تمهيد

(١) انتهى الباب السابق من إسقاط المعيار الشائع لتمييز العلم؛ أي المنهج الاستقرائي، غير أن هذه النظرية العتيقة ليست هي المحاولة الوحيدة، فهناك محاولات أخرى أجل شأنًا وأعظم خطرًا، فلو كان هذا العصر قد لُقِّب «بعصر التحليل» فإننا الآن بإزاء معايير مذهب من أخطر مذاهب هذه الفلسفة التحليلية من جهة، والفلسفة العلمية من الجهة الأخرى، أعني مذهب الوضعية المنطقية «الولد القلقال المقلاق المثير للمتاعب في الفلسفة المعاصرة.»١

(٢) والتعرُّض لهذا المذهب ذو أهمية قصوى لموضوعنا، فلو عدنا مثلًا لسلسلة عبقريات العقاد — باستثناء عبقريتي النبيين محمد وعيسى — لوجدناها دائمًا تحوي فصلًا يحرص عليه العقاد ويسميه: مفتاح الشخصية، يحاول فيه الاهتداء إلى مدخل إذا دخلنا منه تفتحت أمامنا مغاليق العبقرية «عمر: العدل، أبو بكر: الصدق، خالد: الجندية … وهكذا» ويبدو هذا الفصل وكأنه الهدف المروم من الترجمة بأسرها.

والواقع أنه مناط الابتكار والإبداع في العبقريات — إن كان فيها إبداع — وبغيره ما كان للعقاد أن يقدم جديدًا يعيننا على فهم الشخصية.

أما الآن فيمكن أن نقول ببساطة: إن مذهب الوضعية المنطقية هو مفتاح الشخصية الفلسفية لبوبر؛ فقد قال فيكتور كرافت — عضو الدائرة٢ ومؤرخها: إن أعمال بوبر لا يمكن أن تُفْهمَ فهمًا تأصيليًّا genetically بغير الإشارة إلى دائرة فيينا التي هي ذات أهمية عظمى في تطوره الفلسفي،٣ وقد أوضح بوبر أن عمل كارناب «التركيب المنطقي للغة» قد شكَّل بداية ثورة في تفكيره الفلسفي،٤ وكان بوبر على علاقة شخصية بأعضاء الدائرة كارناب وفيجل وفيزمان ومنجر وجودل وفيكتور كرافت وإدجار تسيلزل.
والوضعية ليست المفتاح فحسب، فتوضيح المفكر في إطار عصره شيء ضروري، والوضعية المنطقية هي الإطار بالنسبة لبوبر، فازدهارها وسيطرتها على المناخ الفكري والفلسفي كان مواكبًا زمانيًّا ومكانيًّا لنشأة بوبر الفلسفية في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، في جامعة فيينا، بل ولاحقته هذه السيطرة إلى إنجلترا حين هاجر إليها، وكان من جراء هذا أن المشاكل التي شغلت كليهما متشابهة إلى حد كبير؛ مشكلة معيار العلم ومنهجه، مشكلة أسس المعرفة التجريبية، والأهم أن كليهما فيلسوف علم وداعية فلسفة علمية، ينطلق من نفس المنطلق التجريبي، وإن كانت انطلاقاتهما التجريبية، وطرق إحاطتهما بالمشاكل مختلفة إلى حد كبير، وأيضًا من نقاط الالتقاء القول بوحدة المنهج بين العلوم الطبيعية والإنسانية، لكن الوضعيين ينادون بالوحدة؛ لأن الاستقراء هو منهج العلم الواحد والوحيد، سواء طبيعي أو إنساني، أما بوبر فينادي بالوحدة على أساس «م١ أ أ ح ح م٢» التي تعني وحدة البناء المعرفي وتماثل أسلوب حلقاته، وأن منهج العلم ليس خاصًّا به … إلخ؛ أساسَا الدعوتين بوحدة المنهج متناقضان.
على العموم، فإن تواكبهما الزماني والمكاني، وانشغالهما بمشاكل متشابهة، قد أدى إلى انتشار خطأ كبير هو أن «بوبر وضعي منطقي، أو على أحسن الفروض وضعي منشق يحل القابلية للتكذيب محل القابلية للتحقيق.»٥ إلا أن العكس تمامًا هو الصحيح، لم يكن بوبر أبدًا وضعيًّا بأية صورة من الصور، لا منطقية ولا غير منطقية، بل وإن عضو الجماعة، العالم الاقتصادي الكبير أوتو نيوراث Otto Neurath يلقبه — على سبيل المزاح — ﺑ «المعارض الرسمي».٦
ذلك لأن موقف بوبر من الجماعة هو الموقف النقدي، موقف الهجوم الرافض، ولم يفكر في تأليف الكتب وإخراج أول أعماله «منطق الكشف العلمي» إلا من أجل نقدهم وتبيان أخطائهم أولًا وقبل كل شيء، وكان حضوره لبعض من الاجتماعات الفرعية للدائرة في منزل العضو إدجار تسيلزل، ليُلقي عليهم محاضرة هي نقد لهم، وأكثر من ذلك فإن المؤرخ جون باسمور يطرح تساؤلًا: من الذي قضى على الوضعية المنطقية؟ وبوبر يخشى أن يكون هو المسئول.٧

(٣) إذن الموقف النقدي هو الأساس، بصفة أكثر شمولًا يمكن أن نقول: إن فلسفة بوبر هي رد فعل للوضعية المنطقية، ولاكتساحها العاتي لبيئته الفلسفية، ولولا مذهب الوضعية المنطقية لما عرفنا اسم بوبر مقرونًا بهذا اللقب الرائع الجميل «فيلسوف»، بل ولما عرفناه البتة ولظل مدرسًا في المدارس الثانوية وفي الجامعات، كان بوبر قانعًا بحياته كمدرس وسعيدًا بها، يقرأ ويفكر ويدوِّن ما وصل إليه من أفكار وانتقادات، ويواظب على متابعة الحركة الفلسفية والعلمية والفكرية؛ فقط لأنه مثل قلة وهبهم الله هذه الهبة الرائعة الجليلة؛ متعة تذوق الفكر والبحث العلمي، لكن الوضعية المنطقية هي علة كونه فيلسوفًا محترفًا، فقد ألحَّ عليه طغيان المذهب طغيانًا يأباه علميًّا وفلسفيًّا، وكان هذا الإباء هو الحافز المباشر والأول، وربما الأخير لإخراج «منطق الكشف العلمي» عام ١٩٣٣م.

بل وأكثر من هذا، فإن الكتاب قد نشرته دائرة فيينا في سلسلة منشوراتها، ونظرًا للعلاقة الشخصية بين بوبر والمذهب، فإن شليك وفرانك هما اللذان أعدَّاه للنشر، ويقول بوبر: إنه لم يكن ينوي أبدًا إصدار كتاب كامل؛ لأن إصدار الكتب مناقض لأسلوبه في الحياة، لولا أنه عرض بعضًا من أفكاره على صديقه الوضعي هربرت فيجل، فأخبره بأنها ثورية وضرورية للنشر، ثم رحل فيجل إلى أمريكا وترك بوبر يفكر في إخراج كتاب، وكان صديقه هنري جومبريش يحذره من صعوبة هذا العمل، وأن نشر الأفكار الفلسفية، ومحاولة احتلال مكان بين الفلاسفة أمر في غاية الصعوبة، ووالده لا يريده أن يؤلف كتابًا؛ مخافة أن ينتهي به المطاف إلى أن يصبح مجرد صحفي، أما زوجته فإنها تريده أن يقضي أوقات فراغه يمارس معها هوايتهما المفضلة؛ الانزلاق على الجليد وتسلق الجبال، لا في تأليف الكتاب،٨ لكن يبدو أن تأثير فيجل كان قويًّا فنشر بوبر الكتاب بمعاونة دائرة فيينا، فلاقى نجاحًا كبيرًا، فتح أمامه الطريق الفلسفي.

هكذا كانت الوضعية المنطقية هي الدافع شكلًا وموضوعًا، الذي دفع بوبر إلى التفلسف.

(٤) لكن موقف بوبر ليس سلبيًّا بحيث تحدد الوضعية إطار فكره، ثم يأتي هو يتلقى آراءها لينقدها، بل إن موقفه فعال لأقصى الدرجات، أوَلم نره يستشعر المسئولية إزاء انتهائها، فكتابه «منطق الكشف العلمي» المصبوب أساسًا في صورة نقد للوضعية المنطقية، ناقشه بعض من أعضاء الدائرة قبل نشره،٩ ولم يملك الوضعي المنطقي كارل همبل إلا أن يقول عنه: «إنه عمل رائع ومثير، يتناول على وجه الخصوص البنية الاختبارية للنظريات العلمية بدرجة متقدمة إلى حد كبير.»١٠
أثر بوبر كبير في نمو الدائرة وتطوراتها، خصوصًا على كارناب — كما اعترف هو — في أكثر من موضع، وإذا كان المؤرخون يجمعون على أن فتجنشتين هو الأب الروحي للوضعية المنطقية التي تكاد تكون لازمة منطقية عن رسالته، فإن فيكتور كرافت يقول: «إن الوضعية تدين كثيرًا لبوبر من أجل تطورات جوهرية طرأت على مبادئهم بسببه مما أكسبهم قوى من خارجهم بالإضافة إلى قواهم الخاصة، بحيث حل بوبر محل فتجنشتين في التأثير على الدائرة في إحدى مراحلها المتأخرة.»١١

أثر بوبر عليهم قويًّا حقًّا؛ فقد لاحظنا في نهاية الباب السابق تأثير نظريته المنهجية على كارل همبل مثلًا، وسيبدو هذا الأثر أكثر حين عرض محاولات الوضعية لتمييز العلم، وهي المشكلة التي تشغل بوبر أساسًا، إلا أن مضاهاة بوبر بفتجنشتين في التأثير عليهم مبالغة حقًّا، ولكنها رأي فيكتور على أية حال.

(٥) العلاقة بينهما تبادلية متشابكة معقدة، ولما كانت الدراسات المقارنة هي إحدى المناهج كان من الأجدى تطبيقها هنا بين بوبر والوضعية المنطقية.١٢
لذلك سنعرض فلسفة الوضعية المنطقية١٣ بصفة عامة، ثم نعرض معاييرها لتمييز العلم لنناقش رأي بوبر في هذا وذاك، ونعقب عليه بما نرى.
١  د. يحيى هويدي، ما هو علم المنطق: دراسة نقدية للفلسفة الوضعية المنطقية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٦٦م، ص٢٩.
٢  أي دائرة فيينا، وهي الجماعة الفلسفية التي أنشأت مذهب الوضعية المنطقية.
٣  Victor Kraft, Popper and the Veinna Circle, in The Philosophy of Karl Popper, P. A. Schilpp (ed.), Volume I, p. 185.
٤  K. P., C. and R. p. 211.
٥  Bryan Magee, Karl Popper, p. 6.
٦  K. P., U. Q., p. 86.
٧  Ibid, p. 87.
٨  Ibid, p. 88–90.
٩  Victor kraft, Popper and the Vienna Circle, p. 186.
١٠  كارل همبل، فلسفة العلوم الطبيعية، ص١٧٣.
١١  Victor Kraft, Popper and the Vienna Circle, p. 200.
١٢  من الناحية الأخرى يبدو من الملائم تمامًا أن يأتي الحديث عن نقد بوبر للوضعية ومعاييرها في أعقاب الحديث عن نقده للاستقراء — كما أوضح بيتر مونز — فقد قال مونز: إن هناك معنيين للاستقراء؛ معنى خاص هو حصر القوانين العلمية على تعميم حالات تجريبية، وهو المعنى العلمي المنهجي؛ ومعنى عام هو حصر مسميات الألفاظ على وقائع تجريبية تدل عليها، وهو المعنى الذي يرومه الوضعيون ووضعوا من أجله معيار التحقق خصوصًا.
See Peter Munz, Popper and Wittgenstein, in: The Critical Approach to science and Philosophy, by Mario Bunge (ed.).
١٣  سنضطر إلى عرض سريع مبتسر، وثمة عرض أفضل في بحثنا المنشور بالكتاب التذكاري الذي أصدرته جامعة الكويت على شرف د. زكي نجيب محمود، ص٧١–٩٨، وثمة عرض أوفى وأشمل وأعمق للتحليلية والوضعية ومعاييرها لتمييز العلم في كتابنا «تيارات الفكر المعاصر».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١