الفصل الثاني

نقد بوبر للوضعية المنطقية

محاربة الوضعية المنطقية كان — وبلا جدال — أحد اهتماماتي الأساسية.١

مقدمة

(١) نقد بوبر للوضعية المنطقية في هذا الفصل، يمكن أن نُعِدَّه تقييمًا لاتجاه فلسفي موغل في القدم، بوبر نفسه يخبرنا بأن الوضعية لم تأتِ بجديد، كما ظنت وظنت معها التحليلية عمومًا، من أنهم أقاموا ثورة مدوية في عالم التفلسف قلبت الدنيا رأسًا على عقب، أو بالأصح قلبتها فوق رأس الفلسفة، حين ادَّعوا أن المشاكل الفلسفية زائفة، وأن التحليل اللغوي المنطقي لعباراتها أفضى إلى أنها غير ذات معنى، بوبر لا يرى في هذا أية ثورة، ولا حتى جديدًا في الأمر، فالمناقشات الحامية الوطيس، حول ما إذا كانت الفلسفة توجد أو لها الحق في أن توجد أم لا، قديمة قدم الفلسفة ذاتها. مرارًا وتكرارًا تقوم حركة فلسفية «جديدة تمامًا» تدَّعي أنها ستتمكن «أخيرًا» من كشف النقاب عن المشاكل الفلسفية لتبدو على حقيقتها من أنها مشاكل زائفة، وأنها ستواجه اللغو الفلسفي الخبيث بأحاديث العلم التجريبي الوضعي، ذي المعنى الرفيع والمغزى الحميد.٢
ومرارًا وتكرارًا ينهض حماة الفلسفة التقليدية «المستخف بهم»، ليحاولوا أن يشرحوا لقادة هذا الهجوم الوضعي «الأخير» أن المشكلة الأساسية للفلسفة هي التحليل النقدي للالتجاء إلى سلطة الخبرة ذاتها،٣،٤ لكن هذا النقد لن يعني شيئًا للوضعي طالما أنه لا ينتمي للعلم التجريبي فيقابله بالاستخفاف، لا سيما وأن الخبرة الحسية بالنسبة للوضعي، ليست مشكلة في حاجة إلى دراسة نقدية بل هي برنامج بحث، ما لم يدرسها علم النفس التجريبي.٥

لكن بوبر يصر على أن الخبرة في حاجة إلى الدراسة النقدية، ليس هناك أي شيء على وجه الإطلاق يعز على النقد أو حتى يستغني عنه، ولما كان بوبر يرى أن الفلسفة هي الدراسة النقدية للخبرة وغيرها، بدا بوضوح لماذا يعادي تلك الاتجاهات التي تعادي وجود الفلسفة أصلًا، النقد هو دائمًا حجر الزاوية من أفكار بوبر.

(٢) أي إن بوبر الآن هو هذا المدافع المستخف به، عن الفلسفة التقليدية الذي يصر على أن مشاكلها حقيقية، وقادة الحملة في عصرنا الراهن هم الوضعيون المناطقة.

بوبر الآن سيحاول تبيان أهمية الدراسة النقدية، حين يصوبها على مبادئهم وما ظنوه كشوفًا خطيرة لهم، فيفضي هذا النقد إلى نتائج قطعًا لا تريحهم.

(١) نقده لمنحاهم اللغوي

(١) فأما عن منحاهم اللغوي، فهو أيضًا ليس بالجديد، فالاهتمام بالكلمات ومعانيها، هو واحد من أقدم المشاكل الفلسفية؛ إذ يقول بوبر إن أفلاطون ذكر مرارًا أن السفسطائي بريديقوس كان مهتمًّا بتمييز المعاني المختلفة للكلمات؛ لذا أطلق أفلاطون على هذا الاهتمام اسم «مبدأ بريديقوس»، وقد كان هذا المبدأ جديدًا وهامًّا عام ٤٢٠ق.م.٦ فهل نعتبره جديدًا وهامًّا في القرن العشرين، فضلًا عن أن يكون ثورة فلسفية؟
لا بد إذن من الوقوف وقفة خاصة، عند الاتجاه اللغوي للوضعية، فقد أوضح الفصل الأول أن الوضعية المنطقية هي أساسًا فلسفة لغوية، وبدا من عرض محاولاتهم لتمييز العلم، مدى إغراقهم في التحليلات اللغوية، فما موقف بوبر من هذا المنحى اللغوي الذي شاع في فلسفة التحليل المعاصرة؟٧
(٢) موقفه محدد باتجاه بدا له الصواب منذ فجر شبابه، خلاصته أن الباحث ينبغي أن يمركز اهتمامه أولًا وأخيرًا على الواقع والوقائع، على الفروض والنظريات والمشاكل التي تحلها والمشاكل التي تثيرها، ولا ينبغي البتة أن نأخذ المشاكل المتعلقة بالكلمات ومعانيها مأخذ الجد.٨
بوبر يرفض ببساطة كافة الفلسفات اللغوية، ويقيمها بتعبير موجز يقول فيه: «ما زلت على اعتقادي بأن أقصر طريق إلى الخسران العقلي المبين هو هجران المشاكل الحقيقية من أجل المشاكل اللفظية.»٩
(٣) وقد بدأ هذا الاتجاه منذ زمن بعيد، حينما كان صبيًّا في الخامسة عشرة من عمره نصحه والده أن يقرأ السيرة الذاتية لسترنيدبرج Strindberg، حيث قرأ فقرة معينة — لا يتذكرها — حفزت همته وهو يناقش والده على أن ينتقد بعنف اتجاهًا إظلاميًّا لستريندبرج هو: محاولته لأن يستخرج شيئًا ما ذا أهمية من المعنى الحقيقي للكلمات.١٠
لم يعتقد بوبر أبدًا — حتى وهو صبي يافع — أن السبر في أعماق المعاني ذو أدنى أهمية، أو يمكن أن نخرج منه بأية نتيجة ذات قيمة، ولكن راعه أن والده يرى العكس، أي أهمية البحوث الفلسفية اللغوية، وراعه أكثر أن هذا الرأي لستريندبرج ووالده واسع الانتشار، ومأخوذ به على مدى كبير، سواء في تاريخ الفلسفية أو في الفلسفة المعاصرة، وبدا هذا أمام الصبي بوبر كمشكلة كبيرة، سببت له صعوبة فكرية، بل وكراهية للفلسفة ولكنها كانت أزمة انتهت بأن قطع بوبر على نفسه مبدأ هو: ألَّا يدخل في أي جدال حول الكلمات ومعانيها؛ لأن أمثال هذه المناقشات مموهة، أو غير ذات قيمة.١١
ثم حاول أن يدخل هذا عدم الاهتمام بمعاني الكلمات مع واحدة من المشكلات الفلسفية الكلاسيكية، فوجد أنها وثيقة الصلة بمشكلة الكليات رغم أنها ليست في ذات الهوية معها.١٢
(٤) لقد دخلنا الآن في مشكلة الكليات: وهي واحدة من أعرق المشكلات الفلسفية وأكثرها أهمية، وقد دارت حولها رحى معركة كبيرة في العصور الوسطى، غير أن أصولها إنما تعود إلى فلسفتَيْ أفلاطون وأرسطو،١٣ وهي تدور حول طبيعة الألفاظ الكلية فالألفاظ الجزئية وأسماء الأعلام، مثل «كتاب، القاهرة، حرب أكتوبر» لا تثير مشاكل البتة، فهي بطاقات نلصقها على الأفراد المشخصين، ولكن المشاكل أثيرت بشأن الألفاظ الكلية، مثل «قوة، إنسان، ديمقراطية» علام تدل؟ أو على أي شيء نلصقها؟ وفي الرد على هذا اتجاهان:
  • المذهب الاسمي Nomnialism: الذي يرى أن الكليات تمامًا مثل الجزئيات، مجرد أسماء، لكن بدلًا من أن نلصقها على فرد واحد نلصقها على مجموعة من الأفراد.
  • المذهب الواقعي Realism: الذي يرى أننا نعتبر الجزئيات — أي تلك المجموعة من الأفراد — متماثلة، نتيجة لمشاركتها في ماهية واحدة، هي مفهوم اللفظ الكلي، إذن مفهوم اللفظ الكلي له ماهية، ذات كينونة ووجود واقعي، أبرز مثال على هذا الاتجاه: أفلاطون الذي أفرد للوجود الواقعي لمفاهيم الألفاظ الكلية عالمًا مفارقًا، هو عالم المثل، وأرسطو الذي استفاض في بحوث الجوهر.

واضح أن استخدام «واقعي» للدلالة على هذا المذهب ثغرة فلسفية؛ لأنه مناقض للمفهوم المعاصر لمصطلح «المذهب الواقعي»، والذي يعني القول بالوجود الواقعي للعالم الخارجي، وجودًا مستقلًّا عن أية ذات مدركة.

وقد عالج بوبر هذا الخلط في استعمال المفهوم باقتراح صائب، طرحه تقريبًا عام ١٩٣٥م في «عقم المذهب التاريخي»، وهو أن نضع للمذهب القائل بالوجود الواقعي لمفاهيم الألفاظ الكلية اصطلاحًا آخر هو الماهوية Essentialism — حسب ترجمة الدكتور عبد الحميد صبرة — فتكون الماهوية مقابلة للاسمية.

وإذا كان العرف قد درج على اعتبار الكليات مشكلة لغوية، فإن بوبر لا يراها هكذا، بل يراها مثل سائر المشاكل الميتافيزيقية، يمكن إخراجها في صورة جديدة، تجعلها منتمية لعلم مناهج البحث.

فالماهويون لا يقتصرون على القول بوجود الكليات، ولكن أيضًا يؤكدون أهميتها بالنسبة للعلم فهم يقولون إن الأشياء الجزئية، يظهر فيها كثير من الصفات العرضية، وهي صفات لا تهم العلم، ولنأخذ مثالًا من العلوم الاجتماعية: يُعْنى علم الاقتصاد بدراسة النقد والائتمان، ولكنه لا يُعْنى بما يمكن أن تتخذه القطع النقدية من أشكال، ولا بمظهر الأوراق النقدية أو الشيكات، فعلى العلم أن يجرد الأشياء من صفاتها العرضية وينفذ إلى ماهياتها، وماهية الشيء — على أية حال — هي دائمًا كلية.١٤
إذن اتصل الموقف الماهوي من الألفاظ الكلية بموقف من طبيعة القانون العلمي، يرى أن العلم ينفذ إلى ماهيات الموضوع، فيكون هدفه هو إعطاء شرح نهائي للعالم،١٥ ثابت مطلق يقيني الصدق، فتكون القوانين العلمية هي تعريفات للماهيات، أوضح الأمثلة الدور البارز الذي يلعبه التعريف في الفلسفة الإبستمولوجية لأحد زعماء الماهوية البارزين «أرسطو».
بوبر يرفض هذه النظرية في القانون العلمي وينقدها بالتفصيل،١٦ وبغير الدخول في تفاصيل هذا النقد — تجنبًا للاستطراد — تكفي هذه الإشارة لإثبات رأي بوبر في أن المشكلة أكبر خطورة من مجرد مشكلة لفظية، فخلف مشكلة الكلمات اللغوية الكلية ومعانيها، أو حتى مشكلة المتماثلات في المواقف، وكيف تتلاءم مع تماثلات استعمالاتنا اللغوية، تتبلج مشكلة أعظم وأكثر أهمية، مشكلة القوانين الكلية وصدقها، مشكلة ردود الأفعال، المتماثلة للمواقف المتماثلة بيولوجيًّا، والذي يجعلنا نطلق على ما نعتبره متماثلات نفس اللفظ، وطالما أن كل — أو تقريبًا كل — ردود الأفعال لها من الناحية البيولوجية قيمة توقعية، فإن هذا يقود إلى مشكلة الاطراد وتوقعنا له؛١٧ وهي المشكلة التي عالجها الباب السابق بالتفصيل.

هكذا ثبت رأي بوبر، فهاك مشكلة درج العرف على اعتبارها من أخص خصائص الفلسفة اللغوية، غير أن بوبر لا يرى أن هناك شيئًا اسمه الفلسفة اللغوية أصلًا، فيتناول المشكلة على أساس أنها ميتافيزيقية، ونظرًا لتطور الفلسفة في الاتجاه العلمي، فإنها تنحل من بين أيدينا إلى مشكلة في علم مناهج البحث.

(٥) ولكن الوضعية اسمية، أي معارضة للماهوية، فضلًا عن أن الماهوية اتجاه ميتافيزيقي، فما الذي أدخلنا فيه الآن:

إن بوبر — متسلحًا — بنظرته الثاقبة في إعادة تأريخ النظريات الفلسفية، يتناول الوضعية ونقيضتها المثالية: الماهوية، تناولًا واحدًا، وينقدهما من نفس المنطلق، منطلق أن كليهما يأخذ الألفاظ ومعانيها مأخذ الجد أكثر من اللازم، كلاهما يقوم من أجل التعريف؛ لذلك يطرح بوبر — في ترجمته الذاتية — نقدًا للمذهبين معًا، تحت عنوان واحد هو «اعتساف طويل، متعلق بالماهوية، ويفصلني عن معظم الفلاسفة المعاصرين.»١٨ كما ينقدهما معًا في أماكن شتى، أبرزها الفصل الحادي عشر من «المجتمع المفتوح» الجزء الثاني، حيث يجادل الماهويين ويركز النقد على مبدأ ماهوي منتشر جدًّا، ولا يزال يقيم مذهبًا معاصرًا؛ أي الوضعية المنطقية … وهذا المبدأ هو: يجب تعريف المصطلحات إذا ابتغينا الدقة.١٩
(٦) إذن الاهتمام بالتعريف هو دأب كل من الوضعية والماهوية، لكن بوبر ينقدهما قائلًا: إن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمنهج العلمي، والمفهوم المعاصر للعلم، حيث لا يلعب التعريف أي دور هام، فالرموز أو العلامات المبتسرة تقدم بدلًا من التعبيرات الأطول؛ أي الصياغات المعرفة، بل إن المعرفة العلمية بمغزاها السليم لن تتأثر إطلاقًا لو حذفنا منها جميع التعريفات، التأثير سيقع فقط على اللغة، والتي ستفقد مجرد الإيجاز وليس الدقة (هذا لا يمنع من أن الحاجة تلح في بعض الأحيان إلى تقديم تعريفات علمية بغية الاختصار) لكن القاعدة هي أن التعريف غير ذي قيمة علمية،٢٠ فالعلماء يهتمون بألَّا تعتمد العبارة أبدًا على معاني المصطلحات، حتى إذا كانت هذه المصطلحات معرفة، ولا يحاولون أبدًا اشتقاق أية معلومة من التعريف، أو أن يقيموا أية حجة على أساسه، إننا لا نثقل الحمل على التعريفات أبدًا، ولا نأخذ معانيها مأخذًا خطرًا، والوصول إلى الدقة ليس بتقليل ما يشوبهما من غموض،٢١ بل بالعناية بألَّا نثقل الحمل عليها أبدًا وبألَّا نلح بمطلب التعريف لكل اصطلاح.٢٢
ثم إن التعريف لا يمكنه إقامة معنى اصطلاح، أكثر مما يقيم البرهان أو الاشتقاق صدق عبارة كلاهما يمكنه فقط أن يزيح المشكلة إلى الوراء، على هذا فإن الدعوى بضرورة تعريف كل اصطلاح دعوى مهترئة، تمامًا مثل الدعوى بضرورة البرهنة على صدق كل عبارة، ولكن الماهويين والوضعيين قد يجادلون بوبر، قائلين: إنهم لا يرومون تعريف كل اصطلاح، فهذا مستحيل، ولكن فقط الاصطلاحات ذات الخطورة في بناء العلم والحضارة كالعدالة والديمقراطية.٢٣
وهذا لن يبرر موقفهم بل يزيده سوءًا، طالما أن هذه المفاهيم ستُعرف بمفاهيم غير معرفة، فنضطر إلى تعريفها هي الأخرى بمفاهيم غير معرفة، وهكذا حتى نصل إلى مصطلحات أولية غير معرفة، وهذا مستحيل؛ لأن المصطلحات الأولية غير المعرفة، إما أن تكون ذات معنى تقليدي (لا يكون دقيقًا أبدًا)، وإما هي مقدمة بواسطة ما يسمى بالتعريفات الضمنية، أي بواسطة الطريقة التي استُعْملت بها في سياق النظرية، ويبدو أن هذه الطريقة الأخيرة هي الأفضل، ولكنها تجعل تعريف المفاهيم — أي معناها — معتمدًا على معنى النظرية وليس العكس، مما يؤكد رأي بوبر في أن الاهتمام يجب أن يوجَّه إلى مضمون النظرية، وليس إلى تعريفات أو معاني المصطلحات الواردة فيها، لا سيما وأن معظم النظريات يمكن أن تفسر بأكثر من طريقة، على هذا فجميع المفاهيم المعرفة، والمعرفة ضمنًا، لن تصبح غامضة فحسب بل وستصبح من الناحية المنهجية ملتبسة،٢٤ وهذا لا يضير العلم؛ لأن مختلف التفسيرات الملتبسة منهجيًّا (كالنقاط والخطوط المستقيمة في الهندسة الإسقاطية مثلًا) يمكن أن تكون مميزة تمامًا.٢٥
وكان هذا كافيًا لإقامة دعوى بوبر بأن المفاهيم المحددة بدقة حاسمة لا توجد، اختيار المصطلحات اللامعرفة تعسفي إلى حد كبير، تمامًا كاختيار بديهيات النظرية.٢٦

ومسألة التعريفات لا تستحق كل هذا الاهتمام من التحليليين والوضعيين، وبعبارة أخرى الجهود التحليلية لتحديد التعريفات بغير جدوى ليس العلم في حاجة إليها، ولن يجد العلماء وقتًا كي يلتفتوا إليها.

(٧) وكما أوضحنا آنفًا، فإن هذا الاهتمام من الوضعية والماهوية بالتعريف؛ نابعٌ من خطئهم الأساسي: خطأ أخذ الألفاظ ومعانيها مأخذ الجد أكثر من اللازم.

إنها الهوَّة السحيقة التي تفصل بوبر عن الاتجاه التحليلي المعاصر الذي يضم الوضعية بين شطآنه: رأيه القاطع بعدم الوقوع في أَسْر الكلمات، وعدم الاهتمام إطلاقًا بالمعاني؛ لأن النقاش حولها ليس فقط مملًّا، بل وأيضًا ضارًّا،٢٧ ويمكن أن نسير أكثر فنقول: إن كمَّ المعرفة التي نجنيها من أي فرعٍ من فروع البحث — باستثناء الدراسات اللغوية — إنما تتناسب تناسبًا عكسيًّا مع كمِّ المناقشات الدائرة حول الكلمات ومعانيها فيها،٢٨ وسائر الفلاسفة المهتمين باللغة والمعنى على خطأ كبير، بقدر ما هم مغرقون في الاهتمام بالألفاظ، فإن النظريات الأقرب من الصدق، هي فقط التي تستحق الجهاد الفلسفي من أجلها.
وبوبر يوضح التعارض بين موقفه وموقف الفلاسفة اللغويين بهذا الجدول:٢٩
الأفكار
التي هي
عبارات أو قضايا أو نظريات تسميات أو اصطلاحات أو مفاهيم
يمكن أن تصاغ في
تقريرات كلمات
التي ينبغي أن تكون
صادقة ذات معنى
و
صدقها معناها
يمكن أن يرد بواسطة
الاشتقاقات التعريفات
إلى
قضايا أولية مفاهيم غير معرفة
ومحاولة إقامة — بدلًا من رد —
صدقها معناها
تقود إلى ارتداد لا نهاية له
هذا الجدول يوضح تمامًا موقف بوبر، فعلى الرغم من التماثل المنطقي بين جانبي الجدول الأيمن والأيسر، فإن الجانب الأيسر ليس له أهمية بينما للجانب الأيمن كل الأهمية الفلسفية،٣٠ ورفض بوبر لكل من الموقف الماهوي من الكليات أو الوضعية المنطقية، هو ببساطة رفض الجانب الأيسر من الجدول والأخذ بالجانب الأيمن.
ولكن قد يقفز إلى الأذهان مباشرة اعتراضٌ واسع الانتشار في صالح الوضعيين، مؤدَّاه أن القيمة المنطقية والمعرفية للنظرية، إنما تعتمد على معناها، هذا المعنى هو دالَّة معاني الكلمات التي صيغت فيها النظرية،٣١ وبالتالي يصبح بحث الوضعيين في المعاني ذا أهمية فلسفية.
وفي الرد على هذا يقول بوبر: «العلاقة بين النظرية (أو العبارة) والكلمات التي استُعْملت في صياغتها، هي — من وجوه عديدة — تماثل العلاقة بين الكلمات المكتوبة والحروف التي استُعْملت في كتابتها.»٣٢ أي يتمادى بوبر في إنكار أية أهمية للبحوث السيمانطيقية، حتى إنه يماثل دور الكلمات بدور الحروف، وهو يسير في هذه المماثلة إلى أبعد حد، «وقد يقال: إن الكلمات في حد ذاتها لها معانٍ، بينما الحروف ليس لها أي معنى.» لكن بوبر يرد على هذا بأننا يجب أن نعرف الحروف، أي نعرف معناها من زاوية ما، كي نتعرف على الكلمات ونميزها، تمامًا كما يجب أن نتعرف على الكلمات كي نتعرف على العبارات،٣٣ وتمامًا كما أن تغيير كلمة قد يسبب تغييرًا جوهريًّا في معنى العبارة، فإن تغيير حرف قد يسبب تغييرًا جوهريًّا في معنى الكلمة،٣٤ إن دور الكلمات هو نفسه دور الحروف، الدور التكنيكي البراجماتيكي، وكلاهما مجرد وسائل لتحقيق غايات مختلفة.٣٥،٣٦
الخلاصة أن بوبر يقف من اللغة وألفاظها الموقف الوظيفي البحت، هي أدوات لتحقيق وظائف معينة، وليس فيها أية أبعاد أكثر من هذا، تنتظر الوضعيين ليسبروا غورها بتحليلاتهم المنطقية، وهو يبرهن على هذا بأدلة واضحة:
  • يمكن لنظريتين صيغتا في اصطلاحات وكلها مختلفة تمامًا — بحيث يمكن ترجمة الواحدة منهما مباشرة للكلمة المقابلة لها في النظرية الأخرى — أن تكونا متكافئتين منطقيًّا، بحيث يمكن القول: إن النظريتين مجرد صياغتين مختلفتين لنفس النظرية الواحدة.

  • الترجمة الجيدة لا تكون حرفية أبدًا، لا تكون بوضع لفظة مقابل الأخرى، بل إنها تأويل للنص الأصلي، وإن الترجمة الجيدة لنص قيِّم، يجب أن تكون إعادة بناء نظرية.٣٧

    إن التعامل دائمًا مع المحتوى المعرفي، ولا ينبغي الالتفات إلى المسائل اللغوية.

(٨) وبعد أن ينقد بوبر أسس الفلسفة اللغوية، يلزم منطقيًّا عن هذا أن ينقد مواقفهم الفرعية أي معالجتهم للمشاكل الفلسفية الكبرى على الأساس اللغوي، فيرفض حلهم لمشكلة العقل والمادة بأن يجعلوها — كما رأينا كارناب يفعل — مشكلة لوجود لغة سيكولوجية ولغة فيزيائية بدلًا من وجود كائنين هما العقل والمادة،٣٨ وبغير استطراد إلى مشاكل فرعية لا تعنينا في هذا السياق، تكفي الإشارة إلى أن ما ذكره الفصل الأول في مَنْحَاهم اللغوي، من أسلوبهم في صياغة المشاكل الفلسفية في حدود لغوية، هو بداية أسلوب مرفوض من بوبر، فإذا كان يرفض حتى صياغة المشاكل اللغوية «كالكليات» في حدود لغوية، فكيف لا يرفض صياغة المشاكل الأنطولوجية والإبستمولوجية في حدود لغوية.
(٩) هذا هو الخلاف الأساسي بين بوبر والوضعية — أي بينه وبين الاتجاه التحليلي المعاصر — إصراره على أن المشاكل اللغوية لم تكن أبدًا مشكلة فلسفية، فضلًا عن أن تكون المشكلة الفلسفية الوحيدة، فالمشكلة الفلسفية الوحيدة، هي عينها المشكلة العلمية الوحيدة؛ المشكلة الكوزمولوجية، أي مشكلة فهم العالم، بما في ذلك نحن أنفسنا ومعرفتنا كجزء من العالم،٣٩ العلم والفلسفة معًا يساهمان في حل هذه المشكلة، وإنهما ليفقدان كل روعتهما وجاذبيتهما، إذ ما تخليا عنها، بالطبع فإن فهم وظيفة اللغة تمثل جزءًا من الحل، أو يساعدنا على الحل، أما أن نحيل المشكلة بأَسْرِها إلى متاهات لغوية، فإن ذلك مرفوضٌ مرفوض مرفوض.

(١٠) وإذا كان الفصل الأول قد أظهر أن الوضعية — بوصفها تحليلية — هي فلسفة معرفية، فإن بوبر يواجههم قائلًا: إنهم ليسوا إبستمولوجيين جادين؛ لأن المشكلة الإبستمولوجية الأساسية كانت، وستزال دائمًا «نمو المعرفة»، وأفضل صورة لدراستها هي نمو المعرفة العلمية، فلا يمكن إطلاقًا إحلال دراسة اللغة وأنساقها، الاصطناعية الرمزية، محل دراسة نمو المعرفة وتطوُّر محتواها.

لقد أخطأت الوضعية، حين حدَّدت الفلسفة بمشكلة معينة هي المشكلة اللغوية.

(٢) نقده لمنحاهم التحليلي

(١) وأخطأت أكثر حين حددت منهجها بمنهج واحد لا سواه؛ هو التحليل المنطقي، إن منحاهم التحليلي — والذي أوضح الفصل الأول أن ذلك المنحى اللغوي تابعًا له — ليس أقل مجانية للصواب من تابعه اللغوي.

وإن التحليل إذا طُرِحَ أصلًا، فلا يكون فقط للغة، ولكن تحليلًا لموقف المشكلة العلمية وللمناقشات العملية، وفضلًا عن هذا، فالفلسفة ليس لها منهج محدد خاص بها؛٤٠ لأنه ليس هناك شيء اسمه ماهية الفلسفة يمكن أن نكثفه في تعريف لها،٤١ تعريف كلمة «الفلسفة» يمكن فقط أن يتخذ سمة الاصطلاح والاتفاق؛٤٢ لذلك ليس للفلسفة منهج محدد خاص، لقد رأينا أن مسألة المنهج غير ذات أهمية في التوصُّل إلى نظريات العلم، فلا بد وأن تكون من باب أَوْلَى غير ذات أهمية بالنسبة للفلسفة، وهي المتميزة عن العلم بأنها مبحث لا تحده حدود ولا تقيده قيود، كل المناهج مشروعة، طالما ستفضي إلى نتائج يمكن مناقشتها مناقشة عقلية،٤٣ أي يمكن نقدها،٤٤ فالذي يعنينا في الفلسفة ليس المنهج ولا الأساليب الفنية، تحليلية كانت أم تركيبية، إنما الحساسية للمشاكل، واستنفاد كل الجهد من أجلها، إن الفلسفة هي — كما قال الإغريق — وليدة الدهشة،٤٥ وليس المنهج التكنيكي المحدد، حتى وإذا اضطررنا جدلًا إلى رسم صورة عامة للمنهج الفلسفي — كما اضطررنا جدلًا إلى رسم صورة عامة لمنهج العلم — لكان هذا المنهج هو الذي يدرس موقف المشكلة الفلسفية، كل ما يقال عنها الآن، وكل ما قد قيل عنها فيما سبق٤٦ (أي «م١ ح ح أ أ م٢») وليس تحليلًا على وجه الإطلاق.
(٢) ولنعترف جدلًا بالحاجة إلى تحليل منطقي بحت للنظريات، تحليل لا يأخذ في اعتباره كيف تتغير النظرية وتتطور، فإن هذا التحليل لن يجدي في تنقيح أوجه معينة من العلوم التجريبية، وهي الأوجه التي يوليها بوبر حق التقدير،٤٧ بعبارة أوضح: منهج التحليل لن يجدي في نمو المعرفة.

فبوبر يروم التعامل الديناميكي مع النظرية العلمية، أي البحث في صيرورتها: كيفية تقدمها وعوامل هذا التقدم ودرجته، أما التحليل فهو يتعامل مع النظرية بصفة إستاتيكية: يحلِّل منطوقًا معينًا للنظرية، أو تعريف اصطلاح معين فيها، يحلل عبارة معينة من نسق، من المفترض أنه محدد، ولما كان شغل بوبر الشاغل هو «نمو المعرفة خصوصًا العلمية» بَدا واضحًا لماذا يولي ظهره للاتجاه التحليلي بأَسْرِه؛ لأنه لن يجدي في نمو المعرفة العلمية؛ إذ يحلِّل ما هو كائن ولا يضيف جديدًا.

(٣) فضلًا عن أن يجدي في نمو الفلسفية؛ فالتحليل بهذا التعامل الإستاتيكي يجني على الفلسفة أكثر؛ فقد كان هدف الإبستمولوجية دائمًا — سواء مثالية أو تجريبية — هو المساهمة في تقدُّم المعرفة ونمو العلم، أما الفلسفة فيحدوها الأمل دائمًا في أن تعرف أكثر عن المعرفة العلمية (الاستثناء الوحيد هو باركلي) حتى جاء الوضعيون بتحليلهم، فأفقدوها هذه النغمة الحلوة المتفائلة التي ألهمتها يومًا بالتقليد العقلاني؛ فهم يقصرون مهمة تقدم العلم على العلماء وحدهم، ليس فحسب بل وأيضًا يعرفون الفلسفة بنفس الذي سوف تصبح عليه، فطالما ستنحصر في تحليل معاني اللغة ودراسة أنساقها فإنها ستصبح بحكم التعريف غير قادرةٍ على أدنى مساهمة في معرفتنا بالعالم،٤٨ وستظل دائمًا حيث هي، حيث اللغة وأنساقها، إنهم يجعلون الفلسفة خواءً وفراغًا؛ إذ يجردونها من مشكلاتها، أو يقصمون جذور هذه المشكلات، ويواظبون على ممارسة منهج مستحدث كموضة،٤٩ الفلسفة بالنسبة لهم تطبيقات وممارسات، أكثر منها بحث وطرح أفكار، إنهم يحترفون الفلسفة، ويعتبرونها مهنة فنية يتخصصون فيها، والفلسفة ليست احترافًا ولا تخصصًا أبدًا، إنها انشغال ومعاناة نتيجة الدهشة، بوبر داعية للاتخصص في العلم والفلسفة وفي شتى المباحثات، ويقول: إن العظام من العلماء أمثال كبلر وجاليليو ونيوتن وآينشتين وبور، إنهم الرجال الذين يكرسون حياتهم — بتواضع — من أجل البحث عن الحقيقة، من أجل نمو معرفتنا، الرجال الذين تعني حياتهم: الأفكار الجريئة، ويمكن أن نضمَّ إليهم مساعديهم الأقل ألمعية، غير أنه لا يضم البتة هؤلاء الذين لا يعني العلم بالنسبة لهم أكثر من احتراف أو مهنة فنية، هؤلاء الذين لا يتأثرون بعمق بالمشاكل العظيمة وبالتبسيطات الشديدة للحلول الجريئة،٥٠ إذا كان بوبر يقول هذا عن العلم، فما بالنا بالفلسفة التي تهدف إلى كلية التجربة الإنسانية بجميع جزئياتها، هل يمكن أن تكون مجرد احتراف الوضعيين لتحليل منطق العلم؟
وبخلاف الوضعيين، فهؤلاء التحليليون الذين يفخرون بتخصُّصهم في دراسة اللغة العادية، لا يعتقد بوبر أن معرفتهم بالكوزمولوجيا كافية، بحيث تتيح لهم الحكم ما إذا كانت الفلسفة يمكنها المساهمة فيه أم لا،٥١ بوبر محق في هذا فعلًا؛ فمعروف عن فلاسفة اللغة الجارية أن معرفتهم ضحلة بالعلم والرياضة؛ لأن الفلسفة بالنسبة لهم أيضًا تخصص وليست بحثًا في المعرفة بمعناها الرحب.٥٢
(٤) أما إذا كان هذا التحليل من أجل هدفه المعروف، وهو تحقيق الوضوح والدقة، فإن الوضوح في حد ذاته له قيمته العقلية الكبرى، إلا أن الدقة ليست هكذا، إنها طبعًا مرغوبة، دقة التنبؤ مثلًا لها قيمة كبرى، لكن البحث عن الدقة يكون فقط ذا طابع براجماتي، فلا نبحث عن الدقة، فقط من أجل الدقة، ليست هناك أية نقطة تستحق أن نجعلها دقيقة أكثر مما يتطلَّب موقف المشكلة٥٣ المطروحة للبحث، فإذا تطلَّب مثلًا التمييز بين نظريتين متنافستين، فلا يمكن هذا إلا بزيادة دقة مقاييسنا،٥٤ فنتمكن من تعيين الفارق الدقيق بين تنبُّؤ كل منهما، فنتمكن من تعيين النظرية الأقرب إلى الصواب.
ولنلاحظ أن الدقة على أية حال لا تُطْلَب أبدًا في المصطلحات العلمية أو الألفاظ اللغوية، فلو حاولنا وضع مطلب الدقة اللغوية في الجدول الآنف؛ لكان مكانها الجانب الأيسر؛ لأن دقة العبارة سوف تعتمد كلية على دقة الألفاظ المستعملة، ومثيلتها في الجانب الأيمن سيكون اليقين، لكن بوبر لم يشأ طرح فكرة الدقة في الجدول، حتى لا يطرح مقابلتها اليقين، واليقين مثل الدقة، «أوهام وأشباح ينبغي أن نهجر مطلبها.»٥٥
بل وإن الدقة مضرة، وستؤدي إلى ضياع الوضوح وإهدار الوقت والجهد في تمهيدات عادة ما تصبح غير ذات فائدة؛ لأنها طرق جانبية٥٦ تصرف عن التقدم الحقيقي للموضوع المطروح للبحث.
لقد كرَّس الوضعيون حياتهم لهذه الدقة؛ ظنًّا منهم أن الخصوبة ستنتج عنها كمنتج ثانوي لها، غير أن الخصوبة ليست منتجة للدقة، بل نتيجة لطرح مشاكل جديدة، لم يرها أحد من قبل، ولإيجاد حلول جديدة، لم يجدها أحد من قبل، هذا بالإضافة إلى أن الدقة لن تحول أيضًا دون سوء الفهم، فحيثما كان الحديث لا بد وأن يوجد من يسيء فهمه،٥٧ وشبيه بهذا القول من بوبر قول المفكر الأمريكي إمرسون:
«ثق أنه سوف يُسَاء فهمك، وهل من شر الأمور أن يساء فهمك؟ لقد أسيء فهم فيثاغورث وكذلك «سقراط» «والمسيح» و«لوثر» و«كوبرنيقوس» و«جاليليو» و«نيوتن»، وكل روح طاهرة عاقلة، ولكي تكون عظيمًا لا بد وأن يساء فهمك.»٥٨ (ومزيدًا من إرضاء بوبر: لنلاحظ أن إمرسون اختار أمثلة من شوامخ العلم والفلسفة) بل وأن وايتهد هو الآخر يرى ما يؤكد رأي بوبر من أن التحليل والتصنيف يبتر الحقيقة ولا يزيدها إلا غموضًا،٥٩ على العموم وايتهد ينتمي للتيار المعادي للتحليل، والخلاصة أن الوضعيين لا بد وأن يخيب سعيهم في البحث عن الوضوح والدقة.
وإذا كانوا يرومون بهذه الدقة خدمة العلم، فإن الدقة — دقة المصطلحات والتعريفات — لم تكن أبدًا مطلب العلماء، أي إن العلماء سيعزفون عن جهودهم، بعد أن عزف عنها الفلاسفة؛ لأنهم — أي العلماء — يستعملون مصطلحات مثل «الكثبان الرملية» أو «الرياح»، وهي بلا شكٍّ غامضة جدًّا، مثلًا: لم يحاول عالم أن يحدِّد كم بوصة ينبغي وأن يكون الحد الأقصى لارتفاع تل صغير من الرمال؛ كي نعتبره كثبًا، أو ما هو الحد الأدنى لسرعة تحرُّك الهواء كي نعتبره رياحًا، لكن رغم هذا، فإن أمثال هذه المصطلحات تكفي حدًّا لتحقيق كافة الأغراض الجيولوجية والعلمية بكفاءة، وحتى إذا حدث اختلاف يمكن للعالم أن يقول مثلًا: الكثب ارتفاعه بين أربع وبين ثلاثة قدمًا، أو أن سرعة الرياح تتراوح بين عشرين وبين أربعين ميلًا في الساعة، ولكن ليس من الضروري التعيين الدقيق، وهذا هو الحال في جميع العلوم وفي أكثرها تقدمًا — أي الفيزياء٦٠ — لم يعتد الفيزيائيون أبدًا، الدخول في مناقشات حول معاني المصطلحات التي يستخدمونها أو تعريفاتها، مثل الطاقة والضوء … إنهم يعتمدون عليها وهم يعرفون جيدًا أنها ليست محددة بدقة ولا مُعَرَّفة بحسم، ولن يعق هذا تقدم العلوم الطبيعية،٦١ فليكن لنا فيه أسوة حسنة، فهو أضْبَط ما لدينا من معرفة، وأكثرها تقدمًا ونجاحًا.
إذن الدقة ليست مفيدة ولا مطلوبة، ولا تساعد في حل أية مشاكل، فحتى حينما يثير المصطلح صعوبات كمصطلح التأني مثلًا، فليس هذا لأنه غير واضح أو غير دقيق، ولكن لأن هناك انحيازات حدسية، تدفعنا إلى تحميل المصطلح بما لا يطيق من المعنى، وما وجده آينشتين في نقده للتأني هو أن الفيزيائيين حين يتحدَّثون عن الأحداث المتآنية، يضعون افتراضًا ضمنيًّا «هو افتراض السرعة الإشارية أو اللانهائية»، ينقلب إلى خرافة، ولم يكن الخطأ في أنه لا يحمل معنى أو أن معناه غير دقيق، ولكن الخطأ كما اكتشفه آينشتين كان في استبعادهم لافتراض نظري لم يلاحظه أحد؛ لأنه يبرهن ذاته حدسيًّا، وكان قادرًا على إزاحة هذه الصعوبة، وهو الافتراض الذي وضعه آينشتين، فلم يكن آينشتين مَعنيًّا بالمعنى الدقيق للمصطلح أو تعريفه، ولكن بصدق نظريته،٦٢ بهذه الطريقة — أي بالبدء من مشكلة فيزيائية محددة — أمكنه أن يدفع العلم إلى الأمام، بلا شكٍّ أكثر ألف مرة مما لو كان قد بدأ بتحليل الاصطلاح أو توضيح معناه وتعريفه بدقة.
الخلاصة أن أهداف التحليل ليست مفيدة ولا مطلوبة في العلم فإذا أردنا أن نُسْدِيَ صنيعًا للمصطلحات، فلن يكون بزيادة دقتها، بل بزيادة وضوحها، لكن كيف يمكن توضيح الكلمات إذا ما أردنا لها الوضوح، أو كيف يمكن زيادة دقتها، إذا تطلب منا موقف المشكلة الدقة الأكثر،٦٣ في الرد على هذا يقول بوبر: إن أي تحرك في اتجاه الوضوح الأكثر أو الدقة الأكثر، يجب أن يكون موجهًا ولغرض عيني ad hoc وأن يكون جزئيًّا، وهذا الأسلوب يمكن أن نسمِّيَه دياليسيز Dialysis (مقابلًا للتحليل الذي يوضح ويدقق في اتجاه مستقيم بغير توجيه من احتياجات معينة)، إنه عملية حل وتصفية، وإذا كان التحليل يحل مشاكل، كما يزعم أنصاره، فإن الدياليسيز لا يستطيع أن يحل مشاكل هو فقط أسلوب عمل لإجابة مطلب معين، فالمشاكل لا يحلها إلا الأفكار الجديدة.٦٤

إن جهود الوضعيين بغير جدوى، بل وقد تكون مضرة، وهم الذين أرادوا طرد الميتافيزيقا؛ لأنها عديمة الجدوى.

(٥) لقد تردَّى الوضعيون في مهاوي التحليل اللغوي؛ بسبب — أو بهدي — رائدهم فتجنشتين، كما اتضح سابقًا، وهو الذي شبَّه الميتافيزيقيين بذبابة دخلت زجاجة، فأخذت تذهب هنا وهناك وتزن، وهو يزعم أن التحليل اللغوي سيوضح لهذه الفراشة طريق الخروج من الزجاجة،٦٥ لينتهي الزن الفلسفي الميتافيزيقي، لكن بوبر يعتقد أن فتجنشتين هو الذي دخل الزجاجة، وراح يزنُّ هنا وهناك، ولم يستطع أبدًا الخروج منها؛ إذ قصر الفلسفة بأسرها على التحليلات هادفًا الوضوح والصياغة الدقيقة لتعريفات المفاهيم، ولكنه نسي أن اللغة أساسًا تُسْتَعْمل في وصف العالم، ربما هدف التحليل إلى تلميع النظارات، كي يحظى برؤية واضحة للعالم، ولكن فتجنشتين أمضى العمر كله في هذا التلميع،٦٦ ونسي أن يفيد منه، نسي أن اللغة مجرد آلة، وأن الفيلسوف الذي يقضي عمره مَعْنيًّا بشحذ أدواته، مثله مثل النجار الذي يقضي عمره مَعْنِيًّا بشحذ أدواته ولكن لا يستعملها أبدًا إلا في شحذ بعضها البعض،٦٧ وفعلًا لم يستفد رائدهم فتجنشتين أبدًا بما توصَّل إليه من تحليلات لتوضيح رؤيتنا للعالم أو تقدم المعرفة، بل وبصرف النظر عن الجدوى، فإنه أخذ يمارس التحليل بطريقة مملة مللًا رهيبًا،٦٨ إننا قد نطيق التحليل في مرحلة أو في أخرى، أسبوعًا أو أسبوعين، أما أن نقضي العمر كله والفلسفة بأسرها في التحليل فإن هذا لا يُقْبَل ولا يطاق.٦٩

(٦) وهكذا الفلسفة التحليلية واللغوية بأسرها، ثرثرة لا معنى لها ولا جدوى منها، وفتجنشتين بلا ريب تطرَّف تطرفًا لا يُقْبَل، ولكنه — بلا ريب — أيضًا قمة من قمم الفكر لا ينبغي أبدًا أن يتحدَّث عنه بوبر بهذه اللهجة، لكن بوبر يتجاوز أحيانًا حدود اللياقة، حينما يتحدث عن فتجنشتين أو حتى معه.

(٣) نقده لحملتهم على الميتافيزيقا

(١) ويبدو أن موقف فتجنشتين وأتباعه الوضعيين من الميتافيزيقا ومن أن المشاكل الفلسفية التقليدية والميتافيزيقية زائفة ولغو أو مجرد متاهات لفظية، هو الذي دفع بوبر إلى هذا الأسلوب في الحديث عن رائدهم فتجنشتين.

فبوبر يرى أن الفلسفة لها مشاكل حقيقة، وليس فقط مشاكل مستعملة Second hand أي متخلفة عن العلم في صورته اللغوية، إنها مشاكل أصلية، وعليه، وعلى سائر الفلاسفة أن يعملوا جاهدين على محاولة حلها، وهو يفشل تمامًا في فهم جاذبية الفلسفة بغير هذه المشاكل،٧٠ بعبارة أخرى: بوبر لا يفهم ما الذي دفع فتجنشتين وأتباعه إلى التفلسف، طالما لا يرَوْن فيه مشاكل حقيقية.
في مقال لبوبر بعنوان «طبيعة المشكلات الفلسفية، وجذورها في العلم»،٧١ يطرح دعوى مؤداها أن المشاكل الفلسفية الميتافيزيقية حقيقية، وهي دومًا ذات جذور علمية واجتماعية ودينية وسياسية، وأنها لتنهار وتتحوَّل إلى مشاكل زائفة ولغو فقط، إذا ما أنكرت عليها تلك الجذور، أو استئصلت منها، وهو في هذا المقال يركز على الجذور العلمية، ويذهب في تفصيلات مسهبة إلى إثبات دعواه بشروح مستفيضة لأمثلة عديدة من أخص خصائص المشاكل الفلسفية كالمُثُل الأفلاطونية، والذرية الديمقراطية، والأعداد الفيثاغورية، والمقولات الكانتية ليثبت جذورها العلمية في حدود علم عصرها، مثلًا العلم الإغريقي القديم، وفكرته البدائية عن المادة، وإنجازاته المعجزة في الرياضة (بعد أن أثبت جذورها — خصوصًا المثل — السياسية في المجتمع المفتوح)، على هذا تكون الوضعية بتحليلها قلبت المشاكل الفلسفية الحقيقية إلى مشاكل زائفة ولغو حين تنكَّروا لتلك الجذور، أي لم يفطنوا إليها وراحوا يقصرون جهودهم على تعقُّب ما يبدو وكأنه منهج الفلسفة وأسلوبها الفني الذي يعطينا مفتاحًا لا يخطئ أبدًا في تلمُّس طرق النجاح.٧٢
إن دعواهم بخلوِّ المشاكل الفلسفية من المعنى صادقةٌ في حدود، الحدود التي ينسى فيها الفلاسفة جذور هذه المشكلات — كما نسوها هم — حين يدرس الفلسفة بدلًا من أن يدرس مشاكلها — كما فعلوا هم — ويصدق رأيهم أكثر كلما اتجهت المشاكل الفلسفية في الاتجاه البحت، أي كلما فقدت أكثر جذورها وأصولها المميزة — كما حدث مع التحليليين — أي كلما أصبحت المناقشات الفلسفية أقرب إلى الوقوع في مهاوي الثرثرة والخلو من المعنى.٧٣
بعبارة أخرى توضِّح وتُجمل ما سلف: يزعم الوضعيون أن المشاكل الفلسفية التقليدية زائفة ومجرد لغو، وهم يطرحون المشاكل الحقيقية للفلسفة، أما بوبر فيرى العكس، أي يرى أن مشاكل الفلسفة حقيقية، ومشاكلهم هم هي الزائفة، وهي اللغو، هم الذين بتنكُّرهم لجذور المشكلات «يغوون الفلسفة إلى مستنقع المشاكل الزائفة والمتاهات اللفظية.»٧٤ إما بأن يطرحوا مشاكل زائفة، وإما بأن يغوونا بأن نركز على هذه المهمة الفارغة التي لا تنتهي أبدًا، مهمة الكشف عن زيف ما يعتبرونه هم سلفًا — محقين أم مخطئين في هذا الاعتبار — مشاكل زائفة ومتاهات.
بوبر يُصرُّ إصرارًا قاطعًا على حقيقة المشاكل الفلسفية، وعلى ضرورة التفلسف، وإلا لما كان هو فيلسوفًا، ويرفض كل جهود التحليلية والوضعية لإذابة هذه المشاكل، ويرفض أيضًا أسلوبهم في هذه الإذابة، أي عن طريق معايير معينة، حول قواعد استعمال اللغة، فإنه — أي بوبر — يعتبر مثلًا نظريات سلفهم ماخ التي تقصر الواقع على المدركات الحسية، والواحدية المحايدة — التي أخذها رسل عنه فيما بعد — ليست فقط خاطئة، بل إنها ثرثرة بغير معنى، ولكن ليس ذلك لأنها لا تتبع القواعد السليمة لاستعمال اللغة، لكن لأنها تجعل حياتنا لغوًا طالما ترد كل النشاط الإنساني بما فيه العلم والمناقشات الإبستمولوجية إلى ما لا يمكن قبوله، إلى محض مدركات حسية.٧٥
وبعد أن يرفض بوبر محاولة اعتبار المشاكل الفلسفية الحقيقية لغوًا، ويعتبر مشاكلهم هم هي اللغو، فإنه يرفض حتى محاولتهم لاعتبارها عنصرًا مكونًا للمشاكل العلمية، أو حتى اعتبارها مشاكل منطقية، على أساس أن حلَّها يمكن فقط بواسطة الأساليب المنطقية،٧٦ بوبر يرد عليهم قائلًا: إن كثيرًا من مشاكل الفيزياء تُحَلُّ فقط بواسطة أساليب الرياضة البحتة، لكن ذلك لا يؤثر على تصنيفها كمشاكل فيزيائية؛ لأنها موضوع لبحوث الفيزيائيين، كما أن التحليل المنطقي يلعب دورًا كبيرًا في النسبية، غير أن ذلك لا يجذبها إلى جانب المنطق؛ لأنها نظرية لعالم فيزيائي، وبالمثل تمامًا لن يؤثر أسلوب حل المشكلة على كونها فلسفية، حتى وإن كانت جذورها في نظريات كالذرية أو الكوانتم، أو تحل بالأساليب المنطقية، فإنها تظل فلسفية؛ لأنها أقرب إلى المناقشات التي تدور بين الفلاسفة.
أما القول بأن المشاكل طالما هي واقعية، فإن ذلك يجعلها علمية وليست فلسفية، فإن هذا تحذلق ينغلق على ذاته في العقيدة اليقينية القاطعة (الدوجما).٧٧

الخلاصة: ليس هناك أي مبرر على وجه الإطلاق لاعتبار المشاكل الفلسفية زائفة، التفلسف نشاط ضروري ولا مراء.

(٢) لقد كانت نظرية رسل في الأنماط الفلسفية إنجازًا عظيمًا، عالجت مفارقات كانت في حاجة إلى التحليل المنطقي ليكشف عنها، لكن الخطأ جاء من الوضعية ورائدها فتجنشتين، حين عمَّموا هذه الفكرة، وعدُّوا جميع المشاكل الميتافيزيقية قائمةً على مغالطات منطقية ونتيجة لسوء استعمال اللغة.٧٨
ويمكن أن نسير معهم قليلًا، فنقول: إن بوبر مثل أي فيلسوف جاد يكره الرطانة المدعية، لكن خطأ الوضعيين أنهم تصوروا الرطانة المدعية مقصورة على الميتافيزيقا، أو هي الوجه الآخر لها،٧٩ ويمكن أن نقول جدلًا: إن بعض الأحاديث الميتافيزيقية فعلًا فارغة، وبعضًا من الفلاسفة قد يقولون لغوًا يخلو من المعنى، كبعض من أقوال هيجل ومدرسته،٨٠ وأكثر من هذا، فإن تلك الأنماط من التفلسف، قد اهتزَّت فعلًا — ولو إلى حدٍّ ما — بتأثير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين،٨١ وإن كان هذا التأثير لم يتعد كثيرًا حدود تأثير رسل وأمثلته، بل وأكثر من هذا، فإن الأسلوب الخاطئ في تعليم الفلسفة، كان داعيًا لزيادة اللغو الفلسفي؛ إذ يقذف بالطالب المبتدئ في متاهات تجريدية غاية في الصعوبة، كقراءة عمالقة أمثال أفلاطون وديكارت وكانت، ممن يعجز حتى الطالب المتعمق عن فهمهم، أو على الأقل يجد صعوبة في ذلك، حقًّا بعض الطلبة الموهوبين يستطيعون اكتشاف الكثير، إلا أنهم نسبة ضئيلة لا يعتد بها، فيكون نتيجة ذلك أن يبدو هؤلاء الفلاسفة أمام الطالب المبتدئ كأنهم يقولون هراءً، فيحاول تقليدهم بقول الهراء المقنَّع بقناع الصعوبة والألفاظ التجريدية.٨٢،٨٣
إذن هناك فعلًا بعض الأحاديث الفلسفية لغو، بحاجة إلى التحليل ليكشف عنها، لكن ليست الميتافيزيقا بأسرها — هكذا بجرة قلم واحدة — مجرد ثرثرة؛ لأننا لو تركنا بعضًا من الأمثلة النادرة، لوجدنا في معظم الأبحاث الميتافيزيقية كنوزًا ثمينة، بل ولا تقتصر على الدرر الفلسفية بل وتحوي أيضًا دررًا علمية، وبالنسبة للطالب المبتدئ فإنه إذا ألمَّ بموقف المشكلة كاملًا بجذورها العلمية والرياضية؛ لَتَمَكَّن من أن يفهم جيدًا ما قاله الفلاسفة العظام عنها، فلن يعود لغوًا كما بَدا للوهلة الأولى.٨٤
فكرة اعتبار الميتافيزيقا بأَسْرِها مجرد أحاجٍ وثرثرة فارغة تخلو من المعنى، فكرة خرافية، وهي معبرة عن رغبتهم الشخصية في أن تكون المشاكل الفلسفية هكذا فعلًا، غير أنهم لم يطرحوا هذا كرغبة، بل كتقرير لأمر واقع،٨٥ ثم إنهم لم يحققوا رغبتهم، ولم يتخلصوا من الميتافيزيقا؛ إذ ليس أسهل من أن تقنع المشكلة بأنها خالية من المعنى أو زائفة فقط، كل ما علينا هو أن نصطلح على معنى ضيق جدًّا «للمعنى»، وبعد ذلك سيسهل جدًّا أن تقول عن أي سؤال، لا يتفق مع هذا المعنى الضيق جدًّا «للمعنى» إنه يخلو من المعنى، وإننا لا نستطيع إطلاقًا أن نستخرج منه أي معنى،٨٦ إن الخطأ في موقفهم من الميتافيزيقا، يتمركز في فكرتهم عن المعنى، والتي تحولت إلى عقيدة قاطعة «دوجما»، و«الدوجما» حين يتم تنصيبها فسوف تسمو على كل المعارك، وتعلو على أي نقاش ويستحيل مهاجمتها،٨٧ ولقد انتقد بوبر بعنف فكرتهم عن المعنى، واعتبارها معيارًا للتمييز فما زال هناك الكثير في الرد على موقفهم من الميتافيزيقا، سيقوله بوبر في نقد محاولاتهم للتمييز.

(٣) قد تبدو المناقشة السالفة في هذا الجزء من الفصل، مجرد تعبير عن وجهة نظر بوبر المناقضة لوجهة نظر الوضعيين، أما النقد الحاسم لموقفهم من الميتافيزيقا، فهو في هذه الفقرة:

لقد تأثَّر الوضعيون بعمق، بذلك التعارض البادي بين دقة الرياضة، وبين غموض وعدم دقة الفلسفة، فأرادوا أن يقسموا القضايا بمنتهى الحسم والقطع البات إلى قسمين؛ أحدهما له كل المعنى، والآخر يخلو من المعنى، المجد للأول والقضاء المبرم على الثاني.

غير أن هذه القسمة: أولًا مستحيلة، وثانيًا: لو أمكنت لكانت خطرًا وبيلًا على تقدم العلم ذاته:
  • أولًا: ليس هناك أي مقال في العلم أو الرياضة — لا سيما من الكلاسيكيات — إلَّا ويمكن، بواسطة الأساليب الفنية للتحليل اللغوي، توضيح أنه يحتوي على قضايا كثيرة زائفة وخالية من المعنى. تهمة الخلو من المعنى٨٨ فضفاضة يمكن إطلاقها بسهولة، ويستحيل قصرها على الميتافيزيقا الخالصة فقط.
  • وثانيًا: إن البعض قد يتكلم لغوًا، وقد تكون مهمة بعض التعساء كشفه لأنه خطير.٨٩
لكن البعض قد يتحدث حديثًا غير محكم القواعد، وليس بذي معنى كامل بمقاييس الوضعية، وإنما قد يكون مهمًّا ومثيرًا، ويستحق الاستماع أكثر من أحاديث أخرى، قد تفوقه في إحكام القواعد والإتيان بالمعنى الكامل، فمثلًا حساب التفاضل والتكامل في عهوده الأولى، كان بلا شك لغوًا وتناقضات بمعايير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين، فهل كان عليهم أن يشهروا أسلحتهم — أي معاييرهم — في وجه رواد هذا الحساب، وهل كان عليهم أن ينجحوا في استبعاد جهودهم،٩٠ بينما فشل في هذا نقادهم المعاصرون كباركلي، والذي كان على تمام الصواب، بينما مخاصميه رواد التفاضل ينقصهم الكثير جدًّا، حتى ترضي أحاديثهم الوضعيين.

إذن ما يرضيهم ليس دائمًا في صالح العلم وتقدمه.

(٤) ومن هنا نخرج إلى النقد الأكثر حسمًا، والذي يُعَد من مآثر بوبر حقًّا، ومفاده أن الميتافيزيقا يستحيل أن تكون لغوًا، فإذا كانت بعض الأفكار الميتافيزيقية القليلة قد عاقت التقدم العلمي، وأبرزها فكرة أفلاطون بتحقير المادة، وكل ما يتصل بالحس كأداة معرفة، أو أداة أي شيء آخر، فإن هناك أفكارًا ميتافيزيقية أخرى ساعدت على تقدُّم العلم بل وكانت ضرورية له، رأينا بوبر في حديثه عن المعرفية الموضوعية بجعلها «م١ ح ح أ أ م٢» ويوثق أواصر القربى بين شتى الجهود العرفية، ويراها سلسلة واحدة متصلة الحلقات، فلا بد وأن تكون بعض من نظريات الميتافيزيقا قد اتخذت دورًا وحلقة أفضَت إلى الحصيلة المعرفية التي نستمتع بها اليوم «فكثير من نظرياتنا العلمية قد تطورت عن أساطير مرحلة ما قبل العلم، عن نظريات كانت في وقت ما غير قابلة للاختيار (أي لا علمية أو ميتافيزيقية)، فيمكن أن نتتبع تاريخ نظرية نيوتن إلى الوراء حتى أنكسمندر وهيزيود، والنظرية الذرية كانت غير قابلة للاختيار — أي أقرب إلى الميتافيزيقا — حتى سنة ١٩٠٥م تقريبًا.»٩١ بل وإن كثيرًا من الأفكار الميتافيزيقية قد أوحت بصورة مباشرة بنظريات علمية.

أبرز الأمثلة أول سؤال فلسفي طرح في التاريخ، التساؤل عن مبدأ فيزيائي واحد، عنصر نهائي نشتق منه جميع الأشياء الأخرى، كان شغل المدرسة الأيونية خصوصًا، والفلسفة القبل سقراطية عمومًا، وحينما تقدَّم العلم — خصوصًا في أوائل القرن التاسع عشر — بدا هذا السؤال ساذجًا أبله حتى قطع العلم الحديث بصوابه، وأن الوصول إلى هذا المبدأ — أي الذرة — كان مفتاح التفجُّر الهائل لنجاح العلوم الطبيعية.

وها هنا نصل إلى المثال الميتافيزيقي المعجز؛ ديمقريطس، لقد أتانا في القرن الخامس قبل الميلاد (٤٦٠–٣٦٠ق.م) ناقلًا عن أستاذه لوقيبوس أحاديث جد غريبة، فهو يتصوَّر أن هذا العالم مكوَّن من، أو أن المادة الخام الأساسية Arche التي صُنِعَ منها هي؛ أجسام متناهية الصغر لا متناهية العدد في حركة دائمة، وأن هذه الأجسام لا تقبل الانقسام (من هنا كان مصطلح الذرة يوناني A-toms = لا منقسمات)، وأنه الحديث الذي أهمل قرونًا طويلة، حتى ألهم دالتون بفرض الذرة، فيجيء للعالم الروسي مندليف بعد أكثر من عشرين قرنًا، ليقول نفس ما قاله ديمقريطس مشاركًا إياه نفسَ النصيب من الصحة (= كل شيء في العالم مكوَّن من ذراتٍ لا متناهية الصغر، لا متناهية العدد في حركة دائمة)، ونفسَ النصيب من الخطأ (= هذه الأجسام الصغيرة لا تقبل الانقسام).
وبغير الدخول في تفاصيل مسهبة، يمكن أن تكفي الإشارة إلى «جزء ٤» من فصل «الاستقراء خرافة»؛ سنجد أمثلة ساطعة الوضوح ومتصلة:
  • نظرية طاليس في طفو الأرض على الماء، والتي ألهمت بنظرية الجرف القاري.

  • أنكسمندر بأبعاده اللامطلقة ألهم النسبية، كما ألهم أرسطارخوس الذي ألهم بدوره كوبرنيقوس وكبلر وجاليليو، أن الأرض تقف حرة في الفضاء، كما ألهم نيوتن فكرة القوى الجاذبية غير المرئية.٩٢
  • فرض كوبرنيقوس بمركزية الشمس كان تأويلًا لفكرة ميتافيزيقية، مطروحة في الأفلاطونية وفي الأفلاطونية المحدثة.

  • الأعداد المقدسة الفيثاغورية ألهمت كبلر بضرورة الكشف عن قوانين رياضية تحكم النظام الفلكي.

الأمثلة جمةٌ تثبت أن الميتافيزيقا ضرورية لتقدم العلم ذاته، لتوسيع الخيال العلمي، فتلهم بافتراضات حدسية أخصب، وبالنظر إلى هذه المسألة من الزاوية السيكولوجية، فإن بوبر يميل إلى الاعتقاد بأن الكشوف العلمية مستحيلة بغير الإيمان بأفكار من نمط تأملي خالص، وهذا الاعتقاد الميتافيزيقي، قد لا تبيحه النظرة العلمية،٩٣ لكنه الأمر الواقع.
ويجمل بنا الآن أن نذكر أن كارناب قد أشار إلى ماخ وبوانكاريه وآينشتين كأعلام لحركة تحرير العلم الطبيعي من أي شوائب ميتافيزيقية، لكن بوبر قد أوضح أن هذه الإشارة لم تكن موفقة؛ «لأن ماخ بالذات كان يرنو إلى الاستبعاد النهائي للنظرية الذرية؛ لأنه هو وكثير من وضعيي عصره اعتبروها مبدأً ميتافيزيقيًّا في الفيزياء، أما بوانكاريه فقد حاول تأويل النظرية الفيزيائية كتعريفات متضمنة، تبعًا لنظريته في اعتبار أية عبارة علمية مجرد أداة، وهي نظرية لا يقبلها كارناب خصوصًا، أما آينشتين فقد كان معتقدًا في مفاهيم ميتافيزيقية ويعمل بحرية بمفهوم «الحقيقة الفيزيائية»، رغم أنه — بلا شك — كان كأي واحد من العلماء الجادين يكره الثرثرة الميتافيزيقية المغرورة.»٩٤

بعض الأفكار والمفاهيم الميتافيزيقية داخلة في نسيج العلم بطريقة يستحيل معها الحكم عليها بأنها خالية من المعنى، دون أن يجرَّ العلم إلى نطاق هذا الحكم، هذا ما ستثبته مناقشة معاييرهم لتمييز العلم.

خاتمة

(١) على هذا النحو صَبَّ بوبر جام غضبه على أسس الوضعية، فكان الخلاف بينهما عميقًا حقًّا حتى إنه حين أراد أن يقسم الفلاسفة إلى فريقين متقابلين، كان هو على رأس أحد الفريقين، والوضعية على رأس الفريق الآخر، فريق التحققيين الذي لا يستحق حتى أن نأخذه مأخذ الجد،٩٥ وهما فعلًا فريقان متقابلان، تقابل كانط وفتجنشتين، بوبر تابع الأول، والوضعيون أتباع الثاني.

وقد حاول فيكتور كرافت — عضو الدائرة ومؤرخها وصديق بوبر — بتفاصيل مسهبة أن يعتصر فلسفة بوبر؛ كي يثبت أوجه تشابه كثيرة بينهما، فكان يتصيد أي حرف أو تعبير — ولو حتى مجازي — لبوبر، يحمل وجهة وضعية، ورغم أن كرافت تعسَّف كثيرًا، فهو لم يرتكب أي خطأ أكاديمي ولم يسئ فهم بوبر، ولكن أوجه التشابه التي توصل إليها (مثل التجريبية) والواقعية، والانشغال بأسس العلم ومعياره، والإبستمولوجيا العلمية؛ غير ذات اعتبار، من الممكن تصيُّد أوجه تشابه بين أي مذهبين فلسفيين طالما هما معقولان، على العموم فإن بوبر عقب على محاولة كرافت هذه بالشكر الرقيق، مردفًا إياه بالنفي الحاسم الواضح لأي تشابهٍ بينه وبين الوضعيين.

(٢) ولكن رغم نقده المتحامل، ورفضه المتطرف أحيانًا، فهو يسجل لهم أنهم كانوا متشوقين حقًّا لتأكيد أهم تقليد للعقلانية، أي حرب العقل ضد الخرافة والسلطة التعسفية، وبواسطة الدليل الوضعي،٩٦ بل وإنه يوافقهم على منحى عام لهم هو المنحى التنويري، ووجهة النظر النقدية إلى الفلسفة؛ الفلسفة بما هي — لسوء الحظ — عليه، والفلسفة بما ينبغي أن تكونه،٩٧ كما أنه يحمد لهم اقتداءهم برسل، وأنهم كانوا بلا مراء علامة بارزة في الفلسفة المعاصرة، لا سيما العلمية فكتاب كارناب «التركيب المنطقي للعالم» من أهم كتب فلسفة العلم في القرن العشرين، أما كتابه «القابلية للاختبار والمعنى»٩٨ فهو أهم ما كتب في مجال فلسفة العلوم الطبيعية، في الفترة المحصورة بين رسالة فتجنشتين، والطبعة الألمانية لمقال تارسكي في مفهوم الصدق،٩٩ أما حملاتهم العنيفة ضد الميتافيزيقا، فقد ألقت في نفوسنا جميعًا رهبة شبيهة بالرهبة من الله حينما نريد أن نتحدث حديثًا ذا مغزى، وأصبحنا أكثر حذرًا فيما نقول.١٠٠
وحتى الاتجاه التحليلي اللغوي عامة، له فضل كبير في نقد اللغة، وفي الدراسة النقدية لاستعمالاتها المختلفة، النقد كان أحد الدوافع التي دفعت أصلًا إلى هذا الاتجاه، وطبيعي أن يستصوب بوبر — فيلسوف النقد — هذا المنزع النقدي، الذي شملهم جميعًا حتى رائدهم فتجنشتين،١٠١ لكن المشكلة في أنهم انقلبوا فجأة عن هذا النقد أو نسوه، وأخذوا يمارسون التحليل اللغوي فقط من أجل التحليل اللغوي، ولم يعودوا نقادًا للغة، لكن فقط مهتمين باستعمالاتها كما هي،١٠٢ كما بلغ الحال ذروته في الاتجاه الحالي للتحليل؛ تحليل اللغة الجارية في أكسفورد.

حملة بوبر على الفلسفة اللغوية التحليلية لا هوادة فيها، حتى وهو يسجل لهم، يصر النقد على البروز مرة أخرى.

(٣) وعلى الرغم من ضراوة الحملة، فالخطأ كل الخطأ هو الظن أن بوبر لا يعتبر اللغة مهمة، إنها في نظره خطيرة الأهمية، أولم يعتبرها — هي والنقد — أهم مكونات العالم ٣ قاطبة، إنه يرفض الفلسفة اللغوية التي تبحث عن دقة المعاني وتعريفاتها؛ لأنه يريد فلسفة للغة تشرح لنا وظائفها وتعيننا على فهم معنى اللغة الإنسانية،١٠٣ وقد وضع هو فلسفة للغة من هذا المنظور تبعًا لها تكون للغة وظائف أربع:
  • (١)
    الوظيفة التعبيرية، أي التعبير عن النفس Self-Expression.
  • (٢)
    الوظيفة الإشارية Signaling Function.
  • (٣)
    الوظيفة الوصفية Descriptive Function.
  • (٤)
    الوظيفة الجدلية (النقاشية) Argumentative Function.
(٤) واللغة أيًّا كان مستواها لن تكون لغة إلا إذا كانت قادرةً على إثارة استجابة من كائن حي آخر؛١٠٤ لذلك فلغات الحيوان — أو وسائل تواصله — من رقص أو تلامس أو إصدار أصوات أو غيره؛ قادرة على أداء الوظيفتين الأولى والثانية، أي التعبير والإشارة، ولكن اللغة الإنسانية تتميز بأدائها أيضًا للوظيفتين العِليتين: الوصف والجدل، اللغة الإنسانية بوظائفها الأربع — لا سيما العِليتين — هي علة خروجنا عن مملكة الحيوان، أي علة كوننا بشرًا؛ فالوعي الإنساني والوعي بالذات نتيجة لها،١٠٥ إننا ندين بعقلنا وعلمنا وحضارتنا إليها، فهي التي كفلت تواصل الأجيال واستئناف المسير، لا سيما من خلال الوظيفة الرابعة الوظيفة الجدلية.

على هذا النحو يرفع بوبر اللغة إلى أعلى العليين، بينما يُنزل الفلسفة اللغوية التي تتوه في المعنى والتعريف والدقة أسفل السافلين، إن فلسفة اللغة — كما يراها بوبر — ينبغي وأن تكون من هذه الزاوية.

(٥) وبعدُ، فقد كان هذا الفصل نقدًا للخطوط الأساسية للوضعية، نقد منحاهم اللغوي ومنحاهم التحليلي وموقفهم من الميتافيزيقا، ليحدد ذلك بصفة عامة أطرًا لنقده محاولاتهم لتمييز المعرفة العلمية، والتي انبثقت عن تلك الخطوط، فبقي الانتقال إلى النقد التفصيلي لتلك المحاولات.

١  K. P., U. Q., p. 88.
٢  K. P., L. S. D., p. 51.
٣  Ibid., p. 51.
٤  نلاحظ أن النقد، هو المبرر الوحيد لوجود الفلسفة عند بوبر، انظر: Karl Popper in: Bryan Bagee, Modern British Philosophy, pp. 68-69.
٥  K. P., L. S. D., p. 52.
٦  Karl Popper in: Bryan Magee, Poéern British Phil., p. 79.
٧  انظر في تفصيل هذه الخاصية اللغوية للتحليلية والوضعية كتابنا: «تيارات الفكر المعاصر».
٨  K. P., U. Q., p. 19.
٩  Ibid, p. 19.
١٠  Ibid, p. 17.
١١  Ibid, p. 17.
١٢  Ibid, p. 19.
١٣  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص٣٧.
١٤  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ص٣٩.
١٥  K. F., C. and R., p. 105.
١٦  See Ibid, p. 103–107.
١٧  K. P. U. Q., p. 19.
١٨  Ibid, p. 18–31.
١٩  Karl Popper, Open Society and its Enemies, Volume II: The High Tide of Prophery: pp. 14-15.
٢٠  Ibid, pp. 12-13.
٢١  Ibid, p. 18.
٢٢  Ibid, p. 16.
٢٣  Ibid, p. 12.
٢٤  K. P. U. Q. p. 29.
٢٥  Ibid, p. 29.
٢٦  Ibid, p. 29.
٢٧  Bryan Magee, Karl Popper, p. 43.
٢٨  Ibid, p. 43.
٢٩  هذا الجدول مطروح في أكثر من موضعٍ من كتابات بوبر، مثلًا: U. Q., p. 21. وأيضًا: C. and R., p. 19.
٣٠  K. P. and U. Q., p. 22.
٣١  Ibid, p. 22.
٣٢  Ibid. p. 22.
٣٣  Ibid, p. 22.
٣٤  Ibid, p. 23.
٣٥  Ibid, p. 22.
٣٦  هذه النظرية من بوبر، التي تماثل منزلة الحروف بمنزلة الكلمات، يمكن أن تتبرع لها بدليل مقدس من القرآن الكريم، هو أن بعض الآيات الكريمة، أو أجزاء من آيات كريمات، مقتصرة على محض حروف، مثل «أ ل م» و«ك ﻫ ي ع ص»، ولما كان الفقهاء قد عجزوا عن الوصول إلى أي تفسير محدد لهذه الحروف، واقتصروا على تفسير أبي بكر الصديق — رضي الله عنه — لها بأنها سر من أسرار الله، فإن هذا يعني أن الحروف في حد ذاتها يمكن أن تنطوي على القدسية والعمق اللائقين بأسرار الله، تمامًا كالألفاظ القدسية الموحية العميقة التي يزخر بها القرآن الكريم، وإن كنت على يقين من أن بوبر سيرفض هذا التبرع نظرًا لموقفه من الدين عمومًا، ومن الشرق خصوصًا.
٣٧  K. P., U. Q., p. 23.
٣٨  K. P., C. and R., p. 294.
٣٩  K. P., L. S. D., p. 15.
٤٠  Ibid, p. 15.
٤١  ليس من السهل أن نوافق بوبر على هذا، إذ يمكن أن نكثف الفلسفة في كلمة واحدة هي: الوعي، فلسفة العلم هي الوعي بالعلم، وفلسفة الدين هي الوعي بالدين … وفلسفة التاريخ هي الوعي بالتاريخ … إلخ، وحتى فلسفة كارب فهي محاولة منه لتجسيد وعيه بالتركيب لبناء اللغة العلمية التي تحوي كل الكلام ذي المعنى، وإن كانت فشلت ولم تحوِ شيئًا.
٤٢  Ibid, p. 19.
٤٣  K. P., C. and R., p. 72.
٤٤  هذا الرأي من بوبر صورة أخرى من المبدأ الذي عرضه في فصل «المعرفة موضوعية» كل مصادر المعرفة على الرحب والسعة، طالما أن نتائجها تقبل النقد، بالمثل تمامًا، كل مناهج المعرفة على الرحب والسعة.
٤٥  K. P., C. and R., p. 72.
٤٦  K. P., L. S D., p. 17.
٤٧  Ibid, p. 50.
٤٨  Ibid.
٤٩  K. P., C. and R., p. 72.
٥٠  K. P., Replies. p. 977.
٥١  K. P., L. S. D., p. 17.
٥٢  في هذا الصدد، يبدو من الملائم ذكر ملاحظة طريفة أبداها ج. س. كيرك؛ فقد أوضحنا أن بوبر يعادي التخصص، ويعتبره بالنسبة للفلسفة إثمًا أخلاقيًّا، وبَدَا هذا كإحدى النتائج التي نتجت عن الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢» وأنه مرتبط بنظرية بوبر في ترابط البناء المعرفي وتسلسله ووحدة هدفه ووحدة منهجه.
أما كيرك فقد أوضح أن بوبر يعادي التخصص من منطلق معاداته للتحليل، وعلى أساس نظرته العامة المعادية للوضعيين وخلفائهم، وأنهم هم الذين جعلوه يرى أن التخصص في الفلسفة مضر، طالما قد أدى معهم إلى فلسفة تحليلية وضعية، تدَّعي الانفصال عن الكوزمولوجي (والكوزمولوجي عند بوبر يضم العلم والفلسفة وشتى الأنشطة العقلية والذي يهدف إلى فهم العالم، بما في ذلك نحن أنفسنا — بل ومعرفتنا — كجزء منه)، الخلاصة أن نظرة التحليليين إلى الفلسفة كاحتراف فني يتخصصون فيه مرفوضة مرفوضة، انظر: G. S. Kirk, Popper on Science and Presocratic, in: Mind, New Series, 69, 1960, p. 318.
٥٣  K. P., U. Q., p. 24.
٥٤  Ibid, pp. 24-25.
٥٥  Ibid, p. 24.
٥٦  Ibid, p. 24.
٥٧  Ibid, p. 30.
٥٨  النص مأخوذ من: خالد محمد خالد، أفكار في القمة، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة ١٩٦٤م، ص١٣٦.
٥٩  بدوي عبد الفتاح، وايتهد وفلسفته للعلوم الطبيعية، رسالة ماجستير غير منشورة، ص١٤.
٦٠  Karl Popper, Open Society and its Enemies, Volume II, p. 18.
٦١  Bryan Magee, Karl Popper, p. 43.
٦٢  Karl Popper, Open Society and its Enemies, Volume, II, p. 19.
٦٣  K. P., U. Q., p. 30.
٦٤  Ibid, p. 31.
٦٥  Karl Popper in: Bryan Magee, Modern British Philosophy. P. 138.
٦٦  Ibid, p. 138.
٦٧  Bryan Magee, Karl Popper, p. 44.
٦٨  Karl Popper in: Bryan Magee, op. cit., p. 139.
٦٩  Ibid, p. 141-142.
٧٠  K. P., C. and R., p. 72.
See: Ibid, pp. 66–96.
٧١  لنلاحظ أن الرأي الشائع هو أن العلم له جذور في الفلسفة، بوبر في هذا المقال يوضح العكس وهذا هو الجديد الذي يؤكد العلاقة التبادلية الوثيقة بين العلم والفلسفة؛ مما يؤكد بدوره رأي بوبر في وحدة البناء المعرفي ووحدة مناهجه.
٧٢  K. P., C. and R., p. 71.
٧٣  Ibid, p. 63.
٧٤  Ibid, p. 72.
٧٥  K. P., Replies, p. 766.
٧٦  K. P., C. and R., p. 73.
٧٧  Ibid, p. 74.
٧٨  K. P., L. S. D., p. 15.
٧٩  K. P., Replies, p. 766.
٨٠  لنلاحظ عداء بوبر لهيجل، لكن فتجنشتين والوضعية يعادونه على أسس منطقية فلسفية، أما بوبر فيعاديه على أسس سياسية أيديولوجية، فإنه رأى هيجل داعية لمجتمع مغلق، مقابل مجتمع بوبر المفتوح، وعلى أسس منهجية؛ لأن بوبر يعادي الجدل.
٨١  K. P., C and R., p. 71.
٨٢  جميل من بوبر أن يستخدم خبرته في تدريس الفلسفة، ليعطينا درسًا في مناهج هذا التدريس.
٨٣  Ibid, p. 71–73.
٨٤  K. P. C. and R., p. 73.
٨٥  K. P., L. S. D., p. 51.
٨٦  Ibid, p. 50.
٨٧  Ibid, p. 51.
٨٨  K. P., C. and R., p. 71.
٨٩  Ibid, p. 70.
٩٠  Ibid, p. 70.
٩١  Karl Popper, in: Bryan Magee, Modern British Philosophy, p. 72.
٩٢  آينشتين بالذات له بحوث فلسفية ميتافيزيقية بالمعنى البحت، ومن أجله وُضِعَ لقب العالم الفيلسوف، لست أدري إطلاقًا كيف فات كارناب هذا كما يفوته الكثير، انظر على سبيل المثال: أدريين كوخ، آراء فلسفية في أزمة العصر، ترجمة محمود محمود، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة سنة ١٩٦٣م، ص٩٨–١١٢، حيث نجد بحثًا فلسفيًّا لآينشتين، بالإضافة إلى ما هو مطروح في الجزء الخاص عن آينشتين في مجموعة بول آرثر شيلب عن الفلاسفة الأحياء.
٩٣  K. P., L. S. D. p. 38.
٩٤  K. P., C. and R., p. 266.
٩٥  Ibid, p. 288.
٩٦  Ibid, p. 228.
٩٧  K. P. U. Q., p. 89.
٩٨  بوبر يعنى عناية خاصة بكارناب بالذات، معظم الأفكار المطروحة في نقد معاييرهم — أي الفصل التالي — مأخوذة من مقال طويل جدًّا كتبه بوبر عن كارناب، كتب لتنشر في الجزء الخاص بكارناب من مجموعة بول أرثر شليب، مكتبة الفلاسفة الأحياء، ثم أعيد نشره في كتاب «الحدوس الافتراضية والتفنيدات».
٩٩  K. P., C. and R., p. 273.
١٠٠  Ibid, p. 273.
١٠١  Karl Popper in: Bryan Magee Modern British Philosophy, p. 273.
١٠٢  Ibid, p. 135.
١٠٣  Ibid, p. 139.
١٠٤  K. P., O. K., p. 120.
١٠٥  Karl Popper, in: Bryan Magee, Modern British Phil., p. 139.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١