجمل في مسار التاريخ، وفي التجارة قديمًا وحديثًا أيضًا، وفي نشر الثقافة، وفي الدور الذي لعبه من حملة قمبيز على مصر، حتى حملة كيتشنر. نعم، الجمل حقًّا حيوان رائع، وإن كان لا بد لي من الاعتراف بأن هذا الجمل تحديدًا يبدو هزيلًا.»

وبينما كان الجمل يقترب، ابتسم في وجه ثورندايك ابتسامة شموخ وخيلاء، كما لو أنه فهم إساءة ثورندايك له، ثم أشاح برأسه بعيدًا.

نظر ثورندايك إلى الرجل الذي كان يقتاد الجمل وقال: «لقد تقدم جملك في السن.»

رد الرجل: «صحيح يا سيدي؛ إنه يهرم، هذه حقيقة. وهو أيضًا يُظهِر ذلك.»

توجه ثورندايك نحو مبرك الجمل بجانب الرجل وقال: «هذه الحيوانات تحتاج للكثير من الرعاية على ما أظن؟»

رد الرجل: «أصبت في ذلك يا سيدي، ومزاجها شديد التقلب.»

قال ثورندايك: «سمعت هذا، ولكنها مخلوقات مثيرة للاهتمام، الجمال وحيوانات اللاما. هل تعرف ما إذا كان من الممكن الحصول مجموعة كاملة من صورها هنا؟»

رد الرجل: «يمكنك الحصول على الكثير منها من غرفة الحارس يا سيدي، لكن ليست مجموعة كاملة على ما أظن. إذا أردت مجموعة كاملة، فستجد أحد زملائي في مبرك الجمل يمكنه أن يوفرها لك؛ إنه يلتقط الصور بنفسه، وهو بارع في ذلك للغاية. ولكنه لم يَصِل بعد.»

قال ثورندايك: «هلا أعطيتني اسمه لأتمكن من مراسلته؟»

رد الرجل: «نعم يا سيدي. اسمه وودثورب، جوزيف وودثورب. سيفعل أيَّ شيء تطلبه. شكرًا لك يا سيدي، طاب مساؤك.» وأعطاه ثورندايك بقشيشًا لم يتوقعه، وبعدها اقتاد الرجل الجمل إلى المبرك.

بدا اهتمام ثورندايك البالغ بالجمال وقد تلاشى فجأة، وسمح لي باصطحابه إلى أي مكان أريد في الحديقة، مبديًا اهتمامًا كبيرًا بكل سكان الحديقة من الحشرات إلى الأفيال، ومستمتعًا بنزهته المزعومة بابتهاج ونشاط تلميذ في المدرسة. ومع ذلك لم يفوِّتْ فرصةً لالتقاط شعرة من هنا أو ريشة من هناك، ولكنه كان يلتقطها بعناية ويلفُّ كلًّا منها في ورقة منفصلة، ويكتب على كل ورقة وصفًا لمحتواها، ويضعها في العلبة القصدير الصغيرة التي يجمع فيها العينات.

وبينما كنا ننصرف عن السياج المحيط بالنعام، قال لي: «لا نعرف متى قد تكون مقارنة أيٍّ من هذه العينات بأخرى ذات أهمية حيوية. هذه مثلًا ريشة صغيرة لطائر الشبنم، وهذه شعرة لأيل الألكة. وقد يأتي يوم تساعدُنا معرفتنا بهذه أو تلك، في ظروف معينة، في كشف مُجرم أو إنقاذ حياة بريء. حدث ذلك كثيرًا، وقد يحدث في الغد القريب.»

قلت ونحن في طريقنا إلى المنزل: «لا بد أن في خزانتك مجموعةً ضخمة من الشعيرات.»

قال لي: «هذا صحيح، لعلها تكون أكبر مجموعة من نوعها في العالم. أما الأشياء المجهرية الأخرى التي قد تُفيد في الطب الجنائي كالأتربة والطين التي تأتي من مواقع متنوعة وتتخلف عن صناعات أو حِرَف خاصة، وكذا الأنسجة والمنتجات الغذائية والعقاقير، فلديَّ مجموعة فريدة منها.»

سألتُه: «وهل وجدتَها مفيدة لك في عملك؟»

أجابني: «دائمًا؛ كثيرًا ما توصلتُ إلى ما لا يخطر بالبال من الأدلة بالرجوع إلى تلك المجموعة، وكلما طالت ممارستي للطب الجنائي، زدتُ اقتناعًا بأن الميكروسكوب هو عصبُه.»

«بالمناسبة، قلت إنك تريد إرسال برقية إلى بيلفيلد. فهل فعلت؟»

«نعم. طلبتُ منه أن يأتيَ لزيارتي الليلة في الثامنة والنصف، وأن يُحضرَ معه زوجته إن أمكن. أريد أن أحلَّ لغز هذا المنديل.»

سألته: «ولكن هل تعتقد أنه سيخبرك الحقيقة بشأنه؟»

قال: «يستحيل الجزم بذلك، حمقٌ منه ألا يفعل. لكني أعتقد أنه سيقول الحقيقة، فهو يخافني ويخاف طرائقي وحيلي بشدة.»

ما إن فرغنا من العشاء ورُفعت الأطباق، أخرج ثورندايك علبة جمع العينات من جيبه وأخذ يُفرز غنيمة اليوم، ويصدر تعليماته الصارمة لبولتون حول كيفية التصرف في كل عينة. الشعيرات والريشات الصغيرة تُثبَت في مكان حفظ الأغراض المجهرية، بينما الريشات الكبيرة يُوضع كلٌّ منها في مظروف منفصل يُوضع عليه ملصق يصف محتواه ثم تجمع المظاريف معًا في العلبة المخصصة لذلك. وبينما تواترت التعليمات على بولتون، وقفتُ أحدِّق من النافذة في شرود، مواصلًا الإنصات في سبيل تعلم الكثير من الأساليب المفيدة في التحضير للعمل وحفظ العينات، وأبهرتني كثيرًا معرفةُ زميلي الواسعة بأدق التفاصيل العملية، وأسلوبه المثالي في تدريب مساعده. وفجأة انتبهت لشخص مألوف المظهر قادم من مقر كراون أوفيس روو وكان واضحًا أنه متجه إلى منزلنا.

صحتُ: «يا إلهي، ثورندايك، استعد للورطة القادمة!»

نظر ثورندايك نحوي وقال في قلق: «ما الخطب؟»

أجبته: «المفتش ميلر قادم نحونا مباشرة، والساعة الآن الثامنة وعشرون دقيقة.»

ضحك ثورندايك وقال: «سيكون موقفًا غريبًا، وسيمثل صدمةً لبيلفيلد نوعًا ما. لكن لا بأس على أي حال؛ بل أعتقد أنني سعيد بمجيئه.»

وبعد لحظات سمعنا طرقات المفتش السريعة على الباب، وبعدما أدخله بولتون أجال نظره في الغرفة على استحياء بعض الشيء.

قال بلهجة اعتذار: «يؤسفني أن آتيَ وأُقلقك على هذا النحو يا سيدي.»

كان ثورندايك يضع ريشة الشبنم في مظروف على مهل ويكتب عليه من الخارج اسم الطائر وتاريخ ومكان أخذ العينة، فقال له وهو منهمك في ذلك: «لا عليك، أنا خادمك في هذه القضية.» ثم قال: «بولتون، كأس من الويسكي بالصودا للمفتش.»

واصل ميلر حديثه: «الأمر أن زملائي بدءوا يُثيرون ضجة بشأن هذه القضية، ويعترضون على منحي إياك المنديل والورقة؛ إذ من المفترض أن يُحرَّزا باعتبارهما من الأدلة.»

قال ثورندايك: «توقعتُ اعتراضهم.»

رد ميلر: «وأنا أيضًا يا سيدي، وهم معترضون بالفعل. وباختصار، يقولون إن عليَّ إعادة المنديل والورقة على الفور. أتمنى ألا يُزعجَك ذلك يا سيدي.»

قال ثورندايك: «على الإطلاق. لقد طلبت من بيلفيلد المجيء إلى هنا الليلة، وأتوقع حضوره خلال دقائق قليلة، وعندما أسمع ما لديه لن يكون لديَّ حاجة إلى المنديل.»

صاح المفتش في هلع: «إنك لن تريَه المنديل!»

رد ثورندايك: «بل سأريه إياه بالتأكيد.»

قال المفتش: «يجب ألَّا تفعل يا سيدي، لا يمكنني السماح بذلك، حقًّا لا يمكنني.»

قال ثورندايك وهو يُشير بسبابته في وجه المفتش: «اسمع يا ميلر، أنا أعمل لحسابك في هذه القضية، كما قلتُ لك. فلتدع الأمر لي. كُفَّ عن إثارة اعتراضات سخيفة. وقبل أن تنصرف من هنا الليلة لن يكون معك المنديل والورقة فحسب، بل ربما سيكون معك كذلك اسم وعنوان الرجل الذي ارتكب جريمة القتل هذه وجرائم السطو العديدة التي تهمُّك تلك.»

رد المفتش مشدوهًا: «حقًّا يا سيدي؟ يبدو أنك لم تُضِع وقتًا.» وحينئذٍ سُمع طرقٌ خفيف على الباب، فقال المفتش: «أظنه قد جاء.»

وكان الطارق بيلفيلد بالفعل، ومعه زوجتُه، وقد انزعجَا بشدة عندما وقعت عيونُهما على زائرنا.

قال ميلر بلطف شديد: «لا داعي للخوف مني، لستُ هنا في أثرك.» لم يكن ذلك صحيحًا تمامًا، ولكنه هدَّأَ من روع السجين السابق.

قال ثورندايك: «لقد جاء المفتش بالصدفة، ولكن من الجيد أن يسمع ما سيدور بيننا. أريد منك أن تنظر إلى هذا المنديل وتُخبرني إن كان منديلك. لا تخشَ شيئًا، فقط قُلِ الحقيقة ببساطة.»

وأخرج المنديل من أحد الأدراج، وفرده على الطاولة، وحينها لاحظتُ أن مربعًا صغيرًا قد قُصَّ من إحدى بقع الدم.

أمسك بيلفيلد المنديل بيديه المرتجفتين، وشحب وجهه تمامًا حين وقعت عيناه على الاسم المكتوب في طرف المنديل.

قال بصوت متحشرج: «يبدو أنه منديلي، ما قولكِ يا ليز؟» وناول زوجتَه المنديل.

تفحصت السيدةُ بيلفيلد الاسم أولًا ثم طرف المنديل وقالت: «إنه منديلك بالتأكيد يا فرانك. إنه المنديل الذي تبدَّل في الغسيل.» وأردفتْ مخاطبةً ثورندايك: «لقد اشتريتُ له نصفَ دزينة مناديل جديدة منذ ستة أشهر تقريبًا، وكلَّفتُ أحدَهم بصنع طبَّاعة مطاطية واستخدمتُها في طباعة هذه العلامة على كل المناديل. وذات يوم بينما كنتُ أتفقد أشياءه، لاحظتُ أن أحد المناديل ليست عليه العلامة. سألت الغاسلة عن الأمر، لكنها لم تستطع أن تعطيَني تفسيرًا، ومن ثَم لم نتمكن من استعادة المنديل الصحيح قط؛ فوضعتُ العلامة على المنديل البديل الذي حصلنا عليه عوضًا عن الأصلي الذي ضاع.»

سأل ثورندايك: «ومتى حدث ذلك؟»

ردت: «لاحظتُ ذلك منذ شهرين تقريبًا.»

«ولا تعرفين شيئًا آخر عن الأمر.»

«لا شيء على الإطلاق سيدي. ولا أنت يا فرانك، أليس كذلك؟»

هزَّ زوجُها رأسَه واجمًا، وأعاد ثورندايك المنديل إلى الدرج.

ثم قال: «والآن سأسألك سؤالًا عن موضوع آخر. عندما كنتَ في هولوواي كان هناك سجَّان، أو مساعد سجان، اسمه وودثورب. هل تتذكره؟»

«نعم يا سيدي، أتذكره جيدًا جدًّا؛ في الحقيقة هو مَن …»

قاطعه ثورندايك: «أعلم. هل التقيتَ به منذ غادرتَ هولوواي؟»

«نعم يا سيدي. رأيته اثنين الفصح الماضي. التقيتُ به في حديقة الحيوان؛ فهو يعمل هناك الآن حارسًا لبيت الجمل.» (وعندئذٍ اتضح لي أمرٌ ما فجأة وضحكتُ بصوتٍ عالٍ، وهو ما استغربه بيلفيلد كثيرًا) ثم تابع: «سمح لابني الصغير بجولة قصيرة على ظهر أحد الجمال وكان لطيفًا للغاية.»

سأل ثورندايك: «وهل تتذكر حدوثَ أيِّ شيء آخر؟»

«نعم يا سيدي، وقعت حادثة صغيرة للجمل؛ فقد توقف فجأة — إذ كان شكسًا حادَّ المزاج — واصطدمتْ ساقُه بعمود كان يبرز منه مسمار، وأحدث المسمار جرحًا صغيرًا في جلد الجمل. فأخرج وودثورب منديله لربط الجرح، ولما لم يكن منديله نظيفًا، قلت له: «لا تستخدم هذا المنديل يا وودثورب؛ خذ منديلي.» وكان نظيفًا تمامًا. فأخذه ولفَّ به ساق الجمل، وقال لي: «سأغسله ثم أرسله إليك، إذا أعطيتني عنوانك.» لكني أخبرته أن لا داعي لذلك، وأنني سأمر ببيت الجمل في طريق خروجي وآخذ المنديل، وبالفعل مررتُ ببيت الجمل في طريق خروجي بعد ساعة تقريبًا، فأعطاني وودثورب منديلي مطويًّا لكن غير نظيف.»

«وهل فحصت المنديل وتأكدت أنه منديلك؟»

«كلَّا يا سيدي. وضعتُه في جيبي على حاله فحسب.»

«وماذا حدث للمنديل بعد ذلك؟»

«ألقيتُ به في سلة الغسيل عندما عدتُ إلى المنزل.»

«أهذا كل ما تعرف عن المنديل؟»

«نعم سيدي، هذا كل ما أعرف.»

«حسنًا يا بيلفيلد، يكفي ذلك. الآن لا داعي للقلق. ستعرف قريبًا كلَّ تفاصيل جريمة قتل كامبرويل، هذا إذا كنت تقرأ الصحف.»

أزاحت هذه الطمأنات همًّا ثقيلًا عن قلب السجين السابق وزوجته، فغادرَا وقد انفرجت أساريرهما. وعندما غادرَا، أخرج ثورندايك المنديل، ونصف الورقة وأعطاهما المفتش، وقال:

«ما وصلنا إليه مرضٍ للغاية يا ميلر؛ يبدو أن تفاصيل القضية تتكشف بوضوح تام. منذ شهرين لاحظت الزوجة أولًا تبديل المنديل، وفي اثنين الفصح الماضي، أي منذ أكثر من شهرين بقليل، وقع هذا الحادث المهم للغاية في حديقة الحيوان.»

قال المفتش محتجًّا: «كلُّ ذلك رائع يا سيدي، لكن ليس معنا سوى أقوالهما كما تعلم.»

رد ثورندايك: «ليس ذلك صحيحًا، بل لدينا دليلٌ دامغ يعضد هذه الأقوال. هل لاحظتَ أني قصصتُ قطعة صغيرة من الجزء الملطخ بالدم من المنديل؟»

قال ميلر: «لاحظتُ ذلك، وأسفتُ لفعلتك هذه، فلن يقبلها زملاؤنا.»

فقال ثورندايك: «ها هي القطعة المجتزئة، وسنطلب من الدكتور جيرفيز إعطاءَنا رأيه بشأنها.»

أخرج من الدرج الذي كان المنديل مخبَّئًا فيه شريحة ميكروسكوب، ووضع الميكروسكوب على الطاولة، ووضع الشريحة على منصة الفحص.

ثم قال: «والآن يا جيرفيز، أخبرنا بما ترى.»

فحصتُ حافة المربع الصغير المجتزأ من المنديل (وكان موضوعًا في مادة كاشفة سائلة) بعدسة شيئية ذات قدرة تكبير عالية، وظللتُ لوهلة متحيرًا قليلًا من مظهر الدم الذي التصق بقطعة النسيج.

بعد قليل قلتُ ببعض التردد: «يبدو كدم طائر، ولكني لا أجد أيَّ أنوية.» ألقيتُ نظرة أخرى، وفجأة صحتُ: «يا إلهي! وجدتها؛ بالطبع! إنه دمُ جمل!»

مال المفتش إلى الأمام متحمسًا وسأل: «أهذا صحيح يا دكتور؟»

رد ثورندايك: «أجل صحيح، اكتشفتُه بعدما عدتُ إلى المنزل هذا الصباح، لا يمكن أن تُخطئَه العين. تقول القاعدة إن كريات الدم دائرية في جميع الثدييات عدا في فصيلة الجمليات؛ إذ تكون بيضاوية.»

قال ميلر متعجبًا: «هذا يربط وودثورب بجريمة قتل كامبرويل على ما يبدو.»

قال ثورندايك: «بل يربطه بها على نحو قاطع. أنسيت البصمات؟»

بدا المفتش حائرًا وتساءل: «ماذا عنها؟»

رد ثورندايك: «لقد طُبِعت بطبَّاعات، تحديدًا طباعتان، صُنعتَا بعملية ضوئية من نموذج البصمات الرسمي. يمكنني إثبات ذلك بما لا يَدَعُ مجالًا للشك.»

قال المفتش: «حسنًا، لنفترض أن هذا صحيح. ماذا يعني ذلك؟»

فتح ثورندايك أحد الأدراج وأخرج صورة فوتوغرافية وأعطاها لميلر وقال: «هذه صورة لنموذج البصمات الرسمي الذي تكرمت بإحضاره إليَّ. هل ترى المكتوب في الأسفل؟» وأشار بإصبعه.

قرأ المفتش بصوت عالٍ: «أخذ البصمات جوزيف وودثورب، الرتبة: حارس، سجن هولوواي.» وحدَّق في الصورة للحظة ثم صاح:

«يا للعجب! حللتَ اللغز ببراعة يا دكتور، وبسرعة كذلك. سيكون اعتقال السيد وودثورب أول ما نفعل صباح الغد. لكن فعلها في اعتقادك؟»

رد ثورندايك: «كان من الممكن أن يأخذ بصماتِ السجين مرتين ويحتفظ بالنسخة الإضافية معه، ولم يكن السجناء ليعرفوا أن ثمة خطأً في الأمر، ولكنه لم يفعل ذلك في هذه الحالة. لا بد أنه خطَّط لالتقاط صورة فوتوغرافية للنموذج قبل حفظه، وهو الأمر الذي يستغرق من مصور بارع دقيقة أو دقيقتين فحسب، باستخدام كاميرا يدوية مناسبة تُوضع على طاولة على مسافة مناسبة من الحائط؛ وقد تأكدتُ بنفسي أنه مصور بارع. أغلب الظن أنكم ستجدون الكاميرا والطباعات كذلك إذا فتشتم مسكنه.»

قال ميلر: «حسنًا، حسنًا. إنك تُذهلنا بالمفاجآت يا دكتور. لكن عليَّ الانصراف الآن لاستصدار مذكرة الاعتقال. طابت ليلتُك يا سيدي، وشكرًا جزيلًا على المساعدة.»

عندما انصرف المفتش جلسنا لوهلة ينظر أحدُنا إلى الآخر في صمت. ثم تحدث ثورندايك قائلًا: «هذه القضية، رغم بساطتها، تُعلِّمنا درسًا قيِّمًا للغاية، درسًا ينبغي أن تَعيَه تمامًا، تظلُّ قيمةُ أيِّ حقيقة باعتبارها دليلًا مجهولةً حتى تخضع للفحص والتدقيق. قد يبدو ذلك من البديهيات، ولكنْ دائمًا ما يُغفَل عنه في التطبيق العملي، شأنُه شأنُ الكثير من البديهيات الأخرى. ففي هذه القضية مثلًا، عندما غادرت منزل كالدويل هذا الصباح كنتُ قد توصلت للحقائق التالية: (١) قاتل كالدويل كانت له صلة مباشرة أو غير مباشرة بقسم البصمات. (٢) كان من المؤكد أنه مصور ماهر. (٣) من المرجح أنه هو نفسه من ارتكب جريمة السطو في وينشمور هيل وجرائم السطو الأخرى. (٤) كان كالدويل يعرفه، وله معاملات معه على صعيد العمل، وربما كان كالدويل يبتزُّه. هذا كلُّ ما كان لديَّ، أدلة غامضة للغاية كما ترى.

وهناك وجدنا المنديل، الذي لم أشكَّ للحظة في أنه مدسوس، ولكن لم يكن بمقدوري إثباتُ ذلك؛ كان الاسم المطبوع عليه هو بيلفيلد، ولكنَّ أيَّ شخص يمكنه أن يحصلَ على طبَّاعة مطاطية. وكان ملطخًا بالدم، كالمعتاد مع المناديل، وهذا الدم قد يكون دمًا بشريًّا أو غير ذلك، ولم يبدُ مهمًّا على الإطلاق أن نتحقق من مصدر الدم. ومع ذلك، قلتُ لنفسي: لو كان دمًا بشريًّا أو على الأقل دمَ أحدِ الثدييات، فهذه حقيقة، أما إذا لم يكن كذلك، فتلك حقيقة مختلفة. كان عليَّ جَمْعُ الحقائق، ثم بعد ذلك أعرف قيمتها. فحصتُ البقعة عند عودتي إلى المنزل، والمفاجأة أن الدم كان دمَ جملٍ، وإذا بهذه الحقيقة التافهة تتحول في الحال إلى دليل بالغ الأهمية. والباقي كان واضحًا. كنتُ قد رأيتُ اسمَ وودثورب على نموذج البصمات، وكنتُ أعرف عددًا من المسئولين الآخرين. كانت مهمتي هي زيارة كلِّ مكان في لندن فيه جمال، وجمْعُ أسماء كلِّ مَن لهم صلة بالجمال لأعرف ما إذا كان أحدهم يُجيد التصوير الفوتوغرافي. وكان من البداهة أن أزور حديقة الحيوان أولًا، ومع تلك المحاولة الأولى وصلتُ إلى جوزيف وودثورب. لذا أقولها مجددًا: لا تستهِنْ بأي حقيقة قبل أن تدقق فيها.»

لم يَرِد ذكر الأدلة المثيرة المذكورة أعلاه في المحاكمة، ولم يظهر اسم ثورندايك بين أسماء الشهود؛ فعندما فتَّشت الشرطة مسكن وودثورب، عُثر على الكثير من الأدوات التي تُثبت جرمه (وكان منها طباعتان لبصمات الأصابع تطابقتا مع وصف ثورندايك لهما تمامًا، وعددٌ من الصور الفوتوغرافية لنماذج البصمات)، فلم يكن ثمة شكٌّ في إدانته، وسرعان ما فُصد ذلك الدم الفاسد من جسم المجتمع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١