الفصل الخامس

منهج العلم

منهج العلم هو المنهج النقدي، منهج المحاولة والخطأ، منهج اقتراح الفروض الجريئة، وتعريضها لأعنف نقد ممكن كيما نتبين مواطن الخطأ فيها.١

مقدمة

(١) إذا كان الاستقراء — وهو وثن الميثودولوجيين الذي شاع له التقديس قرونًا — محض خرافة، فما هو المنهج العلمي إذن؟ ما هي قواعده؟ ولماذا نحتاج إليها؟ هل يمكن وضع نظرية في مثل هذه القواعد؟ أي علم لمناهج البحث؟

لما كانت قواعد المنهج مسألة اصطلحنا عليها لتحكم مباراة العلوم الطبيعية، كقواعد لعبة الشطرنج مثلًا، وتختلف عن قواعد منطق البحث، التي لا بد وأن نتفق عليها بغير أن ننتظر اصطلاحًا أو اتفاقًا؛٢ لأنها قواعد تحليلية محض تحصيلات حاصل، وكانت الإجابة على هذه الأسئلة تعتمد إلى حد كبير على الموقف المُتَّخَذ من العلم ذاته، والموقف الذي يتخذه بوبر من العلم واضح، وهو أن الخاصة المميزة للعلم التجريبي هي إمكانية تكذيب عباراته، أي ستكون نظرية بوبر المنهجية قائمة على معيار التكذيب، بل هي قائمة أصلًا بهدف إثبات إمكانية تطبيق هذا المعيار بل وضرورة تطبيقه، فعرض هذه النظرية — كما سنرى — ما هو إلا عرض لقابلية العلم المستمرة للتكذيب؛ أي للنقد ولاكتشاف الأخطاء، وبالتالي لقابلية العلم المستمرة للتقدم بحيث تكون قواعده قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا نهاية، أما العالم الذي يقرر يومًا أن العبارات العلمية أصبحت لا تستدعي أية اختبارات أخرى، ويمكن أن نعتبرها متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة، إننا في حاجة دومًا إلى الانتخاب الطبيعي بين الفروض، أي حذف الأضعف منها عن طريق النقد، والأسلوب الفني المختص بنقد العلم الطبيعي هو التكذيب، بهذا الوجه الفني المنطقي الدقيق يكون التكذيب هو منهج العلم، ولكن منهج العلم في صورته العامة ومساره العام هو مسار أية محاولة عقلانية، فلا يخص العلم ولا يميزه.
(٢) من هنا كانت نظرية بوبر المنهجية وثيقة الاتصال بنظريته في المعرفة؛ لأنه ينظر إلى المعرفة الإنسانية على أنها مكونة من الفروض والنظريات والافتراضات الحدسية، على أنها نتاج الأنشطة العقلية،٣ سائر الفلاسفة منذ هيوم مرورًا بمل حتى ماخ، ينظرون إليها بوصفها حقائق ثابتة مؤسسة، بوبر على عكسهم، لا يُعنى بتبرير المعرفة أو بصدقها أو بصحتها، أو بأمثال هذه المشاكل الإبستمولوجية، إنه يعنى فقط بمشكلة نمو المعرفة وكيفية تقدمها،٤ وهذه النظرية من بوبر تجعل المعرفة العلمية قابلة للاختبار البين-ذاتي أي الموضوعي للنقد والتكذيب، ديناميكية متحركة لا ثبات فيها؛ ومن ثم قابلة للتقدم المستمر إن جاز التعبير، المعرفة بناء صميم طبيعته الصيرورة، ومن هنا لا تكون نظرية المعرفة نظرية في مكوناتها، بل نظرية في أسلوب هذه الصيرورة، أي في كيفية التقدم المعرفي، أي في منهج العلم؛ على هذا كانت نظرية بوبر المعرفية وثيقة الاتصال — أو هي الوجه الآخر — لنظريته المنهجية، فجاء عرضهما معًا في سياق واحد، في باب واحد.
إن نظرية المنهج العلمي هي ذاتها منطق الكشف العلمي، هي ذاتها النظرة الإبستمولوجية، إنها اختيار المنهج ووضع القرار الحاسم في الأسلوب الذي تتعامل به مع العبارات العلمية.٥
(٣) وقبل الحديث عن هذه النظرية المنهجية، تثار مشكلة ما إذا كان هذا الحديث جائزًا أصلًا أم لا، إنها مشكلة كثيرين — على رأسهم الوضعيون المناطقة — لا يرَوْن في علم مناهج البحث فرعًا من فروع الفلسفة، بل فرعًا من العلوم الطبيعية، إنها النظرة التطبيعية له naturalistic، أي جعله علم الدراسة التجريبية لسلوك العلماء في ممارسة عملهم، أو للإجراءات الفعلية للعلم، بوبر لا ينكر قيمة هذه الدراسة لعلم النفس مثلًا، لكن علم مناهج البحث في رأيه شيء مختلف تمامًا، فهو أولًا ليس فرعًا من الفلسفة فحسب، بل هو حصنها الحصين، هو وليس الميتافيزيقا؛ لأن الميتافيزيقا يمكن أن نؤول مشاكلها بحيث تصبح قواعد ميثودولوجية؛ مثلًا، مشكلة السببية — وهي واحدة من أعمق المشاكل الميتافيزيقية — حُلَّت ببساطة في سياق معالجة مشكلة منهجية بحتة؛ هي مشكلة الاستقراء. مثال آخر: مشكلة الكليات، هي مشكلة قاعدة منهجية بخصوص طبيعة القانون العلمي؛ أو مثلًا مشكلة الموضوعية، يمكن أن تؤول هي الأخرى إلى قاعدة منهجية؛ هي القاعدة الآتية: العبارات التي تُطْرَح في العلم هي — فقط ولا غير — العبارات القابلة للاختبار بين الذوات،٦ بالمثل يمكن تأويل معظم المشاكل الفلسفية لتصبح ميثودولوجية، علم مناهج البحث هو أخص خصائص الفلسفة.

وأكثر من هذا، فبعض الذين يريدون جعله علمًا طبيعيًّا، لا يرومون هذا من أجل تقدم العلوم السلوكية فحسب، بل ولأنهم متأثرون بنظرتهم الاستقرائية التي سيطرت عليهم، حتى يريدون من علم مناهج البحث؛ العلم الذي يستقرئ سلوك العلماء، هم مخطئون، الحاجة ملحَّة للدراسة الفلسفية المنهجية، لنعرف ما هو الأسلوب الذي يسير به البحث العلمي.

(١) مسار البحث العلمي

(١) عرض المنهج لن يكلفنا الآن كبير عناء، فطالما أن النظرية المنهجية مناظرة للمعرفية، فإن صياغة المعرفة الموضوعية «م أ – ح ح – أ أ – م٢» التي تصف شتى ضروب الأنشطة العقلية والحيوية، تصف العلم أيضًا، بوصفه إحدى هاتيك الضروب،٧ عرض منهج العلم لن يعدو أن يكون تطبيقًا لها.
  • «م١»: يبدأ العالم بحوثه من مشكلة، إما مشكلة عملية واقعية، وإما مشكلة نظرية، أي فرض وقع في صعوبات، العالم يجد في العلم دائمًا مواقف معينة لمشاكل، فيختار منها المشكلة التي يأمل في استطاعة حلها، البدء إذن ليس بالملاحظة بل بالمشكلة، وهذه المشكلة بدورها ليست نتيجة للملاحظة أو حتى التجريب، بل هي من البناء المعرفي السابق.
  • «ح ح»: الفكرة عن مشكلة لا بد وأن تكون غامضة، التعرف الكامل عليها لن يكون إلا بطرح حل ونقده، فهم المشكلة يكون بفهم صعوباتها، بأن يعرف العالم لماذا لا يسهل حلها، لماذا لا تصلح الحلول الواضحة، بهذا يفهم المشكلة جيدًا، يعرف تفرعاتها ومشاكلها الجانبية وعلاقاتها بالمشاكل الأخرى، إنه يُحيط بموقف المشكلة فيتمكن من طرح الحل الملائم، الحل دائمًا اختباري، وهو فرضي، محاولة الحل قد تفضي إلى طرح عدة حلول، عدة نظريات تتنافس لحل نفس المشكلة، أو تتنافس بأن تمنح حلولًا لبعض المشاكل المشتركة، على الرغم من أن كلًّا منها قد تمنح بالإضافة إلى هذا حلولًا لمشاكل لا تشترك فيها مع النظريات الأخريات، كيف يمكن الاستقرار في هذه الخطوة على «ح ح» محددة، أي كيف يمكن الاختيار بين مجموعة النظريات المتنافسات؟ أولًا: على الباحث استبعاد ما يمكن تفنيده، أي اكتشاف الاختبار الفاصل، التجارب الحاسمة التي تستطيع تفنيد واستبعاد بعض منها، ثم يختار الباحث النظرية الأفضل من بين المجموعة المتبقية، والنظرية الأفضل هي الأكثر قابلية للتكذيب،٨ وهي الأكثر نزاهة، أي لا تكون عينية ad hoe، فهي وُضِعَت فقط لحل المشكلة وليس لتلافي نقد معين أو مواجهة اختيار معين، إذن المنهج النقدي يمكن اعتباره منهجًا داخل المنهج؛ لأنه يعين على تقرير النظرية الأفضل من بين نظريات متنافسات، لتنتهي بتعيين «ح ح» أي محاولة حل.
  • «أ أ»: ثم يحاول العالم نقد «ح ح» أي فرضه الجديد، لا بد من إيجاد الخطأ في الحل المقترح، بل ومحاولة تفنيده، قد يصمد الفرض أمام اختبارات النقد، وقد ينهار سريعًا إذا كان ضعيفًا، لكن القاعدة أن العالم سيجد افتراضه الحدسي قابلًا للتكذيب، وإلا لما كان علميًّا، وقد يجد أنه لا يحل المشكلة، بل يحل جزءًا منها فقط، وسيجد حتى أفضل الحلول، أي التي تقاوم أعنف نقد لألمع العقول، من شأنها أن تثير صعوبات جديدة، فهو نظرية لم تُفَنَّد حتى الآن، ولما كانت لا بد أن تُفَنَّد يومًا ما، فعلى الباحث محاولة هذا دائمًا، فيحاول إقامة مواقف اختبارية قاسية؛ لذلك فإن هذه الخطوة «أ أ»، قد تفضي إلى بناء قانون مفند، قانون قد تكون درجة عموميته منخفضة، فقد لا يستطيع شرح مواطن نجاح النظرية، لكن يستطيع الأهم: اقتراح اختبار حاسم وتجربة تفند النظرية، وتبعًا لنتيجتها إما يأخذ العالم بهذا القانون المفند، وإما بالنظرية موضع الاختبار.٩
    ولإحكام منهجية هذه الخطوة، يمكن حصر أساليب إجرائها، أي أساليب اختبار النظرية واستبعاد الخطأ في أربع طرق:
    • (أ) مقارنة النتائج الاستنباطية بعضها ببعض، مخافة أن تحوي شيئًا من التناقض، لا بد من التثبت من اتساقها مع بعضها، أي اتساق النظرية مع نفسها.
    • (ب) فحص النظرية نفسها فحصًا منطقيًّا، لنرى هل هي من نطاق العلم التجريبي، وهل هي إخبارية فقد تكون تحصيل حاصل، «تطبيق معيار التكذيب.»
    • (جـ) مقارنة النظرية بالنظريات الأخرى في البناء المعرفي؛ لنرى هل تتسق معها، وهل تمثِّل تقدمًا علميًّا عليها.
    • (د) اختبار النظرية تجريبيًّا، أي عن طريق التطبيقات التجريبية للنتائج المستنبطة منها.١٠
    بالنظر إلى هذه الأساليب، نجد المنهج المتبع أساسًا هو الاختبارات الاستنباطية، وليس البتة أدلة استقرائية، رغم أن الأهمية القصوى للملاحظة والتجريب تبرز في هذه الخطوة، فهي التي تفصل القول أولًا وأخيرًا في قبول أو رفض النظرية المتسقة منطقيًّا، إن اتفقت الملاحظات مع النتائج المستنبطة من النظرية؛ سلَّمنا بها مؤقتًا، إن تناقضت استبعدناها، ولا أثر إطلاقًا لأي استقراء من أي نوع كان لا سيكولوجيًّا ولا منطقيًّا، فليس هناك أي انتقال من الوقائع إلى النظريات ما لم يكن انتقالًا تكذيبيًّا حقًّا، إن الاستدلال هنا من أدلة تجريبية، ولكنه استدلال استنباطي صرف.١١

    وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك عالِم يبلغ من السذاجة حدًّا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في نتائجها القريبة.

    ومهما كانت نتيجة الاختبار، فلا بد وأن العالم قد تعلم منها شيئًا، فإذا فشل الاختبار واجتازتْه المحاولة، فقد عرف الباحث الكثير، عرف أن حله هو الأكثر ملاءمة، وهو أفضل ما لدينا حتى الآن،١٢ وأنه هو الذي ينبغي الأخذ به، أما إذا نجح النقد وفنَّد النظرية، فقد عرف الباحث الكثير أيضًا، عرف لماذا أخطأ، فيُلِم بالمشكلة أكثر، وربما فشلت النظرية في حل المشكلة المطروحة للبحث، ولكنها قد تنجح في حل مشكلة بديلة، والتي قد تعطي شحنة تقدمية أكثر مما لو كانت المشكلة الأصلية قد حلت وحتى إن لم تحل، لا المشكلة الأصلية ولا أية مشكلة بديلة، فإن العالِم يجب أن يهتم أيضًا بالتكذيب في حد ذاته؛ لأن اكتشاف كذب نظرية يعني اكتشاف صدق نقيضها، وإن كان نفي النظرية الشارحة ليس بدوره نظرية شارحة.

    في هذه الخطوة «أ أ» يتركز دور معيار التكذيب ومنطقه.

  • «م٢»: وعلى أية حال، لا بد وأن ينتهي العالِم إلى موقف جديد، يحمل بين طياته مشاكل جديدة ليأخذ العالم منها م٢ … يبدأ بها الحلقة الجديدة.
(٢) بالطبع ليس من اليسير إدخال فكرة المحاولة والخطأ البسيطة في ذات الهوية مع المنهج التجريبي المعقد، إنما هي الأصل والأساس الذي تفرَّعت شتى التعقيدات داخل خطواته «ح ح، أ أ» إن منهج المحاولة والخطأ هو أسلوب التعلم، أسلوب تعرُّف الكائن الحي على بيئته، وقد تطور قليلًا حتى بدأ في اتخاذ اسمه المنهج العلمي التجريبي الحديث،١٣ الذي هو على وجه الدقة: منهج الحدوس الافتراضية الجريئة (المحاولة) والاختبارات العملية الحاذقة البارعة لتكذيبها، إنه الصورة المعاصرة لأسلوب التعلم الداخل في صميم الحياة على كوكب الأرض، أسلوب المحاولة والخطأ.
خلاصة المنهج هي أن يتعلَّم الباحث أن يفهم المشكلة، فيحاول حلها، ويفشل في هذا الحل فيردفه بحل آخر أقوى يفشل فيه هو الآخر،١٤ العالِم يسير من حلول سيئة إلى حلول أفضل، عارفًا في كل حال أن لديه القدرة على طرح تخمينات جديدة، فطريق التقدم العلمي الوحيد هو طرح فروض أفضل.
(٣) هذه النظرية المنهجية بالطبع، تحدِّد منطق العلم وطبيعته الحدسية اللااستقرائية؛ من حيث إنه يظل على الدوام تقريرًا غير يقيني مؤقتًا، نسلم به الآن لأنه الأفضل في وقت لاحق، لا بد حتمًا من التوصُّل إلى ما هو أفضل منه، المسألة نسبية وهي متغيرة، حتى يمكن القول إنها مسألة رأي وليست حقيقة واقعة قاطعة مطلقة.١٥
إن الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢» تجعل نمو المعرفة العلمية يسير من المشاكل القديمة إلى المشاكل الجديدة، بواسطة الافتراضات الحدسية وتكذيباتها، بواسطة التعديلات والتكييفات المستمرة للموقف الراهن، والحلول المطروحة لمشاكله، مما يجعل تطور العلم زجزاجيًّا متعرجًا وليس خطًّا مستقيمًا،١٦ إنه منهج التصحيح الذاتي، أي الذي يجعل العلم يصحح نفسه بنفسه تصحيحًا مستمرًّا استمرارية البحث العلمي، طالما أن النظريات كلها مجرد حدوس افتراضية، تتفاوت في درجة اقترابها من الصدق، وأن العالم حتى لو توصَّل جدلًا إلى نظرية صادقة، فلا هذا المنهج ولا أي منهج آخر يتمكن من إقامة صدق النظرية العلمية، وكيف نبحث عن إقامة الصدق ونحن عالمون أن النظرية قد تجتاز كافة اختبارات النقد والتكذيب، فقط لأن العلم لم يتوصل بعدُ إلى الاختبار الحاسم لها، أي القانون المفند، وأن الباحث لا يفضل النظرية فقط؛ لأنها الأقرب إلى الصدق، ولكن أيضًا لأنها محتملة الكذب، إنها موضوع شيق لاختبارات أكثر، أي محاولات تكذيب، وتكذيب أي نظرية علمية يشكل مشكلة لكل نظرية جديدة؛ إذ إن عليها أن تنجح فيما نجحت فيه سابقتها، وفيما فشلت فيه أيضًا، فهذا المنهج يعني الترابط المتسلسل بين النظريات، بحيث تكون كل نظرية أقرب إلى الصدق من سابقتها.
(٤) على ضوء ما سبق، يمكن أن تراعَى التقاليد الميثودولوجية، فنستخلص من نظرية بوبر المنهجية الخطوات الآتية للمنهج العلمي على الترتيب الآتي:
  • (١)

    المشكلة (وهي عادة تفنيد لنظرية موجودة).

  • (٢)

    الحل المقترح (أي نظرية جديدة).

  • (٣)

    استنباط القضايا القابلية للاختبار من النظرية الجديدة.

  • (٤)

    الاختبار؛ أي محاولة التفنيد بواسطة الملاحظة والتجريب، من ضمن وسائط أخرى.

  • (٥)
    الأخذ بأفضل الحلول، أي النظرية الأفضل من بين مجموعة النظريات المقترحة المتنافسة.١٧
والصورة التامة لهذا تكملها فكرة التوقعات الفطرية، التي يولد بها الكائن الحي، هذه التوقعات من شأنها — إذا ما أُحْبِطَت — أن تخلق مشاكل؛ فليكن أولى مشاكل البحث العلمي على الإطلاق — أي أول «م١» في بناء المعرفة — هي إحباط لتوقع فطري وُلِدَ به إنسان بدائي،١٨ وكانت محاولة تعديل هذا التوقع هي أول نظرية في تاريخ العلم، وكانت محاولة انتهت ﺑ «م٢»، دخلت بدورها في حلقة جديدة … وهكذا.

وبالطبع فإن ذهن العالم اليوم، ليس مقصورًا على النزوعات والتوقعات الفطرية، علمه الذي جعله عالمًا — أي الحصيلة المعرفية — يولِّد في ذهنه نزوعات وتوقعات علمية، أي فروض حدسية هي نظريات جريئة.

ولكن العالم حينما يأتي الآن ليدرس موقف مشكلة، فهو بهذا يحاول مواصلة مسار طويل يستند على كل حصيلة البشر، البدء من الصفر استحالة، وإن أمكنت فإن حياة العالِم لن تُسفر عن تقدم أكثر مما أحرزه آدم، أو بعبارة علمية: «أكثر مما أحرزه إنسان نياندرثال.» وهذه واقعة يرفض كثيرون من ذوي المنعطفات الجذرية والمستقلة في حياتهم أن يقبلوها،١٩ في العلم يجب أن نحرز تقدمًا، وهذا يعني أننا نقف على أكتاف الأجيال السابقة، العالم معقَّد لدرجة كبيرة، ونحن لا نعرف من أين ولا كيف نبدأ تحليله، إننا نعرف فقط من أين وكيف بدأت المحاولات السابقة، وإنها محاولات إقامة بناء العالم خلال إطار معين، وهي أطر لم تكن محكمة كثيرًا، نحن نحاول أن نجعلها أكثر إحكامًا بأن نطورها، فنستبدلها بمحاولات أقرب إلى الصدق،٢٠ والمحاولات مستمرة على صورة تلك الصياغة.
(٥) المعرفة في هذا المسار الطويل والبادي منذ إنسان نياندرثال حتى اليوم، تمر بمرحلتين:
  • (أ)

    مرحلة التفكير الدوجماطيقي (القبل-علمي).

  • (ب)

    مرحلة التفكير النقدي (العلمي).

  • مرحلة التفكير الدوجماطيقي: هي المرحلة البدائية، بتحديد بوبر، المرحلة السابقة على حضارة الإغريق، ولما كانت محاولات المعرفة بدأت مع أول إنسان في التاريخ فإن المجتمعات البدائية لها موقف معرفي لها محاولات لتفسير العالم بالأساطير والديانات البدائية بالخرافات والخزعبلات، وكان التمسُّك بها قطعيًّا وصارمًا، وكانوا يعتبرون الشك فيها أو حتى محاولات التفكير فيها لتقييمها أو نقدها جريمة ما بعدها جريمة، التساؤل عن مدى صدقها كان محرمًا ينتهي بالموت، أو على الأقل بنفي المتسائل، إنها مرحلة لا تسمح بالخطأ، ولا بأي إمكان أو احتمال له، وكانت الفكرة الخاطئة — أي الحل الخاطئ للمشكلة — لا بد لها من الهلاك، كان أمْيَز ما يميز مرحلة التفكير الدوجماطيقي، أن المخطئ فيها يموت أو يهلك بهلاك عقيدته الخاطئة، كان التقدم فيها مأساويًّا خطيرًا إن أمكن أصلًا.٢١
  • مرحلة التفكير النقدي: بدأت حينما عرف الإنسان سر التقدم، النقد ثم تقبله؛ لذلك كانت المدرسة الأيونية أعظم مدرسة في التاريخ؛ لأنها علَّمت الإنسان أعظم درس والأهم على وجه الإطلاق؛ ألا هو النقد وتقبله، لأول مرة في التاريخ لم يتحرج أنكسمندر من نقد أستاذه طاليس وتبيان أخطائه، بل والإتيان بنظرية أفضل من نظريته، والأدهى: على مرأى ومسمع من أستاذه، بل وبترحيب وتشجيع منه، في هذه المرحلة حينما تكون المحاولة — أي الفكرة — خاطئة، فإن الهلاك لها وحدها، معتنقوها لا يهلكون معها بل هم الذين يهلكونها ليحاولوا المحاولات الأفضل، وليضعوا نظريات أقرب إلى الصدق.
ولما كان بوبر يرى أن القوانين العلمية ليست مستقرأةً من الواقع، بل مفروضة عليه، فهو يقول: إن العلم التجريبي النقدي يصنع أساطير، تمامًا كالتي يصنعها الدين الدوجماطيقي، لكن الاختلاف بين أساطيرهما كالاختلاف بين الدوجماطيقية والنقدي، فالاتجاه النقدي للعلم من شأنه أن يغير الأساطير ويطورها فلا تبقى على حال واحد أبدًا، إنها في تغير مستمر، والتغير في اتجاه وضع الشرح الأفضل، والاقتراب من الصدق أكثر وأكثر؛ لأن النقد يحذف الخطأ، ويقلِّل دومًا من نطاقه.٢٢

غير أن هذه النظرية ليست ذات أدنى تناظر مع نظرية كونت في المراحل الثلاثة المتعاقبة لتاريخ الفكر؛ ذلك لأن التفكير الدوجماطيقي والتفكير النقدي، ليسا مرحلتين متعاقبتين زمانيًّا فحسب، بل منطقيًّا أيضًا، بل، وكعادة بوبر في التعميم الشديد لأفكاره، عمَّم هذا التقسيم، حتى أدخلهما في صميم كل محاولة على وجه الأرض، وفي صميم الحياة بصفة عامة، فإذا كانت الأميبا وسائر الحيوانات الدنيا تعيش إلى الأبد في أسر المرحلة الدوجماطيقية، فإن الإنسان المعاصر — وكل إنسان — في نزوعه للبحث عما يريده وفرض القوانين على الطبيعة، في فرض نزوعاته وتوقعاته — خصوصًا توقُّع الاطراد — هو أسير الاتجاه الدوجماطيقي، لا يخرج منه إلا حينما يحاول النقد واستبعاد الخطأ.

كما أن الاتجاهين ليسا متعارضين، والعلاقة بينهما ليست تناقضًا، هما متعاقبان زمانيًّا وموضوعيًّا، لكلٍّ منهما سمات وخصائص قد تختلف وقد تتفق مع سمات الأخرى الواحدة منهما لا تسير بغير الأخرى، لكن يكون للتفكير العلمي مسار، المرحلة النقدية ضرورية للدوجماطيقية؛ كي تقي شر هلاك محتوم، والدوجماطيقية ضرورية للنقدية؛ كي تمثل لها المادة الخام، وأكثر من هذا فإن الدوجماطيقية ليست شرًّا محضًا، بل لا بد من قدر منها حتى في البحث العلمي، فالعالِم أثناء اختبار نظريته لا بد وأن يتمسك بها تمسكًا دوجماطيقيًّا نوعًا ما، فلا يتخلَّى عنها بسهولة، ثم إن الدفاع عنها في مواجهة النقد من شأنه أن يطورها ويحسنها، إن بوبر لم يعنِ بهذا التقسيم أكثر من الإشارة إلى الاعتقاد القوي، الذي يثبتنا عن انطباعاتنا الأولى، وهو الاتجاه الدوجماطيقي، بينما الاتجاه النقدي يشير إلى الاستعداد لتعديل الأفكار وتصحيحها، إلى السماح بالشك والاختبار، إلى تقبل النقد وإقرار الخطأ، ببساطة إلى الاعتقاد الضعيف، بمعنى الاعتقاد المتبصِّر غير المتزمت.

خلاصة القول: التفكير الإنساني بصفة عامة، إنما يسير عبر هاتين المرحلتين، ويبلغ السمة العلمية مع سيادة المرحلة النقدية، وهذه النظرية — نظرية المرحلتين الدوجماطيقية والنقدية — هي بحق من أجمل مواطن إبداع بوبر فهي نظرية منطقية إبستمولوجية ميثودولوجية سيكولوجية أنثربولوجية.

(٦) تلك هي الأفكار — من طيات فلسفة بوبر — في سياق الإجابة على السؤال التقليدي: ما هو منهج العلم؟ ولكنها لم تكن إجابة تقليدية، وأكثر من هذا، لم تكن القواعد التي تُرسيها قواعد مختصة بالعلم فحسب، بغضِّ النظر عن التفصيلات الفنية التكذيبية للخطوة «أ أ»، بل هي قواعد للنقاش العقلاني بصفة عامة؛ لأنها أساسًا قواعد منهج المحاولة والخطأ الذي يحكم شتى المحاولات على وجه الأرض.

(٢) الداروينية المنهجية

(١) في فصل «المعرفة موضوعية» بَدَا أن الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢» أي نظرية المحاولة والخطأ تجعل نظرية بوبر في المعرفة داروينية، ولما كان هناك تناظرٌ بين نظرية بوبر المعرفية وبين نظريته المنهجية، كانت المنهجية هي الأخرى داروينية، بل الواقع أنها تجسيد صارخ للداروينية.

منهج تطور العلم يماثل إلى حدٍّ كبير ما أسماه دارون بالانتخاب الطبيعي، إنه الانتخاب الطبيعي بين الفروض، العلم يتكوَّن دائمًا من تلك الفروض التي أوضحت ملاءمتها في حل المشاكل وصمودها أمام النقد، إنها الفروض التي ناضلت للبقاء حتى الوقت الراهن، كما أنها استبعدت تلك الفروض التي لم تلائم، أو التي حاول واضعوها أن يعدلوها ويكيفوها، فلم يكن تكييفًا مطابقًا للمطلوب.

وعلى العكس من ذلك نظريات المنهج الاستقرائية، التي تؤكد على التحقيق بدلًا من التكذيب هي بالضبط اللاماركية، إنهم يقررون البناء بواسطة البيئة، بدلًا من الانتخاب٢٣ الطبيعي للفروض والبقاء للأصلح منها.

إن منهجية بوبر داروينية، في مقابل الاستقرائية اللاماركية.

(٢) فمن المعروف أن هناك اتجاهين أساسيين في نظرية التطور:

  • الاتجاه الأول، الأسبق زمانيًّا والأقل منزلة علمية، ينتسب للعالم الفرنسي الكبير جان لامارك Jean Lamarck (١٧٤٤–١٨٢٩م) الذي يذهب إلى أن التغير الذي يحدث ببطء في نوع ما من الكائنات الحية، إنما مردُّه إلى الظروف البيئية قد يتبعه تغيُّر في سلوك هذا الكائن، وأن كثيرًا من الكائنات والحيوانات لم تستطع الملاءمة فماتت؛ لأن ظروفًا بيئية تغيرت فلم تستطع التكيف معها،٢٤ معنى ذلك أن نظرية لامارك تعوِّل في حدوث التغيرات العضوية على المؤثرات البيئية وتجعل دور الكائن الحي سلبيًّا فقط يتلقى هذه المؤثرات، وإن لم يتلقَّاها حكمت عليه البيئة بالفناء والهلاك.
  • أما الاتجاه الآخر الداروني، فهو يذهب إلى أن أنواع الكائنات الحية جميعًا، إنما تنتهي إلى أصلٍ واحد هو أولى الكائنات الحية البدائية، وأن كل كائنٍ حي إنما هو حلقة تطورية، في سلسلةٍ متصلة تنتهي بالإنسان، ولكن عبر السلسلة البيولوجية الطويلة، تبقى بعض الأنواع وتتطوَّر أخرى وتنقرض أخرى.

فكيف تبقى بعض الأنواع؟ وكيف يتطور أو ينقرض البعض الآخر؟

في الإجابة على هذا ذهبت نظرية دارون إلى أن دنيا الطبيعة فيها سلسلة لا تنتهي من الكفاح من أجل الحياة؛ إذ ينقضُّ الحيوان الوحشي على غيره فيهلكه، وكذلك تتنافس جميع الكائنات الحية في الحصول على الغذاء والماء والمأوى، فما كان فيها منها الأقوى والأسرع والأصلب، فهو الذي يبقى، أما الضعيف فيهلك، الأنواع القوية القادرة على الفتك بمنافسيها، القادرة على التكيف مع البيئة تبقى وتحكم بالفناء على الأنواع الضعيفة الأقل تكيفًا مع البيئة،٢٥ على هذا النحو يتم الانتخاب الطبيعي، أي تجعل نظرية دارون المعول الأكبر على الكائن الحي، له ولإمكانياته، الدور الأعظم في سلسلة التطور.

من هنا كان الاستقرائيون لاماركيين، بمعنى أنهم يجعلون للعالم دورًا سلبيًّا، فقط يتلقَّى نتائج التجريب التي تُمليها الطبيعة، فيعممها في فرض علمي، أما بوبر فلا يرضى بهذا الدور السلبي الاستقرائي للعالم، أو بهذا الدور السلبي اللاماركي للكائن الحي، في الخطوة «ح ح»، كان العالم هو الذي يضع الفرضَ من عنده، هو الذي يخلق النظرية، إن العالِم في نظرية بوبر المنهجية له دورٌ إيجابي في خلق قصة العلم، كما جعل دارون للكائن الحي دورًا إيجابيًّا في خلق قصة الحياة، إننا لا نعرف من خلال التعاليم التي تلقيها البيئة علينا كما يدَّعي الاستقراء، بل نعرف من خلال تحديها وفرض تصوراتنا عليها؛ لذلك يفسر بوبر التقدم العلمي بالنقد، فهو الذي يبرز ثورية هذا التقدم، فهو يحطم ويغير ويبدل مجسدًا إيجابية العالم الداروينية، أما اللاماركية الاستقرائية، فتفسر التقدم العلمي بتراكم المعلومات كمكتبة نامية باستمرار، مسألة آلية.

(٢) إن بوبر يعظِّم من نجاح نظرية دارون؛ فلا يقصر تطبيقها على البيولوجي، بل ويسحبه إلى الإبستمولوجي والميثودولوجي، بل وإلى سائر التطورات، طالما أن الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢» تحكم شتى الأنشطة على كوكب الأرض.
لكن رغم هذا لا يعتبرها نظرية علمية بالمعنى القابل للتكذيب، أي بالمعنى ذي المحتوى المعرفي الإخباري؛ إذ يعتقد البعض أن نظرية دارون في علم الحياة هي المثيل لنظرية نيوتن في علم الطبيعة وهذا خطأ، حقًّا أثرها ثوري، لكن ليس في عمق أثر نيوتن؛ لأن نظرية نيوتن تعطي وصفًا تفصيليًّا لكثير من القوانين التي تحكم الطبيعة، بينما لا تشتمل نظرية دارون على أي قوانين، وحينما حاول هربرت سبنسر أن يضع قوانين تحكم التطور فإن دارون لم يُعرْ هذا أي اهتمام،٢٦ إن نظرية دارون بغير محتوى معرفي أو تجريبي؛ فمحتواها تحصيل حاصل؛ لأنها تنتهي في النهاية إلى أن هؤلاء الذين يبقون هم الأصلح للبقاء، فقط لأن هؤلاء الذين يبقون هم هؤلاء الذين يبقون،٢٧ ويبين الانتخاب الطبيعي أنه من حيث المبدأ يمكن رد الغائية إلى العِليَّة في حدود فيزيائية بحتة، ويبين دارون أن أسلوب عمل الانتخاب الطبيعي يمكن من حيث المبدأ أن يظهر بمظهر أفعال الخالق وأغراضه، ويمكن أيضًا من حيث المبدأ أن يظهر بمظهر الأفعال الإنسانية العاقلة الموجهة نحو غرض أو هدف،٢٨ وإذا صح هذا فسيصبح لعلماء الحياة تمام الحرية في استعمال الشروح الغائية في علم الحياة، حتى الذين يعتقدون أن جميع الشروح يجب أن تكون عِلية؛ لأن ما بيَّنه دارون على وجه الدقة؛ من حيث المبدأ، أي شرح غائي معين يمكن يومًا ما أن يرد إلى، أو يشرح أكثر بواسطة شرح، على الرغم من أن هذا إنجاز عظيم، فإن تعبير من حيث المبدأ «هو تقييد ذو خطورة»؛ فلا دارون ولا أي داروني، أعطى شرحًا عِليًّا للتطور التكيفي adaptive Evolution، وكل ما نظفر به أن مثل تلك الشروح قد توجد، أي ليست مستحيلة منطقيًّا، وهذا شيء كثير لكن ليس بنظرية تجريبية إخبارية أي ليس علمًا بالمفهوم الدقيق الذي نرومه في هذا البحث.
من هنا كان إيمان بوبر الشديد بنظرية دارون والذي يشيع في ثنايا فلسفته بأسرها، شيوع تلك الصياغة، لكن ليس بوصفها نظرية علمية، إنما بوصفها برنامج بحث ميتافيزيقي Metaphysical Research Porgramme،٢٩ فلما كانت نظرية دارون فكرة عظيمة، لكنها ميتافيزيقية مبهمة، ينقصها الشيء الكثير، كانت تلك الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢» التي تصف أسلوب المحاولة والخطأ، أسلوب النزاع من أجل البقاء والانتخاب الطبيعي الذي يستبعد الأقل تكيفًا، هي محاولة من بوبر لإعادة صياغة هذه النظرية، بوصفها برنامج بحث صياغة تخلصها مما بها من غموض وإبهام،٣٠ وتحدِّدها طالما أنها تعطي وصفًا داخليًّا محكمًا لعمليات الانتخاب الطبيعي.
(٣) وفي سياق هذه المماثلة بين تطور المعرفة وتطور الكائنات الحية، يضع بوبر تماثلًا بين شجرة التطور البيولوجي وشجرة التطور المعرفي،٣١ وإن كان تماثلًا عكسيًّا، فالشجرة التطورية البيولوجية انبثقت عن أصل واحد ظل يتفرَّع إلى فروع أكثر وأكثر، إنها تشبه العائلة، والأصل المشترك هو أسلافنا أحادي الخلايا، أسلاف جميع الكائنات الحية، والفروع هي التطورات التي انبثقت عن هذا الأصل الحي، الكثير منها اتخذ أشكالًا خاصة إلى حدٍّ بعيد، اختلفت أو «تفاضلت differiantated» كل شكل منها، فتكامل بالدرجة التي تمكنه من حل صعوباته الخاصة، أي مشاكله من أجل البقاء (تفاضلت وتكاملت مصطلحات سبنسر في محاولته لأن يحكم النظرية الداروينية بقوانين).

والشجرة التطورية لأدواتنا تماثلها جدًّا، فقد بدأت بأصلٍ واحد، قطعة صخر وعصا، وتحت تأثير مشاكل مختلفة تطورت وتفرعت إلى أعداد كبيرة من الأشكال المختلفة جدًّا، بنفس الأسلوب التفاضلي.

أما نمو المعرفة البحتة، فهو بأسلوب عكس تمامًا، تتجه كما لاحظ سبنسر نحو تكامل متزايد، تكامل بعضها والبعض الآخر، بدلًا من أن يتفاضل كل فرع عن الآخرين أو يكامل نفسه بنفسه، كما في حالة الأدوات والحيوان.

لو أمكن التصور، فإن نمو المعرفة، هو على صورة هذه الشجرة لكن مقلوبة، أصلها أو جذورها هو الفروع المنتشرة في الهواء، تتجمَّع رويدًا رويدًا، حتى تنتهي إلى أصل واحد، جذع واحد يؤدي بها إلى نهاية واحدة ثابتة في الأرض، هذا الجذع يضمها نحو التكامل المتزايد، نحو نظريات تتوحَّد أكثر، بلغت أوجها في النظريات الفيزيائية البحتة الحديثة، على رأسها النسبية، التي تحاول ضمَّ أكبر نطاق ممكن من المعارف العلمية، إن المعرفة البحتة لم تبدأ بأصل واحد، بل بعددٍ كبير من الأصول (توقعات فطرية – نزوعات – خرافات – أساطير – نظريات ميتافيزيقية … إلخ) كانت تهيم في الهواء وأخذت تقترب تتجمع وتسير إلى جذع واحد رسخ في الأرض، بدأت أوضح الأمثلة في نيوتن حينما حاول ربط ميكانيكا جاليليو الأرضية، بنظرية كبلر في الحركات السماوية.٣٢
(٤) من الناحية المعرفية المنهجية، بوبر داروني حتى النخاع؛ لذلك أضاف لعنوان كتابه «المعرفة الموضوعية» تذييلًا هو: تناول تطوري Evolutionary Approach.

(٣) العبقرية الخلاقة

(١) لكن لنلاحظ أن بوبر لم يوضِّح حتى الآن، ما هو طريق الوصول إلى النظرية الجديدة، كما أوضح الاستقراء، في خطواته المُفْضِية منطقيًّا إلى خطوة الفرض ثم المعرفة،٣٣ بينما لم يُفْضِ بنا منهج بوبر إلى ذات اللحظة التي تخلق فيها النظرية خلقًا، فحتى «أ أ» تعني طرح فرض جديد، نظرية جديدة، لكن لم توضح إطلاقًا من أين ولا كيف نأتي به.
الواقع أن مثل هذا التوضيح مستحيل، فمنذ البداية وبوبر يستعمل كثيرًا ودائمًا اصطلاح: افتراض حدسي Conjecture افتراض لأنه حتمًا يقيني ومؤقت، أما عن كونه حدسيًّا فهو حقًّا ليس في طبيعة الحدسي البديهي Intuition عند ديكارت مثلًا، فالحدس البديهي بسيط، يبدو جليًّا للعقل، الذي هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، بينما الحدس الافتراضي العلمي معقد، وقد لا يسهل فهمه إلا للعقول العلمية الجبارة، ولكن كليهما حدس من حيث أصله، وطريقة الوصول إليه، الفرض العلمي يلمع في الذهن بغتةً كلمعة الحدس، على هذا يستحيل رسم طريق محدد، منهج معين الخُطا للوصول إليه، لنأخذ مثالًا: نظام مندليف الدوري للعناصر الكيميائية، القائم على المستوى الذري لبناء المادة، والذي يعتبر أعظم إنجاز للعلم المتجه إلى معرفة كيفية نشوء العالم، «لقد أنشأه مندليف مستندًا فقط إلى قيمة الأوزان الذرية للعناصر المعروفة في ذلك الزمان وعلى حدسه الرائع، كما قال نيلس بور.»٣٤

هذه شهادة من عالم لعالم، تؤكد نظرية بوبر المنهجية التي ترى أن الوصول إلى الفرض يكون عن طريق الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة (في المثال: قيمة الأوزان الذرية المعروفة) ثم قدح الذهن ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، هذا الحل حدسي، لا تنتبه إلا الموهبة العبقرية العلمية الخلاقة، كعبقرية مندليف وأمثاله، على هذا لا يمكن أن ننظر إلى المنهج العلمي، كطريق يفضي حتمًا إلى فرض، فضلًا عن إضافة للمعرفة (كما انتهت آخر خطوات الاستقراء).

بالنظر إلى المنهج العلمي من هذه الزاوية، نكون في عرف بوبر، نتحدث هراءً يخلو من المعنى، هذه النظرة إلى المنهج، هي التي حدَت به إلى أن يقول لطلاب فيزياء في بداية سلسلة لمحاضراته عن المنهج العلمي: إن مادة هذا المقرر ليس لها وجود،٣٥ إنه يكره كلمة منهج بما تتضمنه من تقرير أبله، من رسم طريق محدد، أن يلتزم به العالم التزامًا لا بد حتمًا أن يفضي إلى نظرية،٣٦ وربما كان بوبر يرفض تحديد مثل هذا المنهج، من نفس المنطق الذي يرفض منه تعيين مصدر معين للمعرفة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار، الربط الوثيق بين نظرية بوبر المنهجية وبين نظريته المعرفية.
«إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النجاح فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، ليس هناك طريق ملكي للنجاح، وأيضًا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير النظريات العلمية فسيصاب أيضًا بخيبة أمل، النظريات العلمية لا يمكن أن تبرَّر، إنها فقط تنقد وتختبر.»٣٧
ليس هناك منهج منطقي للوصول إلى الأفكار الجديدة، لا استقراء الوقائع ولا غيره، المنهج العلمي ليس طريق الكشف، بل هو منطق العلم، وليس رسم طريق الوصول إلى النظرية، كما رسمته خطوات الاستقراء، بل هو رسم أسلوب التعامل مع النظرية كما سيرسمه باب التكذيب، لقد ميَّز بوبر بحسم بين عملية تلقي المعلومة الجديدة، عملية التوصل إلى — أو اختراع — فرض جديد، وبين منهج اختبارها منطقيًّا، والتحكم في نتائج هذا الاختبار، فذلك هو موضوع المنهج العلمي ومجاله، أما العملية الأولى، فإنها لا تستدعي التحليل المنطقي ولا هي تقبله، في هذا قال العالم ماكس بلانك: «إن كل فرضية تظهر في عالم العلم تعرض نوعًا معينًا من الانفجار المفاجئ، وقفزة في الظلام لا يمكن تفسيرها منطقيًّا، ثم تدق ساعة ميلاد نظرية جديدة، وبعد أن ترى نور العالم تسعى جاهدة إلى النمو والتقدم باستمرار ويتوقف مصيرها أخيرًا على المقاييس.»٣٨
بناءً على كل هذا نجد أن التساؤل حول كيفية توصل شخص معين إلى فكرة جديدة؛ لحن موسيقي، أو بناء درامي، أو فرض علمي؛ هو من عمل علم النفس التجريبي، حينما يريد أن يفهم الظاهرة السيكولوجية الهامة؛ ظاهرة الإبداع،٣٩ لكن يستحيل دراستها في منهج العلم، أو منطقه؛ لأن كل اكتشاف علمي «يحوي عنصرًا لا عقلانيًّا أو حدسًا خلَّاقًا.» Creative Intuition، بتعبير بيرجسون، حدسًا مؤسسًا على الحب العقلاني لموضوع البحث.٤٠
لقد استشهد بوبر بهنري بيرجسون H. Bergson (١٨٥٩–١٩٤١م) لأنه يفسر عملية الإبداع من خلال الحدس، الذي يحتل مكانًا بارزًا في فلسفته؛ إذ يرى بيرجسون نوعًا من الوحدة الروحية تضم الوجود بكل ما فيه ومن فيه، ونحن لا نمارس الشعور بالوحدة أو الاتحاد مع العالم إلا في ظروف معينة، كما أننا نتفاوت في المقدرة على هذا الاتحاد، والعباقرة المبدعون هم ذوو المقدرة العظمى عليه، ولا فضل لهم في هذا؛ لأنها قدرة تقوم على أساس فطري يتمثَّل في درجة السهولة التي تصل بها الغريزة إلى مستوى الشعور؛ فالغريزة هي الجانب الذي نشارك به في وحدة الوجود، والاتصال بينها وبين مستوى الشعور أو الوعي يُتيح لصاحبه أن يرى مشهدًا عامًّا للوجود بعلاقاته الباطنية العميقة، وهذا المشهد العظيم هو الحدس، الذي يتميز به كل العباقرة والمبدعين من علماء وفنانين،٤١ والحدس هو الذي يزيل الحواجز الزمانية المكانية بين المبدع والموضوع، ويجعله ينفذ إليه بنوع من التعاطف Sympathy، ويعرِّف بيرجسون هذا الحدس الخلاق بأنه الغريزة، وقد صارت غير مبالية أو مكترثة، بل شاعرة بنفسها فقط وقادرة على تأمل موضوعها، وقد ركز بيرجسون في كتاباته الأخيرة على الجهد العقلي المبذول في عملية الإبداع، ولكن هذا لا ينفي الدور الأساسي للعنصر اللاعقلاني في عملية الإبداع.
(٢) لم يوافق بعض الباحثين على هذا العنصر اللاعقلاني، فقد أبدى بول بيرنايز Paul Bernays دهشته، فكيف يرفض بوبر رسم خطوات منهجية منطقية تؤدي إلى الفرض،٤٢ وقد يرى البعض أنها تتناقض مع عنوان المؤلف المذكور فيه «منطق الكشف العلمي»، ويعتبرها محاولة من بوبر لتفادي تدخُّل العناصر السيكولوجية في البحث، وإننا إذا ما أخذنا بوجهة نظر بوبر فإننا بالضرورة ينبغي وأن نستأصل مبحث الفرض من مجال البحث في دائرة المنطق.٤٣

والحق أن هذه النظرة من بوبر هي الأسلوب السليم في النظر إلى مصدر الفرض، وليست محاولة لتفادي العناصر السيكولوجية، فلو حذفنا هذا العنصر اللاعقلاني، وحصرنا الموضوع في قواعد منطقية صارمة — كقواعد القياس مثلًا — للوصول إلى الفرض، لَاستطاع كل عالم أوتي عقلًا أن يتبع هذه القواعد، ويصل إلى فرض علمي يحل المشكلة، كما يستطيع كل منطقي أوتي عقلًا أن يتوصل إلى النتائج التي تلزم عن مقدمات القياس، غير أن الأمر الواقع ليس هكذا، قد يقضي عالِمٌ عمره في حل مشكلة ولا يستطيع، بينما يستطيع عالم آخر أكثر عبقرية أن يحلها فورًا؛ لأن الكشف العلمي ليس عملية آلية، بل عملية خلق وتعديل ثوري، فهناك عنصر العبقرية وهو الأساس وعليه التعويل، ولن يجدي كل منطق الدنيا إذا لم يتوافر هذا العنصر اللامنطقي اللاعقلاني، ثم إنه لا يتناقض بأية حال مع عنوان «منطق الكشف العلمي»؛ لأن الكشف ليس هو الفرض الذي نبدأ منه، بل نتيجة اختبار هذا الفرض، والكتاب بأسره لا يعالج إلا أساليب هذا الاختبار نتائجه، فهل لو وضع العالم فرضًا، ثم أثبت الاختبارُ خطأه كان كشفًا؟ كلا بالطبع.

وأخيرًا فإن موقف بوبر لا يجعلنا نستأصل مبحث الفرض من المنطق، بل فقط نجعله نقطة البداية التي لا بداية قبلها، أو بالأصح ما قبلها من اختصاص علم النفس، وليس منطق العلم، هذا مقابل الاستقراء الذي يجعل نقطة البداية هي الوقائع الملاحظة.

ويمكن أن نستأنف مناقشة هذا النقد أكثر، فنقول: إنه فور انتهائه نلقى تأكيدًا للطبيعة الحدسية للكشف العلمي، وكيف أضفى عليه بوانكاريه طابع التركيز والمفاجأة واليقين الفوري، وأن الأفكار عادة ما تَرِد للعالم في ومضة In flash، كما وصف ولاس ند دارون: «وفجأة ومض في ذهني خاطر كالبرق، وهو أن هذه العملية التلقائية، قد ترقى بالجنس … إذ ينزع الأصلح إلى البقاء.» وإسهاب في توضيح رأي جون ديوي في أن الومضة هنا تأتي في سرعة البرق الخاطف، وأنها تنطوي على عنصر المفاجأة والإثارة، فهي حدس شبَّهه كلود برنار بأنه شعاع من نور يهبط فجأة فيضيء السبيل، الأكثر أنه ثمة عروج على علم النفس لإعطاء صورة عامة لموقفه من الإبداع.٤٤

كل هذا سليم تمامًا، غير أننا نتساءل: أين الاعتراض إذن على بوبر؟ واضح أن هذه المناقشة النقدية لبوبر ليست أكثر من تأكيد نظرية بوبر وتعميقها بصورةٍ أشمل كثيرًا كثيرًا مما فعل بوبر نفسه!

ولعل سبب هذا الالتباس، هو الالتباس الشائع في النظر إلى المنهج من أنه منهج التوصل إلى الفرض، وليس فقط منهج التعامل معه، لعل بوبر أول — أو أحد القلائل — الذين عنوا بتوضيح هذا اللبس، وأكد بحسمٍ قاطع ووضوح ناصع أن العلماء لا يتوصلون إلى الفرض عن طريق منهج.

(٣) وليس هذا رأيًا لبوبر أو غيره، بل يكاد يكون تقريرًا للأمر الواقع؛ إذ «لدينا شروح من العلماء أنفسهم توضح كيف توصلوا إلى النظريات العلمية بالعديد من الطرق المختلفة، في حالات حلم أو ما يشبه الحلم، في ومضات من الإلهام حتى نتيجة لسوء فهم أو خطأ، دراسة تاريخ العلم تؤكد أن العلماء لم يتوصلوا إلى النظريات بأي منهج محدد.»٤٥
من هنا كان لبوبر نظرية تماثل روح العلم تمامًا بروح الفن، حقًّا أن الخلق العلمي ليس حرًّا بنفس مفهوم الخلق الفني؛ لأن العلم عليه الصمود أمام اختبارات التكذيب، ومطابقة نتائجه الاستنباطية للوقائع الملاحظة، ولكن محاولة فهم العالم مهمة مفتوحة أمام عالم يتمتع بمواهب خلاقة،٤٦ فيكون خلقه العلمي إلهامًا خطر برأسه، كما أن الخلق الفني وحي وإلهام خطر برأس الفنان الموهوب.

«إن الخلق العلمي يماثل تمامًا الخلق الفني.»

وإن عالم الفن من خلق الإنسان، جميع الأعمال الفنية مخلوقات من خلق الإنسان الفنان، كذلك تمامًا عالم العلم، كل النظريات العلمية مخلوقات من خلق الإنسان العالم يخلقها، ثم يحاول فرضها على الواقع لتشرحه وتفسره، فهي شباك يحاول بها اصطياد الواقع التجريبي، والجهود مستمرة دائمًا لجعل ثقوبها أضْيَق وأضيق.٤٧ سقوط اليقين أسقط النظر إلى نظريات العلم كحقائق نكتشفها في الواقع، وجاء منهج بوبر ليؤكد هذا، فهو يرفض أن يستجديَ العالم الطبيعة بواسطة الاستقراء؛ كي تكشف له عن أسرارها، بل يؤكد أن العالم يخلق النظريات خلقًا، تمامًا كما يخلق الفنان العمل الفني، وكما يخلق الإنسان سائر مكونات العالَم (٣).

– إن النظريات العلمية، تماثل تمامًا الأعمال الفنية.

وعلى هذا لم يعد ممكنًا وجود منطق لعملية الخلق في العلوم، أكثر من إمكانية وجوده في الفنون وكعبقرية خلاقة يقف جاليليو ونيوتن وآينشتين على قدم المساواة مع مايكل أنجلو وشكسبير وبيتهوفن.٤٨
(٤) وهذا الموقف السلبي المحتم على الميثودولوجي بإزاء التوصل إلى النظرية، يعقبه بوبر بمنحى إيجابي، هو نصائح ذهبية للعالِم الشاب:
  • (أ)
    أولًا لا بد أن يكون العالم قد عرف الآن أن نجاح العلم لا يعتمد على قواعد الاستقراء، بل على العبقرية والحظ، والقواعد الاستنباطية البحتة للحجج النقدية،٤٩ وأن النظرية العلمية يستحيل أن تبرهن فقط يمكن أن تُخْتَبَر وتُكَذَّب، ولا يمكن أن يقال أي شيء من أجلها أكثر من أنها بعد النقد هي الأفضل الأهم الأقوى التي تَعِد بالمزيد، والأكثر اقترابًا للصدق من منافساتها.٥٠
  • (ب)
    حذار من ضلال الاستقرائيين، انزع تمامًا فكرة البدء من الملاحظة، طريق العلم المثمر يبدأ من معرفة النقاش الدائر هذه الأيام في العلم، فحاول أن تكتشف أين تقع الصعوبات واهتم أكثر بأوجه الاختلاف٥١ وأسبابها، وحاول أن تعرف أهم المشاكل، وعلاقتها ببقية المشاكل الأخرى، وبالبناء المعرفي الذي يمثل «علمنا اليوم».

    ملخص هذا: البدء بموقف المشكلة.

  • (جـ)

    في أية مرحلة من مراحل البحث، حاول أن تكون المشكلة واضحة بقدر الإمكان، وراقب أسلوب تغيرها، واجعلها أكثر تحديدًا، ولتكن النظريات المختلفة التي تأخذ بها، واضحة بقدر الإمكان.

    يمكن تلخيص هذا: وضوح موقف المشكلة.

  • (د)

    ولتكن حذرًا من أننا جميعًا نأخذ بنظريات دون وعي، نسلم بها على الرغم من أن معظمها قد يكون خاطئًا، فحاول مرة ومرة أن تعيد صياغة النظرية التي تتمسَّك بها وأن تنقدها، بل وحاول أن تبني نظريات بديلة، وحتى تلك النظريات التي تبدو أمامك وكأنها الاحتمال الوحيد، اعتبرها علامة على أنك لم تفهم لا النظرية ولا المشكلة التي تُعْنى هذه النظرية بحلها.

    يمكن تلخيص هذا: الفهم التام للبناء المعرفي فهمًا نقديًّا.

  • (هـ)
    بقي عليك أن تنظر إلى التجارب دائمًا على أنها اختبارات لنظريتك، ومحاولات لاكتشاف خطئها أي لتنفيذها، وإذا أيَّدت النتائج والملاحظات نظريتك، فلتتذكر أن هذا ليس تأييدًا بقدر ما هو إضعاف لبديلها المناقض، ولعله بديل لم تفكر فيه أبدًا.٥٢

يمكن تلخيص هذا: التأكيد على أهمية التكذيب والنقد، ولكن دعوة بوبر للعالم الشاب هنا إلى نقد نظريته، والمحاولة المستمرة للبحث عن مواطن خطئها كي يتوصل إلى النظرية الأفضل، تبدو وكأنها قد استحالت إلى دعوة العالم إلى أن يشنَّ الحرب على النظرية، ولا يرحمها أبدًا، وإذا أخطأتها الضربة، فليجعلها تصيب نظرية أخرى تقف معها في نفس موقف المشكلة!

كل ذلك من أجل دعوة بوبر الحارة لأن يكون طموح العالم دائمًا هو أن يفند نظريته ويضع الأفضل؛ لأن هذا أفضل من أن يدافع عنها، بينما التفنيد أمر واقع لا محالة، والواقع أن هذه دفعة قوية للعالم الشاب، كي ينجز أكثر وأسرع، ولا يستكين إلى نظرية اعتقد أنها ناجحة، وشبيه بنصيحة بوبر هذه، نصيحة جورج ديهاميل إلى الأديب الشاب، في كتابه «دفاع عن الأدب» الذي ترجمه إلى العربية محمد مندور؛ حيث يقول ديهاميل: «سأفكر أيضًا — عندما أهمس بنصيحتي — في النجاح الملتوي المخاتل، ذلك الذي يثني يومًا بعد يوم عن مدى أهداف، ويقلم من أظافره وأجنحته، حتى يزج بقدميه في رفق إلى مباذل المجد، سأفكر في هذا النجاح الذي ينال من الشجاعة الحقيقية برضاب قبلاته السامة، كما يجف دماء الحياة، احذر النجاح، كل نجاح باب يُغلق، كل نجاح أمل يُكبل، كل نجاح مستقبل يُقبر، كل نجاح عدو لي.

نعم، احذر النجاح … احذر هجماته واحذر مكايده، احتقر النجاح، ولكن كيف تحتقره إذا لم تكن قد سيطرت عليه.»٥٣ وهذا الاقتباس من فقرة تحت عنوان «نقيض النجاح»، يقول ديهاميل في آخرها: «هيا افتح يديك، ضع الكرة البيضاء في يدك اليمنى، والكرة السوداء في يدك اليسرى، النجاح في جهة وعدم النجاح في الجهة الأخرى … وحاول أن تسير قدمًا معتدل القامة، محافظًا على اتزانك، ولا تذكر غير كلمة واحدة، احذر النجاح، أما الباقي فلم أقله، لقد اكتفيت بأن فكرت فيه فقط.»٥٤
ولكن رغم كل هذا، لا بد أن يتمسك العالم دائمًا بقدر من الدوجماطيقية؛ لأنها تمكنه من الاحتفاظ بنظريته إذا كانت تستحق الاحتفاظ، ومن تطويرها كي تواجه النقد، فتصبح في صورة أفضل، ومن ناحية أخرى فإنها مَدْعَاة لأن يكون النقد بدوره قويًّا حاسمًا؛ كي يواجه الدوجماطيقية، ولا يمكن الكشف عن مواطن قوة النظرية، ومواطن قوة النقد الموجه إليها بغير هذا الدفاع المشوب بشيء من الدوجماطيقية، وليس هناك أية نقطة في مناقشة النظرية أو نقدها بغير فائدة، كل هذا كي يحاول العالم دائمًا وضعها في أقوى صورة ممكنة.٥٥

وأخيرًا في نطاق نصح العالم الشاب، ينبغي تنبيهه إلى الداروينية المنهجية؛ إذ ستجعله يضع أمام النظرية اختبارات دقيقة صعبة، كي يجعل صمودها عسيرًا، فلا يكون البقاء إلا للأصلح بحق.

هذا هو أقصى ما يمكن أن يقوله بوبر للعالم الشاب، راجيًا من هذا أن يفيده أو يدفعه إلى تحقيق أفضل نتائج ممكنة، وهذا قصارى ما يستطيعه علم مناهج البحث بوصفه الضيق السخيف كعلم معياري، أما الطريق إلى خلق النظرية فهو استحالة على أي علم معياري أو لامعياري، بغير توافر عنصر العبقرية الخلاقة.

(٥) وفي ختام الحديث عن عنصر العبقرية الخلاقة، نقول: إنها، بوصفها مناط الإبداع في العلم، قد ساعدت في تأمين منهج بوبر تمامًا تمامًا من أية مشاكل استقرائية؛ لأن مشكلة الاستقراء كانت تبرير القفز من الحالات المحدودة إلى النظرية الكلية، بوبر حذف الاستقراء، ووضع بدلًا منه منهج التصحيح الذاتي، ولكن عين المشكلة ما زالت قائمة: فما هو تبرير القفز من موقف المشكلة إلى حلها؛ أي إلى النظرية العلمية؟ العبقرية العلمية هي التي تبرر هذا القفز.٥٦
وتأكيد أهمية هذا العنصر من أهم النقط التي تُسَجَّل لبوبر في مواجهة الاستقرائيين، فأهم عيوب الاستقراء أنه يضفي على البحث آلية ورتابة يستحيل قبولها، وببساطة، كما قال همبل: «لو كان ثمة مثل هذا الإجراء الاستقرائي الميكانيكي العام الذي يكون في متناول أيدينا، لما ظلت على سبيل المثال المشكلة الخاصة بتعليل السرطان دون ما حل حتى اليوم بالرغم من دراستها كثيرًا.»٥٧

خاتمة

(١) ربما كان اجتياز العلم في اختباره لوقائع التجريب، هو الذي جعل بعض الميثودولوجيين ينخدعون بأن نظرة بوبر المنهجية فيها استقراء، غير أنها ليست كذلك البتة، والأهم أنها لا تثير على وجه الإطلاق أيًّا من المشاكل الاستقرائية؛ ذلك لأن عدد الحالات المؤكدة لا يعني لا في قليل ولا في كثير، وحالة نفي واحدة أهم من مليون حالة تأكيد،٥٨ كل ذلك لأن الفرض العلمي الجديد يوضح طريق الملاحظات الجديدة، أما الملاحظات الجديدة فلا توضح أي طريق لأي فرض علمي جديد؛ لذلك نجد أن هذه النظرية المنهجية البوبرية يلزم عنها الجدة الأصيلة genuine Novelty لأفكار العلم الجديدة، جدة تذهب بعيدًا بعيدًا عن مجرد إعادة تجميع عناصر موجودة بالفعل في صورة جديدة، تلك هي أقصى جدة يمكن أن تسمح بها التجريبية الكلاسيكية الاستقرائية.٥٩
(٢) وفي هذا الصدد نقول: إن ج. س. كيرك G. S. Kirk توصَّل إلى نتيجة خاطئة هي: طالما أن بوبر قد فنَّد الاستقراء، فلا بد أن تكون نظريته المنهجية هي الحدس البديهي Intuition، على هذا فهو يدافع عن الفلسفة التقليدية، ويناهض التجريبية الحديثة.٦٠

هذا التأويل لمنهجية بوبر بالقطع خاطئ؛ لأن الحدس البديهي ليس هو طبعًا البديل الوحيد للاستقراء، ولأن فلسفة بوبر المنهجية ليست تقليدية، بل هي تجريبية نقدية، ويبدو لي أن خطأ كيرك نتيجة لخطأ فلسفي شائع، هو خطأ المطابقة بين التجريبية والاستقراء، فكل ما هو تجريبي لا بد أن يكون استقرائيًّا، وكل ما هو لا استقرائي، لا بد أن يكون لا تجريبيًّا، وكل هذا نتيجة للتشبث العميق بخرافة الاستقراء، فلسفة بوبر أوضح البراهين على بطلان هذا؛ فبوبر على تمام الاحتفاظ بمبدأ تجريبية المعرفة، طالما أن مصير النظرية — قبولها أو رفضها — تقرره الملاحظة التجريبية، بواسطة نتائج الاختبارات التجريبية، بوبر لا يحتفظ بمبدأ التجريبية فحسب، بل يرسخه ويثبت أقدامه بعد طول اهتزاز وقلقلة استقرائية.

(٣) والذي يهمنا الآن أن هذا الفصل قد عرض لأسلوب يدَّعي أنه يحكم نمو المعرفة، أو مباراة العلم الطبيعي، لكنه لا يدَّعي على وجه الإطلاق أدنى زعم بتمييزها، أسلوب مسار المعرفة ومسار أي نشاط عقلاني، وفي أكثر صيغه عمومية، هو نشاط أية محاولة على وجه الأرض، فلا بد أنه كان أسلوب مسار الميتافيزيقا، الأساطير، العلوم الزائفة، وكل ما نخشى اختلاطه بالعلم.

(٤) ومن الطريف حقًّا، إشارة بوبر — لا أدري بوعي أم بدون وعي — إلى أن هذا المنهج ينقلب على نفسه، ليحكم نمو المنهج ذاته، أو ليس بمنهج تصحيح ذاتي، وفي هذا كتب بوبر يقول: «المثمر من المناقشات المتصلة بالمنهج، هي دائمًا المناقشات التي أوحى بها ما يصادفه الباحث من مشكلات عملية، أما المناقشات المنهجية، التي لم تنشأ على هذا النحو، فيكاد يحيط بها جميعًا جو من الغلو في التدقيق لا طائل من ورائه، وقد كان ذلك داعيًا للباحث العلمي أن يبخس البحوث المنهجية حقها، واجبنا أن ندرك أن البحوث المنهجية العملية ليست نافعة فقط، بل إنها ضرورية كذلك، نحن لا نزداد علمًا في أثناء تطور المنهج وإصلاحه، إلا عن طريق المحاولة والخطأ، كما هي الحال في العلم نفسه، ونحن في حاجة إلى نقد الآخرين، حتى تتكشف لنا أخطاؤنا، ولهذا النقد أهمية عظمى؛ لأن الأخذ بالجديد في المناهج ربما يؤدي إلى تغيير شامل وثوري، ومن الأمثلة على ذلك إدخال المناهج الرياضية في علم الاقتصاد، أو الأخذ بما يُعْرَف بالمناهج الذاتية أو السيكولوجية في نظرية القيمة، ثم مثال أحدث عهدًا وهو اقتران مناهج هذه النظرية الأخيرة بالمناهج الإحصائية فيما يُعْرَف بتحليل الطلب، وقد جاءت هذه الثورة المنهجية الأخيرة إلى حد ما نتيجة للمناقشات الطويلة التي كان يغلب عليها الطابع النقدي، وفي هذا المثال ما يشجع الداعي لدراسة المناهج.»٦١
١  K. P., L. S. D., p. 54.
٢  Ibid, p. 54.
٣  K. P. U. Q., pp. 85-86.
٤  K. P. O. K., p. 3.
٥  K. P., L. S. D., p. 49.
٦  K. P., L. S. D.. p. 52.
٧  Karl Popper In: Bryan Magee, Modern British Philosophy, p. 73.
٨  انظر الفصل الثالث من الباب الثالث «درجات القابلية للتكذيب».
٩  K. P., O. K., p. 260.
١٠  K. P., L. S. D., p. 32.
١١  K. P., C., and R., p. 55.
١٢  K. P. O. K. p. 261.
١٣  Ibid., p. 313.
١٤  Ibid, p. 18.
١٥  Ibid, p. 82.
١٦  Ibid, p. 258.
١٧  Bryan Magee, Karl Popper, p. 50.
١٨  K. P., O. K., p. 258.
١٩  Bryan Magee, Karl Popper, p. 6.
٢٠  K. P. C. and R. p. 129.
٢١  لو اطلع بوبر على شكوك قدماء المصريين في الآلهة، وعلى تقدمهم العلمي، لأقرَّ لهم بما سبق أن أقر به سارتون، ولغيَّر رأيه كثيرًا، بل وحتى لما جرؤ على تسميه هذه المرحلة بالمرحلة البدائية، التي توحي بالجهل والخرافة أكثر مما توحي بالعلم والمعرفة، على العموم بوبر قليل الإلمام بالحضارات الشرقية القديمة؛ وهو لذلك كثير الازدراء لها.
٢٢  SEE: K. P., C and p., pp. 49-50, and also: Bryan Magee, Karl Popper, pp. 51–53. and also, K. P., U. Q: 44–52.
٢٣  K. P., U. Q. p. 86.
٢٤  See: John Maynard Smith, the Theory of Evolution, Penguin Books, London, third edition, 1975, pp. 65–73.
٢٥  See: Ibid, 27–42.
٢٦  K. P., O. K., p. 267.
٢٧  Ibid, p. 242-3.
٢٨  Ibid, p. 267.
٢٩  See, K. P., U. Q., pp. 167–180.
٣٠  K. P., O. K., p. 242.
٣١  K. P., O. K. pp. 261–264.
٣٢  Ibid, p. 262.
٣٣  انظر [الباب الأول: المنهج الاستقرائي هل يصلح معيارًا لتمييز العلم – الفصل الأول: المعيار التقليدي: المنهج الاستقرائي – خطوات الاستقراء] من هذا البحث.
٣٤  ف. تشير نوجوروفا، أسرار عالم الجسيمات الدقيقة، ترجمة الدكتور إبراهيم محمود شوشة، دار مير للطباعة والنشر، موسكو، سنة ١٩٧٨م، ص٩.
٣٥  Mario Bung (ed.), Critical Approach to Science and Philosophy In Honour of K. Popper, The Free Press Of Glencoe, London, 1964, P. Preface.
٣٦  Ibid., Same Page.
٣٧  K. P., O. K. p. 265.
٣٨  النص مأخوذ من: د. ياسين خليل، منطق المعرفة العلمية، منشورات الجامعة الليبية، سنة ١٩٧١م، ص١٧٦.
٣٩  K. P., L. S. D. p. 30.
٤٠  Ibid, p. 32.
٤١  د. حسن أحمد عيسى، الإبداع في الفن والعلم، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم ٢٢٤ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت سنة ١٩٧٩م، ص٦٢، هذا الكتاب يُبرهن تمامًا على رأي بوبر، فهو دراسة علمية لظاهرة الإبداع، تعتمد على تلخيصات الأبحاث التجريبية التي أجراها علماء النفس في هذا الصدد، تهدف في النهاية إلى إثبات أنه لا فارق بين عملية الإبداع في العلم وعملية الإبداع في الفن.
٤٢  Paul Bernays, Reflections in Popper’s Epistemology, in: Critical Approach to Science and Philosophy, pp. 40-41.
٤٣  د. ماهر عبد القادر، فلسفة العلوم الطبيعية، ص٦٧–٦٩.
٤٤  المرجع السابق، ص٧٠–٧٧.
٤٥  Bryan Magee, Karl Popper, p. 25.
٤٦  Ibid, p. 23.
٤٧  K. P., L. S. D., p. 59.
٤٨  Bryan Magee, Karl Popper, p. 25.
٤٩  K. P., C. and R., p. 53.
٥٠  K. P. O. K, 265.
٥١  K. P. C. and R., p. 129.
٥٢  K. P., O. K. p. 266.
٥٣  جورج ديهاميل، دفاع عن الأدب، ترجمه وعلق عليه د. محمد مندور، الدار القومية للطباعة والنشر، سلسلة من الشرق والغرب، العدد ٦٦، القاهرة (بغير سنة للنشر)، ص١١٧.
٥٤  المرجع السابق، ص١١٨.
٥٥  K. P., O. K. p. 266.
٥٦  K. P., C. and R. p. 251.
٥٧  كارل همبل، فلسفة العلوم الاستقرائية، ترجمة د. جلال محمد موسى، دار الكتاب المصري، القاهرة، سنة ١٩٧٦م، ص١٩.
٥٨  K. P., Replies, p. 1015.
٥٩  J. W. N. Watkins, The Unity of Popper’s Thought, in The Philosophy of Karl Popper, Volume I, pp. 404-405.
٦٠  G. S. Kirk, Popper on Science and Presocratic, Mind, New Series, 69. 1960, pp. 320-321.
٦١  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة عبد الحميد صبرة، منشأة المعارف بالإسكندرية، ١٩٥٩م، ص٧٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١