الفصل الثالث

حل مشكلة الاستقراء

هذه الطريقة في النظر إلى المعرفة، مكنتني من إعادة صياغة مشكلة هيوم في الاستقراء، وبتلك الصياغة الجديدة الموضوعية لم تعد مشكلة الاستقراء مشكلة لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل أصبحت مشكلة العلاقة المنطقية بين العبارات المفردة والنظريات الكلية، وبهذه الصورة أصبحت المشكلة قابلة للحل.١

مقدمة

(١) تمامًا كما فعل آينشتين بشأن المشاكل المتعلقة بطبيعة الأثير، وهو وسط لانهائي المرونة كثافته أقل من الهواء ويشغل الفضاء، وكان مفترضًا بوصفه الوسط الذي تحدث فيه ذبذبات الموجات، تبعًا لنظرية هويجنز الموجية في تفسير طبيعة الضوء، المقابلة لنظرية نيوتن الجسيمة وقد حلَّ آينشتين المشاكل المستعصية المتعلقة بطبيعة الأثير بأن دحض افتراض الأثير نفسه، وبالتالي دحض النظرية الموجية في الضوء؛ فتخلص من الأثير ومن مشاكله.٢

المثل تمامًا فعله بوبر بشأن فرض الاستقراء؛ فقد حل مشكلته بأن عرضها عرضًا منطقيًّا، يخرج منه بأسس لمنطق العلم لا أثر لاستقراء فيها البتة لكي يحكم حياتنا العلمية أو حتى العملية، وبالتالي يتخلص من الاستقراء ومشاكله، ويسجل نصرًا فلسفيًّا مؤداه حل مشكلة الاستقراء.

(٢) ولكي يثبت بوبر هذا، يبدأ تناوله للمشكلة بأن يبسطها على صورتها التقليدية، مبينًا عيوب هذه الصورة وجذورها، وكيف ظلت آمادًا طويلة مسلمًا بها، وحتى جاء هيوم، وإذا وصل بوبر إلى هيوم، يطرح مشكلته طرحًا مميزًا بين عنصريها المنطقي والسيكولوجي، مبينًا أخطاءها وأخطاء هيوم الكبيرة، ثم يعيد بوبر صياغة مشكلة الاستقراء، صياغة ترضى عنها نظريته السابق عرضها في موضوعية المعرفة، وتستبعد أخطاء المحاولة الهيومية السابقة، وتحل المشكلة تمامًا حلًّا ذا نتائج جمة.

لم يعالج بوبر الموضوع بهذا الترتيب، بل عالج نقطة هنا وأخرى هناك، غير أن أفضل عرض نسقي لأفكاره، إنما هو كالآتي؛ أي كما سنعرضه بهذا التنسيق.

(١) نقد المشكلة في صورتها التقليدية

(١) أولًا وقبل كل شيء، المشكلة في صورتها التقليدية التي عرضها الفصل الأول، قسم (٥)، خاطئة، فإذا كانت صياغتها تتمثل في: ما هو تبرير الاعتقاد الواسع بأن الماضي سوف يشابه المستقبل؟ أو: ما هو تبرير الاستدلالات الاستقرائية؟

فإن بوبر يرى كلتا الصياغتين قائمة على أساس خاطئ؛ لأن الصياغة الأولى تفترض الاعتقاد بأن المستقبل سوف يشابه الماضي، ومثل هذا الافتراض خاطئ من أصله، ليس هناك اعتقاد بمشابهة الماضي للمستقبل ما لم نأخذ مفهوم المشابهة بمعنى مرن، يجعله خاويًا من المعنى غير ضار. أما الصياغة الثانية فهي تفترض أن هناك شيئًا اسمه الاستدلالات الاستقرائية، ثم تبحث عن تبرير لها، مثل هذا الافتراض، حتى وإن كان شائعًا الشيوع الذي لمسناه في الفصل الأول، محض وهم، وإنا إذ نعرضه للنقد نلقاه خرافة، ليس هناك شيء — كما سيتضح — اسمه الاستدلال الاستقرائي حتى نقيم حول تبريره المشاكل.٣
(٢) والذي جعل له هذه القامة الفائقة، وشيَّد له تلك الصروح الفلسفية الهائلة؛ فهو أساسها الذي يعود إلى الحس المشترك ذي الشعبية الفائقة، فللحس المشترك Commonsense نظرية في المعرفة — فيما يصورها بوبر — تشبِّه العقل بالدلو أو السلة، تقوم الحواس — لا سيما البصر — بجمع المعلومات وتعبئتها في هذا الدلو، إذا أردنا اكتساب معرفة بأي شيء، فما علينا إلا أن نفتح عيوننا وحواسنا٤ فنعرفه تمامًا، هكذا ببساطة وبإهدار سائر القوى الخلاقة للذهن؛ لذلك يسميها بوبر نظرية التعبئة المعرفية Bucket Theory of Mind ويرسم لها تصويرًا غاية في الطرافة على هذا النحو:
وهي النظرية التي عبَّر عنها جون لوك قائلًا: ليس في العقل شيء إلا ودخله عن طريق الحواس، وإن كان بوبر قد كشف عن أن بارميندس أول مَنْ صاغها، وإن كان على نحو تهكمي ساخر يهجوها؛ إذ قال: «معظم البشر الفانين، لا يوجد في عقولهم الضالة خطأ إلا ودخلها عن طريق حواسهم الضالة.»٥

بصفة عامة نظرية الحس المشترك في المعرفة قريبة جدًّا من نظريات التجريبية الإنجليزية التقليدية؛ أي من باركلي ولوك وهيوم، وعلى أية حال، فنحن نجد الفكرة الشائعة هي أن عقولنا فعلًا فيها توقعات، نحن نعتقد بعمق في اطِّرادات معنية، أي قوانين للطبيعة، وهذا يقودنا إلى مشكلة الحس المشترك في الاستقراء: كيف نشأت هذه التوقعات والاعتقادات؟

ببساطة يجيب الحس المشترك على هذا، بسبب الملاحظات المتكررة التي حدثت في الماضي، نحن نعتقد أن الشمس سوف تشرق غدًا؛ لأنها في الماضي أشرقت كل يوم،٦ لدينا ملاحظات متكررة، وهي كفيلة بتفسير نشأة الاعتقاد وتبريره.

ببساطة يسلِّم الحس المشترك بكل هذا، ولا يفكر في إثارة أية مشاكل، وكان هذا هو الموقف الذي تشبث به الفلاسفة الاستقرائيون منذ أرسطو وشيشرون، كما أوضح الفصل الأول، لم يفكر أحد في مناقشتها مناقشة جدية حتى جاء هيوم.

(٣) يرى بوبر أن هيوم قد أثار بشأن الاستقراء مشكلتين، وليس مشكلة واحدة كما هو شائع؛ إذ يفصل بوبر في المشكلة بين شقيها المنطقي والسيكولوجي على هذا النحو:
  • المشكلة المنطقية: المتعلقة بتبرير صحة الاستقراء: هل لدينا التبرير الكافي للانتقال من الحالات المتكررة التي وقعت في خبرتنا إلى الحكم على (الاستنتاجات) الحالات التي لم تقع في خبرتنا؟

    وقد أجاب هيوم على هذا بالنفي مكونًا مشكلة الاستقراء المنطقية.

  • المشكلة السيكولوجية: المتعلقة بالتكرار وأثره السيكولوجي: لماذا نتوقع جميعًا — وبمثل هذه الثقة العظيمة — أن الحالات التي لم تقع في خبرتنا سوف تطابق تلك التي وقعت، ونعتقد في ذلك؟

    وقد أجاب هيوم على هذا بسبب العادة habit أو التعود custum اللذين ينشآن عن التكرار، فنحن مزوَّدون بميكانيزم Mechanism (أسلوب عمل) سيكولوجي، هو ميكانيزم ربط الأفكار عن طريق التكرار، فالنتيجة إذن هي أن التكرار هو الحجة التي تحكم حياتنا المعرفية، لكنه في واقع الأمر ليس بحجة على الإطلاق، أي إن المعرفة العلمية ليست قائمة على حجة، أي لاعقلانية إذن إما نتخلى عن العلم، وإما عن مطلب العقلانية.٧

موقف محرج حقًّا أدى إلى هذه المشكلة المتفاقمة؛ مشكلة الاستقراء.

لكن رغم هذا الانفجار المدوي الذي فجَّره هيوم في بهو الفلسفة، فإن فلسفته هو الاستقرائية ذاتية مهلهلة، غاية في الاهتراء، ولا ينبغي أن نترك هذا الجانب من فلسفة هيوم، بغير أن نعرضه لمنظار النقد، فبوبر فيلسوف النقد.

(٤) نقد هيوم

هذه المجهودات الهيومية، والتي صاغها ببساطة في اللغة العادية وتبعًا للمفاهيم العادية لألفاظها، لا يمكن في واقع الأمر أن تكون في حد ذاتها ثورية كما أراد لها هيوم، بل إنها لا ترقى أصلًا إلى أن تكون فلسفية؛ فشروحه للاستقراء في مصطلحات كالعادة والتعود، هي شروح — أو نظرية سيكولوجية — بدائية؛ ذلك لأنها تحاول أن تعطي شرحة لواقعة سيكولوجية، هي واقعة اعتقادنا في اطراد الطبيعة، فنرجعها إلى العادة التي تنشأ عن التكرار، ولكن هذه الواقعة هي نفسها يمكن أن توصف بأنها عادة الاعتقاد في الاطراد، وليس غريبًا أن نقول إن عادة الاعتقاد في الاطراد يمكن أن تُفَسَّر على أنها عادة من نوع آخر،٨ وهكذا في دوران لا ينتهي في متاهات سيكولوجية، ونلاحظ أنه في فلسفة بوبر ليس ثمة فارقٌ بين العادة والاعتقاد؛ لأن كليهما لا موضوعي ومن مكونات العالم ٢ وغير ذي قيمة بالنسبة لمنطق العلم، وإذا لاحظنا أن هيوم يستعمل اصطلاح العادة نفس استعماله في اللغة العادية، أي في وصف سلوك وفي نفس الوقت في وضع نظرية في أصل هذا السلوك بأن يعزوه إلى التكرار؛ أدركنا أن جهود هيوم حتى بوصفها سيكولوجية غير ذات قيمة؛ فهي نظرية سيكولوجية شعبية إلى حد كبير، تكاد تكون جزءًا من الحس المشترك، تفتقر إلى الدقة العلمية فضلًا عن الصرامة الفلسفية المنطقية، فهي على هذا قابلة للتفنيد البات؛ أولًا على أسس تجريبية علمية، وثانيًا على أسس منطقية بحتة، وثالثًا بوصفها نظرية سيكولوجية.

أولًا: النقد العلمي التجريبي

وهو يدور حول نقاط ثلاث:
  • (أ)
    نفس النتيجة بالضبط Typical Result للتكرار:
    لقد انتهى هيوم إلى أن التكرار قد خلق فينا عادة الاعتقاد في قانون، غير أن هذا خطأ والعكس تمامًا هو الصحيح؛ فالتكرار يحطم الوعي بالقانون ولا يخلق اعتقادًا فيه، فمثلًا في حالة عزف قطعة موسيقية صعبة على البيانو، يبدأ العازف مركِّزًا وعيه وشعوره، وبعد قدر كافٍ من التكرار يتم العزف بلا انتباه لقانون، وحين البدء في قيادة الدراجة نتعلم أن ندير الدفة في الاتجاه الذي نخشى السقوط فيه، وتبدأ المحاولات الأولى للركوب وأذهاننا مركزة تمامًا على هذا القانون، ولكن بعد قدر كافٍ من التكرار ننسى تمامًا هذا القانون وتصبح عملية القيادة بغير تركيز، هكذا يتضح أن التكرار يحطم الوعي بالقانون، فنحن لا نشعر بدقات الساعة المنزلية، ولكن نشعر أن الساعة قد توقفت.٩

    وقصارى ما يمكن قوله هو أن التكرار يخلق عادة متعلقة فقط بأسلوب أداء العمل أداءً آليًّا أكثر سهولة ومرونة، ولكنه — كما رأينا — لا يحمل أي بُعْد لخلق قانون، بل يحطم مثل هذا البعد.

  • (ب)
    نشأة العادة Genesis of habit:

    ممارسة السلوك قد يسمى عادة فقط بعد التكرار، لكن ليس بسببه، فهو ينشأ أولًا ثم يتكرر ثانيًا، إذن لا يمكن أن نعزوَ نشأة العادة إلى التكرار كما فعل هيوم.

  • (جـ)

    خاصية الاعتقاد في قانون:

    وهو شيء، والسلوك الذي ينمُّ عن توقع لما يشبه القانون في تسلسل الأحداث شيء آخر، قد يكونان وثيقَيِ العلاقة بدرجة تكفي لكي نعاملها معاملة واحدة،١٠ ولنرضي هيوم أكثر فلنقر أنهما قد يحدثان — في بعض الأحيان — كنتيجة للتكرار.

    لكننا في معظم الأحيان نجد أمامنا واقعة غير مرغوب فيها بالنسبة لهيوم؛ وهي: أن الاعتقاد في قانون أو التوقع له قد يكون نتيجة لملاحظة واحدة ملفتة للنظر (ملاحظة واحدة تعني عكس التكرار)، وهذه واقعة حاول هيوم أن يستبعدها؛ لأنها بالطبع مهدِّدة لنظريته بأن أرجعها إلى العادة الاستقرائية، التي تكوَّنت كنتيجة لعدد كبير جدًّا من سلسلة تكرارات طويلة، والتي وقعت في فترة مبكرة من الحياة.

    إلا أن هذه المحاولة الهيومية فاشلة، يؤكد فشلها تجارب عالم النفس بيجيه Bage فهو قد أمسك بسيجارة مشتعلة قريبًا من أنوف جِرَاء صغيرة، وفي الحال استنشقتْها ثم أدارت ذيولها، ولا شيء بعد ذلك جعلها تعود إلى مصدر الرائحة أو تستنشقها مرة ثانية، وبعد أيام قليلة كان لها نفس رد الفعل لمجرد منظر السيجارة، أو حتى قطعة ورق بيضاء مبرومة عن طريق القفز بعيدًا أو العطس، وبالطبع فإن عادة هيوم الاستقرائية، والتي تكونت في فترة مبكرة من الحياة، تُعْتَبَر هنا محض هراء؛ وذلك لأن الحياة القصيرة للجرو لا يمكن أن يتوفَّر فيها مجال للتكرار، فضلًا عن التعامل الواسع مع الجدة Novelty؛١١ وبالتالي للاتكرار.
    على ذلك تبقى الواقعة بأن ملاحظة واحدة كفيلة بخلق خاصية الاعتقاد في قانون أو التوقع له في السلوك قائمة حتى في أصغر المواليد والحيوانات، لتحكم على نظرية هيوم بالفشل ومجانبة الصواب، بوبر فعلًا محق، لو أخذنا مثال رسل السابق١٢ من أن التكرار يخلق في الدجاجة عادة استقرائية تجعلها تتوقع الطعام ممن أطعمها كل يوم، نجد أن الأمر لا يستدعي تكرارًا استقرائيًّا، الدجاجة سوف تتوقع الطعام بمجرد أن ترى شخصًا يحمله حتى لو كانت تراه لأول مرة، التكرار لا ينشئ الاعتقاد، ولا هو يقويه، فلو كانت قوة الاعتقاد نتيجة للتكرار؛ لكان بينهما تناسب طردي بحيث تزيد قوة الاعتقاد مع تزايد الخبرة، فيكون أقوى في الأشخاص المتمدينين؛ نظرًا لزيادة خبرتهم عن البدائيين، غير أن العكس هو الصحيح، فقوة الاعتقاد تكون دائمًا حيث الخبرة الضحلة، وتبلغ ذروتها في الدوجماطيقية مع المرحلة البدائية للحضارة.١٣
    وبعدُ يمكن أن نضيف إلى نقد بوبر هذا، نقد وايتهد الوجيه من أن لفظَي التكرار والعادة يجعلان هيوم تجريبيًّا مزيفًا؛ لأنه لو دقق فيهما لوجدهما بغير تعريف تجريبي سليم، فكيف يتخذهما أساسًا لفلسفة تجريبية.١٤

    كل هذا — متضمنًا لأدلة تجريبية — تبطل دعاوى هيوم التجريبية، وفي تحليله للمعرفة التي ادَّعى أنها استقرائية ليس فحسب، لدى بوبر أيضًا حجج منطقية، تبطل هي الأخرى دعاويه، كل ذلك لأن المعرفة ليست استقرائية.

ثانيًا: النقد المنطقي لهيوم

قامت نظرية هيوم على التكرار القائم على التماثل Similarity أو التشابه resemblance لكنه استعمل هاتين الفكرتين بطريقة لا نقدية، فلم يفطن إلى أن هناك تكرارات في تسلسل الأحداث غير قابلة للبحث، وتفرض نفسها علينا وعلى واقعنا، مثل نقطة الماء التي تجوف الصخر بكثرة تكرارها، أو دقات الساعة المنزلية مثلًا، لكن في نظرية هيوم فإن فقط ما نسمح بأن يكون له تأثير علينا، هو فقط التكرار بالنسبة لنا Repitition for-us القائم على التماثل، بالنسبة لنا Similarity-for-us، فيجب علينا أن نتجاوب مع المواقف كما لو كانت متكافئة؛ نأخذها على أنها متماثلة ونفسرها كتكرارات، فيجب أن نفترض أن الجِرَاء الماهرة ترينا بتجاوباتها — أي بطريقتها في الفعل ورد الفعل — أنها تتعرف على، أو تفسر الموقف الثاني بأنه تكرار للأول، فهي تتوقع عنصره الأساسي؛ أي الرائحة المرفوضة،١٥ بعبارة أخرى توضح هذا، نقول: إن التجربة قد أثبتت أن الجِرَاء هي التي تفترض التكرار، وليس التكرار هو الذي يخلق فيها افتراضات لقوانين، إن عقولنا واستعداداتنا النفسية هي التي تصنع التكرار، مثلما تصنع معظم المفاهيم المنطقية، وليس التكرار هو الذي يصنعها.

خلاصة هذا ببساطة، هو أن بوبر يشرح المفهوم السيكولوجي العلمي الأصيل للتكرار، ليثبت أنه شيء مخالف تمامًا لذلك الذي أراده هيوم له ومنه، وأنه لا يمكن — في واقع الأمر — أن يقوم بالدور الذي خوَّله هيوم له؛ لأننا نحن الذين نحكم على الأحداث بأنها تكرار، وليست هي التي تحكمنا بما يبدو من تكرار لها فتجعلنا نستنتج قانونًا؛ ومن ثم فليس التكرار علةً لما تصوره هيوم معلولًا له — أي العادة — وقد أعطانا دليلًا سيكولوجيًّا تجريبيًّا على هذا.

وهذا النقد قد يبدو سيكولوجيًّا، لكنه في واقع الأمر يقوم على أسس منطقية بحتة، وهي أن نوع التكرار الذي تصوره هيوم، لا يمكن أن يكون كاملًا؛ فالحالات التي وضعها في ذهنه، لا يمكن أن تكون حالات من ذات الهوية Perecf Sameness بل يمكن فقط أن تكون حالات تماثل Similarity؛ لذلك تكون تكرارات؛ فقط من وجهة نظر معينة، وهذه الوجهة سابقة على إدراك التكرار،١٦ ثم تحكم بعد ذلك العملية المنطقية لإدراك التكرار، أو لإدراك تجعله تكرارًا، فكيف يدعي هيوم إذن أن التكرار يخلق وجهات للنظر، ويخلق اعتقادات.
إن محاولاتنا بأن نفرض تفسيراتنا على العالم «= وضع القوانين العلمية» أولية منطقيًّا على إدراك المتماثلات، أي على إدراك ما نحكم عليه بأنه تكرارات، إذن من الناحية المنطقية، هناك سبق منطقي للفروض والتوقعات من النظريات و«الافتراضات الحدسية» Conjectures تكون قبل أن تكون التكرارات، أو بالأحرى إدراك التكرارات؛ لذلك يكون الفرض العلمي سابقًا منطقيًّا وزمانيًّا على إدراك الملاحظات المتكررة، وليس نتيجة استقرائية لها، «هذه الأسبقية هي حجر الزاوية والعمود الفقري من فلسفة بوبر المنهجية، والتي تجعلها رافضة للاستقراء.»
لكل ذلك يرى بوبر أن هيوم لم يستطع أن يحلل المعرفة تحليلًا صحيحًا، ولم يدرك الترتيب المنطقي السليم لعناصرها؛ لذلك لم يستوعب القوى الكاملة لتحليلاته المنطقية؛ إذ إنه حين فنَّد الاستقراء، واجهته المشكلة الآتية: كيف نكتسب بالفعل معرفتنا — كمسألة واقعة — بعد أن اكتشفنا أن الاستقراء لا يصلح، وكان أمامه إجابتان محتملتان:
  • (أ)

    نحن نكتسب المعرفة بإجراء لا استقرائي، علينا إذن أن نترك الاستقراء، ونبحث عن مثل هذا الإجراء، هذه الإجابة خليقة بأن تستبقي هيوم عقلانيًّا، بل وتتوجه في عالم منطق العلم، لكنه للأسف لم يقو على الأخذ بها، ربما — فيما يرى بوبر — لأن الأصالة المنطقية تنقصه، وربما — فيما يبدو لي — لأن الاستقراء كان مسيطرًا سيطرة يصعب على فيلسوف مثل هيوم، وجاء في زمن كزمن هيوم، أن يتخلص من أَسْرِها.

  • (ب)

    أما الإجابة الثانية فهي: نحن نكتسب معرفتنا بالتكرار الاستقرائي، رغم أن الاستقراء باطل منطقيًّا، وقد رأينا هذا يعني أن جماع معرفتنا العلمية لا عقلانية.

وهناك نقطة جديرة حقًّا بالذكر هي: أننا لا يمكن بالطبع أن نقول: إن الاستقراء عقلاني تبعًا لمقاييس المنطق الاستقرائي، فهذا دوران منطقي وموقف لا نقدي (تعبير لا نقدي un-critical عند بوبر يعني جماع الخطايا الفلسفية، وخلاصة لكافة ما يمكن توجيهه من اتهامات منطقية) لأنه يعني إدخال السؤال عن الواقعة fact، واقعة وجود الاستقراء كمنهج للعلم — والسؤال عن التبرير أو الصحة — في ذات الهوية Justification or validity، وقد كان إنجاز هيوم العظيم هو تحطيمه لهذا الموقف اللانقدي، وهذا الدوران والفصل بينهما، غير أنه رفض الثانية:
• أنكر التبرير والصحة ولكن لم يستطع رفض الأولى، الاستقراء أمر واقع؛ لذلك بقي متشبثًا بالإجابة الثانية «نحن نكتسب المعرفة بالاستقراء.» متفقًا مع الحس المشترك في أنهما بمنتهى الضعف يسمحان للاستقراء بأن يعاود الدخول عن طريق التكرار في شكل نظرية سيكولوجية،١٧ بعد أن رفضه المنطق، أي خرج الاستقراء من الباب، لكنه عاد ودخل من الشباك فما الداعي لكل هذه الجعجعة؟

كل هذا يعني أن نظرية هيوم — رغم آثارها العميقة — من الناحية المنطقية مهترئة، وقد سبقت الإشارة إلى أنها في حقيقة أمرها نظرية سيكولوجية في الاعتقاد والعادة، فهل يمكن أن يرفضها المنطق، لكن نقبلها في عالم علم النفس، الإجابة: كلا، بناءً على الآتي:

ثالثًا: النقد السيكولوجي لنظرية هيوم

إذا أردنا أن نضع نظرية سيكولوجية عن أصل الاعتقاد، فينبغي أن نحذف الفكرة البدائية «الأحداث المتماثلة»، ونضع بدلًا منها «الأفعال التي تكون ردود أفعالنا عليها هو تفسيرها بأنها متماثلة» ذلك هو التعبير العلمي السليم.

فالتماثل بالنسبة لنا هو نتاج تجارب تتضمن تفسيرًا (قد يكون غير متوافق) أو انتظارات أو توقعات (قد لا تتحقق أبدًا)؛ لهذا يكون في حكم المستحيل أن نشرح هذه التفسيرات أو التوقعات كنتاج لتكرارات عدة كما اقترح هيوم، فحتى التكرار — بالنسبة لنا — يجب وأن يكون مؤسسًا على التماثل — بالنسبة لنا — ولهذا على توقعات — هي على وجه الدقة — نفس ما ابتغى هيوم شرحه، بعبارة أخرى: التوقعات التي يمارسها الذهن، هي الأساس الذي يقوم عليه مفهوم التكرار، وليست هي التي تجيء كنتيجة للتكرار،١٨ وفي تجربة بيجيه F. Bage ما يؤكد ذلك.

الواقع أن بوبر يدور مدارًا واحدًا، محوره أن الاعتقاد يسبق مفهوم التكرار، وليس العكس كما أراد هيوم، ويأخذ بوبر في تكييف هذه الفكرة، وإما تكييفًا علميًّا تجريبيًّا وإما منطقيًّا، وإما سيكولوجيًّا، حسب وجهة النقد الذي يريد أن يوجهه إلى هيوم، لينتهي في النهاية إلى أن نظرية هيوم، سواء بوصفها فلسفية أو منطقية أو حتى سيكولوجية لا تساوي شيئًا.

ولما كانت أساسًا سيكولوجيًّا كانت ذاتية ليست موضوعية، ويا لها من جريمة في عُرْف بوبر، الفلسفة مثل العلم هي كائنات موضوعية تقطن في العالم ٣، وفلسفة هيوم لا تساوي مثقال ذرة بالنسبة لهذا العالم ولا بالنسبة لأي عالم؛ نظرًا لما تجوس فيه من غياهب الذاتية لكن في خضمِّ هذه الغياهب الذاتية، يعثر بوبر على جوهرة ثمينة تظفر بها المعرفة الموضوعية وهي ببساطة التفنيد المنطقي لأي ادعاء بأن الاستقراء يمكن أن يكون ذا صحة منطقية١٩ لإقامة المعرفة أو تبريرها؛ أي مشكلة الاستقراء، تشبث بوبر بهذه الجوهرة، وحاول أن يجلوَ عنها الشوائب الذاتية، أن يصيغها صياغة موضوعية، لنرى ماذا عسى أن ينجم عن هذه الصياغة.

(٢) حل المشاكل الاستقرائية

(١) لقد اتضح أن بوبر لا يرضى عن مفهوم المنطق في ذهن هيوم، بعبارة أخرى: هيوم لا يدرك تمامًا ما هو المنطق ولا كيف تكون المشاكل المنطقية، الآن سيصب بوبر مشكلته — التي أخرجها هو في مصطلحات ذاتية سيكولوجية — في قالب المنطق الموضوعي؛ بحيث لا تكون مشكلة الاستقراء هي مشكلة لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل هي مشكلة العلاقة المنطقية البحتة بين العبارات المفردة، أي أوصاف للوقائع المفردة القابلة للملاحظة Descriptions of observable Singular facts وبين النظريات الكلية؛ لذلك لا بد وأن يستبدل مصطلحات هيوم الذاتية بمصطلحات موضوعية على هذا النحو:
مصطلحات هيوم الذاتية مصطلحات بوبر الموضوعية
الحالات التي مرت بخبرتنا عبارات الاختبار test statements أي العبارات المفردة التي تصف أحداثًا ملاحظة، وهي عبارات observable Statement أو العبارات الأساسية basic Statement.*
الحالات التي لم تمر بخبرتنا النظرية الكلية الشارحة Universal Explanatory Theory.
انظر تفصيل الحديث عن «العبارات الأساسية» الفصل الثاني من الباب الثالث.
وبوبر يبرِّر إجراء هذا التعديل بمبررات ثلاثة:
  • (أ)
    من الناحية المنطقية، فإن الحالات تؤخذ بالنسبة لقانون عام، أو على الأقل بالنسبة لدالة عبارة Statement Function، يمكن أن تُعَمَّم؛ إذ نأخذ هذه الحالات بوصفها أمثلة دالة على قانون عام.
  • (ب)

    الانتقال من الحالات الماضية إلى استدلال يتعلق بالحالات المستقبلة، يتم بمساعدة نظريات كلية.

  • (جـ)
    بوبر — مثل رسل — يرغب أن يصل مشكلة الاستقراء بالقوانين الكلية ونظريات العلم، وليس بالحالات المستقبلة.٢٠
(٢) من هذا المنطق تخرج المشكلة على هذا النحو:
  • أولًا: هل يمكن أن تبرر الأسباب التجريبية، الدعوى بصدق النظرية الكلية الشارحة؟ أي عن طريق افتراض صدق عبارات اختبار معينة — أو عبارات ملاحظة — هل يمكن أن نبرر النظرية؟٢١

    إجابة بوبر نفس إجابة هيوم؛ أي بالنفي مهما كان عدد الحالات كبيرًا.

    وهناك مشكلة منطقية أخرى، وهي لا تعدو أن تكون تعميمًا للسابقة؛ فهي تتأتى لنا بمجرد أن نحل «صدق أو كذب» محل صدق وهي:

  • ثانيًا: هل يمكن للأسباب التجريبية أن تبرر الدعوى بصدق أو كذب النظرية الكلية الشارحة؟ أي هل يمكن لافتراض صدق عبارات اختبار معينة، أن تبرر إما الدعوى بأن النظرية الكلية صادقة، وإما الدعوى بأنها كاذبة؟
    بوبر يُجيب على هذا بالإيجاب، فإذا كان صدق عبارات الاختبار لا يتمكن من تبرير الدعوى بصدق النظرية الكلية الشارحة، فإنه يتمكن أحيانًا من تبرير كذبها.٢٢
    وترتكز هذه الإجابة من بوبر — والحق فلسفته المنطقية بأسرها — على قاعدة منطقية صارمة، هي قاعدة اللاتماثل المنطقي logical Asymmetry بين التحقيق — أي إثبات الصدق — وبين التكذيب عن طريق الخبرة؛ فالمنطق يقضي باختلاف المنزلة المنطقية بين التحقيق والتكذيب؛ لأن ألف حالة لا تثبت القضية منطقيًّا؛ لذا برزت مشكلة الاستقراء، ولكن حالة رفض واحدة تحسم القول في كذب القضية، فيكون رفض الإثبات وقبول النفي أصوب الصواب — الصواب المنطقي الذي نقيم عليه العلم.

    تبعًا لمشكلة الاستقراء، يستحيل علينا التمييز — كما أشار رسل — بين فرض علمي وبين اعتقاد مجنون بأن بيضة مسلوقة: الاثنان قائمان على أسس لامنطقية لاعقلانية؛ لذلك كان الاستقراء عاجزًا منطقيًّا عن الاختيار بين الفروض المتنافسة، وتفضيل الفرض الأكثر صدقًا، ولكن بهذا التناول البوبري نستطيع التوصل إلى تفنيد بعض من الفروض المتنافسة، فتكون فرصة التفضيل متاحةً أكثر؛ لأنها تنحصر بين الفروض التي لم يتم تفنيدها بعدُ، وهذه يقود إلى صياغة ثالثة لمشكلة الاستقراء لا تعدو أن تكون مجرد بديل للمشكلة الثانية، والمشكلتان الثانية والثالثة مجرد تعميم للأولى، «وفي هذا إيماءة واضحة إلى أننا نتحرك فقط — ها هنا — في مجال المنطق» وهذه الصياغة الثالثة هي:

  • ثالثًا: هل يمكن للأسباب التجريبية أن تبرر تفضيل Preference بعض من النظريات الكلية المتنافسة على الأخرى؟٢٣
    بوبر يجيب على هذا بالإيجاب تبعًا لإجابته بالإيجاب على المشكلة الثانية، فإذا توصلنا إلى تفنيد بعض من الفروض المتنافسة، أصبح من الواضح تفضيل الفروض التي لم يتم تفنيدها بعد، وهذه نتمسك بها مؤقتًا بوصفها حد التقدم العلمي حتى هذه اللحظة، ثم تستأنف الجهود العلمية التالية المسير منها بأن تحاول تفنيدها هي الأخرى، وتحاول أن تضع بدلًا منها فروضًا أكثر اقترابًا من الصدق، نأخذ بأفضلها نسبيًّا، ونتمسك بها مؤقتًا، فقط لأنها أفضل ما لدينا حتى الآن، إلى أن يتم تفنيدها هي الأخرى، وهذا التفنيد سيتم — لا محالة — يومًا ما حين نتوصل إلى فروض أفضل نسلِّم بها بصفة مؤقتة … وهلم جرًّا؛ إذ لا يتوقف العلم أبدًا، بل يسير سيرًا متصلًا، هو في جوهره نفس مسار المعرفة بجملتها — والتي هي موضوعية — بل ومسار سائر الأنشطة الحيوية، والذي رأيناه يتلخص في المعادلة «م١ ح ح أ أ م٢»، على هذا المنوال يسير العلم في حلقات متصلة، كل منها أكثر تقدمًا من سابقتها، مهما بلغت من تقدمها وقوتها يستحيل أن تعتبر يقينية، ولا حتى صادقة، فقط أكثر اقترابًا من الصدق.

    هكذا نجد العلم مطرد التقدم، لا يمكن أن نَسِمه بالسمة اللاعقلانية، فأين اللاعقلانية في معرفة تسير بمنهج نقدي، يبحث عن الخطأ في النظريات المتنافسة، إنه منهج التفضيل العقلاني، الذي يتحوَّل إلى لاعقلاني، فقط حين يبحث عن اليقين، عن النظرية الصادقة أبدًا لكن التخلي عن مطلب اليقين أو الصدق، لا يعني إطلاقًا التخلي عن البحث عن الصدق؛ فالبحث العلمي محكوم أولًا وقبل كل شيء بفكرة الصدق، فكرة الكشف عن نظرية أكثر اقترابًا من الصدق، فالصدق الغاية المرومة، والهدف النهائي بعيد التحقيق، فهو — كما عرفنا في الفصل السابق — يلعب دور الفكرة التنظيمية.

(٣) المشكلة السيكولوجية: إعادة الصياغة والحل: تناول بوبر للجانب السيكولوجي من مشكلة هيوم محكوم بمبدأ أسماه مبدأ الطرح Principle of Transference، خلاصته أن ما يصدق في المنطق، يصدق أيضًا في علم النفس «كأن نقول: إن ما يصدق في منهج العلم، يصدق أيضًا في تاريخ العلم.»٢٤
والآن قد انتهينا في حل المشكلة المنطقية الثالثة، إلى منهج تفضيل منطقي، بطرحه على الجانب السيكولوجي نصل مباشرة إلى منهج المحاولة والخطأ الذي رأيناه في الفصل السابق بحكم سائر الأنشطة الحيوية؛ حيث إن:
محاولات الحل المختلفة تناظر تكوين النظريات المتنافسة.
بينما: استعاد الخطأ يناظر تفنيد النظريات عن طريق الاختبارات التجريبية.

لذلك يقترح علينا مبدأ الطرح المشاكل الآتية، وحلولها على النحو التالي:

أولًا: إذا أخذنا النظرية مأخذًا نقديًّا، أي من وجهة نظر الأدلة الكافية، بدلًا من أية وجهة للنظر براجماتية، فهل سنشعر على الدوام بالتأكد التام، أي باليقين من صدقها؟ حتى لو أخذنا في الاعتبار النظريات المختبرة جيدًا مثل نظرية شروق الشمس كل يوم؟٢٥

بوبر يجيب على هذا بالنفي، إننا لا نشعر باليقين أبدًا مهما نظرنا إلى الأدلة الكافية، إن اليقين هو المستحيل، فالشمس قد لا تشرق غدًا؛ فقد تنفجر مثلًا بعد نصف ساعة، ولكن لا ينبغي أن نأخذ هذا الاحتمال مأخذ الجد؛ لأننا لا نستطيع أن نفعل بإزائه شيئًا، إذن لا بد وأن نأخذ في الاعتبار السلوك العملي «البراجماتي» الذي يأتي نتيجة للاعتقاد، فإذا كان المبرر العقلاني للشعور السيكولوجي باليقين مستحيلًا، فإن هناك فعلًا شعورًا قويًّا، أو اعتقادات، وهذه المعتقدات سواء كانت عقلانية أو غير عقلانية، يقينية أو غير يقينية، تحكم حياتنا العملية؛ لذلك لا بد وأن نأخذ في الاعتبار المعتقدات البراجماتية، أي التي تحكم حياتنا العملية، والتي قد تكون على جانب عظيم من القوة، هل هي حقًّا كما ادعى هيوم نتيجة للعادة الاستقرائية؛ أي للتكرار، إن ذلك يقود إلى طرح المشكلة الآتية:

• هل تلك الاعتقادات البراجماتية القوية التي نتمسك بها جميعًا، مثل الاعتقاد بأنه سوف يكون هناك غد، هي نتائج لا عقلانية للتكرار؟٢٦

بوبر يجيب بالنفي بناءً على الفكرة التي عرضها بوضوح في نقده لهيوم، وهي أن التكرار لا يخلق عادة ولا اعتقادًا، وأن عقل الإنسان أو استعداداته الفطرية هي التي تخلق مفهوم التكرار نفسه؛ لذلك فالاعتقادات البراجماتية هي نتيجة لنزوعات فطرية، ثم تعديلاتها كنتيجة لمنهج المحاولة والخطأ، المُناظر لمنهج تفضيل النظريات العلمية، ولما كنا قد انتهينا إلى أن منهج التفضيل عقلاني تمامًا، ولا يخلُّ بأية قوانين منطقية، فإن هذه السمة العقلانية تُطْرَح على الجانب السيكولوجي.

(٤) المشكلة البراجماتية وحلها: بَدا من التساؤل الأخير، كيف أن الناحية السيكولوجية وثيقة الاتصال بالتصرفات العملية أي بالناحية البراجماتية، فهما وجهان لعملةٍ واحدة؛ فالاعتقاد البراجماتيكي، هو طبعًا شيء وثيق الصلة بالفعل Action، وبالاختيار بين البدائل، أي بتصرفاتنا في الحياة العملية؛ لذلك يعالج بوبر مشكلة للاستقراء براجماتيكية، مثلما عالج مشكلته السيكولوجية.
بوبر يطرح المشكلة البراجماتيكية وحلها على هذا النحو:
  • أولًا: من وجهة النظر العقلانية، على أي نظرية يجب أن نعتمد بالنسبة لأفعالنا العملية؟٢٧
    رد بوبر: من وجهة النظر العقلانية، لا يجب أن نعتمد Rely — بمعنى الوثوق الكامل — على أية نظرية، مهما اعتقدنا أن صدقها قد ثبت، فالصدق لا يمكن أن يثبت.
  • ثانيًا: من وجهة النظر العقلانية، أي نظرية يجب أن نفضلها بالنسبة لأفعالنا العملية؟
    رد بوبر: أفضل النظريات المختبرة best-tested أكثر النظريات صمودًا أمام اختبارات النقد ومحاولات التفنيد هي التي يجب أن نفضلها بالنسبة لأفعالنا العملية،٢٨ فتتصرَّف على أساسها.

    إننا نختار؛ لأن الحياة اليومية لن تسير، وهي لا بد أن تسير بغير أن يتم هذا الاختيار، وإذ يتم على هذا النحو، فإن بوبر لا يرى شيئًا أكثر عقلانية منه.

    وأكثر من هذا فحتى الاعتقاد البراجماتي في نتائج العلم، فقد أصبح الآن عقلانيًّا على الأصالة، طالما حُلَّت مشكلة الاستقراء، قد أصبح قائمًا على المناقشة النقدية التي هي منهج العلم الآن، والذي يبدو لاعقلانيًّا فقط إذا أخذناه على سبيل اليقين، أما إذا أخذناه كأساس للسلوك العملي في الحياة اليومية، فهو الأساس الأمثل، أساس عقلاني بلا مشاكل؛ لأنه يعني أننا قد اخترنا النظرية، وجعلناها كمعتقد نؤسس عليه تصرفاتنا العملية؛ فقط لأنها الأفضل، وتصرفاتنا على أساسها ستكون أنجح مما لو اخترنا فرضًا آخر من الفروض المتاحة لنا في هذا الآن، لكن هذا الاختيار لا يعني أننا نأخذها كحقيقة موثوق بها نعتمد عليها تمامًا، بل يعني فقط أننا فضلناها على منافساتها لا أكثر ولا أقل.

وإجابة بوبر السلبية الاحتمالية الشكية على مشكلة الاستقراء البراجماتية، لا يمكن أن تُعاب؛ لأنها تعد من قبيل الاحتياط والحذر الواجب بعدما أدركه العلم من تقدم، فالعلم يضع نظريات عديدة، تحمل احتمالات متناقضة، كلها قائمة، منها احتمال دمار هذا العالم كليًّا أو جزئيًّا، وانفجار الشمس وفناء الجنس البشري، فإذا كانت نظريات العلم صادقة، وتؤخذ مأخذ اليقين، فإن هذا العالم الذي نعرفه بكل اطراداته وانتظاماته الملائمة لنا براجماتيكيًّا، قد يتحطم في أية لحظة، قد تكون اللحظة التالية٢٩ مباشرة، وطبيعي فإننا من الوجهة البراجماتية لا نتخذ هذه النظرية رغم أنها نظرية علمية، وقد تكون اعتقادًا سيكولوجيًّا أساسًا للتصرف؛ لأن التصرف على أساسها لن يكون هو الأنجح بل الأفشل، ولكن طالما أنه احتمال، فمن الضرورة المنطقية أن نأخذ نقيضه — الذي فضلناه — فقط مأخذ الاحتمال.

على هذا النحو، حل بوبر مشكلة الاستقراء من كافة جوانبها المنطقية والسيكولوجية البراجماتية.

(٣) نتائج هذا الحل

(١) وقبل أن نتحدَّث عن نتائج هذا الحل لا بد أن ندرأ أولًا نقد هيلاري باتنام Hilary Putnam المجانب للصواب، فهو يبدأ حديثه بأن بوبر يشير بمفهوم الاستقراء إلى أي منهج يحاول تحقيق أو تبيان صدق أو حتى حساب احتمالية القوانين العامة على أساس الوقائع الملاحظة ومعطيات التجريب.٣٠

غير أن بوبر لم يشر إلى هذا، بل يقصد بالاستقراء المقصد السليم له، أي إن الوقائع هي أصل النظرية، هي تعميم لها، أو فرض مشتق منها ومن تكراراتها.

ثم ذهب باتنام إلى أن هذه النظرة من بوبر، التي تعني أن النظرية فقط صمدت أمام الاختبار تجعل العلم بأسره نشاطًا لا حاجة له؛ لأن العالم لن يخبرنا إطلاقًا أن النظرية تصلح جيدًا للاعتماد عليها عمليًّا، وهو أيضًا لا حاجة له لأغراض الفهم العقلي؛ لأن العالم لن يقول: إن النظرية صادقة أو حتى محتملة.٣١
أبسط رد على بتنام هو حل بوبر للمشكلة البراجماتية، أو إثباته الصلاحية التامة للاعتماد على النظرية، أما نظرته هذه لأغراض الفهم العقلي، فليس لها إلا مبعث واحد وهو أنه لم يستطع التحرُّر من الرغبة الدفينة في اليقين، التي يفسرها رايشنباخ في «نشأة الفلسفة العلمية» بالرغبة في العود في عهود الطفولة، التي لا يعكر صفوها أدنى شك بفضل الثقة في حكمة الوالدين، ثم تقويها التربية الدينية؛ إذ تعتبر الشك خطيئة،٣٢ فمنطق بوبر يعني أن النظرية التي توقفنا عندها هي أكثر النظريات اقترابًا من الصدق.

ثم إننا لم نستطع التسليم بالنظرية احتماليًّا على أساس منطق الاستقراء، بينما نستطيع هذا على أساس نظرية بوبر في منطق العلم، هذه إحدى النتائج الهامة للحل.

(٢) إذ سيكون تسليمًا عقلانيًّا تمامًا، وعقلانية تطرح على الجانب السيكولوجي، فتقينا من الشيزوفرينيا التي عرضنا لها هيوم، أو بالأصح الاستقراء، خلاصة القول في نتائج هذا الحل أننا الآن بمأمن من كافة الآثار الخطيرة للاستقراء ومشكلته.

(٣) في سياق الحديث عن نتائج الحل، لا بد من إلقاء الضوء على زاوية هامة جدًّا في فلسفة بوبر، شاعت في ثنايا هذا الفصل، وستشيع في سائر ثنايا فلسفة بوبر المنهجية، وهي فكرة التوقعات الفطرية، أو الاستعدادات السيكولوجية «منها الاستعداد لخلق مفهوم التكرار وعلى أساسه كان نقد هيوم، وحل المشكلة السيكولوجية.»

ذلك أن الفيلسوف التجريبي بوبر لا يرى أن الذهن يولد صفحة بيضاء تخطها التجربة كما يدَّعي التجريبيون المتطرفون، على رأسهم جون لوك، ولا هو يرى أن الذهن يولَد بأفكار فطرية كما يدَّعي المثاليون المتطرفون، كلا، الأفكار الفطرية خلف محال absurd، فقط يولد الذهن مزودًا بمجموعة من النزوعات والتوقعات الفطرية، التي قد تتغير وتتعدل مع تطور الكائن الحي،٣٣ والتي قد تكون على درجة كبيرة من الاختلاف والتعقيد، وهي تتحد فيما بينها لخلق ملكات الإنسان؛ النزوع إلى الحب، إلى العطف، إلى مناظرة الحركات إلى أن نتحكم في هذه الحركات المناظرة ونصححها، وأن نستعملها ونتواصل بواسطتها والاحتياج إلى لغة نتسلم بواسطتها الأوامر والطلبات والتحذيرات والإنذارات … والنزوع إلى تأويل العبارات الوصفية، وإلى استعمالها وإلى وضعها،٣٤ وهذه التوقعات سابقة منطقيًّا وزمانيًّا؛ لأنها سابقة وراثيًّا، على أي تعرُّف على البيئة، على تلقِّي أية خبرة حسية، وبالطبع على أي تجريب.
أهم هذه النزوعات هو توقيع الاطراد؛ فالاطراد ليس نتيجة خرجنا بها من ملاحظة الطبيعة، ولا هو عادة ذهنية اكتسبناها من أثر التكرار؛ فقد ثبت بطلان كل هذا، بل هو في حقيقته مجرد نزوع فطري في الإنسان والحيوان، يولد كل كائن حي مزودًا بافتراض الاطراد في الطبيعة، فيحاول فرضه عليها؛ فقد لوحظ في الحيوانات والأطفال، ثم في البالغين من بعد؛ لوحظت الحاجة القوية الملحَّة إلى الاطراد، هذه الحاجة تجعلهم يبحثون عنه فيقفزون بلا مبرر إلى إشباع هذا التوقع، مما يشعرهم في بعض الأحيان أنهم مروا بخبرة الاطراد حيث لا يوجد بالفعل هذا الاطراد، وقوة هذا التوقع تجعلهم يتشبثون به بطريقة دوجماطيقية، فإذا تحطمت بعض الاطرادات المفترضة، فإن هذا يقودهم إلى الشقاء والقنوط واليأس، بل وإلى حافة الجنون،٣٥ ويؤكد قوة هذا التوقع ما نلاحظه من شعور الطفل بالسعادة حينما تشبع لديه هذه الحاجة إلى افتراض الاطراد في البيئة أو الطبيعة.٣٦

هكذا نجد افتراض الاطراد في الطبيعة، ومحاولة فرضه عليها هي مسألة سيكولوجية مؤسَّسة على الدوافع الفطرية، مثل الدافع أو الحاجة إلى عالم يتفق مع توقعاتنا، تمامًا كالاحتياج إلى استجابات اجتماعية مطردة، أو إلى تعلم لغة ذات قواعد مطردة، مسألة سيكولوجية كيف نتخذها أساسًا عميقًا نقيم عليه منطق العلم الاستقرائي، الاطراد ليس قانونًا نبرر به منهج العلم، وعلى هذا يمكن ببساطة دحض افتراض السببية، طالما أنه وُضِعَ أصلًا لتفسير الاطراد في الطبيعة؛ لماذا يطرد اتِّباع «ب» ﻟ «أ»؛ لأن «أ» علة «ب»، لكن لا اطراد في الطبيعة كي نبحث عن مبدأ أو قانون يفسره، إذن لا سببية، بمنتهى البساطة استطاع بوبر حل المشكلة الفلسفية العميقة، مشكلة السببية، بعض النقاد يرفضون هذا الحل فقط لأنه بسيط غير معقد، على العموم نحن الآن بصدد نتيجة منهجية هامة؛ هي انهيار الاطراد والسببية، أي انهيار أساس الاستقراء.

ونظرية الاستعدادات الفطرية هذه لها أبعاد كثيرة، أكثر من انهيار أساس الاستقراء فكل كائن حي له نزوعات فطرية، له ردود أفعال واستجابات فطرية، بعض هذه الاستجابات قد تكون متكيفة مع أحداث وشيكة الوقوع، هذه الاستجابات هي ما يسميها بوبر بالتوقعات، بغير أن يتضمن هذا أنها شعورية، بهذا المغزى يقول: إن الطفل حديث الولادة يتوقَّع أن يجد من يُطعمه، بل أكثر من هذا يتوقَّع أن يجد من يحبه ويحميه، طالما أن هناك علاقة وثيقة بين المعرفة والتوقع، فيمكن أن نتحدث عن هذه المعرفة الفطرية حديثًا معقولًا تمامًا، ولكن هذه المعرفة الأولية، ليست ذات صحة أولية، مثلها مثل أية معرفة قد تصدق وقد تخيب، فالتوقع الفطري يمكن أن يكون خطأً، بصرف النظر عن مدى قوته، فالطفل حديث الولادة يمكن أن يُهْجَر وأن يموت جوعًا،٣٧ والآن لو تذكرنا أن المعرفة تسير في حلقات «م١ ح ح أ أ م» وارتددنا إلى الوراء، إلى أولى هذه الحلقات في العصور الحجرية؛ لوجدناها بدأت بأول م١ في التاريخ بتوقع فطري سابق على أية ملاحظة، أخطأ ووقع في مشاكل، فحاول الإنسان البدائي أن يعدله، فدخل في هذه العملية وانتهى إلى م٢، جعلها م١ … وهكذا.

إذن المعرفة في كافة مراحلها بدأت بفرض سابق على التجريب، ولا مكان على وجه الإطلاق لأدنى شائبة استقرائية في البنيان المعرفي.

ويتخذ بوبر عضدًا لهذه النظرية الهامة، من أبحاث عالم النفس العظيم كونراد لورنتس Konrad Lorentz الذي يتبوأ مكانة عالية على عالم علم النفس الحيواني، ويتمتع بشعبية فائقة في وطنه النمسا؛ لما اشتهر به من تجارب بارعة، أثبت بها نتائج أكثر من رائعة من عالم جد غريب، عالم البط والأوز.
وعلى الرغم من أن الصبي كارل بوبر كان على معرفة بمواطنه الصبي كونراد لورنتس، إلا أن بوبر قد توصل إلى نظريته هذه قبل أن يسمع عن أبحاث لورنتس، ولما عرفها وجد فيها خير معين على دعاويه، والذي يهمنا من أبحاث لورنتس نظرية يصفها بوبر بأنها معجزة، وهي نظرية في علم النفس الحيواني يُطْلِق عليها لورنتس اسم Emprinting Theory مؤدى هذه النظرية أن الحيوانات الصغيرة لها أسلوب عمل فطري inborn mechanism للقفز إلى نتائج وطيدة غير قابلة للزعزعة، فمثلًا فرخ الأوز حديث الخروج من البيضة، يتخذ أول شيء متحرك تقع عليه عيناه على أنه أمه، وهذا الأسلوب في العمل ملائم في الظروف العادية، لكن قد يكون خطيرًا في بعض الظروف،٣٨ حينما يكون هذا الشيء ثعلبًا مثلًا.

فرخ الأوز يخرج إلى الحياة متوقعًا أن يجد له أمًّا، متوقعًا أن حجمها أكبر نسبيًّا من حجمه، أفلا يولد الإنسان — وهو تاج الخليقة — بأمثال هذه التوقعات لتكون نقطة البدء في محاولاته المعرفية، ولا تكون هذه النقطة استقراء وقائع الحس من الطبيعة، فيخرج أول إنسان في التاريخ بنتيجة استقرائية مصابة بآفة الاستقراء، جاعلة التصدع المنطقي لبنيان المعرفة متغلغلًا حتى آخر الأعماق، كلا بالطبع.

غير أن لي ملاحظة هامة: نظرية التوقعات الفطرية الخطيرة هذه، التي كفلت تأمين العلم من أية شائبة استقرائية، حتى أولى بداياته، لها عضد هام هو عالم النفس العظيم كارل يونج Carl Jung، الذي أكد على الأصول العنصرية في التكوين السيكولوجي حتى إنه يعتبر شخصية الفرد نتاجًا ووعاءً يحتوي على تاريخ أسلافه،٣٩ وقد أدى هذا إلى اتهام يونج بأنه نصير النازية.

لكن الذي يهمنا الآن هو تأكيد يونج بأن الإنسان يولد مزودًا بكثير من الاستعدادات التي يتركها له أسلافه، وهذه الاستعدادات توجه سلوكه، وتحدد جزئيًّا ما سيصبح شعوريًّا لديه وما سيستجيب له في عالم خبراته الخاصة، بعبارة أخرى هناك شخصية تتكوَّن ابتداءً ذات طابع عنصري وجماعي تتجه نحو عالم الخبرات بصورة اختيارية، كما أنها تتعدل وتتطور بفضل ما تتلقاه من خبرات.

وقد أطلق يونج على هذه الاستعدادات اسم الأنماط Types واعتبرها أحد العوامل الرئيسية في تكوين الشخصية.

إذن أكد يونج على استعدادات فطرية يولد الإنسان مزوَّدًا بها، تؤثِّر على تلقيه الخبرات من البيئة، بل وتتطور بتطور الكائن الحي، وهذا تأييد آخر لنظرية بوبر المنهجية، وتعميق سيكولوجي لها، الفارق الوحيد هو تأكيد يونج على أن هذه الأنماط أو الاستعدادات تتأثر بالعنصر الجنسي البشري؛ أنماط السامي غير أنماط الآري …

هذا لا يعني نظرية بوبر، لكن أيضًا لا يضيرها، ولقد عكف يونج على دراسة علم الأساطير والدين والرموز القديمة، والطقوس وعادات الشعوب البدائية؛ مما جعله — بغير جدال — أعظم علماء النفس ثقافةً وأعمقهم معرفة، وأشملهم فكرًا.٤٠

لعل السبب الوحيد الذي جعل بوبر لا يلتفت إلى هذا التأييد السيكولوجي لنظريته هو أنه ببساطة يعتقد أن نظرية يونج لا علمية؛ لأنها من تيار التحليل النفسي، والتحليل النفسي ليس علمًا، كما سيثبت الفصل الرابع من الباب الثالث من هذا البحث.

(٤) المهم الآن أن هذه التوقعات، أو الاستعدادات، هي أساس حل المشكلة السيكولوجية؛ لأنها تجعل التكرار والتماثل مفروضين على الطبيعة، وليس بسبب أثر العادات الاستقرائية، ولو تعمَّقْنا قليلًا لوجدناها أساس حل المشاكل المنطقية أيضًا، حيث لم نجد أي انتقال من وقائع مستقرأة إلى فروض؛ لأن فلسفة بوبر المنهجية قائمة على حجر زاوية راسخ، هو أن الفرض سابق على إدراك الوقائع وعلى التجريب، وكانت الاستعدادات الفطرية تأييدًا علميًّا يعمق هذه النظرية اللااستقرائية حتى أبعد الأصول؛ لذلك يقول بوبر: إن حله للمشكلة السيكولوجية أهم وأسبق زمانيًّا من حله لبقية المشاكل الاستقرائية؛٤١ المنطقية والبراجماتية.

(٥) لم يعد أمامنا الآن، أن استقراء من أي نوع كان، ولا في أية مرحلة من مراحل المعرفة، ولا في أي مجال من مجالات الحياة، وفي سياق الحديث السالف عن منطق العلم، لم يَرِد أي انتقال من وقائع إلى فرض جديد، لقد تخلَّص بوبر نهائيًّا من المعضلة التي أعجزت الفلاسفة منذ هيوم حتى رسل، أثبت هيوم أن الاستقراء لا يصلح أساسًا منطقيًّا للعلم لكن لم يستطع التخلص منه بسبب ما ادعاه من إثبات سيكولوجي له، فظل الاستقراء جاثمًا على الصدور حاكمًا على حياتنا المعرفية والعلمية باللاعقلانية، أما بوبر فقد استأصله من أعمق أعماق جذوره، إن كان له جذورٌ أصلًا.

ولكن أوَلم نر الاستقراء صرحًا أعظم يتفانى في الإخلاص له العلماء وفلاسفة العلم؟ هل يمكن أن نقول ببساطة: ليس هناك استقراء؟ الواقع أن بوبر فعلًا قال هذا، لكن لم يقله ببساطة، بل تحدَّث حديثًا طويلًا مدعمًا بالأدلة العلمية التجريبية والنظريات السيكولوجية والبراهين المنطقية؛ ليثبت أن الاستقراء خرافة، فماذا قال بوبر في هذا الحديث؟

١  K. P. P. Q. p. 86.
٢  انظر في هذا: كتابنا: العلم والاغتراب والحرية، ص٣٢٤–٣٢٨، ص٣٤٥ وما بعدها.
٣  K. P. O. K.
٤  Ibid, p. 2.
٥  Ibid, p. 3.
٦  Ibid, p. 3.
٧  See, K. P. O. K., p. 3–6.
٨  K. P., C. and R. pp. 42-43.
٩  Ibid., p. 43.
١٠  Ibid, p. 43.
١١  Ibid, p. 44.
١٢  انظر مشكلة الاطراد في الجزء (٥) من الفصل الأول.
١٣  Ibid, p. 49.
١٤  بدوي عبد الفتاح، وايتهد وفلسفته في العلوم الطبيعية، ص١٥٩.
١٥  K. P. C. and R. p. 44.
١٦  K. P., and C. R., p. 44-45 and also: L. S. D. p. 311.
١٧  K. P., C. and R., pp. 45-46.
١٨  K. P. O. K. p. 86.
١٩  K. P. O. K. p. 86.
٢٠  K. P., O. K., p. 9.
٢١  Ibid., p. 7.
٢٢  K. P., O. K. p. 8.
٢٣  Ibid, p. 9.
٢٤  Ibid, p. 6.
٢٥  Ibid, p. 26.
٢٦  Ibid., pp. 27-28.
٢٧  Ibid, p. 21.
٢٨  Ibid, p. 72.
٢٩  Ibid, p. 22.
٣٠  Hilary Putnam, Corroboration of Theories, in The Philosophy of Karl Popper, volume I, pp. 221-222.
٣١  Ibid., pp. 222-223.
٣٢  هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة د. فؤاد زكريا، ص٤٤، وانظر في تحليل أصول اليقين البائد في العلم كتابنا «العلم والاغتراب والحرية» ص٢٧٠، وكيف أنه اندثر تمامًا من العلم المعاصر، ص٤٠٨ وما بعدها.
٣٣  K. P., O. K., p. 343.
٣٤  K. P. U. Q. p. 50.
٣٥  K. P., O. K., p. 24.
٣٦  K. P., C and R., p. 47.
٣٧  K. P., C. and R., p. 47.
٣٨  K. P. U. Q., p. 44.
٣٩  ك. مول. و. ج. لندزي، نظريات الشخصية، ترجمة دكتور فرج أحمد فرج، وقدري محمود حفني، ولطفي محمد فطيم، مراجعة دكتور لويس كامل مليكة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٧١م، ص١٠٩.
٤٠  انظر في هذا: المرجع السابق، ص١٠٩، وأيضًا: Jung, C. G., Psychological Types, New York, Harcourt, 1933.
٤١  K. P., O. K.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١