الخاتمة

(١) بوبر كانط القرن العشرين

أول ما يقال في خاتمة الحديث عن بوبر: إنه بلا مراء كانط القرن العشرين؛ فقد سبق أن وضع كانط بذرة الموقف التجريبي النقدي في العصر الحديث،١ وكانت فلسفته نقطة البداية لكل الفلسفات النقدية التجريبية،٢ وجاء بوبر ليسير على نهج السنن العظيمة التي اختطها كانط لفضِّ النزاع الناشب أظفاره في بنية الإبستمولوجيا لدرجة تجعله يدخل في صميم تعريفها؛ أي النزاع بين المثالية والتجريبية، فالإبستمولوجيا منذ نشأتها مع الإغريق وحتى كانط تنقسم قسمين — كل قسم بالطبع داخله فروع — بينهما هوة عميقة لا سبيل إلى اجتيازها، أحدهما مثالي يقول: إن العقل هو المصدر الأوحد للمعرفة، والآخر مادي يقول: إن تجربة الحواس هي المصدر الأوحد للمعرفة، وليس هذا النزاع مقصورًا على الإبستمولوجيا فحسب؛ إذ يمكن القول: إن المسألة الأساسية العظمى في كل فلسفة هي علاقة الفكر بالكائن، أو علاقة العقل بالطبيعة المادية، أيهما يسبق الآخر العقل أم الطبيعة، وطوال عهود الفلسفة كان يبدو أن الحل الوحيد المطروح هو أحد الجانبين دون الآخر، فإما الفكر لتكون المثالية، وإما الطبيعة لتكون المادية.
ولم يحاول أحدٌ التوفيق بين الجانبين كما فعل كانط حين قال: إن العقل يساهم في المعرفة بالمقولات والمفاهيم، التي تملؤها تجربة الحواس بالحدوسات، فأدخل المثالية بهذا في صميم المعرفة بطريقة تجعلها تتفادى كل جنوحات المثالية؛ لأن المثالي ها هنا لم يعد له وجود أنطولوجي مستقل ولا كيان فردي قائم بذاته، بل هو مبدأ منظم ضروري لاستعمال التجربة، يكملها ويضفي عليها وحدة نسقية،٣ فلقد تبين كانط أن كل محاولة لإقامة حكم قبلي عن الأشياء لم تفز بطائل، مما دعا الفلاسفة خصوصًا بعد ازدهار العلم الطبيعي، إلى تصور المعرفة وكأنها تقتفي أثر الأشياء، وأصبح التصور السائد هو أن الموضوع له كيان مستقل وهيكل ثابت يحاكيه الذهن في المعرفة محاكاة منفعلة سلبية، حتى جاء كانط ليؤكد أن الموضوعات لكي تُعْرَف لنا لا بد أن تأتي موافقة للتصورات والمبادئ التي تملكها أذهاننا، والتي تضفي على الأشياء المشتتة وحدة ونظامًا،٤ فأقام كانط بهذا الثورة الكوبرنيقية، حين تساءل: أترانا أسعد حظًّا لو أننا افترضنا أن الأشياء هي التي تقتفي أثر معرفتنا، شأننا في هذا شأن كوبرنيقوس حين تبين له عجزه عن تفسير حركات النجوم التي تدور حول المشاهد، فبحث: هل ترى يكون من الأفضل أن نفترض أن المشاهد هو الذي يدور وأن النجوم مستقرة، فقد نظر كانط إلى الطريقة التي نشأت بها الرياضة والفيزياء من حيث هما علمان على يد طاليس وجاليليو وتوريتشلي، فاستنتج أن الاتفاق بين الفكر والأشياء لا يفسر هكذا إذا اعتبرنا أن الأشياء هي التي يقتفي الفكر أثرها أو يرتب أمره بمقتضاها، بل على العكس من ذلك لا يمكن تصور هذا الاتفاق إلا إذا اعتبرنا أن الأشياء هي التي تقتفي أثر الفكر أو ترتب بمقتضاه، بحيث لا تكون الذات صورة مجردة أو قالبًا محضًا تكتسب الأشياء قسماته كي تندمج فيه، وتتخذ صورته، فالأمر لا يقف عند حد التسجيل والتقبل السلبي، وإنما هو في الحقيقة الاستجابة والرد والإنشاء الناشط البناء،٥ والنتيجة التي ننتهي إليها هي أن عقولنا لا تشتق القوانين من الطبيعة بل تفرضها عليها، فالعقل هو المشرع للأشياء، ولا ينبغي أن نلتمس في العالم الخارجي تفسيرًا لقوانين الذهن، بل ينبغي العكس أن نلتمس في الذهن تفسيرًا لقوانين العالم الخارجي؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف الأشياء في ذاتها وبمعزل عن طرائقنا في المعرفة، وإنما الأشياء عندنا هي كما تتبدى لنا.٦
فكان كانط قد أوضح بهذا لبوبر أن المكونات العقلانية للتجربة تحدد حدود المذهب التجريبي،٧ مما جعله يقيم نظريته المنهجية على أساس أن العقل يقابل وقائع الطبيعة بفرض، كان قد توصل إليه سلفًا، يحاول أن يفسرها، وإذا نجح — أي تم تعزيزه — فرض نفسه عليها مؤقتًا، وكان بوبر بهذا مقوضًا لخرافة الاستقراء، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا الالتقاء بين بوبر وكانط،٨ فبوبر نفسه يؤكد في كل موضع تأثره العميق بكانط واقتفائه لخُطاه، ويمكن أن نجد بينهما نقاط التقاء أعمق، فكلاهما مادة دراسته المعرفة لا الوجود؛ أي إن كليهما إبستمولوجي لا أنطولوجي، وكلاهما خصم للأفكار الفطرية المجبولة في طبيعة العقل وداعية للحرية والسلام، لكن كل هذا لا ينفي وجود اختلافات جوهرية بينهما، أبرزها أن النقد عند بوبر هو النقد بمعناه الحرفي، أي الاختبار بهدف كشف الأخطاء، أما عند كانط فهو يعني سبر الإمكانيات والقدرات، فنقد العقل النظري هو امتحان لقيمة العقل نفسه من حيث استعماله النظري الذي يتوخى الحقيقة غاية له، ونقد العقل العملي هو امتحان لقيمة العقل من حيث إنه مدبر للعمل، وإن غايته ثبوت الأخلاقية،٩ كما أن التساؤلين اللذين قامت كل من الفلسفتين للإجابة عليهما مختلفان، فالعلم والأخلاق مشكلتان منفصلتان في فلسفة بوبر لا علاقة بينهما على وجه الإطلاق، اللهم إلا أن كليهما من مكونات العالم ٣، بينما هما خطان متوازيان ومتجادلان في فكر كانط، فمنطوق المشكلة النقدية الكانطية هو: كيف كان العلم ممكنًا؟ وكيف كانت الأخلاق ممكنة؟ وكيف كان الاتفاق بين العلم والأخلاق ممكنًا؟ كيف، بمعنى على أي الأسس يقوم العلم والأخلاق بحيث يكونان مؤلفين من عناصر متناقضة في الظاهر، وقد قام كانط بتحليل عميق ليكشف المستور الذي يتم فيه الوفاق؛ إذ أراد أن يستخلص المطلق في العلم وفي الأخلاق من التجربة١٠ (والمطلق هذا لا مكان له البتة في فلسفة بوبر التي هي علمية) فالتوفيق بين المثالية والمادية عند كانط يعني تفسير الجمع بين القطعية والتجريبية، كما جمعتهما نظرية نيوتن، فهكذا تصور كانط؛ مما جعل فكرة القانون الطبيعي التي أنشأها غير متفقة مع المعرفة في حالتها الراهنة، فقد جعلت للإجابة على هذا السؤال، كيف كان علم لطبيعة المطلق علمًا ممكنًا؟ لكن هذا العلم المطلق لم نعد نعتقد أننا مالكوه،١١ بل أصبحنا على يقين بأننا لا يمكن أن نملكه، وهذا هو السبب الأساسي الذي جعل بناء كانط الشامخ محاولة قابعة في تاريخ الفلسفة، أما منهجه العظيم في التأليف التركيبي بين المثالية والتجريبية، فهو معجزته الفلسفية الباقية المتجددة دومًا، والتي كان بوبر أقدر من استطاع تجديدها، بل وعلى أساس من استحالة قطعية قوانين الطبيعة، واعتبارها محض فروض يفترضها العقل، قد تكذبها وقائع التجريب لكن يستحيل أن تؤدي إليها استقرائيًّا، وتلغي عمل قوى العقل الخلاقة.
ثم إن الباحثة د. م. إميت D. M. Emmet قد أكدت على حاجتنا إلى كانط يحدد طبيعة التفكير الميتافيزيقي بالنسبة للتصورات العلمية الجديدة،١٢ وبوبر قد استطاع هذا التحديد بأنه غير قابل للتكذيب الذي هو معيار العلم وتصوراته، أفلا يكون بوبر كانط العصر الحديث، مسارًا ومنهجًا وهدفًا، وأيضًا أملًا منشودًا، فقط كانط أكثر نجاحًا.

(٢) تقييم الاتجاه العام لبوبر

وإذا كان بوبر قد سار على نهج كانط، ليحقق بنجاح الجمع بين المثالية والتجريبية الذي فشل فيه كانط بسبب تسليمه بقطعية الأحكام التجريبية وتأليفية الأحكام التحليلية، فإن هذا لا ينفي — بل يؤكد — أن بوبر عبقرية منطقية جبارة ذات أصالة، واستقالية نادرة الاستقالية هي أميز مميزات بوبر، إذا استثنينا من هذا التجاءه إلى تارسكي فيما يتعلق بالمفاهيم المنطقية ونظرية الصدق،١٣ فقد أصبح من الواضح الآن أن فلسفة بوبر اتجاه عظيم أصيل مجدد متسق مترابط، يمثل إضافة حقيقية للفلسفة، وقبل أن يضيف ويبني يأخذ على عاتقه هدم الأوثان التي لا قِبَل لأحد بمعارضتها، وعلى رأس هاتيك الأوثان: الاستقراء، وقصر الفلسفة على التحليل اللغوي، ثم النظرة الذاتية للإبستمولوجيا والبحث عن احتمالية الصدق العالية، وتبرير النظريات العلمية بوصفها بناءً قائمًا صادقًا، ومتوصلًا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها …
ثم كان الاتساق والترابط في فلسفته تأكيدًا لدعواه إلى وحدة العلوم، وأن أية تجزئة من شأنها أن توقف تقدم العلم،١٤ والتي أردفها بالدعوة إلى وحدة المناهج، فالنزاع بين المناهج، وتقسيم أرض العمل بينها بحيث يختص كل منهج بمباحث معينة يكون فيه الأكفأ يحتل شطرًا عظيمًا من المناقشات الفلسفية، حتى في أخص خصائص الفلسفة كالأخلاق والجمال ما زال النقاش يدور حول منهجهما، أهو فلسفي تأملي أم علمي تجريبي؟ لم يعد أمامنا الآن منهج للعلوم وآخر للفلسفة، بل فقط منهج واحد ووحيد هو أسلوب لحل المشكلات، علينا فقط أن نتساءل: هل نتاج البحث إخبار عن الواقع، أم استكناه له أو تأويل أو وضع قيم عليا أو رسم غاية منشودة أو غير ذلك، والفيصل في هذا هو معيار القابلية للتكذيب الذي يكفل الإخبار عن الواقع، لقد كان فضُّ النزاع بين المناهج محصلة منطقية لصياغة بوبر البارعة «م١ ح ح أ أ م٢» والتي — بتعميمها على سائر الأنشطة — تجعل كل سلوكنا موجهًا لحل مشكلات بغير الوقوع في أَسْر البراجماتية التي تحيلنا إلى سماسرة تبحث فقط عن النافع والمفيد، وهذه الصياغة بدورها محصلة منطقية لاتساق بوبر وترابط فلسفته.

اتساق بوبر وترابطه، وهو عالم وفيلسوف ومفكر سياسي ومنطقي، هو الأنموذج الحي على دعواه بوحدة العلوم ووحدة المنهج، والتي أردفها بمحاربة التخصُّص.

وإذا كانت الاستقلالية أهم ما نسجله لبوبر، فإن أهم ما نسجله عليه هو جموده وثباته؛ إذ لا يمكن أن نجد تطورًا له أو مراحل لتفكيره، فما يقوله الآن هو ما قاله منذ ثلاثين أو أربعين عامًا، آراؤه الفلسفية واتجاهاته الفكرية في جوهرها ثابتة، لا تتغير إن قليلًا وإن كثيرًا، وكل ما يفعله في إخراج عمل جديد هو أن يضيف إثباتًا جديدًا أو برهانًا جديدًا لرأيه السابق، أو يستخرج منه نتيجة جديدة، أو يضيف معالجة جديدة لجانب آخر له، أو يعممه أكثر، أو يضيف تأريخًا لفلسفة أو فيلسوف، تأريخًا جديدًا يثبت به وجهة نظره التي لا بد أن يكون قد قالها منذ عشرات السنين، ويقولها الآن، وسيظل يقولها إلى ما شاء الله؛ لذلك نجد أن «الملحق الكبير نسبيًّا، الذي ألحقه بالترجمة الإنجليزية «لمنطق الكشف العلمي» تحت عنوان: «بعد عشرين عامًا» مجرد تراكم لحجج أكثر على دعاوى بوبر السابقة، وهو تراكم من شأنه أن يربك الباحث في فلسفته، إذن إنه محض تكرار وليس تبديلًا أو تعديلًا، فلم يختلف إطلاقًا مع أي من دعاويه المطروحة من قبل في النسخة الألمانية».١٥
بل وإن بوبر نفسه يخبرنا في سيرته الذاتية، أنه توصل إلى النظريات الأساسية المميزة لفلسفته، وهو دون العشرين من عمره، فأهمها وهو معيار القابلية للتكذيب توصل إليه وهو في السابعة عشرة، وعبثية الفلسفة اللغوية تراءت له وهو في الخامسة عشرة،١٦ إننا لا نجد حتى المرحلتين اللتين رآهما هو في كل تفكير: أي إن التفكير الدوجماطيقي ثم التفكير النقدي، فقد بدأ بوبر نقديًّا عنيفًا وهو لا يزال صبيًّا بلا بنية عقلية أو حصيلة معرفية، واستمر نقديًّا، وكل ما تفعله الأيام هو أن تزيد حدة نقده وحمية دعواه بضرورة النقد.
افتقادنا لأي تطور فكري لبوبر لا يعني أننا نريده كرسل مثلًا، الذي قال عنه برود: «إننا نعلم جميعًا كيف أن من عادة الأستاذ رسل أن يستحدث مذهبًا فلسفيًّا جديدًا كل بضع سنوات.»١٧ فلا شك أن وحدة الاتجاه وثباته لها مميزاتها مثل قوة الرأي، فشد ما يضعف الرأي هو التردد والتذبذب ووضوح الرؤية والتمكن والاقتناع الراسخ بما ينادي به، وهذا يدخل في نطاق الأمانة الفكرية، وأيضًا يحمل آيات النبوغ المبكر، لكن لكل شيء حدودًا معقولة، فكيف يبدو شيخ جاوز السبعين، وقضى كل هذا العمر الطويل في رحاب عالم العلم والفلسفة والمنطق، مناديًا بنفس الآراء التي لاحت له وهو بعد صبي يافع، أفلا تغير خبرة السنين وتقدم العمر وتطور العلم وسعة البحث واتصال التفكير السنين الطوال شيئًا من أفكار الصبا؟

(٣) الفلسفة تسير في اتجاه الوضوح

وإذا كانت فلسفة بوبر أحد وأهم الاتجاهات المستقلة في الفلسفة المعاصرة، وليس فحسب بل والمناهضة للتيار التحليلي اللغوي المسيطر على القطاع الأكبر من هذه الفلسفة حتى إن بوبر — كما أوضح الباب الثاني — قسَّم الفلسفة المعاصرة إلى قسمين؛ قسم تحليلي يتبع فتجنشتين، والوضعيون أبرز أئمته، وقسم لاتحليلي من أتباع كانط، بوبر من أبرز أئمته، إذا كانت فلسفة بوبر بهذا الوضع، أمكن أن نستخلص أهم سمة تميز الفلسفة المعاصرة في تطورها الحالي؛ إذ إنها تنطبق على كلا القسمين، ألا وهي الوضوح والإيضاح.

فالاعتقاد الشائع هو أن الوضوح قصر على التحليليين — رغم أن رسالة فتجنشتين آية في الغموض — لأن فلسفتهم هدفها الأساسي، بل والوحيد في بعض الاتجاهات كمدرسة أكسفورد هو الإيضاح، ويكاد يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي يسجل للتحليليين لكن فلسفة بوبر، رغم عمقها وثوريتها وخصوبتها، هي الأخرى آية في الوضوح والسلاسة، بل وقد طالب بأن يكون الوضوح وإيضاح موقف المشكلة من أهم أهداف الفيلسوف وأيضًا العالم، وكل باحث شريطة ألَّا يوقعنا هذا الهدف في المتاهات اللغوية العقيمة.

والوضوح لا ينطبق على بوبر وخصومه الوضعيين فحسب، بل بصفة أشمل يمكن القول: إن عصور الفلسفة الملغزة والمفرطة في التعقيد، التي تظن أن التناسب عكسي بين القيمة المعرفة وبين الوضوح، هو عصر آخذ في الأفول، خصوصًا بعد رحيل هيدجر، لم تعد الفلسفة تتلمس السمو المعرفي والرفعة العقلية في الصعوبة والتعقيد والعلو عن مستوى الفهم العادي، كما دأبت المثالية الألمانية على وجه الخصوص، فهذا هربرت ماركيوز ينزل بكتاباته النابضة إلى أي شاب مثقف، والبراجماتيون ابتداءً من تشارلز بيرس وحتى وليم جيمس وجون ديوي كتاباتهم غاية في البساطة، ربما لأن الأقرب لي الفهم العام هو الأنفع، بل وهذا جان بول سارتر (١٩٠٥–١٩٨٠م) وسيمون دي بوفوار (١٩٠٧–١٩٨٥م) يخرجان الفلسفة الوجودية ليس بوضوح فحسب، بل وفي قالب مسرحي رائع ومشرق وجذاب …

والفضل في هذا يعود — بلا جدال — أولًا إلى برتراند راسل، فهو أول مَنْ علم الفلاسفة كيف تكون الفلسفة آية في العمق والثراء والخصوبة، وفي الوقت نفسه آية في الوضوح والسلاسة، بل والأسلوب الرائع البديع.

(٤) الدرس الحضاري المستفاد من صحبة الفيلسوف

وأخيرًا، فقد عرض هذا البحث للخطوط الأساسية لفلسفة كارل بوبر للعلوم من خلال مناقشة مشكلة تمييز المعرفة العلمية وحلها بواسطة معيار القابلية للاختبار والتكذيب، وأوضح أن هذه الفلسفة — شبه الموضوعية — في جملتها تتلخص في كلمة واحدة هي: النقد، وإن عني هذا البحث — بحكم فرع تخصصه — بأسلوب النقد الفني المنطقي المختص بالعلوم الطبيعية الذي يميزها، فالعلم يضع فروضًا جريئة تكاد تشبه خلق الأساطير والتصورات الدينية، غير أن الفارق الذي يميز العلم عن الأساطير والميتافيزيقا والدين، ويجعله دونًا عنها دائم التقدم، هو قابليته للنقد والاختبار؛ أي التكذيب.١٨
لكن بوبر لم يقصر أهمية النقد على العلم، فبينما يرى هنري بوانكاريه في النقد حياة العلم، يرى فيه بوبر حياة كل نشاط عقلي، سواء أكان معرفيًّا يهدف إلى الحقيقة أم سياسيًّا يهدف إلى العدل والمساواة والحرية والسلام، أو حتى مجرد نشاط حيوي يهدف إلى حل أية مشكلة،١٩ ولكن لما كان بوبر فيلسوفًا معرفيًّا على وجه الخصوص، فقد أكد أن التناول النقدي للمشاكل المطروحة ولحلولها ولمسار إجراءاتها ونتائجها، وفي كل ميدان من ميادين البحث المعرفي، هو السبيل الأوحد والذي لا سبيل سواه إلى أي تقدم، النقد هو شريطة التقدم؛ لأن التقدم لا يمكن أن يحدث بغير حذف الأخطاء، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن المعرفة لا تنمو بمجرد التراكم الآلي بل بالتصويبات الجذرية الثورية والتكذيبات العنيفة؛ لذلك كله أكد بوبر — في كتابه: المعرفة الموضوعية تناول تطوري — على أن النقد هو أهم وظائف الملاحظة والتعقل بل وأيضًا الحدس والخيال؛ إذ يجب أن نستخدم جماع ملكاتنا في الاختبارات النقدية لتلك الافتراضات الحدسية الجريئة التي بواسطتها نقتحم المجهول، وليس الفروض فقط، بل كل جزيء من معرفتنا يجب أن يعرض للنقد …
لذلك كله لم يكن بوبر مجرد ناقد لا يعرف الرحمة لأنه مفكر خلاق، بل وكان أيضًا فيلسوفًا ذا منهج نقدي،٢٠ يوضح في كل مناسبة النقد الأمثل وكيف يكون، ويوضح شروطه من أنه يجب أن يكون موضوعيًّا وقاسيًا قدر الإمكان، وأنه من الضروري الإحاطة بموقف المشكلة ودراسة ومقارنة جميع الحلول المطروحة حتى ننقد الحل المعنى، وأن نحاول أن ننقد أنفسنا خير من أن ينتقدنا الآخرون، وأن نقد النظرية يجب أن يكون وهي في أبهى صورها وأقواها، بل ويجب قبل أن ننقدها أن نرحم أخطاءها الصغيرة كي نركز فقط على الأخطاء الكبيرة الجوهرية، وهذا ما فعله بوبر نفسه في «عقم المذهب التاريخي»، فهو قبل أن ينقد المذهب عرضه بوضوح وأورد له من الحجج ما لم يورده التاريخيون أنفسهم، وهذا الشرط الأخير هدفه أن نركز فقط على الأفكار الرائدة العظيمة المبسطة، وألا ننشغل بالأفكار الفرعية فنقع في مستنقع المدرسيين، وكل ذلك لكي يكون النقد مثمرًا.٢١
وأخيرًا فإن ما يزيد من أهمية النقد، هو أن نظرية بوبر المنهجية والمعرفية — كما أوضحنا آنفًا — تؤكد أننا لا نبدأ أبدًا من فراغ، بل من تراث معرفي سابق لا بد أن نثريه ونضيف إليه، وليس ذلك إلا بمنهاج النقد، وحذف الخطأ منه تبعًا للصياغة «م١ ح ح أ أ م٢».

والخلاصة أن فلسفة بوبر مجرد دعوة مكثفة لتنصيب النقد سلطانًا فوق كل سلطان أو بالأحرى جعله السلطان الوحيد.

والآن، هل من شكٍّ في أننا أحوج بقاع الدنيا لهذا الدرس؟ فلن نجانب الصواب لو قلنا: إن مثل هذا المنهاج النقدي — خصوصًا في تناولنا لميراثنا المعرفي — لا يدخل إطلاقًا في تكوين العقلية العربية، ويا ليت فحسب، بل ويكاد يدخل في نطاق ما لا ينبغي! فالأمر الواقع هو أن أحدًا من أبناء الحضارة العربية لا يدرسها إلا ليؤكد أنها أنشأت كل العلوم وأبدعت كل الفنون، وأسست كل اتجاهات الفكر، فأقامت المعجزة المعرفية وأردفتها بالاجتماعية، فأكدت كل حقوق الإنسان والحيوان أيضًا، وذلك بالطبع بعد المعجزة العسكرية وأيضًا السياسية، باختصار جمعت فأوعت وفعلت كل ما يمكن، وأحيانًا ما لا يمكن أن يُفْعَل؛ إذ ليس في الإمكان أبدع مما كان!

والدراسات النقدية القليلة لا تلقى ترحيبًا، بل تُقابَل بالاستنكار، ولا تسلط الأضواء إلا على البحوث التي تؤكد مواضع التمجيد، ولا مانع أن تضيف إليها مما لم يثبته التاريخ، أو حتى لا يقبله العقل.

وبالطبع في هذا شيء من الصواب، فلا شك أن الحضارة العربية إحدى الطفرات الحضارية المعجزة في التاريخ، وأنها احتلت قمة المد الحضاري طوال العصور الوسطى، لكن مثل هذا الأسلوب في تناولها يوقعنا — بتعبير فلسفة العلم — في مهاوي مطلب تحقق وتأييد النظريات العلمية العقيم، وهو لهذا تحصيل حاصل، فمع الافتراض الجدلي أن كل ما يثبته سليم تمامًا، فهو منهاج يبحث في منجزات قد أُنْجِزَت وانتهى الأمر، باقي أن نتحدث عن المنجزات التي لم نستطع أن ننجزها، أي عمَّا ينقصنا وعن أخطائنا التي سببت هذا النقص أي عن نقد تراثنا الحضاري، يجب أن نفتح صدورنا لنقد الدوجماطيقية الكائنة في زاوية أو أخرى؛ لأنها هي التي تقف عقبة كئودًا في سبيل النقد.

ولنتعلم من بوبر أنه من الأفضل أن ننقد أنفسنا بدلًا من أن ينقدنا الآخرون، فلا نجعل مشروعية المنهاج النقدي للحضارة العربية تكاد تكون حكرًا على المستشرقين، فمنهاجنا الشائع التأييدي على خط مستقيم، لن يفيدنا في حذف أي خطأ؛ وبالتالي في إحراز أي تقدم، لعله يفيد من الناحية السيكولوجية، فيقوي من الحمية القومية، ويؤكد الاعتزاز بالأصالة، وهي البعد الذاتي الأساسي لأية حضارة، لكن كل هذا أقرب إلى البعد السيكولوجي، وينقصه ما هو أهم البعد الموضوعي النقدي، وبالطبع لا يفوتنا أن حتى مثل هذا البعد السيكولوجي محل جدل وخلاف وفي حاجة إلى النقد؛ لأن ارتباط الحضارة العربية بالعامل الديني الذي يغرس القيم الخلقية الرفيعة في النفوس ويحدد الأنماط الكفيلة باستقرار المجتمع وانضباطه، هذا الارتباط بالعامل الديني — وهو أهم الأبعاد الحضارية في الشرق خصوصًا — جعل الحضارة العربية تطغى تمامًا على عناصر الأصالة الحقيقية في الحضارات الكائنة خارج شبه الجزيرة العربية، فتريد أن تمد الوجدان المصري مثلًا إلى جذور عمرها ألف وأربعمائة عام، وتغفل جذورًا عمرها سبعة آلاف عام تمتد حتى أعظم المعجزات الحضارية قاطبة أي الحضارة الفرعونية.

المهم أن النقاش احتدم بين المفكرين — خصوصًا بين الحربين العالميتين — حول مشكلة الأصالة والمعاصرة، فقد رأوها المشكلة الحضارية الأساسية، وهي: على أي الخامات تعتمد في نسج حضارتنا المعاصرة؟ وراح فريق السلفيين ينتصر للتراث — أي الأصالة — أما فريق التجديديين فقد انتصر للحضارة الأوروبية المعاصرة، ويكاد يكون النقاش قد انتهى إلى نسج نسيج لحمته التراث وسداه الحضارة الأوروبية المعاصرة، وكما هو معروف، الدكتور زكي نجيب محمود على رأس من طرحوا هذا الحل بصورة شاملة، كما تبرز على وجه الخصوص ثلاثيته: تجديد الفكر العربي — ثقافتنا في مواجهة العصر — المعقول واللامعقول في تراثنا، غير أن المواد الخام التي تنسج منها الحضارة هي أدوات العمل وثمة ما هو أهم، أسلوب العمل وأسلوب تسخير هذه الأدوات في بناء الحضارة، ولو يمَّمنا أنظارنا شطر النقد وجعلناه الفيصل الوحيد في اعتبار أي عنصر حضاري؛ لألفينا أنفسنا نحذف مواطن الخطأ، وما لا يقبله العقل والمنطق ومقتضيات الصالح الحضاري، أي — بداهة — جعلنا حضارتنا تسير دومًا نحو ما هو أفضل وأصوب فتمثل تقدمًا في متصل صاعد، أوَليس العقل ها هنا هو راعيها؟

لقد قال بوبر: إن «النقد هو دماء الحياة لكل تفكير عقلاني.»٢٢ فيا ليتنا ثم يا ليتنا نجعله دماء تفكيرنا، كيما يكون عقلانيًّا.
١  أ. س. يونج، أثر كانط في الفلسفة الحديثة، في: فلسفة القرن العشرين، أعده للنشر داجوبارت، د. رونر، ترجمة د. عثمان نوية، مراجعة د. زكي نجيب محمود، ص٤٦.
٢  إميل بوترد، فلسفة كانط، ترجمة د. عثمان أمين، الهيئة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، سنة ١٩٧٢م، ص١٦.
٣  د. عثمان أمين، رواد المثالية في الفلسفة العربية، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة ١٩٧٥م، ص٥١.
٤  المرجع السابق، ص٩٢.
٥  د. مراد وهبة، المذهب عند كانط، كتبه بالفرنسية وترجمه إلى العربية د. نظمي لوقا، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، سنة ١٩٧٤م، ص١٢-١٣.
٦  د. عثمان أمين، رواد المثالية في الفلسفة الغربية، ص١٠١.
٧  Victor Kraft Popper and The Vienna Circle, p. 186.
٨  من الضروري الآن الرجوع إلى الباب الأول، الفصل الرابع «الاستقراء خرافة»، القسم السادس الفقرة الثانية.
٩  د. عثمان أمين، رواد المثالية في الفلسفة الغربية، ص٦٠.
١٠  إميل بوترو، فلسفة كانط، ترجمة د. عثمان أمين، ص١٥–١٧.
١١  المرجع السابق، ص١٣٩.
١٢  محمود أمين العالم، فلسفة المصادفة، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٧٠م، ص٦٠.
١٣  John Passmore, A hundred Years of Philosophy, p. 404.
١٤  K. P., C. and R., p. 180.
١٥  G. J. warnock, Review of (Logic of Scientific Discovery) p. 100.
١٦  K. P., U. Q., p. 18.
١٧  النص مأخوذ من: د. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، ص٢٢٣.
١٨  K. P., C. and L., P. 127.
١٩  Mario Bunge, The Critical Approach to Science And Philosophy p. VIII. in the Prefaces.
٢٠  Ibid, p. VIII.
٢١  K. P., Replies, p. 977.
٢٢  K. P., Replies, p. 977.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١