الفصل الثاني

المعرفة موضوعية

مقدمة

(١) لا يجوز لرسالة في الفلسفة أن تمر دون التعرض لنظرية المعرفة، فهي أخص خصائص البحث الفلسفي عامة، فما بالنا بفلسفة العلم خاصة، أي فلسفة المعرفة في أرفع صورها وأكثرها تقدمًا ونجاحًا، وبوبر بالذات فيلسوف معرفي قبل كل شيء، همه الأول: تقدم المعرفة ونموها؛ المعرفة الموضوعية.

(٢) وحين تكتمل الصورة لفلسفة بوبر العلمية، من خلال البحث في تمييزه للمعرفة العلمية، سيتضح كيف أن سائر فلسفته تترتب على نظريته في موضوعية المعرفة، فما يدخل تحت نطاق هذه النظرية عناصر شتى تشكل الأطر العامة لفلسفته؛ لأنها ترسي الأسس الإبستمولوجية لفلسفة في العلم، فضلًا عن أن حل مشكلة الاستقراء يأتي كنتيجة مباشرة لها.

لهذا يبدو من الملائم تمامًا استهلال الحديث عن فلسفة بوبر بعرض نظريته أو نظرياته في موضوعية المعرفة، التي بلغ اعتزازه بها أن يجعلها عنوانًا لأحد كتبه.

(١) الموضوعية البوبرية مقابل الذاتية التقليدية

(١) يميز بوبر بين مغزيين لمعنى كلمة «معرفة»:
  • المعرفة بالمغزى الذاتي: الذي يتكون من حالة العقل أو الشعور أو النزوع إلى تصرف أو ممارسة رد فعل، المعرفة هنا هي اعتقادات الذات، ما تراه وتقره أو تنكره، ولكن حينما أقول: أنا أعرف، فهذا يعني أنني أعتقد، بهذا المعنى يستحيل أن أكون مخطئًا، طالما أنني فعلًا أعتقد، ولكن لا معرفة بغير احتمال دائم للخطأ.
    إذن بهذا المغزى الذاتي لا يمكن أن نعرف، ولا يسمى محتوى البحث هنا معرفة بالمفهوم الإبستمولوجي. إنها تتكوَّن من اعتقادات في أشياء معينة، فتجعل معرفتي متكونة من نزوعاتي ومعرفتك من نزوعاتك … وهكذا،١ وبوبر يرى أن المعرفة بهذا المغزى من اختصاص علم النفس.
  • المعرفة بالمغزى الموضوعي: التي تتكون من الأفكار العلمية والفلسفية ومخزونات الكتب والعقول الإلكترونية، أي كل النظريات المصاغة لغويًّا، وبوبر يراها موضوعية لدرجة الاستقلال التام عن أي شخص يعرف أو يعتقد، فهي معرفة بغير ذات عارفة،٢ وهذه هي البحوث الملائمة للإبستمولوجيا، فتدرس محتواها المعرفي وعلاقاتها المنطقية، أي المشاكل ومواقف المشاكل ولا تدرس البتة اعتقادات، فالعالم لا يدَّعي أن افتراضه صادق أو أنه يعتقد فيه أو يعرفه، كل ما يفعله هو أن يطرحه في العالم الموضوعي، فتدرسه الإبستمولوجيا، وتقنن مدى قدرته على إعطاء قوة شارحة وعلى حل المشكلة المطروحة، وتقارن بينه وبين الفروض الأخرى … إلخ.

باختصار، مجالُ الإبستمولوجيا يقتصر على الموضوع القابل للنقد، ويقطع كل صلة بينه وبين الذوات.

(٢) والفارق بين مغزيي المعرفة كبير، رغم أنه قصير المدى، فنظرية نيوتن كما هي مطروحة في العلم من أوضح الأمثلة على المعرفة الموضوعية، أما نزوع نيوتن نحو كتابة نظريته أو مناقشاتها فهو مثال للمعرفة الذاتية، اللحظة التي كتب فيها نيوتن نظريته، لحظة الصياغة اللغوية هي حد الفصل الذي نقلها من بحوث علم النفس إلى بحوث الإبستمولوجيا الموضوعية والمنطق.

أما الذي جعل بوبر يخوِّل كل هذا العبء على الصياغة اللغوية للنظرية؛ فذلك لأنها تجعلها قابلة للنقاش والتداول بين الذوات، فتكون قابلة للنقد، قبل ذلك كانت جزءًا من حياة نيوتن النفسية، فلا يمكن أن ننقدها كما ننقد نظرية مطروحة في تقرير مكتوب، إذن القابلية للنقد هي التي تميز المعرفة الموضوعية عن المعرفة الذاتية.

النقد دائمًا حجر الزاوية من كل فكرة بوبرية.

(٣) غير أن ثمة ملاحظة يبديها بوبر بأسف، وهي أنه طوال الإبستمولوجيا التقليدية منذ أرسطو حتى ديكارت، مرورًا بهوبز ولوك ثم باركلي وهيوم٣ حتى كانط، وصولًا إلى رسل وفريجه، والإبستمولوجيا تتردى في خطأ عظيم؛ إذ اعتبرت بحوثًا في المعرفة التي تؤول على أنها علاقة تربط عقولنا الذاتية بموضوعات المعرفة أسماها رسل الاعتقاد Belief أو الحكم Judgement،٤ والعلم مجرد نوعية خاصة آمنة للمعتقدات، أي دارت في متاهات ذاتية حول اعتقادات الذوات وأسسها وأصولها، في بحوث أنسب لعلم النفس منها للمنطق.
(٤) ويُرْجِع بوبر هذا الخطأ إلى الحس المشترك، فرغم أن بوبر على إعجاب به لأنه يمارس النقد الذاتي ولأنه واقعي، ويعتبره نقطة البدء في المعرفة، شريطة تعريضه للمناقشة النقدية، إلا أنه يرى في نظريته المعرفية — وهي حسية محضة٥ — غلطة ذاتية Subjective Blunder جعلت الإبستمولوجيا تنحرف عن جادة الطريق الموضوعي.
(٥) لذلك يكثِّف بوبر جهوده ليستأصل هذا الخطأ، ويؤكد أن الإبستمولوجيا بهذه الصورة غير ملائمة irrelevant، فالمباحث التي تدور حول اعتقادات الذوات لا تساوي مثقال ذرة في عالم المعرفة العلمية؛ لأن المعرفة بكل ضروبها طالما صيغت في لغةٍ فهي موضوعية وهذه الموضوعية تنسحب على العلم، فسواء اعتبرناه إبستمولوجيا متقدمة، أو ظاهرة اجتماعية أو بيولوجية، أو مجرد أداة معرفية، أو حتى وسيلة من وسائل الإنتاج الصناعي،٦ فهو بناء موضوعي مجرد عن معرفة الذوات، على هذا يقول بوبر إنه ينتهك هذا التقليد الذي يمكن تتبعه إلى أرسطو، ويحاول أن يضع مكانه نظرية ملائمة في المعرفة تجعلها موضوعية، وبوبر يدرك أن هذه دعوى جريئة ولكنه لا يعتذر عنها.٧
(٦) غير أن هذه الذاتية واسعة الاستشراء، إذ وصلت حتى المنطق فيما يُعْرَف بالمنطق المعرفي الحديث Modern Epistemic Logic وحساب الاحتمال، بل ونظريات العلوم الفيزيائية.

(أ) فالمنطق المعرفي الحديث يتعامل مع صياغات مثل ««أ» يعرف «ب»» أو ««أ» يعتقد أن «ب»» أي مع حالات معرفية أو اعتقادية، أي حالات ذاتية لا علاقة لها بالمعرفة العلمية فالعالِم لا يعرف ولا هو يعتقد في بحثه العلمي.

ويرمز بوبر للعالِم بالرمز «ل»، ويعطينا قائمة بما يفعله:
  • «ل» يحاول أن يفهم «ب».

  • «ل» يحاول أن يفكر في بديل ﻟ «ب».

  • «ل» يحاول أن يفكر في نقد ﻟ «ب».

  • «ل» يحاول إجراء اختبار تجريبي ﻟ «ب».

  • «ل» يحاول وضع نسق بديهيات ﻟ «ب».

  • «ل» يحاول أن يشتق النتائج من «ب».

  • «ل» يحاول أن يثبت أن «ب» غير قابلة للاشتقاق من «ك».

  • «ل» يقترح أن المشكلة الجديدة «س» تنشأ من «ب».

  • «ل» يقترح حلًّا جديدًا للمشكلة «س» التي تنشأ عن «ب».

  • «ل» ينتقد حله الأخير للمشكلة «س».٨

يمكن أن تطول القائمة، لكنها لا يمكن أن تحوي عبارات مثل ««ل» يعرف «ب»» أو ««ل» يعتقد في «ب»» أو حتى ««ل» يعتقد في خطأ «ب»» أو ««ل» يشك في «ب»»، فنحن، ذوي المطلب الموضوعي، لا نُعنَى بالشك أو الاعتقاد في الخطأ؛ لذلك لا بد من رفض هذا والأخذ بمنطق موضوعي يقتصر على المحتوى المعرفي.

(ب) في حساب الاحتمال حصن النزعة الذاتية، فمن أسسه التفرقة بين الاحتمال الموضوعي والاحتمال الذاتي الذي يؤول درجة الاحتمالية كدرجة لعقلانية المعتقد،٩ أو كحساب للجهل وعدم تأكد الذات من المعرفة، ويمكن توضيح الفرق بين الاحتمالين على هذا النحو: في حالة رمي قطعة النقود رمية واحدة فإن احتمال ظهور أحد الوجهين ١ / ٢ أي ٥٠٪، على افتراض أن قطعة النقود كاملة التوازن وأن الرامي غير متحيز، وبالمثل احتمال ظهور رقم ٦ في حالة رمي الزهر:
لكن الغريب أن الكثيرين يعوِّلون الأهمية على الحساب الذاتي للاحتمال، حينما لا يكون في الاستطاعة تعيينه كما في المثال السابق، مثلًا: حين يريد مدير مؤسسة اختيار مشروع فسيأخذ في اعتباره الحالة الاقتصادية للبلد في الخمس سنوات المقبلة، لكن تحديدها مستحيل، فقط يعتمد على التقدير والخبرة الشخصية؛ لذلك يعتمد الاحتمال هنا على رأي متخذ القرار، وليس من السهل أن تُجْمِع عليه الآراء كما تُجْمِع على أن احتمال ظهور أحد الوجهين ١ / ٢،١٠ الاحتمال الذاتي يكون حينًا لا تتيسر العوامل الموضوعية التي تعين الاحتمال، فيصبح للذات المحتملة دور كبير.

وقد حاربه بوبر لأنه ينشأ من الإبستمولوجيا الذاتية التي تعزو إلى العبارة: «أنا أعرف أن الثلج أبيض.» مكانة أعظم من مكانة العبارة «إن الثلج أبيض.» أي التي تنسب إلى ما تعرفه الذات مكانة إبستمولوجية أعظم من التقرير الموضوعي.

أما بوبر فينسب المكانة الإبستمولوجية الأعظم للعبارة «على ضوء جميع الأدلة المتاحة لي فأنا أعتقد أن الثلج أبيض.»١١ أي حتى الاعتقاد الذاتي نعامله على أساس أدلته الموضوعية، والمثل نفعله مع الاحتمال: حينما يتعذَّر تحديده، نعامله على أساس الأدلة الموضوعية التي تأدت بالذات إلى وضع هذا الاحتمال.
(ﺟ) وقد عرفت النزعة الذاتية طريقها إلى الفيزياء منذ عام ١٩٢٦م، وكان أول اقتحام لها في مجال ميكانيكا الكوانتم، وكان موقفها قويًّا ثم أدخلها ليو سيزيلارد Leo Szilard إلى الميكانيكا الإحصائية،١٢ حيث نجد نظرية واسعة القبول مؤداها أن إنتروبي Entropy النسق يتزايد بنقص معلوماتنا عنه، والعكس صحيح، فهو ينقص بتزايدها، والإنتروبي هو كمية تقدم — في المقام الأول — لتسهيل الحساب ولتعطي تعبيرًا واضحًا لنتائج الديناميكا الحرارية، أما إنتروبي النسق فهو قياس درجة اضطرابه disorder، والإنتروبي الكلي لأي نسق منفصل لا ينقص أبدًا في أي تغيير، فهو إما يتزايد بعملية غير قابلة للاسترجاع irreversible process أو يظل ثابتًا بعملية قابلة للاسترجاع؛ لذلك يتزايد الإنتروبي الكلي للكون متجهًا نحو حد أقصى يناظر اضطرابًا تامًّا للجزئيات فيه،١٣ وتبعًا لنظرية سزيلارد الذاتية نجد تناسبًا عكسيًّا بين الإنتروبي وبين معلوماتنا؛ لهذا فأي كسب للمعرفة يجب تأويله على أنه نقص في الإنتروبي.

وكان لهذه النظرية ثقل كبير، لا سيما على ذوي النزعة الذاتية في الاحتمال؛ إذ يمكنهم جعل درجة احتمالية النسق مسايرة للإنتروبي فيه، وبناءً على هذا:

المعلومة = عدم الإنتروبي: negentropy = information.
الإنتروبي = نقص في المعلومات = عدم العلم.١٤

هذه المعادلات تؤخذ على حذر، فكل ما توضحه هو إمكانية قياس الإنتروبي ونقص المعلومات بواسطة الاحتمالية، أو تأويلها كاحتماليات، فالمعادلات لم توضح أن الإنتروبي هو ذاته نفس الاحتمالية التي نعزوها للنسق.

وقد أخرج بوبر بحوثًا في الفيزياء البحتة — على مدى عشرين عامًا — لدحض هذه النظرية الذاتية، وتناول نظرية سزيلارد في نقد يوضح مدى قصورها، فالإنتروبي نعامله فقط على أساس العوامل الموضوعية المختصة بالنسق ومواضع جزئياته، ولا نأخذ في الاعتبار عنصرًا ذاتيًّا مثل كمية معلومات العالم عنه.١٥
(٧) وليس يصعب تبيان أن تلك التفسيرات الذاتية في الاحتمال والفيزياء إنما تتسق مع العلم في مرحلته النيوتونية السابقة، وأن رؤية بوبر هي المتسقة مع العلم الذري المعاصر، على١٦ أية حال كان هذا ليوضح أن دعوى بوبر بموضوعية المعرفة، دفعته إلى حرب على مدى جبهات عريضة، وليوضح أيضًا أنها نظرية شاملة متماسكة.

(٢) نظرية الصدق

(١) وفي إطار موضوعية المعرفة تبرز مشكلة الصدق Truth، فالصدق له دور أساسي؛ لأن بوبر يرى للنظرية العلمية دلالة إخبارية، فلا بد من الحكم عليها تبعًا لصدق هذا الخبر أو كذبه، وهو يقول: إن «وظيفة العلم هي البحث الدءوب عن الصدق والحقيقة طالما أن هدفه إعطاء شرح مُرْضٍ لهذا العالم»١٧ لذلك يجعل من الكذب — اللاصدق — العمود الفقري لمنطق العلم.
على وجه الدقة، يلعب الصدق دور المبدأ التنظيمي Regulative Principle الذي يحكم شتى الجهود المعرفية بوصفه الغاية المرومة بعيدة التحقيق.
وأفضل مثال يوضح دوره هو تشبيهه بقمة جبل عادة ما تكون مغلفة بالحسب، ومن يحاول تسلق هذا الجبل ستواجهه صعوبات جمة، ليس فحسب في الوصول إلى القمة، بل لأنه قد لا يعرف حين يصل إليها أنه وصل إليها فعلًا؛ فقد يعجز عن التمييز وسط أطياف السحب بين ذروة الجبال الحقيقية وبين القمم الثانوية، غير أن هذا لا يؤثر على الوجود الموضوعي لذروة الجبل الحقيقية، وإذا قال المتسلق: «أنا أشك فيما إذا كنت قد وصلت إلى الذروة الحقيقية.» فإنه يتعرف ضمنًا على الوجود الموضوعي للذروة؛١٨ لذلك فإن استحالة اعتبار النظرية العلمية مطلقة، تمثل اعترافًا ضمنيًّا بالوجود الواقعي للصدق الموضوعي، والذي نفشل في الوصول إليه، رغم أن العلم يتقدم دومًا نحوه، فكما يوضح المثال، إثبات اليقين مستحيل.
(٢) وإذا كان الصدق يلعب هذا الدور، فما هو معياره؟ في هذا يتخذ بوبر الموقف الشائع، أي نظرية التناظر Corresponding في الصدق، لكنه يركز على الفضل الكبير للمنطقي البولندي ألفرد تارسكي Alfred Tarski، فيعترف أنه ظل أمدًا طويلًا يتجنَّب قدر الإمكان استعمال مفهوم الصدق حتى تسلَّح بإخراج تارسكي الأمثل لنظرية التناظر والتي كانت محل ارتياب.١٩
وقد عاب آير على بوبر هذا واعتبره ثغرة في الأمانة العلمية تشين أبحاث بوبر المبكرة، فكيف يعمل بغير مفهوم الصدق فقط؛ لأنه يخشى منه وليس لأنه في غير حاجة إليه.٢٠

على العموم بوبر يُعْفِي نفسه من حل مشكلة الصدق، ويكتفي بالتسليم بنظرية تارسكي، فما هي هذه النظرية؟

أفضل شرح لها يتم بواسطة هاتين الصياغتين:
  • العبارة أو التقرير: «الثلج الأبيض» تناظر الواقع إذا — وفقط إذا — ما كان الثلج فعلًا أبيض.

  • العبارة أو التقرير: «النجيل أحمر» تناظر الواقع إذا — وفقط إذا — ما كان النجيل فعلًا أحمر، هاتان الصياغتان معروفتان، وكشف تارسكي يكمن في توضيحه أنهما تنتميان للغة البعدية أو الشارحة Metalanguage، فاللغة الشيئية أو الموضوعية تتعلق بالوقائع فتتناول مباشرة موضوعات البحث وأشياءه، وهي لغة العلم، أما اللغة البعدية فلا علاقة لها بالوقائع والأشياء، إنما تأتي بعد اللغة الشيئية لتشرح هذه اللغة وتبحث فيها، إنها أحاديث فلسفة العلم.
وكان توضيح تارسكي أن العبارات التي تشرح نظرية التناظر نفسها من اللغة البعدية، مما يجعلها من مستوى منطقي مخالف لمستوى القضايا ذاتها التي نحاول أن نعرف ما إذا كانت متناظرة؛ أي صادقة، أم لا، والتي هي من اللغة الشيئية، وهذا التوضيح أعظم إنجاز منطقي يظفر به مفهوم الصدق؛ لأنه بدونه سيقع أي حكم بالصدق في تناقضات ودورانات، تمامًا مثل قول إبمنديز الأقريطي: «كل الأقريطيين كذابون.» وطالما هو أقريطي كان هو الآخر كاذبًا، ويصبح القول: «كل الأقريطيين كذابون.» كاذبًا، أي إنهم صادقون ولما كان إبمنديز أقريطيًّا كان صادقًا، وكان قوله: «كل الأقريطيين كذابون.» صادقًا؛ وبالتالي يكون هو الآخر كاذبًا … وهكذا، وكانت هذه إحدى المشاكل المستعصية، والتي حلها رسل بنظريته في الأنماط المنطقية Logical Types، ومفادها أن أقوال الأقريطيين من مستوى أقل عمومية من قول إبمنديز؛ لذلك فكل منهما له نمط منطقي خاص به، وما يصح على هذا لا يصح على ذاك، وعلى ذلك، لا يمكننا أن ننسب خاصية للقضايا بوجه عام بل فقط لقضايا من مستوى معين،٢١ ومن هنا تنحل المفارقة؛ لنحكم بأن إبمنديز صادقٌ وأن كل الأقريطيين كذابون، ولهذه النظرية نتائج جمة في فلسفة الرياضة البحتة.
وقد فعل تارسكي بشأن نظرية التناظر مثل هذا، فكيف نجعل العبارة: «العبارة «س هي ص» عبارة صادقة» محكًّا للعبارة «س هي ص» وكلتاهما عبارة، هذا شبيه بدوران إبمنديز، لكن بفصل تارسكي بين اللغتين، أصبح لكل لغة مقاييسها الخاصة مما يخلصنا من هذا الدوران فلا تعود نظرية التناظر خالية من المعنى ولا هي عقيم كما رأى فرانك رامزي، أو من نافلة القول التي يمكن أن نسير بدونها.٢٢

(٣) وما فتئ بوبر يرفع آيات العرفان لتارسكي؛ لأنه مكَّنه من الأخذ بالتناظر الذي يحافظ على موضوعية المعرفة واستقلالها عن الذوات؛ إذ يمكن أن تكون صادقة حتى ولو لم يوجد أي شخص يعتقد فيها، وقد تكون كاذبة حتى ولو كان لدى الذات العارفة أسباب وجيهة كي تتقبلها.

فالتناظر على طرف النقيض من النظريات الذاتية في الصدق، التي ترجعه إلى تاريخ أو علاقة المعتقد بالمعتقدات الأخرى كنظرية الترابط Coherence، فيكون الصدق هو ما نستطيع تبرير الاعتقاد فيه أو قبوله.٢٣

(٣) نظرية العوالم الثلاثة

(١) ويضفي بوبر منتهى الموضوعية على المعرفة، حين يصر على أن مكانها ليس في الأذهان، بل إن مكانها العملي هو العالم الفيزيقي، ومكانها النظري هو الكتب، أو بالأدق هو العالم ٣ مراعاة للمصطلحات البوبرية،٢٤ فما هو هذا العالم ٣؟
(٢) لبوبر نظرية ميتافيزيقية مؤداها أن هناك ثلاثة عوالم، هي:
  • العالم ١: العالم الفيزيقي المادي، عالم الحالات الفيزيقية والأشياء المادية.
  • العالم ٢: العالم الذاتي، عالم الوعي والشعور والحالات العقلية والميول السيكولوجية، المعتقدات والإدراكات.
  • العالم ٣: عالم المحتوى الموضوعي للفكر، كالعلم والفلسفة والأعمال الأدبية والفنية، فيه المشاكل ومحاولات حلولها، الفروض ومناقشاتها النقدية، والنظم السياسية والتقاليد والقيم … محتوى هذا العالم هو محتوى الكتب والصحف والمعارض والمتاحف، والموضوع السليم للإبستمولوجيا يقطن فيه لا في العالم ٢.٢٥

(٣) والعلاقة بين العوالم الثلاثة متداخلة؛ فالعالم ١ مستقل عن العالم ٣، لكن العقل؛ العالم ٢، هو الوسيط الذي يربط بينهما بواسطة علاقاته بكليهما؛ إذ له وثيق الصلة بالعالم ٣، فهو الذي يخلقه ثم يظل يدرسه ويضيف إليه ويحذف منه، وهو يدرك أيضًا مكونات العالم ١ بالمعنى الحرفي لمفهوم الإدراك الحسي، وأيضًا العالم ٢ له أثر كبير على العالم ١، لكن القوى التكنولوجية تكمن في النظرية وهي في العالم ٣، والذات أي العالم ٢، هي التي تستخرج القوة التكنولوجية من النظرية وتقوم بتطبيقها، فتغير بها العالم ١.

خلاصة القول في العلاقة بينهما، أن العالم ٢ يربط بين العالمين: ١، ٣، وأن هناك عملية تغذية استرجاعية Feed-Back Process للعالم ٣ من العالم ٢ بل وحتى من العالم ١.٢٦
(٤) هذه النظرية ابتكار مثير، غير أنها — كما يقول بوبر — ليست إلا موقفًا تعدديًّا جديدًا، أي رافضًا للواحدية وللثنائية، فقد حلت مشكلة العقل والمادة بأن أتت بطرف ثالث يربط بينهما؛ لذلك يُرْجِع بوبر أصولها إلى كافة المذاهب التعددية كالأفلاطونية والواحد الأفلوطيني والهيجلية ومونادات ليبنتز الروحية … كلها نظريات تقول بوجود عالم غير عالمي العقل والمادة مثل العالم ٣:
  • (أ)
    يخبرنا بوبر أن نظريته تتلافى أخطاء المثل الأفلاطونية، فالعالم ٣ ليس سرمديًّا ولا مطلق الثبات، مثلها مثل الواحد الأفلوطيني، بل هو من صنع الإنسان وهو دائم التغير والتقدم والنمو، وهذه المرونة تجعله ملائمًا للمعرفة العلمية بالمفهوم الحديث، كما أن عالم المثل يعطينا الحقيقة اليقينية المطلقة؛ لذا فمكوناته مفاهيم مفرطة التجريد نتأمل فيها كما لو كانت نجومًا في السماء، أما مكونات العالم ٣ فواقعية، هي المشاكل وحلولها، فهو لا يحمل أية صفة للإطلاق، بل يحوي الخطأ بجانب الصواب، خطؤه هو المرجح دائمًا، لكن أكبر قصور في المثل هو القصور عن تصوير العلاقات، فالمثل تصور الحقائق، أي المفاهيم، «كل مفهوم = مثال مستقل» لكنها لم تصور المفاهيم وهي تدخل في علاقات،٢٧ فمثلًا تصور الحقائق ٥ – ٢٥ – الضرب – التساوي، لكن لا تصور العلاقة «٥ × ٥ = ٢٥»، والقصور عن تصوير العلاقات يشوب الفلسفة القديمة بأسرها، فهي فلسفة واحدية تعاملت مع كون افترضت أنه ساكن وكل حركة فيه تغير؛ لذلك فمنطق العلاقات أهم إنجازات الفلسفة المعاصرة، والعالم ٣ يساير هذا فهو يحوي كل معلومة يتوصل إليها البشر وبالتالي كل علاقة، وفي سياق المقارنة مع أفلاطون ينبغي التنويه إلى أن العالم ٣ لا مكان فيه للكليات؛ فبوبر يأخذ بالمذهب الأسمى ويعادي الواقعية الأفلاطونية، كل ما في الأمر أن كليهما أتى بطرف ثالث غير الثنائي الديكارتي، ولنلاحظ أن بوبر يعتبر أفلاطون تعدديًّا وليس ثنائيًّا كما جرى العرف.
  • (ب)
    أما عن الروح المطلق الهيجلي، فإن العالم ٣ لا يعرف الصدق المطلق، كما أن بوبر — المعادي للجدل — لا يعترف بالتناقض بل يراه خطأً يجب إبعاده، وأكبر اختلاف هو أن هيجل لا يجعل للفرد دورًا خلاقًا، وحتى عظيم العصر مجرد وسيلة تكشف روح العصر عن نفسها فيه،٢٨ أما في العالم ٣ فالدور الأعظم للإنسان الفرد وللنقد «نفس رأي رسل في التأكيد على أهمية الفرد؛ البطل العظيم.»
  • (جـ)
    وقد ميز برنارد بولزانو B. Belzano (١٧٨١–١٨٤٨م) بين الحقائق أو العبارات في ذاتها، وبين عمليات الفكر الذاتية، العبارات في ذاتها يمكنها الدخول في علاقات منطقية مع بعضها فتكون متوافقة أو غير متوافقة، ويمكن اشتقاق عبارة من أخرى، أما عمليات التفكير فتدخل فقط في علاقات سيكولوجية أي تزعج أو تسلي أو تهدئ أو تلهم بتوقعات أو تحجم عن أعمال انتُويت، لكن لا يمكن أن تناقض عمليات تفكير إنسان آخر ولا حتى عمليات الإنسان نفسه في وقت آخر؛ لأن التناقض علاقة سيكولوجية، فالفكر بمعنى العمليات والفكر بمعنى العبارات في ذاتها ينتميان لعالمين مختلفين، فإذا كان العالم الفيزيقي هو العالم ١، والخبرات الشعورية هي العالم ٢، كانت العبارات في ذاتها هي العالم ٣، وكانت نظرية بولزانو مناظرة لنظرية بوبر.
  • (د)

    وقد فرَّق فريجه بين العمليات الذاتية للفكر وبين مضمونها الموضوعي، غير أنه الأب الروحي للمنطق المعرفي؛ لذلك فهو لم يفكر في الإبستمولوجيا كنظرية في المعرفة الموضوعية.

هذه صورة عامة لموقع نظرية العالم ٣ من السياق التاريخي.٢٩
(٥) والعالم ٣ يجسد موضوعية المعرفة بفضل استقلاله، فهو منتج مباشر لنشاطات الإنسان المختلفة، وسائر مكوناته من صنع الإنسان، لكنها تستقل عنه بعد أن يخلقها، فالكتاب كتاب حتى وإن لم يقرأه أحد، بل ويمكن أن يكون حتى بغير أن تؤلفه ذات، مثلًا يمكن إنتاجه وطبعه بواسطة الكمبيوتر،٣٠ وحتى لا يتحول الكتاب إلى مجموعة من الورق والنقاط السوداء، يكفيه إمكانية القراءة وفهم المحتوى؛ لذلك يضع بوبر تصورًا لفناء الجنس البشري، لكن مكونات العالم ٣ باقية، فأي خلفاء عاقلين من الأرض أو من الفضاء يمكنهم مواصلة الحضارة طالما استطاعوا فك رموز الكتب، أي إن العالم ٣ يستطيع الاستمرار بغير أي إنسان، أي ذات.

بل وإنه يستقل في خلق مشاكله التي قد يعجز الإنسان عن حلها، وفي خلق خصائصه التي قد تظل في حدود المجهول وقد يعرفها الإنسان وقد لا يعرفها، مثلًا كثير من مشاكل الأعداد الأولية والصماء واللامتناهية ما زالت مثارة في علوم الرياضة، رغم أن الواقع لا يوجد فيه اثنان وثلاثة، يوجد فيه فقط مثان ومثالث، والإنسان هو الذي خلق سلسلة الأعداد لكنه لم يخلق مشاكلها ولا خصائصها كالتمييز بين الأعداد الزوجية والفردية، مثل هذا نتيجة لخلقنا؛ غير مقصودة ولا يمكن تجنبها.

على هذا يفرق بوبر — في مكونات العالم ٣ — بين المنتجات الثانوية وبين المنتجات المقصودة التي اجتمع أشخاص معينون في فترات معينة، وبذلوا جهدًا بهدف خلقها مثل الأديان والمؤسسات والأعمال الفنية والعلمية والدستور …

أما المنتجات الثانوية by-Products، فهي التي لم نخلقها بقصد أو نية، بل انبثقت بمحض ذاتها، والغريب أن هذه المنتجات قد يكون لها قيمة أكثر أهمية من المنتجات المقصودة، مثلًا اللغة منتج ثانوي؛ إذ ليس هناك جماعة اجتمعت لتخطط اللغة، كيف إذن تنشأ مثل هذه المخلوقات الهامة؟ «إنها تنشأ على نفس النحو الذي ينشأ به طريق الحيوان في الغابة، فحيوان ما يحاول أن يشق طريقه وسط الأحراش والأشجار المتكاثفة ليصل إلى مكان الشرب، ثم تأتي حيوانات أخرى تجد أن الأسهل لها هو استعمال نفس الطريق، فيتسع ويتحسن بواسطة الاستعمال، إنه غير مخطط نتيجة غير مقصودة للحاجة إلى حركة أسهل وأيسر.»٣١ على هذا النحو تنشأ جميع المنتجات الثانوية، كاللغة والعرف والتقاليد والتنظيمات الاجتماعية.
إنها تبدأ من نشاط توجهه الحاجة، ثم يتسع ويتحسن تدريجيًّا بغير خطة سابقة «إنها أشياء صنعها الناس بغير أن يصنعها واحد منهم.»٣٢،٣٣ ويرجع الفضل في وجودها إلى فائدتها Usefulness التي ربما لم تكن موجودةً قبل أن تنشأ، لكن تحققت بعد وجودها، فأدى هذا إلى أن تتحسن وتتطور.

بخلاف المنشآت التي تنشأ بغير نية، يدخل أيضًا تحت نطاق المنتجات الثانوية تلك المنتجات التي تنشأ كنتيجة غير مقصودة، لمنتج أصلي مقصود، كالمشاكل التي تنشأ عن صعوبات أو قصور أو تعقيد لنتائجه.

المنتجات الثانوية تجسد استقلال العالم ٣، وبالتالي موضوعية مكوناته، غير أن هذا الاستقلال يمتدُّ إلى حدود، فالمشاكل الجديدة التي تُخْلَق تواجَه بمحاولات حلها، وهذه المحاولات تؤدي إلى خلق جديد ثمة دائمًا استمرار للعلاقة الدينامية، علاقة التغذية الاسترجاعية التي تربط الإنسان بالعالم ٣.

(٦) العالم ٣ هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وأهم مكوناته، وصاحِبا أكبر الفضل في خلقه هما: اللغة ثم النقد.

(٧) نظرية العالم ٣ تثبت العبارة التي وردت في بدايات الفصل: «إن المعرفة موضوعية لدرجة أنها بغير ذات عارفة.» فقد وضح مدى استقلال مكوناته والمعرفة إحداها، بل وحتى عملية الفهم Understanding نقطن فيه٣٤ لأنها تنصبُّ على محتوياته.

على هذا أصبح منطقيًّا: إصرار بوبر على موضوعية المعرفة، ومدى الخطأ الكبير حين ندرس المعرفة بوصفها اعتقادات، أي حين تتورط الفلسفة في العالم ٢.

(٤) نظرية المحاولة والخطأ

(١) كيف تبدو المعرفة خلال هذا المنظور الموضوعي؟

ينظر بوبر إلى المعرفة والعلم نظرة واحدة، فالعلم ليس إلا مرحلة متقدمة من المعرفة، بل وأكثر من ذلك، فلو كشفنا القصة كلها مرة واحدة منذ الأميبا حتى آينشتين؛ لوجدنا أنها تعرض لنفس النمط وعلى طول المدى،٣٥ فالمسار الذي تسلكه الأميبا لحل مشكلة حصولها على الغذاء، هو نفس المسار الذي سلكه آينشتين لحل مشكلة النسبية.

فأنماط السلوك أيًّا كانت، أي سلوك يسلكه أي كائن حي؛ العالم في معمله أو الإنسان العادي أو الطفل أو الحيوان أو حتى الحشرة … أي سلوك كان ليس إلا محاولة لحل مشكلة معينة؛ لذلك لا بد وأن تكون المعرفة بدورها ليست إلا نشاطًا لحل مشاكل.

ولا بد وأن يبدأ أي موقف بمشكلة محددة «لتكن م١»، تأتي بعد ذلك محاولة حل اختباري لهذه المشكلة «ح ح»، يتخذ الآن النقد دورًا أساسيًّا في مناقشة هذا الحل المقترح، فيستبعد الخطأ منه «استبعاد الخطأ: ١١»، بعد حذف الخطأ يبرز موقف جديد، وأي موقف لا بد وأن يحتوي على مشاكل، إذن الموقف ينتهي بمشكلة جديدة «م٢»، فيتخذ الصورة:

إنها الصورة المنهجية لأية محاولة تجري على وجه الأرض؛ لذلك لو طلبنا من بوبر وصفًا للإبستمولوجيا من وجهة النظر الموضوعية، وصفًا لمسارها وكيفية نموها المطرد لما قال سوى: «م١ ح ح أ أ م٢» فعلى هذا النحو تسير المعرفة في حلقات متتالية تبدأ بمشكلة وتنتهي بمشكلة، لكنها ليست دائرية Cycle؛ فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل التقدُّم المستمر.
(٢) وهذه الصياغة فيها عنصر مفقود فقد تقترح كثرة من الحلول، علينا أن نختبرها جميعًا حتى نصل إلى أفضل «م٢» ممكنة، ويمكن أن تطور الصياغة حتى تتخذ هذه الصورة:٣٦
ويمكن أن نطوِّرها أكثر كي تعبِّر عن الموقف، حين يصعب حسم القول في أفضل الحلول المتنافسة، فتتفرع المشكلة الواحدة إلى عدة طرق، كل منها ينتهي إلى مشاكله الخاصة به، ويمكن التعبير عن هذا بتطوير الصياغة على النحو التالي:٣٧

هذه الصورة واضحة جدًّا في المسائل الأيديولوجية كتعدد الاتجاهات السياسية مثلًا.

(٣) وبوبر يؤكِّد أن كل مكونات العالم ٣ تسير في هذا المسار، بل وأيضًا مكونات العالم ٢ مثل العواطف والاعتقادات، ويؤكد بريان ماجي أن كل عمليات التطور العضوي جوهرية كانت أم شكلية، وكل عمليات التعلم يمكن النظر إليها من هذا المنظور.

(٤) وهذه الصياغة أخصب أفكار بوبر، «وضع عليها سرجًا جيدًا، وامتطى صهوتها خلال الكثير المتباين من حقول التساؤل الإنساني، وحتى تلك التي لم يطرقها هو، كان هناك في الأغلب أحد أتباعه ليطرقها.»٣٨ فمثلًا ظل بوبر لفترة طويلة يعتقد أنها بمعزل تام عن التحليل الصوري، أي عن المنطق والرياضة، حتى أقنعه إمر لاكاتوس Immre Lakatos أنها كذلك، فإن ما يفعله الرياضي لا يخرج إطلاقًا عن محاولة حل مشكلة رياضية، ثم إصلاح أخطاء المحاولة، فيخرج بموقف جديد، حاملًا مشاكل جديدة، وحتى في الفنون الجميلة، فإن تاريخ الفنون التشكيلية، قد فُسِّرَ في كتاب إرنست جومبريش «الفن الوهم» بمصطلحات بوبرية؛ فالفنان واقع تحت ضغط متطلبات الفكرة الفنية، يقوم بعمليات تعديل لانهائية وتدريجية للأنساق الهيكلية التقليدية لتكوين الصورة،٣٩ هناك دائمًا محاولة لاستبعاد الخطأ، المنهج إذن هو نفس الصياغة، المحاولة والخطأ …

(٥) ولكن كيف تنطبق أيضًا على جميع أنشطة الحيوان ابتداءً من الأميبا؟ بوبر يجيب على هذا بأن الصياغة مثلما تصور نمو المعرفة ونمو مكونات العالم ٣ بل والعالم ٢، فإنها تصور أساسًا التطور البيولوجي؛ فالحيوانات — بل والنباتات — أيضًا تحل المشاكل عن طريق ردود الأفعال الجديدة والتوقعات الجديدة والأنماط الجديدة من السلوك، أي يحل الحيوان بيولوجيًّا المشاكل عن طريق الحلول الاختبارية المتنافسة واستبعاد الخطأ؛ أي منهج المحاولة والخطأ.

الحلول الاختبارية Tentative Solutions التي يحتويها تشريح الحيوان والنبات أو التي يحتويها سلوكها، هي المثيل البيولوجي للنظريات، والعكس صحيح، فالنظريات تناظر الأعضاء الداخلية للأجسام وأداءها لوظائفها وحلها للمشاكل، وبخلاف الأعضاء الداخلية وتطورها، نجد أيضًا الإفرازات الخارجية كأقراص العسل وخيوط العنكبوت هي الأخرى تماثل الأدوات التي يصنعها الإنسان لتكيفه مع البيئة ولحل المشاكل.٤٠

الخلاصة: النظريات والأدوات = الأعضاء المتطورة للحيوان ووظائفها والأنماط الجديدة من سلوك الكائنات الحية = محاولات حل المشاكل والتكيف مع العالم والعمل على تغييره =

م١ ح ح أ أ م٢
(٦) إذن هذه النظرية المعرفية تناظر الداروينية البيولوجية، فحل المشاكل نشاط أولي، مشكلته الأولى هي البقاء Survival، كل الكائنات تنشغل ليلًا ونهارًا في حل المشاكل، وكل النتائج التطورية التي طرأت على الحياة إنما تشير إلى تلك التعويذة التي بدأت مع أول أشكال الحياة، هذه الأشكال التي تعتبر الكائنات الحية الآن آخر أعضائها،٤١ هذه التعويذة؛ أي الصياغة السالفة، لا تصور إلا ما تصور نظرية دارون من أسلوب التطورات التي تطرأ على أعضاء الكائن الحي، إنها الداروينية٤٢ لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار صورتها:

لا لقيناها تصلح تمامًا للتعبير عن الداروينية، مع اعتبار م١ أول خلية حية انبثقت عنها كافة أشكال الحياة.

وبوبر يؤكد على التماثل الشديد، بل التطابق، بين النمو البيولوجي ونمو المعرفة،٤٣ وإن أحد أهداف صياغته هذه توضيح نظرية دارون.
(٧) وجميع الكائنات الحية تسير في كل تطوراتها — سواء البيولوجية أو العقلية — بمقتضى تلك الصياغة؛ فالأميبا تحل مشاكلها بمقتضاها وأيضًا آينشتين، والنقد هو الفارق الوحيد، به يستطيع الإنسان اكتشاف الخطأ وحذفه فيقترب أكثر من الصدق، أما الحيوانات والإنسان في الحضارات البدائية، فلا يستطيعون النقد والاستبعاد، إنهم يهلكون «بهلاك» نظرياتهم — أي محاولاتهم — الخاطئة؛٤٤ لذلك جعل بوبر النقد أهم مكونات العالم ٣ دائمًا حيث أية فكرة بوبرية، حيث النقد.
(٨) ورغم أن هذه الصياغة الداروينية، زمانيًّا من أفكار بوبر اللاحقة، فإن سائر خطوط فلسفته يمكن اشتقاقها منها، ونتائجها تفوق الحصر، لكن لا بأس من إجمال أهمها، ولن نجد أية نظرية لبوبر، ولا تلزم بصورة أو بأخرى عن إحداها:
  • (أ)
    الخطأ داخل في صميم كل محاولة، يستحيل أن نتجنبه، يمكن فقط أن نتعلم من أخطائنا فنسير إلى الأفضل،٤٥ بل وإنها سبيلنا الوحيد للتعلُّم؛ لذلك كانت نظرية بوبر في أسلوب التعلُّم هي المحاولة والخطأ Trial and Error فهي بالطبع أساس نظريته المنهجية، لكنه يجعلها منهج شتى الأنشطة.

    منهج المحاولة والخطأ ليس نتيجة، بل هو الصياغة ذاتها، النتيجة هي وحدة المناهج ليست هناك خطوات محددة يقتفيها العالم، وأخرى يقتفيها الفيلسوف، والأسلوب في جوهره واحد لجميع الباحثين والمفكرين؛ المنهج النقدي الذي يمكنهم من استبعاد الخطأ من محاولاتهم.

    هذه النظرية في وحدة المناهج تحل مشاكل كثيرة، أو بالأصح تفض نزاعات جمة: التجريبية أم العقلانية، الحسية أم المثالية.

  • (ب)

    هذه الصياغة تجعل المعرفة تسير في حلقات متتالية، كل حلقة تبدأ من سابقتها وتؤدي إلى لاحقتها، طالما تبدأ بمشكلة وتنتهي بمشكلة؛ لهذا فهي تؤسس دعوى بوبر في خلق أواصر القربى بين شتى الجهود المعرفية، وهو لهذا يعطي الفضل الكبير للنظريات الفلسفية — بل وللأساطير الدينية والخرافات — في التقدم العلمي الحديث؛ لأنها مثلت إحدى حلقات التطور العلمي الراهن.

    وهذا من ناحية يؤسس رفضه لرأي الوضعية المنطقية في أن كل ما عدا العلم لغو، ومن ناحية أخرى يؤسس رأيه في ربط حصيلة الجيل ومنجزاته بأجيال لا تُحْصَى من البشر سبقته وأعدت له، وأن الفضل الأعظم في كل إنجاز يعود إلى الحصيلة المعرفية والبناء الحضاري الذي تسلمناه.

    وهذا بدوره يؤسس نظرته إلى تاريخ العلم والفلسفة والفن … إلخ على أنه نقاش جارٍ، سلسلة من المشكلات المترابطة وحلولها الاختبارية، وبينما قلَّ اهتمام الفلاسفة الوضعيين واللغويين بتاريخ مادتهم فإن التناول البوبري يقود إلى معنى المشاركة الشخصية في تاريخ الأفكار؛ ومن ثم فإن بوبر نفسه — فيلسوف العلم الذي يألف الفيزياء الحديثة — هو أيضًا دارس عاطفي.٤٦
  • (جـ)

    اعتبار كل حلقة معرفية، مهما كانت متقدمة، لا بد وأن تنتهي هي الأخرى إلى مشكلة، تدخل في حلقة أخرى، يعني أن الجهود المعرفية لا بد وأن تكون دومًا في حاجة إلى استئناف المسير، مما يعني إمكانية التقدم المستمرة، وهذا يؤسس فكرة بوبر — المواتية لروح العصر — في اعتبار اليقين من مخلفات عصور الجهالة.

  • (د)
    هذه الصياغة تصف شتى المحاولات وتمثل المنهج الواحد، مما يعني محو الفوارق بين التخصصات الدقيقة، وإهمال الفروق التقليدية بين المواد، كل ما يهم أن يكون لدى المرء مشكلة شيقة يحاول حلها بصدق وأصالة، وهذا يؤدي إلى أن يلتزم وجوديًّا بالعمل، ومن أجل العمل نفسه، حتى يكون له ما يسميه الوجوديون بالأصالة Authenticity.٤٧
    وهذا يؤسس دعوى بوبر في محاربة التخصص الدقيق٤٨ التي تجافي روح العصر، لكنه يؤكد أنه هو نفسه هاوٍ للعلم والفلسفة، وليس محترفًا لأي شيء، كثير من الباحثين تُسعدهم هذه الدعوى٤٩ في محاولة لعلاج مرض شاع في هذا العصر، مرض العالِم الذي يقضي ثلاثة أرباع عمره في معمله ولا يدري شيئًا عن الحروب الطاحنة والمقولات الدينية والأعمال الفنية، فيصاب بالتفاهة وقصر أبعاد الشخصية وضحالة خبرتها بالحياة الرفيعة، محققًا المعادلة الصعبة؛ العالم الجاهل.
  • (هـ)

    الطابع المرحلي لكل بناء معقد، طالما أن أية محاولة، وأي جهد يسير في حلقات متتالية كل حلقة تحاول حل مشكلة معينة واحدة، في هذا ما يؤسس عداء بوبر العنيف للنزعات الكلية التي تحاول تحقيق كافة ما ترومه بضربة واحدة كالماركسية على الخصوص، والنزعات اليوتوبية على العموم.

    وهذا بدوره يؤسس دعوى بوبر إلى الهندسة الاجتماعية الجزئية Social Piecemeal Engeneering التي تعني الإصلاح الاجتماعي خطوة خطوة، مشكلة مشكلة.

    هذا أيضًا أسلوبه السليم في النقد؛ خطوة خطوة، جزء جزء، وليس أبدًا استبعاد كائن مهيب بجرة قلم واحدة كما فعلت الوضعية بخصوص الميتافيزيقا، أو الماركسية بخصوص البناء الاجتماعي البرجوازي.

  • (و)

    هذه الصياغة التي تصف شتى ضروب الأنشطة إنما تبدأ بمشكلة، هذا يؤسِّس دعوى بوبر بأن أي نشاط مبذول هو محاولة لحل مشكلة، وأن هذا ما يجعل النشاط موجهًا بغير أن نقع في أَسْر البراجماتية.

    وهذا يؤسس دعوى بوبر بأن نمركز الاهتمام حول المشاكل المهمة، لا نبدأ بمحاولة حل المشكلة الحل هو العامل الثاني في الصياغة لا الأول، إننا نبدأ بالمشكلة نفسها وبالأسباب التي جعلتها مشكلة — بموقف المشكلة، فيتعلم الباحث أن يهتم بصياغة المشكلة وفهمها قبل أن يحاول حلها ومدى فهمه للمشكلة ولموقفها، يحدد درجة نجاحه في التوصل إلى حل.

    هذا — من ناحية أخرى — يؤسس دعوى بوبر من ضرورة الاهتمام بموقف المشكلة.

    كما يؤسس دعواه في فلسفة السياسة والاجتماع، من الانتقال من مشكلة إلى حلها، دون الوقوع في براثن العبودية المذهبية.

  • (ز)

    النقد يدخل في صميم عملية المعرفة، بل وفي صميم جميع الأنشطة الحيوية بطريقة أساسية تمكننا من القول بأنه هو نفسه مسار التطور وجوهر التقدم، وهذه النتيجة — أي أهمية النقد — هي ببساطةٍ فلسفة بوبر برمتها.

  • (ﺣ)

    إقرار صريح وواقعي، بضرورة التعثر في الخطأ؛ مما يجنبنا مهاوي النزوع إلى الكمال، الخطأ هو القدر الذي لا مفر منه إذن، وهذا يؤسس دعوى بوبر في استحالة أن تتمتع المعرفة بأية أسس أو مصادر غير قابلة للخطأ، لا في العقل ولا في الحس، وهذا أساس دعواه السالفة باستحالة اليقين، ودعواه الآتية إلى العقلانية النقدية.

(٥) العقلانية النقدية

(١) إذا أردنا أن نراعي تقاليد البحث الإبستمولوجي العريقة، ونضع لبوبر تصنيفًا تقليديًّا، لكان هو العقلانية، ولكنها العقلانية النقدية Critical Rationalism المختلفة أيما اختلاف عن العقلانية الكلاسيكية Classical Rationalism.
(٢) والعقلانية هي اصطلاح يوضع للاتجاه الفلسفي الرافض للمذاهب التسلطي Authoritarianism، الذي يضع سلطة معينة بوصفها مصدرًا للمعرفة بل والمصدر الوحيد وللمعرفة اليقينية.
إنها — أي العقلانية — المذهب التنويري المستنير، الذي جاء ثائرًا على خضوع العصور الوسطى الطويل للسلطة الدينية وأرسطو؛ فهي تقوم على أساس أن الحقيقة بينة Truth is Manifest، قد تكون محجبة، لكن يمكن أن تكشف عن نفسها، وإذا لم تكشف عن نفسها، فمن الممكن أن نكشفها نحن، وكشف الحجاب قد لا يكون يسيرًا، لكن متى وقفت الحقيقة أمامنا مكشوفة فإن لدينا المقدرة على أن نراها، وأن نميزها عن الباطل، وأن نعرف أنها هي الحقيقة،٥٠ نحن إذن نملك الوسائل التي تمكننا من التوصل إلى الحقيقة واكتساب المعرفة، ولسنا في حاجة إلى سلطة تفرض علينا كي تدلنا عليها؛ لذلك يطلق بوبر على هذا الاتجاه — العقلانية الكلاسيكية — اسم «الإبستمولوجيا المتفائلة»؛ فهي تثق في الحقيقة وفي الإنسان مقابل «الإبستمولوجيا المتشائمة» التسلطية التي تسحب الثقة من الإنسان وقدراته المعرفية.
والعقلانية شائعة في الفلسفة منذ سقراط وأرسطو، ثم غفت في سبات عميق طوال العصور الوسطى، غير أنها عادت لتكون الموقف المعتمد في الفلسفة الحديثة،٥١ وأصبحت موقفًا رسميًّا ذا بطاقة محددة حيث تصف عادة اتجاهين مختلفين:
  • العقلانية التجريبية Emprical Rationalism: والتي تقتاد ببيكون وأشياعه، وهم القائلون: إن الوسيلة التي تمكننا من قراءة الحقيقة هي التجريب، إنها تثق في الحس وفي الطبيعة، فليعتمد الإنسان فقط على نفسه، على حواسه، ويرفض أية سلطة معرفية عليه.
  • العقلانية العقلية Intellectual Rationalism: اتجاه الذين يقتادون برينيه ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠م) وهم القائلون: إن الوسيلة التي تمكننا من قراءة الطبيعة هي العقل Intellect، إنها تثق في العقل وفي الله، فكما هو معروف في فلسفة ديكارت: الله لا يخدع أبدًا؛ لذلك فهو يضمن ثبات الحقائق؛ لذلك يرفضون التسلط المعرفي، ويتركون الإنسان يتوصل إلى الحقيقة، بنفسه، بعقله.

(٣) ويرى بوبر أن لهاتين النظريتين — أي للاتجاه العقلاني — الآثار الرائعة التي تمثلت في الحضارة الغربية الحديثة.

فلقد كانت العقلانية — وبغير نظير ينافسها عبر التاريخ — الملهم الأعظم للثورات الاجتماعية والأخلاقية، هي التي علمت الإنسان الثورة على دوجماطيقية الدين، وعلمته أن يحاول إصلاح الحياة الدينية، وهي التي حفزته على السعي وراء التحرر العقائدي والاجتماعي والسياسي، لقد شجعت الإنسان على أن يفكر من أجل نفسه المستقلة، وأعطته الأمل في المعرفة فبواسطتها يستطيع أن يحرر نفسه ويحرر الآخرين من العبودية والبؤس.

وهي التي مكنت للعلم الحديث، وكانت أساس الحرب ضد رقابة واكبت الفكر الحر، كما أصبحت أساس النزعة التي تؤكد فردية الإنسان واستقلاليته، وأعطته الحق في أن ينشق عن الجماعة، ويخالف المعتقد العام، فهو مستقل بنفسه، يستطيع أن يعرف الحقيقة، بغير توجيه أو إرشاد، أوَليس لديه العقل والحواس، فلقد كانت العقلانية أساس المعنى الحديث لكرامة الإنسان، والمطالبة بالتربية والتعليم والتثقيف الكلي الشامل، وقد جعلت الإنسان يستشعر المسئولية نحو نفسه ونحو الآخرين ويطمح في تحسين أوضاعه، بل وأوضاع الآخرين.٥٢

كل ذلك لأنها وجَّهت الإنسان نحو نفسه، فقوَّت وعيه بذاته، وجعلته يبحث عن الحقيقة البينة بنفسه بواسطة حواسه أو عقله، لا يعتمد على سلطة خارجية عنه منفصلة عن عالمه، يخشى منها ولا يعلم حدودها ومداها.

(٤) وعلى هذا يرى بوبر في العقلانية الكلاسيكية أنموذجًا للفكرة الخاطئة السيئة، التي تلمُّ بأفكار رائعة!٥٣

فقد تردَّت في خطأ كبير هو الاعتقاد بأن الحقيقة بينة، وأن المعرفة اليقينية سهلة المنال، وراحوا يتساءلون: ما هو مصدر هذا اليقين؟ ما هو المصدر النهائي للمعرفة النهائية القاطعة؟ أهو الحس أم العقل، وأولًا اليقين مستحيل، والحقيقة ليست بينة.

وثانيًا: السؤال الذي قامت أصلًا للإجابة عليه خاطئ؛ إذ لا يهمُّنا مصدر المعرفة أهو العقل أم الحس، المهم هو المعرفة نفسها، محتواها ومدى صدقها، إنهم بالسؤال عن المصدر يكرِّرون الخطيئة الأرستقراطية التي تهتم بالحسب والنسب، وتصرف النظر عن تقييم الشخص ذاته.٥٤
على هذا فالعقلانية اتجاه خاطئ، ولا بد وأن يكون لها آثار خطيرة تتلخَّص فيما يلي:
  • (أ)
    طالما أن الحقيقة بينة لكل من يريد أن يراها، فلقد أصبحت العقلانية أساس التطرف والتعصب Fanaticism؛ ذلك لأن الخبثاء المثبطين للهمم هم — وهم فقط — الذين يرفضون رؤية الحقيقة البينة، وأولئك الذين يخشون منها، هم فقط الذين سيدبرون المكائد كي يخفوها.٥٥
  • (ب)
    وليس التعصُّب فحسب، بل إنها تقود بطريق غير مباشر إلى المذهب التسلطي ذاته، الذي قامت أصلًا لتُحاربه، فطالما أن الحقيقة بينة وواضحة، فلا بد ألَّا يختلف عليها اثنان، لكن هذا غير واقع؛ مما يجعل البحوث الإبستمولوجية ليست في حاجة فقط إلى التأويل والتأكيد، بل وأيضًا إعادة التأويل وإعادة التأكيد، فتكون المعرفة في حاجة إلى سلطة دائمة تحكم — ربما من يوم لآخر — بما هي تلك الحقيقة البينة، وقد نتعلم أن نفعل ذلك بطريقة تعسفية بل وساخرة؛ لذلك نجد كثيرًا من الإبستمولوجيين الذين يُصابون بخيبة الأمل سوف يتحولون عن هذه الإبستمولوجية المتفائلة، ويحاولون إقامة مذهب تسلطي متألق على أسس إبستمولوجية متشائمة،٥٦ ويرى بوبر في أفلاطون أنموذجًا لهذا التحوُّل المأساوي من إبستمولوجيا عقلانية متفائلة، إلى إبستمولوجيا تسلطية تفرض ما اقتنعت يومًا أنه الحقيقة البينة، وما يتسق معها.
ومن هذا — من أن العقلانية تتحول إلى التسلطية التي قامت أصلًا لتحاربها — ينتهي بوبر إلى أن العقلانية الكلاسيكية اتجاه فاشل، فهو يعتقد أنه يحرر العقل البشري من دوجماطيقية الخضوع لسلطة معينة، هي السلطة الدينية والأرسطية، وقد كانت الحرب على هذه السلطة هي موضة زمانها، زمان بيكون وديكارت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر،٥٧ لكنهما لا ينجحان في محاولة التحرير هذه، وكل ما حدث إبدال سلطة بأخرى ولا جديد البتة.

فالعقلانية التجريبية، تبدل سلطة الكنيسة والإنجيل وأرسطو بسلطة الحواس، والعقلانية العقلية تبدلها بسلطة العقل أو الحدس العقلي وما يبدو له واضحًا متميزًا.

إنهما ما زالا يلجآن إلى ما يشبه سيطرة السلطة الدينية، فقط يغيران مصادر الحقيقة القصوى القاطعة اليقينية التي لا تُنَاقَش، فقد وضع بيكون الحس، ووضع ديكارت العقل بدلًا من الله.

(٥) إن السؤال الذي يحدد البحوث الإبستمولوجية ليس عن المصدر، بل هو: كيف نكتشف أخطاءنا ونستبعدها؟ وقد أجاب بوبر على هذا: بالنقد.

لذلك فالنقد هو الذي يحدد الموقف الإبستمولوجي لبوبر مثلما يحدد كل موقف آخر له، الذي هو العقلانية النقدية.

أما لماذا هو عقلاني بعد كل هذه الثورة النقدية على العقلانية الكلاسيكية؟ فلأنه يشترك معها في المبرر الذي يجعلها عقلانية، أي في رفض أية سلطة معرفية على الإنسان في استقلاله بنفسه في البحث عن الحقيقة رغم أنها ليست بينة، وفي اكتساب المعرفة رغم أنها ليست يقينية.

ليس هناك أية سلطة على الحياة المعرفية، ليس هناك أي مصدر معين للحقيقة النهائية، فالمعرفة لا تتمتع بأية أسس أو مصادر غير قابلة للخطأ، لا في العقل ولا في الحواس،٥٨ كل اقتراح وكل مصدر للمعرفة على الرحب والسعة، فقط لأن كل اقتراح وكل مصدر للمعرفة يمكن تعريضه للنقد.

فحتى العقلانية الكلاسيكية ذاتها لا نرفضها، بل نوليها الاعتبار بتعريضها للنقد، كما فعلنا، فعرفنا مواطن الخطأ فاستبعدناها، ومواطن الصواب فأبقينا عليها.

خاتمة

(١) لقد استفاض الحديث، ونحن نجوب خلال فلسفة بوبر الإبستمولوجيا الثرية.

والآن تصب كل الطرقات في هذا الملتقى لنخرج بأن المعرفة موضوعيةٌ من مكونات العالم ٣، ولا علاقة لها بالاعتقاد، لكن مشكلة هيوم الاعتقادات التي ترسخ في الذهن بسبب أثر التكرار، وهذا ما لا يمكن قبوله الآن؛ لأن الاعتقاد من مكونات العالم ٢، سيحاول بوبر إخراج المشكلة في صورة موضوعية تنتمي للعالم ٣؛ أي يمارس حلقة معرفية جديدة، تبدأ ﺑ «م١» هي مشكلة هيوم، ليستبعد الخطأ منها، مطبقًا العقلانية النقدية؛ لنرى ما أثر كل هذا على منطق العلم وموضوعنا الأساسي؛ المعيار الذي يميزه.

١  Karl Popper in: Bryan Magee, Modern British Philosophy, p. 74.
٢  Karl, R. Popper, Objective Knowledge: An Evolutionary. Approach, Clarendon Press, Oxford, 1972, p. 109.
وسنرمز لهذا الكتاب فيما بعد بالرمز: K. P. O. K.
٣  Karl Popper In: Bryan Magee, Modern British Philosophy, p. 74.
٤  Bertrand Russell, Problems of Philosophy, See: ch. 12, p. 12, pp. 69–73.
٥  انظر في نظرية الحس المشترك المعرفية، الفصل التالي، قسم ٢، فقرة ٢.
٦  See, K. P., L. S. D., pp. 97–100.
٧  K. P. O. K., preface.
٨  K. P. O. K., pp. 140-141.
٩  K, P. C, and R. p. 227.
١٠  د. محمد فتحي محمد علي، الإحصاء التطبيقي، مكتبة عين شمس، القاهرة، سنة ١٩٧٣م، ص٢٤.
١١  K. P. O. K. p. 147.
١٢  Ibid, pp. 141-142.
١٣  The Penguin Dictionary of Science, pp. 133-134.
١٤  آثرت الترجمة الركيكة «عدم العلم» المصطلح Nescince حتى أحتفظ بلا علم كترجمة ﻟ Nonscience وبالتالي اضطررت إلى ترجمة Negentropy بعدم الإنتروبي بدلًا من لا-إنتروبي.
١٥  فلسفة كارل بوبر ١٨٩٩م.
K. P. U. Q. pp. 162–167.
Nature, 3/2, 1987, p. 320.
Karl Popper, Time’s Arrow and Feeding on Negentropy, Karl Popper, Quantum Mechanism Without The Observer, in Quantum Theory and Reality édited by Mario Bunge, Springer Verlag, Berlin, New York, 1967. pp. 7–44.
١٦  انظر في هذا كتابنا: «العلم والاغتراب والحرية مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية» ص٦٨–٧٤، وفي اتساق التفسير الموضوعي للاحتمال مع العلم المعاصر انظر الفصلين الخامس والسادس.
١٧  K. P. Ok., p. 191.
١٨  Ibid, p. 191.
١٩  K. P. C. and R., P. 223.
٢٠  See: A, Ayer, Truth, Verification and Verisimilitude, in The Philosophy of Karl Popper, Vol. II, pp. 684-685.
٢١  د. محمد مهران، فلسفة برتراند رسل، دار المعارف بمصر، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٧٧م، ص٢٧٤.
٢٢  K. P., C, and R. p. 226.
٢٣  Ibid, p. 224.
٢٤  تجسدات العالم ٣ المادية جعلت جون إكسلس يخلط بين العالم ٣ والعالم ١؛ مما دعا بوبر إلى أن يطلق على الجانب المتجسد المخزون من العالم ٣–١ ليتضمن المكتبات والجزء المختص بالذاكرة من العقل؛ لذلك: «عالم ٣ > عالم ٣–١» > تعني علاقة التضمن، لكن العالمين متميزان رغم هذا التضمن، فمثلًا سلسلة الأعداد الطبيعية في العالم ٢ غير محددة؛ إذ لا يمكن أن تسجل في أي كتاب أو أن تستوعب أية ذاكرة الأرقام اللانهائية، لكن نظرية الأرقام في العالم ٣ لانهائية، فثمة بديهية في العالم ٣ هي أن كل رقم بعده رقم، والإمكانيات قائمة في العالم ٣–٣، أي المشاكل التي لم تُحَل بعدُ ولم تُكْتَشف بعدُ، لا تدخل في العالم ٣–٢، عالم الأفكار التي فكرنا فيها بالفعل، أي عشناها وناقشناها ونقدناها بالفعل، والحلول التي توصل إليها عقل إنساني فعلًا، ومشاكل العالم ٣ التي لم تُكْتَشف بعدُ تبقى في عالم ٣–٣، عالم من الظلال والظلال لها وجود واقعي.
See K. P., Replies. p. 1050.
لدينا الآن:
٢٥  K. P., O. K., p. 222, pp. 102–105.
٢٦  Ibid, p. 19–155.
٢٧  K. P., O. K., p. 156.
٢٨  Ibid, p. 126.
٢٩  باختصار نرى أن العالم ٣ هو ميتافيزيقا «البين-ذاتية» التي حلت محل «الموضوعية» حين اضمحلت في العالم المعاصر بفضل عوامل كثيرة أهمها نظرية النسبية لآينشتين.
٣٠  Ibid, p. 116.
٣١  Ibid, p. 117.
٣٢  Bryan magee, Karl Popper, p. 53.
٣٣  من هذه الناحية يمكن أن نلاحظ تشابهًا بين العالم ٣، وبين الضمير الاجتماعي أو العقل الجمعي لإميل دور كايم، فهو مثله من خلق الإنسان وليس من خلق أحد معين، وأيضًا يستقل عن الإنسان ويفرض نفسه عليه وعلى سلوكه، مثلما يفرض العالم ٣ مشاكله، سواء رضي الإنسان أم كره.
أما الخلافات الجوهرية بينهما؛ فهي أن العالم ٣ قادرٌ على البقاء حتى بعد فناء البشر وهو قادر على أداء دوره وفرض مشاكله على أية سلالة تفك رموزه، وما هكذا الضمير الاجتماعي لا يمكن أن يمارس دوره في قهر مجتمع آخر، أو حتى نفس المجتمع في فترة تاريخية أخرى، وبصفة عامة، العالم ٣ أشمل لأن الضمير الاجتماعي مجرد مكون من مكوناته العديدة، لقد عني بوبر بوضع نظريته بين أقرانه من الفلاسفة، ولم يفطن إلى أن لها قرائن في عالم علم الاجتماع.
٣٤  بخلاف الأفلاطونية، التي تعتبر الجدل طريقًا إليها ولا يقطن فيها.
٣٥  Bryan Magee, Karl Popper, p. 60.
٣٦  K. P., O. K. p. 243.
٣٧  Ibid, p. 287.
٣٨  Bryan Magee, Karl Popper, p. 62.
٣٩  Ibid, p. 62.
٤٠  K. P., O. K., p. 145.
٤١  Ibid p. 245.
٤٢  وما زالت أيضًا تحوي نفس قصور الداروينية؛ من حيث إنها لا تفسر تمامًا كيف جاءت أول خلية حية في التاريخ، ولا بوبر فسَّر كيف جاء موضوع أول «م١» بيولوجية في التاريخ، وإن كان قد فسَّر كيف جاء أول «م١» معرفية.
٤٣  Ibid., p. 112.
٤٤  Ibid, p. 148.
٤٥  Ibid p. 265.
٤٦  Bryan Magee, Karl Popper, p. 61.
٤٧  Bryan Magee, Karl Popper, p. 61.
٤٨  K. P. C, and R. p. 29 and also Popper in B. Magee, British Philosophy, p. 63–69.
٤٩  هؤلاء المناهضون للتخصص جانبوا الصواب؛ أولًا لأنهم خلطوا بين جانبين؛ الأول ما يحترفه العالم ودوره في بناء المجتمع، والثاني حياته الخاصة، أي شخصيته وكيف يبنيها كي يتذوق الحياة، في الجانب الأول وجب التخصص المفرط في الدقة، في الجانب الثاني الاقتصار على التخصص يجعله إنسانًا جاهلًا، سواء أكان عالمًا في فرع تخصصي دقيق، أم أكثر أم أقل عمومية، ولن يجدي في علاج هذا تسطيح درجة التخصص، وهذا التسطيح خطر وبيل على التقدم؛ لما بلغه العلم من اتساع يفوق قدرة العقل على الاستيعاب ويستلزم الاستعانة بالكومبيوتر … وليس من الممكن العود إلى عهود الموسوعيين حينما كان العالِم عالمًا بكل شيء، ثراء الحصيلة المعرفية الآن يمنعنا من تلبية مطلب بوبر في محو التخصص، ثم إن هذا المطلب يتناقض مع نصيحة سوف يسديها للعالم من ضرورة الإلمام بكل ما قيل عن المشكلة قبل محاولة حلها، كيف يستطيع العالم إتقان هذا الإلمام بغير التخصص الدقيق!
لا علاقة بين العالم المحيط بجزئيات علمه الدقيق، وبين الإنسان المثقف ثقافة رصينة تجعل حياته رحيبة ثرية جديرة بأن تعاش، إلا إذا قلنا: إن الثقافة ترهف الحس فتجعل العالم أقدر على التناول العميق لموضوعه، وتجعل خياله أخصب وأقْدَر على طرح الفروض، غير أن هذا الإرهاف في الحس لا نرومه كغاية أو مثل أعلى في العلماء فحسب، بل في سائر أفراد المجتمع ابتداءً من العمال حتى مدرسي الأطفال وصولًا إلى الأطباء والمهندسين والعاملين في الإعلام … إلخ.
من ثم لا تجد أي مبرر لتسطيح موقف العلم بالذات، محو الفوارق بين فروعه، لا سيما وأننا نروم من كل مواطن إتقان عمله والتفاني فيه، وليس العالم فحسب، هذا الرأي قطعًا مرفوض من بوبر؛ لأنه يرفض النظر إلى العلم كاحتراف، بل ويحتقر العلماء المحترفين؛ لأن العلم في رأي بوبر معاناة وانشغال، لكني بدوري أرفض هذا المنظور للاحتراف، وأرى أن كل إنسان — ليس العلماء والفلاسفة فحسب — يجب أن يقوم بعمله نتيجة للانشغال والمعاناة حتى عمال النظافة.
See, K. P. Replies, pp. 976–980.
وانظر أيضًا في المناقشة السليمة لهذه القضية الحيوية، د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، ص٣١١-٣١٢.
٥٠  K. P., C and R. p. 5.
٥١  M. H. Briggs, Handbook of Philosophical Library. New York, 1957.
٥٢  K. P., C. and R., p. 8.
٥٣  Ibid, the Same Page.
٥٤  Ibid, p. 27.
٥٥  Ibid., p. 8.
٥٦  Ibid, p. 9.
٥٧  Ibid, p. 15.
٥٨  Ibid, p. 25.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١