الفصل الثالث

بوبر ينقد معايير الوضعية لتمييز العلم

مقدمة

(١) ما بُنِيَ على الباطل فهو باطل، لقد وضح بطلان الخطوط الأساسية للوضعية المنطقية على الأقل من وجهة نظر بوبر، فهل يمكن لهذه الوجهة من النظر أن تُرْفض آليًّا، أو كمحصلة منطقية، معايير التمييز التي ترتبت على الفلسفة الباطلة؟ كلا، لا يجوز هذا ولبوبر بالذات؛ لأنه فيلسوف النقد الذي يرسخ في الأذهان دائمًا النقد وكيف يكون، والنقد لا يكون أبدًا كليًّا؛ لأن الطابع المرحلي لكل بناء معقد، كان إحدى النتائج التي ترتَّبت على الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢» مما يلزم أن يكون النقد والإصلاح مرحليًّا جزءًا جزءًا، فبناءً على هذه النتيجة كان الخطأ الكبير الذي عابه بوبر على اتجاهات شتى، أبرزها موقف الوضعيين من الميتافيزيقا، وأسلوب الماركسية من الإصلاح الاجتماعي، أنهم يرفضون بناءً شامخًا يحوي مكونات عدة بجرة قلم واحدة.

لذلك لا بد وأن يكون النقد السليم لمعايير الوضعية لتمييز العلم جزئيًّا، ويمتنع على بوبر بالذات أن يجيء به كحكم كلي عام، يترتب على نقد الخطوط العريضة في الفصل السابق.

(٢) لكن لا بأس من إفراد الجزء الثاني من هذا الفصل، لوضع خطوط أساسية لنقد عام ينطبق على المحاولات كلها باتجاهها العام، ثم تنفرد الأجزاء التالية لنقد كل محاولة على حِدَة، فيكون الجزء الثالث لنقد التحقُّق، والرابع للتأييد، والخامس لمحاولتَي كارناب وفتجنشتين، أما الجزء السادس فهو خاتمة.

(١) نقد المعايير بصفة عامة

(١) ما هو النقد الكلي الذي ينطبق على المحاولات بصفة عامة، والذي يمكن استخلاصه من كتابات بوبر؟ أول ما يقال في هذا الصدد هو أن النزاهة جافت هذه المحاولات، ومجافاة النزاهة بلا مراء أخبث الأدواء الفكرية.

ذلك أن الوضعيين لم يكونوا يحاولون — لا بصدق ولا بإخلاص — وضع معيار لتمييز العلم، بل أرادوا تحقيق مهمة محددة سلفًا في أذهانهم، وهي إزاحة الميتافيزيقا تمامًا من عالم يودون لو ينفرد به العلم وحده؛ لأنه استحوذ كل إعجابهم، وسلب جنانهم، كانت محاولاتهم مغرضة، أي مسوقة بانحياز فلسفي مسبق؛ الميتافيزيقا لغو، مما منعهم من تأدية مهمة التمييز بالصورة اللائقة،١ بل لعلهم لم يهدفوا إلى التمييز أصلًا، بل هدفوا إلى تحطيم الميتافيزيقا، فكانت النزاهة كل النزاهة والإخلاص والجدية والتفاني فقط في محاولة إثبات أن الميتافيزيقا لغو.
(٢) ولو كان هذا التعبير «لغو» مرادًا به أنها لا تنتمي إلى العلم الطبيعي، لكان غير ذي اعتبار؛ لأن الميتافيزيقا تُعْرف عادةً بأنها تجريبية، ولكنهم أرادوا به أكثر من أنها لا تجريبية، أرادوا به تقييمًا محطمًا ومهينًا،٢ لغو: حكم كلي واحد ناقد للميتافيزيقا بأَسْرِها، ولما كان النقد الكلي أسلوبًا خاطئًا ذا نتائج مدمرة، أبرزها وضع النقد في غير موضعه، كما فعل بيكون في مواجهة كوبرنيقوس، وبيير دوهيم في مواجهة الذرية،٣ أي رفض المذهب كلية بمبدأ واحد، كما فعلت الوضعية في مواجهة الميتافيزيقا، فقد فشلت معاييرهم في تحقيق أي هدف؛ إذ يستحيل استبعاد كائن ثَرٍ رهيب مهيب كالميتافيزيقا بجرة قلم واحدة، ولا حتى على أنها لغو، لو كانوا يريدون استبعاد اللغو حقًّا، لأمكنهم هذا عن طريق اختبار الميتافيزيقا فكرة فكرة، كما ينبغي أن يكون النقد، ولو أنهم فعلوا هذا لكانوا قد تبينوا أن معظم عبارات الميتافيزيقا ليست لغوًا، ولكنه انحياز فلسفي مسبق.
(٣) ثم إنهم لم ينظروا إلى المشكلة على أنها اقتراح رأي بمعيار مناسب، يمكن عن طريقه تمييز العلم بل أوَّلوا المشكلة تأويلًا تطبيعيًّا naturalistic، أي على أنها مشكلة الكشف عن اختلاف يكمن في صميم الطبائع، طبيعة العلوم التجريبية من ناحية، وطبيعة الميتافيزيقا من ناحية أخرى.٤

وهذه النظرة التطبيعية هي نظرتهم إلى المعنى، فمبدؤهم يحتِّم أن أية عبارة تجريبية إما ذات معنى أو بغير معنى، وليس ذلك بالاتفاق فيما بيننا، ولا حتى بالقواعد التي اصطلحنا عليها، بل كمسألة أمر واقع، يعود إلى صميم طبيعة العبارة، كما يعود اللون الأخضر إلى صميم طبيعة النبات، وليس إلى القواعد المصطلح عليها بيننا.

وقد تمسكوا بهذا بعضد من نظرية الأنماط المنطقية، لكن صحيح أننا نستطيع أن نبني — كما فعل رسل — لغة مجسدةً لنظرية الأنماط، فتكون عباراتها غير مصوغة جيدًا، وغير ذات معنى، فإننا نستطيع أيضًا أن نفعل كما فعل زيرميلو وخلفاؤه؛ أن نبني لغة تكون عباراتها المطروحة للبحث غير خاضعة لنظرية الأنماط، لكن مصوغة جيدًا، وبالتالي ذات معنى وحتى صادقة،٥ فنظرية الأنماط تحكم حكمًا نسبيًّا فقط، خلو العبارة من المعنى بالنسبة لاستعمال معين، للغة معينة وليس حكمًا مطلقًا على صميم العبارة.

لتوضيح هذا النقد من بوبر، يمكن القول إنه ليس من الضروري أن نستخدم عبارات تؤدي إلى التناقض الذاتي، كالتي استخدمها رسل في توضيح الأهمية العظمى لنظرية الأنماط المنطقية، فمن الممكن استخدام عبارات تنطبق على مستويات منطقية مختلفة ولكنها ليست متناقضة كأن نقول: إنها جميعًا فئات لها أفراد قابلة للدخول في علاقات منطقية.

هذا النقد لاستخدامهم نظرية الأنماط، يحطم تطبيعهم لمبدأ الخلو من المعنى «أ عضو في أ» قد تكون خالية من المعنى في لغة معينة، ولكنها ستعود ذات معنى في لغة أخرى، البرهان على الخلو من المعنى بالنسبة للغةٍ ما — لغة العلم الطبيعي مثلًا — من الخطأ اعتباره برهانًا على أن التعبير بصميم طبيعته خالٍ من المعنى في كل اللغات كلغة الأديان مثلًا، إصدار مثل هذا الحكم ذو شأن عويص؛ إذ يجب إثباته في جميع اللغات المتسقة، ليس فحسب بل ويجب أيضًا إثبات استحالة وجود أية جملة ذات معنى في أية لغة متسقة، بديلًا للعبارة المطروحة للبحث، ولم يحدث أبدًا أن اقترح أحد الوضعيين كيف يمكن الإتيان بهذا البرهان،٦ لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أنهم — خصوصًا في عهودهم الأولى — كانوا يتحدثون عن اللغة بالمعنى المطلق، وظنوا أن في إمكانهم حذف أي مفهوم أو جملة لا يرونها ملائمة.٧

هذا نقد من بوبر لوجهة معينة من المعايير، وجهة اعتبار الميتافيزيقا خالية من المعنى بصميم طبيعتها، بعضد من نظرية الأنماط المنطقية.

(٤) على أساس هذا النقد أو التفنيد تبدو استحالة تحقيق هدفهم في تمييز المعنى عن اللامعنى، فالخطأ الكبير الذي تعثرت فيه المعايير هو المطابقة بين المعنى والعلم واللامعنى واللاعلم، هذه المطابقة هي التي كفلت رد سهامهم إلى صدورهم، فببساطة إذا كانت القضايا المتحققة وتحصيلات الحاصل هي فقط ذات المعنى، فإن أي نقاش حول المعنى سيصبح بدوره خاليًا من المعنى،٨ وتصبح كل المناقشات التي تشرح معايير الوضعيين لتمييز العلم هي بدورها ثرثرة بغير معنى، تظل المعرفة العلمية بغير معيار، ليس بوبر هو الذي نوَّه إلى هذا النقد، فقد وجَّهه رسل في نقده الشهير من أن معيار التحقيق غير قابل للتحقيق، بل ولا يبدو أن أحدًا تعرض لدراسة الوضعية، ولا حتى من الوضعيين أنفسهم ولم يلتفت إلى هذا الخطأ، والموقف الذي يستحيل أن يتسق، كما وضح إبان مناقشة المعايير نفسها.

ثم إن بعض العبارات العلمية قد تكون قابلةً للتحقق جدلًا، بينما نفيها غير قابل له، فهل تكون العبارة ذات معنى، بينما نفيها غير ذي معنى! هذا كلام لا يستقيم، أو هو لغو وضعي بغير معنى (هذا ما تفاداه كارل همبل في معيار القابلية للتأييد).

إذا أردنا مثالًا يوضح هذا النقد الوجيه من بوبر، فلنأخذ القانون العلمي الذي يسمى أحيانًا صياغة بلانك لأول قوانين الديناميكا الحرارية، وهو: «لا توجد آلة أبدية الحركة»، هذا قانون طبيعي، إذن ذو معنى، لكن الملاحظ أنه عبارة كلية، أي لا وجودية، والتي ثبت استعصاؤها على التحقيق، فمن الأحرى أن العبارة الوجودية المناظرة له، أي نفيه، تكون وقوعها داخل نطاق العلم أوضح وأكثر حسمًا، لكن هذه العبارة الوجودية هي «توجد آلة أبدية الحركة» ليست علمًا أي غير ذات معنى!

الحديث المتسق هو أن تكون العبارة صادقة، بينما نفيها كاذب، لكن كيف تكون العبارة ذات معنى ومجرد نفيها بغير معنى؟! أخْذُ الوضعيين بالمعنى واللامعنى جعَلَ الحديث يلتوي ويتناقض.

(٥) بل وإن خطأ المحاولات لم يقتصر على المطابقة بين العلم والمعنى من ناحية، واللاعلم واللامعنى من ناحية أخرى، بل تعدَّاها إلى تصور إمكانية الفصل الحاسم بينها، في حين أن الخط المميز الفاصل يستحيل أن يكون حاسمًا،٩ الأمر ليس ضربة قاصمة تشطر العبارات نصفين لا ثالث لها علم ولا علم، بل هناك درجات من السمة العلمية؛ أي درجات من القابلية لتطبيق المعيار الذي ينبغي أن يقترح لتمييز العلم.١٠
قصور معاييرهم عن مواجهة فكرة التدرُّج يبرز واضحًا بالإشارة إلى أن معاييرهم، لا تميز فقط العلم عن اللاعلم، بل وأيضًا المعنى عن اللامعنى، فتكون هذه المعايير لا تحل المشكلة، بل فقد تبدلها بمشكلة أخرى، هي مشكلة البحث عن معيار يفصل بين العبارات أو النظريات ذات المعنى الخصيب، وتلك ذات المعنى الفقير،١١ أي التدرج في المعنى.
ومن ناحية أخرى، فإن النظريات الميتافيزيقية — كما وضح آنفًا — رائدة للأفكار العلمية؛ لذا فإن المعايير الوضعية ستثير مشاكل ومتاعب لا جدوى منها،١٢ أو هي مضرة ستصيب العلم بإجداب، إذ ستطيح بكل ما ليس علمًا، فتضيع فرص إلهام كثيرة.

ثم إن تطور العلم عن الأساطير والميتافيزيقا، يحتِّم وجود حدود مشتركة بينهما، أو على الأقل باهتة، أي ستظل على الدوام بعض من الأفكار المشتركة بين العلم والميتافيزيقا، وهذا يوضح من ناحية أخرى أن الخرافات من شأنها أن تطور بعضًا من عناصرها القابلة للاختبار، حتى تصل إلى الدرجة العلمية.

الخلاصة أن الخط بين العلم واللاعلم متموج وليس مستقيمًا، والفصل الحاسم القاصم مستحيل.

(٦) تلك هي الخطوط العريضة للنقد الذي ينطبق على المحاولات ككل، حسب استخلاصها من كتابات بوبر: إنها ليست نزيهة، وتصورت إمكانية نقد أو هدم الميتافيزيقا بأسرها بمبدأ واحد، واعتقدوا أن رأيهم ليس رأيًا، بل كشفًا لصميم الطبائع، ثم طابقوا بين العلم والمعنى واللاعلم واللامعنى، وتصوروا إمكانية الفصل الحاسم بينهما.

كل هذه الأخطاء وغيرها، تأدَّت بجميع معايير الوضعيين إلى أن تكون مكنسة تكنس الكثير جدًّا: النظريات الفيزيائية الكلية، وتكنس القليل جدًّا، تترك معظم عبارات الميتافيزيقا وكل عبارات العلوم الزائفة؛ أي ببساطة نظل في فوضى معرفية، ومعايير للتمييز لا مبرر لإقامتها.

لكن المحاولات بَدَت في الفصل السابق عديدة ومتميزة، فلا بد من لقاء بين بوبر وبين كل محاولة على حِدَة، وليكن الجزء التالي للقاء بوبر أو نقده للتحقق، أهم المعايير وأبرزها وأكثرها شيوعًا وشهرة، إنه الأصل والعلم، أو على الأقل المعيار الوضعي الرائد.

(٢) نقد معيار التحقق

(١) أول ما يقوله بوبر في نقد التحقق، هو أنه مرفوض تمامًا، على أساس وطيد من رفضه، أو دحضه للاستقراء؛١٣ ذلك أن التحقق ليس إلا صورة أبسط، أو ظلًّا للمنطق الاستقرائي، فكما نجمع الملاحظات التجريبية لتفضي إلى القانون العلمي، نجمع المدركات الحسية لتفضي إلى العبارة العلمية، ليس هناك فارق حقيقي بين الاستقراء والتحقق، وقد سبق أن ذكرنا أن بيتر مونز قد أوضح أن الاستقراء له معنى ضيق يدور حول التكنيك الفني في اشتقاق قانون عام من عدد محدود من الملاحظات، وهو المعنى الذي كنا نتصرَّف في حدوده في الباب السابق، لكن المشكلة لها أيضًا معنى واسع: كيف ترتبط الكلمات التي نستعملها في وصف العالم بالعالم الذي يمر بخبرتنا؟ في إجابة الوضعيين على هذا، نجد الاستقراء بوصفه مبدأ يحكم فلسفة لغوية، قد اتخذ اسم معيار التحقق،١٤ ويكشف هذا عن نفسه بوضوح أكثر مع رائدهم فتجنشتين؛١٥ إذ يؤكد أن كل قضيةٍ لا بد وأن تكون قابلة للرد إلى قضايا ذرية، عرفها بأنها لوح أو أوصاف للوقائع.
يرفض بوبر التحقق، على نفس الأساس الراسخ الذي رفض به الاستقراء١٦ من الناحية الميثودولوجية، الوضعيون بلا جدال استقرائيون كبار، خصوصًا وأن الاستقراء كان لا يزال متربعًا على عرشه وقت نشأتهم وازدهارهم، وبالذات شليك وكارناب — في المرحلة الأولى من تطوُّره الفكري — كانا من حماة الاستقراء على أساس من حمايتها للمنهج التجريبي آنذاك.
وقد ذهب بيتر بيرنايز إلى استحالة استدلال قانون عام، أو احتمالية هذا القانون من حالات محددة، هي الحجة الأساسية التي يضعها بوبر ضد الاستقراء١٧ والوضعيين، ولكن جانَبَ بيرنايز الصواب، حجج بوبر ضد الاستقراء أوسع كثيرًا كثيرًا، من هذا، إذ لم يُشِر بيرنايز إلى أكثر من مشكلة الاستقراء، بوصفها حجة أمام التحقق، والمهم أن هذا ليس بالشيء القليل؛ إذ إن شليك حينما شعر بخطورة موقفهم بسبب مشكلة الاستقراء، حاول حل المشكلة بأن قال: إنه يعترف مع هيوم بأنه ليس هناك تبرير منطقي للعبارات الكلية؛ ذلك لأنه ليس هناك عبارات كلية، إنها ببساطة ليست عبارات حقيقية،١٨ بل محض قوانين تساعد على استنباط العبارات الجزئية الحقيقية (التحقق يكنس الكثير جدًّا)، هكذا تردَّى الأمر بالتحقق إلى الاعتراف بأن العبارات الكلية العلمية، مثل العبارات الكلية الميتافيزيقية، عبارات زائفة! أين هو إذن تمييز العلم.
(٢) وبخلاف الاستقراء ورفض بوبر له، فإن التحقُّق معيار بوصفه مصدرًا للمعرفة، فهو يعني أن الوضعية قد وجدت مصدرًا، هو الخبرة الحسية، إذا أمكن إرجاع العبارة إليه كانت فقط دون سواها — لها القيمة المعرفية — فكانت علمية ذات معنى ومشروعة، لكن هل المدركات الحسية، هي فعلًا المصدر النهائي للمعرفة بالطبيعة،١٩ أي للمعرفة العلمية، فتكون معيارًا يميزها؟

طبيعي أن يجيب بوبر على هذا بالنفي، لا الخبرة الحسية ولا أي شيء آخر يمكن أن يكون المصدر النهائي للمعرفة، فهو يرفض تعيين هذا المصدر، بل وينفي إمكانية الوصول إليه، ويصر على الترحيب بكافة المصادر، شريطة تعريض نتائجها للنقد.

لقد ظن الفلاسفة المعرفيون طويلًا أن مهمتهم هي البحث عن هذه المصادر، عن أصل المعرفة وأنهم إذا وجدوها فقد عرفوا من أين يأتون بالمعرفة المثلى، إنهم يبحثون دائمًا عن سلطة تحكم حياتهم المعرفية، وكانت أكثر المصادر يقينًا هي الله،٢٠ حتى جاء الوضعيون فواصلوا التيار التجريبي العتيد الذي يضع الخبرة الحسية — أي القابلة للتحقق هنا — في موقع هذه السلطة التي نستمد منها المعرفة المثلى، المعرفة العلمية التجريبية، هكذا نجد الفارق بين المعرفة التي ترتكن على الله سبحانه وتعالى، أو الكتاب المقدس وأرسطو، وبين المعرفة التي ترتكن على التحقُّق الحسي فارقًا مذهبيًّا طفيفًا، لكن للأسف المنهج واحد، هو المنهج الباحث عن مصدر للمعرفة ينصبه متسلطًا عليها كمصدر نهائي وكمعيار للصدق ولليقين.
هكذا نجد الفلاسفة الذين ظنوا أنفسهم يقيمون — بواسطة التحقق — ثورة مدوية، جعل منهم هذا التحقق في جوهر الأمر فلاسفة تسلُّطيين authoritarianism بهذا المعنى الرجعي التقهقري العتيق.
الخبرة الحسية بالذات، يستحيل أن تكون — كما يدعي التحقق — مصدرًا أو معيارًا، فكافة العبارات السلمية، التي لا بد وأن يكون لها معنى — بأية وجهة للنظر — ليست مؤسسة على الملاحظة، ولكن على كافة مصادر المعرفة، فإذا سئل شخصٌ عن عبارة ما: كيف عرفتها؟ وكانت إجابته قرأتها في جريدة الأهرام، أو في دائرة المعارف البريطانية فلا بد وأن تكون هذه الإجابة مقنعة أكثر من «لاحظتها أو وقعت في خبرتي الحسية.» لكن الوضعي قد يرد على بوبر قائلًا: ومن أين تعتقد أن جريدة الأهرام أو دائرة المعارف قد أتت بهذه المعلومة؟ لو أنك قد استأنفت البحث إلى ما فيه الكفاية فيقينًا ستنتهي إلى تقريرات حول ملاحظات لما تشاهده الأعين (وهي التي أسموها — بعد سقوط التحقق — جمل البروتوكول)، فحقًّا أن الكتب تقام على كتب أخرى، وحقًّا أن التاريخي — مثلًا — يستمد مادة عمله من الوثائق، لكن هذه الكتب والوثائق في النهاية مؤسسة على الملاحظات، وإلا كانت أشعارًا وأكاذيب أو ميتافيزيقا، أي كلامًا يخلو من المعنى: لا-علم.٢١
بوبر الآن سيبطل هذه الدعامة للتحقق على أساس الحجج التالية:
  • (أ)
    عملية تعقب أية معلومة إلى أسسها النهائية — حتى وإن كانت معلومة تجريبية — هي عملية مستحيلة، فإذا حاولناها ندخل في سلسلة من الإجراءات المملة المعقدة الشاقة، ونجد موضوع البحث في النهاية قد ازداد واتسع، ككرةٍ من الجليد تتدحرج فوق الثلج،٢٢ هناك استحالة نظرية في تطبيق المعيار، سيتشعب بدلًا من أن ينحلَّ — كما يظن الوضعيون — إلى سلسلة من الملاحظات الحسية البسيطة.
  • (ب)

    حتى الملاحظة الحسية في حد ذاتها، تتضمَّن هي نفسها تأويلًا، إنها مصبوغة بمعرفة الملاحظ، أما الملاحظة الخاصة فهي مستحيلة، وإن أمكنت فهي عقيمة غير مثمرة، بعبارة أخرى: العبارات التجريبية ليست محض مدركات حسية، بل فيها شيء آخر أضفاه الذهن، هذا النقد من بوبر قائم على أساس فكرته المعروضة في الباب السابق: فكرة إسقاط الاستقراء على أساس التوقعات أو الافتراضات العلمية التي تسبق الملاحظة التجريبية.

  • (جـ)
    ثم إن محاولة تطبيق المعيار باتِّساق، سوف تبطل ما أسماه آينشتين بالمهمة العليا للفيزيائي،٢٣ مهمة البحث عن الأسس النظرية العامة.
  • (د)

    وحتى المعلومات المقامة على ملاحظات حسية يمكن التحقُّق منها مباشرة، والتي قد تكون ذات أهمية كبيرة، قد تخطئ وبحسن نية، لا سيما إذا كان الحدث مثيرًا وجريئًا، أو حدث بسرعة، أو إذا كان من نوعية تغري بالتأويل أو تطلب تفسيرًا معينًا، هذا التفسير والتأويل في معظم الأحيان يشوه ما تمت رؤيته بالفعل، بعبارة أخرى: عملية التحقق الحسي إن أمكنت أصلًا، فهي مستحيلة الإمكان الخالص؛ أي النزيه، الآن قد بَدَتْ الاستحالة أمام فكرة التحقق أصلًا.

  • (هـ)
    وإن استحالة التحقق لقائمة في أبسط عبارة؛ لأن كل وصف يستعمل أسماء كلية، مما يجعل لكل عبارة — معنى ما — خاصية النظرية أو الفرض، أبسط مثال «هنا كوب ماء.» لا يمكن أن تحققها أي خبرة ملاحظة، والسبب أن الكليات التي ظهرت فيها لا يمكن أن تقصر على أي خبرة حسية محدودة، الخبرة الحسية الفورية، هي فقط الخبرة الحسية الفورية، حالة فريدة، أما كلمة كوب «مثلًا، فهي تشير إلى أجسام فيزيائية تعرض ما يشبه القانون في السلوك، وبالمثل كلمة ماء.» الكليات لا يمكن أن تُرَدَّ إلى فئات من الخبرات التحقيقية، إنها لا يمكن أن تؤسسها.٢٤
واضح أن هذا النقد قائم على أساس نظرية بوبر المنهجية، الشبه كانطية، التي ترى أن الذهن يخلق الفروض والتوقعات ثم يتلقى بعدها وعلى أساسها: الخبرات، وبالطبع هذه نظرة مرفوضة من الوضعيين نظرًا لحسيتهم المتطرفة، ولكن لما كانت هذه النظرية تشكل استحالة منطقية أمام التحقيق الخالص النزيه، فلا بد بالطبع أن يهبَّ «ألفرد آير» ثائرًا في وجه كل هذا، ويقول لبوبر: كلا! نحن لا نفسر الخبرات على ضوء التوقعات والفروض، بل إن الخبرة هي التي تمدُّنا بأساس كل تفسير لها.٢٥
ويستأنف آير الإحاطة بوجهة نظره قائلًا: لكن ما الذي يجعل الخبرة أساس تفسير معين دون غيره، وإذا اعتبرت بقعة حبر كوب ماء، فهل ما زال لديَّ تبرير لهذا؟ يجيب آير على هذا بأن اللغة التي يستعملها تتوقف على اكتسابه عادة قبول عبارات معينة، كنتيجة لاكتساب خبرات ملائمة، وعلى قدر ما تعلو هذه العبارات على الخبرة التي أقيمت عليها، فإنها تقيم توقعات قد تخيب،٢٦ واضح أن آير الآن يحذر حتى من النزر اليسير من نظرية بوبر، وهو يؤكد أن هذا هو شرط استطاعة تطبيق اللغة على العالم، بحيث لا يخيب هذا التطبيق دائمًا، ويؤكد آير أن التحقُّق يكفل فعلًا الربط بين الخاصة التجريبية — التي هي سمة العلم — وبين التعبيرات اللغوية، فيقول: إن الخبرة هي التي ترخص التأويلات التي أتعلم أن أقيمها عليها، وأنها — أي الخبرة — هي القاعدة العامة، قاعدة اكتشافنا للعالم ولا يبطلها أنها قد تخيب في أي وقت، وفكرة أن الخبرة قد تخيب أو تُحبط قائمة على دوران منطقي؛ لأني لا أحكم بأن خبرة معينة قد أُحبطت إلا على أساس خبرة أخرى،٢٧ وهكذا لم يزد آير على أن أكد فرض الوضعية الأساسي.
وقد رد بوبر على هذا ردًّا معقولًا، قال: إن هذا النقد لا يعدو أن يكون توضيحيًّا للخلاف الأساسي بينه وبين آير، أو بين الوضعية عمومًا، والمتمثِّل في أن الوضعية — وخصوصًا آير — تأخذ بنظرية الحس المشترك في المعرفة، التي ترى أن العقل دَلْو أو سلة تملؤها انطباعات الحس بالمعارف،٢٨ وهذه النظرية ما سبق أن فنَّدها بوبر بالتفصيل في الباب السابق.

إذن حتى الآن يمكن اعتبار هذا النقد من بوبر للتحقق، لا يعدو أن يكون رفضًا له على أساس وجهة نظره التي تخالف الوضعية؛ لذلك فهو في الواقع ليس نقدًا موضوعيًّا ملزمًا وما له هذا الشأن إنما هو الانتقادات التالية:

(٣) ونحن نناقش التحقُّق في الفصل الأول، بَدَت أمامه استحالة خطيرة، تتمثَّل في أن القانون العلمي، يتحدَّث عن أفق مفتوح، مليء بالإمكانيات اللامتناهية، مما يشكل استحالةً أمام حصر رده إلى الخبرة الحسية، والحق أن هذه الاستحالة، هي التي حَدَتْ بعضو الدائرة فردرش فيزمان F. Waismann إلى القول بأن هناك نقصًا خطيرًا في هذا المبدأ، وأنه لا وجود لتعريف أي حد تجريبي يحصر جميع الإمكانيات وكلما اصطنعنا الدقة في الملاحظة، وجدنا ذلك الأفق وقد ازداد اتساعًا؛ ومن ثم استحال عقد مقارنة بين القضية التي تقال، وبين الواقع الخارجي، الذي لم تستنفد ملاحظاتنا له كل إمكانية؛٢٩ لذلك اضطر فيزمان نفسه إلى الإقلاع عن الإيمان بهذا المبدأ رغم أنه أول من نَشَرَه بوضوح في مقال له عن التحليل المنطقي، في مجلة المعرفة Erkennits عام ١٩٣٠م.٣٠
وهذه الاستحالة الخطيرة — التي لا جدال فيها — هي التي جعلت التحقق «مكنسة تكنس الكثير جدًّا» إذ أفْضَت إلى القضاء على أنساق العلوم البحتة، وفي غمار تشوُّق الوضعيين للقضاء على الميتافيزيقا، ألقوا بالنظريات البحتة في نفس الهوة السحيقة، هوة العبارات الزائفة؛ لأن النظريات العلمية لا تتميز بقابلية الرد إلى تقريرات الملاحظة، أكثر مما تتميز به عبارات الميتافيزيقا.٣١
(٤) ثم كان خطأ التحقق العظيم، وهو المطابقة بين معنى القضية وأسلوب تحققها وصدقها، ولما كان التحقق نهائيًّا طالما هو واقع؛ وجب أن يكون الصدق بدوره نهائيًّا، غير أن الصدق النهائي؛ أي اليقين، مرفوض تمامًا في العلم المعاصر، وأول من يرفضه الوضعيون أنفسهم، وهذه المطابقة لا تخرق أسس العلم ومنطقه فحسب، بل وتخرق حتى الحس المشترك، أي الموقف العادي في الحياة اليومية؛ لأننا حين نريد التأكد من صدق معلومة، لا نبحث عن مصادرها، وإنما نحاول اختبارها، حقًّا هناك استثناءات لمعلومات نتأكد من صدقها بإرجاعها إلى مصادرها كالمعرفة التاريخية مثلًا، ولكن حتى في هذه الحالات، فإن المؤرخ لا يبحث في تأصيل المعلومات أو إثبات صدقها بإرجاعها إلى الخبرة الحسية المباشرة، الخبرة الحسية لا تكون أبدًا ضمان صدق معلومة، بل إن بعض المعلومات التي تدور حول وقائع غير قابلة للملاحظة قد تكون ذات الأهمية العظمى،٣٢ مثلًا الكوانتم للنظريات عن أصل الكون كالسديمية مثلًا.
غير أن ألفرد آير يثور أيضًا في وجه هذا النقد، ويقول: إن التحقُّق لا بد وأن يكون معيارًا للصدق، فإننا نبرر عبارة بأخرى، وهذه الأخرى بأخرى، مما يوقعنا في ارتداد لا نهاية له، لن يوقفه إلا العبارات التي تنقل الخبرات مباشرة، والسبب الوحيد الذي يجعلنا نتمسك بهذه العبارات هو أنها لا تحتاج تبريرًا أكثر، فهي مبررة بما فيه الكفاية، بواسطة الحدوث الفعلي للخبرات التي تصفها، وهذا يعني الحق في التأكد من صدق هذه العبارات، ليس بواسطة عبارة أخرى، لكن بواسطة واقعة الوجود المباشرة للخبرات موضوع البحث، والآن ليس هناك سببٌ معقول يبرِّر دعوى بوبر برفض اعتبار الخبرات مبررة مباشرة، وأن العبارات المعبرة عنها تعطينا أساسًا ملائمًا لقبولها،٣٣ مرة أخرى: لم يزد آير على أن أكد وجهة نظره، ومرة أخرى نقول له: إن العبارات المقررة للخبرة بهذه السذاجة مستحيلة أصلًا.
غير أن آير يستأنف مناقشة بوبر، قائلًا: إن ما قرره — أي آير — آنفًا يبطل دعوى بوبر بأن المعرفة ليس لها أي مصدر غير مُعَرَّض للخطأ، والتي على أساسها كان هذا النقد للتحقق من أن صدق المعلومة ليس بإرجاعها إلى أصولها إنما باختبارها، يقول آير: إن هذا صحيح فقط في الحدود التي نجد فيها أن ما دعا المتحدث لأن يقول ما قاله، ليس أفضل الطرق لتحديد صوابها؛ لأن هذا هو ما يجعلنا نهتم أساسًا بقيمة المعلومة، أكثر مما نهتم بكفاءة المتحدث في أن يعلمنا بها، ولكن حتى هذا لا يؤيد دعوى بوبر؛ لأنها تفترض أن اختبار الوقائع بوصفه مصدرًا للمعرفة لا يعطي هذه المعرفة أي شرعية،٣٤ لكن بوبر يجعل مصير النظرية، أي قابليتها للتكذيب، وكذبها أو عدمه متوقفًا على اختبار الوقائع المناظرة للنظرية، وبالطبع فإن اختبار الوقائع يعني إجراء الملاحظات التي تجعلنا نقبل أو نرفض عبارات تجريبية معينة، هي التي ستحدِّد مصير النظرية، ولكن تبعًا لنظرية بوبر هذه، فإن اختبار الوقائع لا يشكِّل اختبارًا لأي شيء؛ لأنه ليس مصدرًا للمعرفة، فلا يمكن إذن أن نخرج منه بأي شيء، وحقًّا أن هناك وقائع مثل الوقائع التاريخية لا يمكن اختبارها تحقُّقيًّا، لكن المعرفة لا بد أن تعتمد نهائيًّا على الملاحظة،٣٥ ويُبدي آير دهشته؛ لأن بوبر بذل قصارى جهده ليزلزل الاعتقاد بأن المعارف التاريخية، تعتمد في النهاية على شهادة الأعين للأحداث التي تشير إليها، وأنه يذكرنا دائمًا بأن الأعين عصبيًّا قابلة للخطأ، ناسيًا أنه في نهاية التحليل لا بد وأن يكون الأساس الوحيد لكيلا نثق في شهادة أعين معينة، هو شهادة أعين أخرى نثق فيها أكثر.٣٦

وليس من العسير رد هذه الدعاوى الفارغة من آير، فإن اختبار النظرية بواسطة الوقائع لا يعني التحقق منها، فالتحقق غير مطلوب نهائيًّا؟ وإذا كان هناك هدف من الاختبار بالوقائع، فهو محاولة التكذيب، ثم إن الأمر اختلط على آير كما هو واضح؛ فقد كان يهدف أصلًا إلى دحض أفكار بوبر لأن يكون التحقق مصدرًا للمعرفة؛ وبالتالي محكًّا للصدق، وواضح أن كل ما قاله لا يعني إطلاقًا أن التحقق؛ أي الخبرة الحسية مصدرًا، بل يعني نفس ما يعنيه بوبر من أن الخبرة الحسية تحدد مصير النظرية، بعد أن نكون قد وصلنا إليها من أي مصدر شئنا.

مناقشة آير لا تعدو أن تكون ثرثرة وضعية، تلف وتدور حول فروضهم المسبقة التي جانبت الصواب، ولم تُضِفْ شيئًا غير أن التقاليد الأكاديمية لم تكن تسمح بتجاهل مناقشة آير، فالمفروض أنه فيلسوف له شأن عظيم خصوصًا في الفلسفة الإنجليزية المعاصرة، والخطأ أصلًا، أن نمنح أي وضعي منطقي هذه المكانة، طالما أنهم ينفرون من الفلسفة، وفي النهاية بعد أن اعتقد آير بأنه فنَّد بوبر، يقول: إن بوبر قد استبعد التحقق بوصفه محكًّا للصدق تفاديًا لتدخل العناصر الذاتية في البناء الموضوعي للعلم،٣٧ لكن آير جانَبَ الصواب هنا أيضًا — كما يجانبه في معظم المواضع — فبوبر لم يستبعد التحقق خصوصًا كمحك الصدق تفاديًا للعناصر الذاتية بل للسبب أو الأسباب السالف ذكرها، وأيضًا للأسباب الآتية:
(٥) لقد أوضح الفصل الأول أن التحقق منهاج لتمييز الكلمات أو المفاهيم ذات المعنى وليس فقط العبارات، والتحقق من الكلمات موقفه أسوأ؛ لأنه يعني تأويل الكلمات التي ليست ثوابت منطقية تأويلًا عدديًّا، لكي تصبح ذات معنى والتأويل العددي يعني إعطاء قائمة تحصي الأشياء التجريبية الواقعية التي تسميها الكلمة، ويمكن أن نسمي هذه الإحصاءات تعريفات عددية لمعاني الأسماء،٣٨ وتصبح اللغة محتوية فقط على هذه الكلمات المتحققة مع الكلمات المنطقية، وطالما أن بقية الكلمات بغير معنى، فهي إذن لغة عددية، لغة اسمية بحتة،٣٩ وهذه اللغة الاسمية البحتة لا تناسب إطلاقًا الأغراض العلمية؛ لأن جميع عباراتها ستكون تحليلية، إما يقينية وإما متناقضة ذاتية، وسيستحيل التعبير عن أية عبارة تركيبية فلا يمكن في لغة اسمية محضة صياغة جملة لا نستطيع تقرير صدقها أو كذبها بمقارنة قوائم التعريفات أو الإحصاءات للأشياء المذكورة في الجملة، وهكذا يكون صدق أو كذب أية جملة مقررًا بمجرد أن نعرف معاني الكلمات المذكورة فيها.٤٠
فمثلًا لو قيل: «أحمد، محمد، محمود … إلخ.» رجال فهم الذين يمكن الإشارة إليهم تحققًا من مفهوم رجل، ثم جاءت العبارة «محمد رجل.» لكانت بالطبع صادقة وذات معنى، وعلمية … لأن مفاهيمها متحققة، أما بوبر فيقول: إنها ستكون يقينية لأن السبب تحليلي محمد متضمن مفهوم رجل فنحن وضعناه في قائمة تعريفه ونحن نتحقق منه أما لو قلنا: «بوبي رجل.» لكانت خاطئة أي متناقضة ذاتيًّا، ولنفس السبب التحليلي وهو أننا لم نضع «بوبي» في قوائم التحقق من مفهوم رجل بل وضعناه في قوائم التحقق من مفهوم كلب،٤١ حيث إنه جرو، وبالمثل لو وضعت معنى «أبيض» في القائمة التالية:
  • (١)

    الورقة التي أكتب عليها.

  • (٢)

    منديل اليد.

  • (٣)

    السحب.

  • (٤)

    تمثال من الجليد.

فستكون العبارة «شعري أبيض» والتي لم أكن قد عرفتها بعدُ وأنا أضع القائمة كاذبة، بل متناقضة ذاتيًّا، مهما كان لون شعري الحقيقي.٤٢

الحق أن هذا نقد معقول من بوبر، فكرة أن ضرورة التحقق من الكلمات كي تكون ذات معنى، تعني أننا نحدد بدقة الدلالات الحسية للكلمة قبل أن نستعملها، معنى ذلك أن الاستعمال لن يكون إلا تركيبات منطقية ومن هنا نجد أن مبدأ التحقق من الكلمات الذي أكده شليك خصوصًا، سيفضي بنا إلى عالم من تحصيلات الحاصل، ولا قضايا تركيبية، وأَوْجَه ما في هذا النقد أنه يوضِّح خطورته على العلم ذاته، وحجتهم أنهم يضحون بكل شيءٍ من أجله فماذا أبقى لنا هذا المذهب المتناقض، بعد أن عرض العلم ذاته للخطر، فإن هذه اللغة ذات المفاهيم المتحققة، تسد الطريق أمام عالم، تكشف أمامه وقائع جديدة هذه اللغة غير ملائمة للأغراض العلمية لا يمكن صياغة الفروض فيها، أية لغة مناسبة للعلم هي على العكس تمامًا يجب أن تحوي كلمات لا يمكن تعريفها عدديًّا، ويجب أن تستعمل الكلمات الحقيقية، سواء أمكن تعريفها أو تحقيقها أم لا، بعبارة أخرى: كل فرضٍ علمي جديد، يفتح أفقًا جديدًا، فكيف نعبِّر عنه بلغة اسمية، حددت سلفًا وبدقة مفاهيم كلماته، على هذا لا يبدو مسوغًا لرفض بعض المفاهيم لأنها ميتافيزيقية، فأين هو التمييز، إن التحقُّق من المفاهيم لا يناسب إطلاقًا، لغة العلم فضلًا عن أن يميزه.

لقد كان نقد بوبر في هذه الفقرة منصبًّا على منحاهم الأسمى، وتعريفاتهم العددية للكلمات المتحققة، التي يريدونها تجريبية لدرجة أن تكون مجرد تجميعات عددية، من شأنها أن تسدَّ الطريق أمام تقدُّم العلم، وبغير أن تميزه أصلًا.

(٣) نقد معيار القابلية للتأييد والاختبار

(١) أما عن أولى بدائل التحقق، أي القابلية للاختبار والتأييد، فعلى الرغم من أنها — كما أوضح فيكتور كرافت — استجابة لنقد بوبر، ومحاولة للخضوع له خضوعًا تسمح به مبادئُهم الوضعية،٤٣ فإن بوبر ما زال يرى فيها مجرد محاولات لاستبعاد الميتافيزيقا ولصياغة مبدئهم التجريبي، بصورة أكثر دقة، فحينما أُسْقِطَ في يد التحقُّق ظن الوضعيون أن هذه البدائل كفيلةٌ بإنقاذ الموقف، لكن الأمر لم يكن هكذا، فإن التحقُّق كان على الأقل واضحًا وبسيطًا وقويًّا، أما هذه البدائل فعلى النقيض تمامًا٤٤ لم تكن واضحة بل ملغزة ومعقدة، لا تعدو أن تكون صورًا ضعيفة مضعفة من التحقق.
(٢) ثم إن هذا المعيار مجرد تجسيد للمنهج الاستقرائي، أكثر من التحقُّق إذ اتخذ هذا المعيار في أحد أطواره، المنطوق «ينتمي التعبير اللغوي للعلوم التجريبية، فقط إذا أمكن تأييده بواسطة المعيار الاستقرائي، أو الدليل الاستقرائي.» وذلك على يد كارناب في كتابه «الأسس المنطقية للاحتمال»، «متصل المنهج الاستقرائي»٤٥ ها هنا التمييز الصريح بواسطة المعيار الاستقرائي، مما يجعله مدموغًا بسقوط الاستقراء ربما أكثر من التحقق.

(٣) كما أن معيار التأييد لن يميز العلم أكثر مما يميزه التحقق، فالعبارة تكون أكثر قابلية للتأييد، كلما كانت أكثر قابلية للاختبار بمقاييس الوضعية أي كلما أمكن اشتقاقها من عبارات الملاحظة؛ فالتأييد — كما أوضح الفصل الأول — يعني اتصال العبارة بفئة من عبارات الملاحظة من هذه الوجهة تكون النظريات غير قابلة للتأييد بدرجة عالية؛ لأنها غير قابلة للاشتقاق من عبارات الملاحظة فهي غير قابلة للتأييد بصورة مرضية، تمامًا كما أنها غير قابلة للتحقق بصورة مرضية وما زال معيار التأييد يستبعد الهامَّ من العلم؛ النظريات الكلية المثمرة.

ولما تبين الوضعيون هذا، راح شليك يشرح كيف أننا في العلم لا نحتاج للقوانين الكلية حقيقة، وأننا نستطيع الاستغناء عنها، «معايير الوضعية مكانس تكنس الكثير جدًّا، تكنس القوانين الكلية العلمية.» فقد اعترف شليك أنها غير قابلة للتحقُّق لكنه لم يملك إلا التأكيد على ضرورتها للتنبؤ،٤٦ أما كارناب فأمام استحالة تأييدها قال: إنها غير ضرورية إطلاقًا، أوَلم يقل بوبر: إن التأييد صورة ضعيفة مضعفة من التحقُّق؟!
من السهل جدًّا الإتيان بفئة جمة من عبارات الملاحظة تؤيد قضايا علوم التنجيم والفراسة، مراعية لأدق قواعد معيار التأييد وليس فحسب، بل وإن أخبث عبارة ميتافيزيقية يمكنها أيضًا أن تجتاز هذا المعيار.٤٧

الخلاصة أن معيار التأييد — كسائر معايير الوضعية — مكنسة تكنس الكثير جدًّا (النظريات الكلية العلمية)، وتكنس القليل جدًّا (تترك العلوم الزائفة والميتافيزيقا)، والنتيجة أن نظل في فوضى معرفية، ومعيار للتمييز لا مبرر لأن يقام.

(٤) من ناحية أخرى، فإن كارناب قد طرح نظرية مسهبة في التأييد بمعنى الاحتمالية، وقد ظن أن هذا إعلاء من شأن المعيار على أساس الدور الهام لحساب الاحتمال في الصورة المطورة للاستقراء، تطويرًا يلائم سقوط الحكم بالصدق أو الكذب، وظهور منطقي ثلاثي القيم، يضع قيمة اللامعنى بينهما وهو المنطق الذي يحكم العلم الآن، وقد اعتبر الوضعيون اختبار القابلية للتأييد سبرًا لدرجة الاحتمالية، فلا يكون التأييد معيارًا يميز العبارة العلمية فحسب، بل وأيضًا يعين درجة احتماليتها، وتبعًا لوجهة النظر الاستقرائية التي تبحث عن أعلى درجة من الاحتمال، فإننا سنبحث عن العبارات ذات قابلية التأييد العالية، وهذا من شأنه أن يرسخ معيار القابلية للتأييد، ويعظم من أهميته.٤٨
غير أن بوبر يرى أن القوانين العلمية الكلية لها درجة الاحتمالية صفر؛ لأن هناك تناسبًا عكسيًّا بين المحتوى المعرفي وبين درجة الاحتمال، فالعبارات التحليلية — تحصيلات الحاصل — ذات المحتوى المعرفي صفر، هي وهي فقط ذات درجة الاحتمالية واحد صحيح، أي اليقين، وكلما ارتفعت درجة المحتوى المعرفي، كلما انخفضت درجة الاحتمالية، وقد عبر بوبر عن هذا قائلًا: الاحتمالية المنطقية للجملة «س» بالدليل المعطى «ي»، تنقص حينما يزيد المحتوى المعرفي ﻟ «س»،٤٩ ونظل نسير في هذا المسار التنازلي للاحتمال، حتى نصل إلى النظريات الفيزيائية البحتة أي القوانين الكلية، وهي ذات أعلى درجة من غزارة المحتوى المعرفي، فنجدها ذات أدنى درجة من الاحتمالية أي صفر، أو قريبًا من الصفر؛ لذلك فبوبر — كعادته دائمًا — عكس الاستقرائيين، يرى أن الاحتمالية العالية ليست إطلاقًا هدفًا من أهداف العلم؛ لأنه — أي بوبر — يؤكد على الطابع الإخباري للعبارات العلمية، العلم يهتم بالنظرية ذات المحتوى المعرفي العالي؛ وبالتالي ذات الاحتمالية المنخفضة، وهو لا يهتم بعبارة درجة احتماليتها عالية، ومحتواها المعرفي غث تافه، لكن يهتم بالفروض الجريئة ذات المحتوى المعرفي الغزير والاحتمالية المنخفضة، ويا حبذا لو كانت صفرًا فإنه سيعني أن المحتوى ضخم للغاية.
وقد يبدو هذا تناقضًا، فمثلًا جيوفيري وارنوك يرى في هذه النظرية الاحتمالية البوبرية تناقضًا ظاهريًّا واضحًا، كيف يرى بوبر أن قبول العبارة العلمية ليس في ذات الهوية مع درجة احتماليتها الاحتمال بمعنى حساب إمكانيات الحدوث، كيف يرى بوبر أن صدفه حدوث قانون عام معين، والتي تعطي عددًا كبيرًا لاحتمالات كثيرة، هو في الواقع صفر؟ هذه النظرية لم تقنع وارنوك، وهو يقول ببساطة: إن الأمر الواقع ليس هكذا.٥٠

وفضلًا عن أن وارنوك لم يفهم بوبر جيدًا في أكثر من موضع، أو في كل موضع، وفضلًا أيضًا عن أنه قال هذا فقط بسبب خضوعه الدوجماطيقي لسلطان الاستقراء، فإن لنا أن نستأنف عرض نظرية بوبر بما هو كفيل بفك هذا التناقض الظاهري؛ إذ إن الاحتمالية العالية لو كانت هدفًا للعلم، لأصبح العالم يفضل الاهتمام بتحصيلات الحاصل بينما هدفه هو تقدم العلم، والإضافة إلى محتواه المعرفي، والفلاسفة الاستقرائيون المعتقدون أن العلم يجب أن يهدف إلى الاحتماليات العالية لا يستطيعون التعامل بعدالة مع حقائق من قبيل أن صياغة القوانين الكلية واختبارها هي أهم هدف لمعظم العلماء، وأن قابلية العلم للاختبار البين ذاتي تعتمد على هذه القوانين، أي من الخطر أو من المستحيل احتذاء حذو كارناب في القول بأنها غير ضرورية.

إن درجة تأييد العبارة العلمية وحسب مفهوم بوبر للتأييد؛ تعتمد على قسوة اختباراتها وصمودها أمام هذه الاختبارات؛ أي تعتمد على درجة قابليتها للاختبار، ودرجة القابلية للاختبار بدورها تتناسب تناسبًا طرديًّا مع غزارة المحتوى المعرفي، أي تناسب عكسي مع درجة احتماليتها، إذن طالما نريد درجة عالية من التأييد، فإننا نريد محتوى معرفيًّا عاليًا، أي احتمالية منخفضة.

إذن هناك استحالة منطقية في إقامة معيار التأييد على أساس إدخاله في ذات الهوية مع الاحتمال، الذين لا يرون هذا ويصرون على البحث عن الاحتمالية العالية — كجيوفري وارنوك — مبدؤهم هو: اختر دائمًا الفرض الأكثر احتمالية، أي الفرض ذا المحتوى الأقل، وأيضًا اختر الفرض ذا أعلى درجة من الخاصة المغرضة Ad Hoc أي الذي يضم عناصر مغرضة؛ بغية تحقيق الاحتمالية العالية، ولما كان العلماء لا يحبذون الفروض المغرضة، كان هدف الاحتمالية العالية يُفضي إلى قاعدة متناقضة، وسننتهي إلى وضع فرض يلائم كل الحقائق المعروفة، ويتجاوزها قليلًا قدر الإمكان،٥١ أي ستنتهي إلى عبارة لا علمية على الأصالة ويا له من تمييز للعلم.

(٥) لقد انتهت الوضعية إلى أن جميع القوانين الكلية لها درجة التحقُّق صفر، كما أوضح كارناب نفسه في أي عالم لا متناهٍ، وحتى في أي عالم مننتاهٍ عدد الأشياء والأحداث فيه واسع، بما يكفي، فإن درجة تحققه لن تتميز عن الصفر، ونظرًا لارتباط التأييد بالتحقق، وارتباطه السابق بالاحتمال، فإن القوانين الكلية غير قابلة للتأييد، أي تأييدها صفر.

حاول كارناب مواجهة هذا بتقديم مفهوم جديد أسماه المعدل qualified، معدل حال تأييد القانون «ل»، بحيث نصل في النهاية إلى درجة تحقُّق قريبة من الواحد بدلًا من الصفر، وذلك بقياس درجة تأييد القانون بقياس درجة تأييد حالة من حالاته،٥٢ ولكن لم يذكر كارناب أن هذا المعيار الجديد يجتاز بصفة فعلية أيًّا من المعايير أو النظريات التي أقامها في حساب الاحتمال، طالما أنه يُعْنى بالتأييد الاحتمال، وربما لم يكن يستطيع إثبات هذا؛ لأن حال تأييد القانون «ل» بالدليل «د»، هي ببساطةٍ ليست دالة احتمالية من «ل، د».٥٣
إن التأييد بهذه الوجهة الاحتمالية، ليس معيارًا غير ملائم فحسب بل وإنه خطير، فإذا كان التأييد — الذي هو الاحتمال — صفرًا، فإن درجة عقلانية الاعتقاد في قانون مدعم جيدًا، لن تختلف تقديريًّا عن صفر، أو عن درجة عقلانية الاعتقاد في قانون مفند أو حتى في جملة متناقضة ذاتيًّا٥٤ (لنلاحظ أنه في فلسفة بوبر درجة عقلانية الاعتقاد في قانون، تعتمد على درجة تأييده، حسب مفهوم بوبر للتأييد).
وإذا أردنا أن نتلافى كل هذا، فلا بد من الاعتراف بأن الوضعية أخذت بتعريف خاطئ للتأييد وأخطأت أكثر حينما جعلته بمعنى الاحتمال أن كارناب لم يحاول أن يوضح أن حالات التأييد التي نتوصَّل إليها تكون متسقةً دائمًا مع مسار الكشف العلمي، فمثلًا لم يحاول توضيح أن كل قانون تم تفنيده له حالات تأييد أقل من حالات تأييد قانون صمد للاختبار.٥٥

أما فكرة بوبر في أن احتمالية القوانين الكلية صفر، فكونها مناقضة للحس المشترك أو للمألوف، ليس مبررًا كافيًا لتركها، والوقوع في كل هذا الالتواء في مفهوم الوضعية للتأييد، لم يسعف التواءه وتعثره الشديد كمعيار للعلم.

كل هذا جعلهم هم أنفسهم يتركونه في محاولة وضع معيار جديد هو لغة العلم.

(٤) نقد لغة العلم

(١) أما عن مشروع كارناب لبناء لغة للعلم، فهو في رأي بوبر ليس إلا محاولة أكثر سفسطائية، لكن هجران كارناب للتحقيق وبدائله، وللنظرية التطبيعية في الخلو من المعنى، في سبيل هذه اللغة، تطور على درجة كبيرة من الأهمية ومرغوب،٥٦ ويبدو أنه مرغوب في نظر بوبر؛ لأنه يمكن من النقد الحاسم، ولأن دلالته الحقيقية هي أنه يحطم مبدأ خلو الميتافيزيقا من المعنى.

(٢) لكن كان لهذا المشروع مرحلة أولى، هي اللغة الفيزيائية، خلاصة نقد بوبر لها هو كالآتي:

إنها تجعل أية عبارة حول كائنات لا فيزيائية بغير معنى، على هذا فالعبارات التي تصف إحساسات وعواطف لا تدخل في نطاق هذه اللغة فتصبح عبارات جميع الخبرات الذاتية في نفس المستوى المنطقي مع العبارات الميتافيزيقية الثيولوجية، وهذا ليس في صالح اتجاه الوضعية المُعادي للثيولوجيا وللميتافيزيقا؛ لأن الميتافيزيقيين والثيولوجيين يُسعدهم جدًّا اعتبار عبارة مثل «الله موجود، والروح موجودة» هي على وجه الدقة في نفس المستوى المنطقي مع عبارة مثل «لدي خبرات واعية» أو «توجد مشاعر مثل الحب والكراهية، متميزة عن الحركات الجسمانية والفيزيائية التي كثيرًا — إن لم تكن دائمًا — ما تصاحبها.»٥٧

بعبارة أخرى: من المسلَّم به أن هناك مستويين من الكائنات؛ مستوى فيزيائي ومستوى لافيزيائي، اللغة الفيزيائية تهدف إلى حذف المستوى اللافيزيائي، لكن أحد أوجه هذا المستوى هي العواطف والمشاعر والانفعالات لا سبيل إلى نكرانها، وبالتالي لا سبيل إلى حذف هذا المستوى، فلنضع فيه جميع الكائنات الميتافيزيقية والثيولوجية.

أما عن محاولة رد هذا النقد بالفلسفة السلوكية، وقابلية الرد إليها فهو في رأي بوبر ليس إلا ميتافيزيقيات مادية وقعت في مصائد لغوية،٥٨ ويمكن توضيح هذا على النحو التالي:
أولًا: المدرسة السلوكية في علم النفس، هي مدرسة تنكر أي احتياج للشعور أو اللاشعور، وتفسر السلوك كله في ضوء الأفعال المنعكسة الشرطية؛٥٩ لهذا فهي ترى أن البحث النفسي والاجتماعي، يعتمد في وصفه وتفسيره على الوقائع الملاحظة؛ وبالتالي على السلوك العادي للموضوعات التي يقوم بدراستها وهم يؤكدون على أن منهجهم يقوم على الخبرة نفسها،٦٠ بل وإن بعض السلوكيين المتطرفين المعبرين عن السلوكية المختزلة Reductive Behaviourism رفضوا وجود ظواهر عقلية على الإطلاق، مبررين هذا بإنكار وجود أي موضوع خاص بعلم النفس وحده، لا يوجد ما يسمَّى بالوعي أو الشعور، كل ما هنالك سلوك وميول للاستجابة على نحوٍ معين تجاه مثيرات معينة، أما الاختلاف بين ما هو عقلي وما هو فيزيقي فلأن العمليات أو الحالات العقلية أنواع خاصة من العمليات أو الحالات الفيزيقية، وهم يركزون على تطوير النظريات التي تتضمن تعبيرات أو عمليات فيزيائية أو كيميائية أو فسيولوجية ليثبتوا اتجاههم.

وكما هو واضح فالمدرسة السلوكية مادية على الأصالة، وهي بالطبع اتجاه الوضعية بإزاء علم النفس، ولكارناب وهمبل بالذات باعٌ طويل فيها.

والآن فإن ركيزة نقد بوبر للغة الفيزيائية من وجود العواطف والمشاعر كضرورة لوجود مستوى لافيزيائي، يمكن ردها تمامًا داخل الفلسفة السلوكية فتكون مجرد ردود أفعال سلوكية لمؤثرات بيئية محض فيزيائية، وبذلك يسقط نقد بوبر، والسلوكيون يستطيعون فعلًا استبعاد كافة التفسيرات الداخلية ليستبقوا فقط التفسيرات السببية الخارجية القائمة على الملاحظة المباشرة والتجربة المحدودة بإزاء السلوك الخارجي للظاهرة.

لكن بوبر يجيب على هذا الرد بأنه مجرد محاولة لتفسير كائنات ميتافيزيقية تفسيرًا ماديًّا؛ بغية إرضاء مطالب لغوية.

هل أصاب بوبر في هذه الإجابة؟ الواقع لا، والظفر ها هنا للوضعية؛ لأن الاتجاه السلوكي في علم النفس اتجاه قوي، وعليه تعلق كل الآمال في التقدم المنشود لعلم النفس، منذ أن بدأ مع واطسن واستمر مع نيلر ميلر وسبنسر وتولمان وسيكنر وغيرهم وهو قوي؛ لأنه ينزع منزعًا وضعيًّا سائدًا في العلوم الإنسانية، التي تحاول أن تجعل من نفسها أفرعًا في العلوم الطبيعية بغية تحقيق ما حققه من نجاح؛ لذلك يقال: إن الوضعية المنطقية من الاتجاهات الفكرية المعاصرة التي لها دور في تطوير علم النفس وتقدمه،٦١ وذلك بمعنى أنها هي التي دفعت — أو ساعدت على دفعة — في الاتجاه السلوكي.
ولقد استبعد السلوكية الخبرات الداخلية للإنسان، باعتبارها ذاتية خالية من المعنى (منتهى الوضعية)؛ ولذلك تخلصوا من فئة الوعي أو الشعور،٦٢ حتى إنه يقال عن هذا الاتجاه: إنه يجعل من علم النفس علم نفس بغير نفس.

إنه اتجاه قوي، لا يمكن اعتبار تلك العبارة السابقة من بوبر، والتي قيلت نقدًا للفلسفة اللغوية تقويضًا أو حتى نقدًا له، ويجب أن يعترف بوبر بأن الاتجاه السلوكي فعلًا يرد نقده السابق.

على العموم إخفاق بوبر هنا، ليس بالشيء الكثير، فاللغة الفيزيائية أصلًا تركها واضعوها، وحاولوا أن يضعوا بدلًا منها لغة العلم الموحد.

(٣) ولغة العلم الموحد مجرد تعميم للغة الفيزيائية، وقد حققت هدف كارناب في الخضوع لقواعد صارمة محددة؛ إذ لا يمكن للغة مثل هذا الخضوع إلا إذا كانت صناعية،٦٣ لكن هل حقَّقت بهذا الخضوع هدف التمييز؟
قيل: إنه نناقش المعيار ذاته؛ أي اللغة، يجمل بنا أولًا أن نناقش أساسها أي جمل البروتوكول، فما الذي قاله بوبر في هذا النقد:
  • أولًا: فكرة جمل البروتوكول، ليست من ابتداع الوضعية تمامًا؛ فقد سبق أن نادى بها رايننجر Reininger، وكانت نقطة بدايته التساؤل الآتي: أين يقع التناظر أو الاتفاق بين العبارات وبين الوقائع أو الحالات أو الشئون التي تصفها؟ ووصل إلى استنتاج مؤداه أن العبارات يمكن أن تقارَن فقط بالعبارات — نفس ما وصل إليه نيوراث وكارناب — وتبعًا لرأي رايننجر، فإن التناظر بين العبارة والواقعة ليس إلا تناظر بين عبارات تنتمي إلى مستويات مختلفة من العمومية، فالتناظر بين عبارات من مستوى عمومية عالٍ، ومع عبارات لها نفس المحتوى المعرفي، لكن من مستوى عمومية أقل، ويظل هذا التناظر يتدرج تنازليًّا في مستويات العمومية حتى نصل في النهاية إلى العبارات المسجلة للخبرة، والتي يطلق عليها رايننجر اسم العبارات العنصرية Elementary statements.٦٤

    وهي ليست إلا ما أسماه كارناب ونيوراث جمل البروتوكول.

    بل وأكثر من هذا فإن رايننجر مثل نيوراث، رفض اعتبار هذه الجمل غير قابلة للتعديل أو النقد، لكن رايننجر أعطانا منهجًا لاختبار العبارات العنصرية في حالة الشك فيها، وهو منهج مفاده استنباط نتائجها واختبار هذه النتائج،٦٥ أما نيوراث فلم يعطنا مثل هذا المنهج، ولا هو أعطانا أية قواعد أو أسس لقبول جمل البروتوكول أو رفضها وبغير القواعد لا يمكن لعملية التمييز أن تتم عمومًا لم يكن نيوراث مهتمًّا بمشكلة التمييز، وكان طرحه لفكرة «جمل البروتوكول» مخلفًا أثريًّا أو ذكرى باقية لنظرية تقليدية ترى أن العلم التجريبي يبدأ من مدركات الحس (بالطبع يقصد بوبر الاستقراء).
  • ثانيًا: فكرة جمل البروتوكول ليست إلا النزعة السيكولوجية معبرًا عنها بأساليب كارناب، ونيوراث، فعملية إبدال الخبرات الحسية بعبارة دالة على الحس هو مجرد ترجمة النزعة السيكولوجية في النمط الصوري من الحديث،٦٦ لكن المعرفة الموضوعية علمتنا أن الخبرات الذاتية أو الشعور أو الاقتناع، لا يمكن أن تلعب دورًا داخل العلم إلا دور موضوع علم النفس،٦٧ ولا تجعل جمل البروتوكول مفضلة،٦٨ فضلًا عن اتخاذها أساسًا للعلم وتمييزه.
  • ثالثًا: لا يمكن رد صدق العبارة العلمية، إلى الخبرة الخاصة، النسق العلمي كليًّا وجزئيًّا يجب أن يكون موضوعيًّا، المرور بخبرة ذاتية لا يجدي في تبرير عبارة علمية أو حتى لا علمية، ولن يهتم العلم بأني مقتنع أو غير مقتنع بها حتى إن كان سبب هذا الاقتناع بانطباعات حسية لا يتطرق إليها شك الاقتناع الذاتي، لن يعني العلم إلا إذا أمكن طرحه موضوعيًّا، أي مؤيدًا باجتياز اختبارات نقدية منطقية تجريبية حاسمة، إذن يجب مراعاة الموضوعية في أسس العلم كما نراعيها في كافة مراحله، والجمل التي نتخذها أساسًا له، بدورها لا بد وأن تكون قابلة للاختبار البين ذاتي، على هذا لا يمكن أن يوجد في العلم عبارات نهائية غير قابلة للتكذيب من حيث المبدأ ولو عن طريق تكذيب بعض من النتائج التي تلزم عنها؛٦٩ لذلك وجب استبعاد فكرة جمل البروتوكول الصادقة أبدًا.
  • رابعًا: من ناحية أخرى فقد جعلت جمل البروتوكول لغة العلم ليست منتمية للفيزياء بما فيه الكفاية طالما تفسح مجالًا للخبرات الذاتية «تكنس القليل» وأيضًا تجعلها منتمية للفيزياء أكثر من اللازم؛ إذ تستبعد افتراضات هي فعلًا ميتافيزيقية، لكن لا بد منها للفيزيائي «تكنس الكثير» فأبسط عبارة عن مقياس الجهد الكهربي — وهذا مثال كارناب نفسه — لا تقبل مثل هذا الرد، ومعظم المفاهيم التي يعمل بها الفيزيائيون، مثل مجالات القوى وجسيمات الذرة، لا تقبل أي رد إلى جمل البروتوكول.
خلاصة نقد بوبر السابق لجمل البروتوكول هو:
  • أولًا: ليست ابتكارًا أو إضافة، بل هي تقليد لريننجر وتقليد مبتسر.
  • ثانيًا: ليس في العلم مجال للخبرات الذاتية أسس العلم مثلة يجب أن تكون موضوعية تمامًا.
  • ثالثًا: ليس في العلم عبارات مطلقة أو تعز على التكذيب.
  • رابعًا: نقد بوبر العام لمعايير الوضعية: هي مكانس تكنس القليل جدًّا وتكنس الكثير جدًّا تجعله جمل البروتوكول منطبقًا على معيار لغة العلم.

هذا عن نقد أساس اللغة، جمل البروتوكول.

(٤) أما عن اللغة ذاتها، فيمكن تنظيم خلاصة نقد بوبر لها على النحو التالي:
  • أولًا: وقبل كل شيء ليس هناك ما يسمى بلغة العلم، كي نشغل أنفسنا ببنائها رمزيًّا أو غير رمزي، أمثال هذه التجهيزات الفنية الرمزية المعقدة التي تهدف إلى محاولة إيراد صورة أو نسخة مصغرة للعلم، يستحيل أن تفيد أحدًا في عملية المعرفة لا العلم ولا الفلسفة ولا حتى الحس المشترك، ليس هناك أي نمط من الاهتمامات العلمية يمكن أن يصاغ في مثل هذه اللغة، هذه جهود لا جدوى منها ولا داعي لها، فضلًا عن أن تكون الجهود الفلسفية الوحيدة.٧٠
  • ثانيًا: هذه اللغة تحطم نظرية الوضعية التطبيعية في الخلو من المعنى، وبغير أن نترك أي أمل في إعادة بنائه، النقد الذي أبداه بوبر بشأن استعمالهم لنظرية الأنماط المنطقية، يطبقه هنا بوبر بصورة أخرى أكثر حسمًا؛ لأن البرهان على خلو العبارة ذاتها بصميم طبيعتها من المعنى، كان يجب أن يكون صادقًا بالنسبة لكل لغة كافية للعلم التجريبي، الميتافيزيقيون عالمون أن عباراتهم لا تنتمي إلى مجال العلوم التجريبية، فبداهة لن يتخلَّى أحد عن الميتافيزيقا فقط؛ لأنها لا تصاغ داخل العلم، أو داخل لغة مناسبة للعلم،٧١ لتكن الميتافيزيقا خالية من المعنى بالنسبة للغة العلم فهناك لغات أخرى كثيرة يمكن أن تصاغ فيها عبارات الميتافيزيقا بدقة وإحكام، هذا النقد يخرج منه بأن قصارى ما تثبته هذه اللغة هو أن الميتافيزيقا ليست فرعًا من العلم التجريبي ويا لها من نتيجة خطيرة!
  • ثالثًا: الوضعي المنطقي، وعالم الرياضيات البحتة كورت جودل Kort Gadel الذي ينتمي مع كارناب إلى مدرسة فريجه في بناء الأنساق، اشتهر بنظريتيه في اللااكتمال incompleteness theorems اللتين نال عنهما جائزة آينشتين؛ وهما: النظرية الأولى هي في أي نسق صوري ملائم لنظرية العدد، توجد صياغة غير قابلة للفصل undecidable أي صياغة غير قابلة للبرهنة، وأيضًا نفيها غير قابل للبرهنة.
    ولما كان من الممكن أن نضيف إلى هذا أن تلك الصياغة غير القابلة للفصل قد تكون صادقة، فإن النتيجة اللازمة للنظرية هي أن اتساق النسق الصوري الملائم لنظرية العدد لا يمكن البرهنة عليه داخل النسق نفسه، وتلك هي النظرية الثانية.٧٢
    والآن يتسلَّح بوبر بأن جودل بواسطة هاتين النظريتين، قد أثبت أن هذه اللغة الموحدة (النسق اللغوي الواحد) لن تكون كافية لوضع جميع تقريرات العلم، وإن كفتهم فلن تكون كافية لصياغة براهينهم، وبواسطة النظرية الثانية بالذات، نثبت أن المناقشة حول اتساق لغة العلم بواسطة اللغة نفسها هي مناقشة بغير معنى ولا جدوى،٧٣ هكذا دائمًا لا نجد أي أحاديث فلسفية بغير معنى ولا جدوى إلا أحاديث الوضعيين.
    ومن ناحية أخرى، فإن تارسكي — صاحب الكشف العظيم في التمييز بين اللغة الشيئية واللغة البعدية — قد أثبت أن أية لغة كلية واحدة تستحيل، وإلا فستكون متناقضة ظاهريًّا Paradoxical؛ إذ كيف يمكن التمييز بين اللغة الشيئية واللغة البعدية، بين لغة العلم ولغة فلسفة العلم، إنها ستكون ملتبسة لا توضح الحدود بينها، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة لما أوضحه بوبر من أن الخلط بين مجالي اللغة الشيئية واللغة البعدية هو أكبر أسباب تعثُّر فلسفة كارناب، وهو سبب صعوبة كتابه «التركيب المنطقي للغة» كما أن تارسكي يردف قائلًا: إن منطقها يقع حتمًا خارجها، فيضيف بوبر قائلًا: ولماذا لا تقع ميتافيزيقاها أيضًا خارجها إنها لن تستطيع استيعاب العالم كله، فتغلقه في وجه الميتافيزيقا.
  • رابعًا: وقد يعترض الوضعيون على كل هذا النقد من بوبر اعتراضًا مؤداه أن العلم المصوغ بدقة صارمة لم يكن مقصودًا، فكارناب اعتاد أن يتكلم — لا سيما في كتاباته الأخيرة — عن لغة كلية عامة مصطلح عليها universal مما يشير إلى أنه لم يكن يفكر في لغة كلية مصوغة بدقة، بوبر يردُّ على هذا بأنه قول صائب، غير أنه يحطم مرة أخرى صلاحيتها للتمييز؛ وبالتالي مبدأ خلو الميتافيزيقا من المعنى، فإذا لم تكن قواعد لغة العلم الكلية دقيقة صارمة، فإن الحكم بعدم إمكانية التعبير عن الميتافيزيقا فيها حكم جزافي بلا مسوغ يلزمه.٧٤
  • خامسًا: بل وإن بوبر سيثبت منطقيًّا، استحالة أن تميز العلم عن الميتافيزيقا، وها هنا نقد بوبر الذي يستطيع بحق أن يطيح بلغة العلم؛ لأن اللغة الملائمة للعلم يجب أن تحتوي مع كل صياغة محكمة نفيها، ولما كانت بالضرورة تحوي جملًا كلية أصبح عليها أن تحوي جملًا وجودية، هذا يعني أنها يجب أن تحوي جملًا عادة مما يعتبرها كارناب ونيوراث وسائر الوضعيين والمُعادين للميتافيزيقا؛ ميتافيزيقية.٧٥

المنطق يقسم القضايا إلى كلية وجزئية ويعتبر القضايا الكلية لا وجودية ليس من الضروري أن يكون لما صدق موضوع الجملة الكلية وجود حقيقي لكن موضوع القضية الجزئية، يجب أن يكون له ما صدق حقيقي وهي لذلك وجودية.

الآن تبدو الفقرة السابقة لبوبر غامضة، فمن المعروف أن قضايا الميتافيزيقا أقرب إلى الكلية أي اللاوجودية، فكيف باحتواء العلم على عبارات وجودية بالذات تكون محتوية على الميتافيزيقا، إنها تكون كذلك بناءً على الآتي:

سيضع بوبر فرضًا ميتافيزيقيًّا، موغلًا في الميتافيزيقية هو: «توجد روح مشخصة، قادرة على كل شيء، حاضرة في كل مكان، عالمة بكل أمر.» واضح أنه شبيه إلى حد ما بفكرة الألوهية، لكن بوبر لم يستطِع طرح مفهوم آلة الأديان كاملًا، فهو يعترف بأن البعد الأخلاقي الخير، لا يمكن فعلًا التعبير عنه في الحدود الرمزية للغة العلم.

ثم سيوضح بوبر كيف يمكن أن يبني هذا الفرض كتعبير مصوغ جيدًا أي له معنى في لغة العلم فقط يمكن أخذ القضايا الحملية الأربع الآتية بصفة أولية as primitive:
  • (١)

    الشيء «أ» يشغل الموضوع «ب»، أو بدقة أكثر «أ» يشغل موضعًا تمثل النقطة «ب» حيزًا منه بالرموز «مو «أ»، ب» أي العلاقة مو (موضع) تربط «أ» و«ب».

  • (٢)

    الشيء «أ»، آلة أو جسم، أو شخص، يمكن أن يضع الشيء «ب» في داخل الموضع «ﺟ» بالرموز، «ضع «أ، ب، ﺟ».»

  • (٣)
    «أ» يتفوه٧٦ ﺑ «ب» بالرموز «تو «أ، ب».»
  • (٤)

    «أ» سؤل عما إذا كان «ب» أم لا بالرموز «سو «أ، ب».»

    ونحن نفترض أن لدينا وتحت تصرفنا أسماء لكل التعبيرات على الصورة «مو «أ، ب».» و«ضع «أ، ب، ﺟ».» أيضًا للتعبيرات التي سترِد فيما بعد لمساعدتها.

    توخيًا للبساطة سيستعمل بوبر أسماء اقتباسية Quatation Names للدلالة عنها، ورغم أن هذا إجراء غير دقيق لا سيما حين تشير المقتبسات إلى متغيرات كثيرة، كما في رقم ١٤ إلا أنها صعوبة يمكن تخطيها.
    والآن فباستعمال ١، ٢ يمكن بسهولة تقديم الصياغات الآتية، بمساعدة التعريفات الواضحة (أي التعريفات المنطقية لتلك العبارات).٧٧
  • (٥)

    «أ» حاضر في كل مكان أو «ل» «كل مو «١».»

    وبمساعدة ٣، ٤ نطبق منهج كارناب في الرد، ونقدم الجمل الآتية:

  • (٦)

    «أ» قادر على كل شيء أو «ل» «كل ضع «أ».»

  • (٧)

    «أ» يفكر في «ب» أو «فك «أ، ب».»

    وكارناب يوصينا بأن نقبل مثل هذا المحمول، وبمساعدة (٧) يمكن أن نضع التعريفات الواضحة الآتية:

  • (٨)

    «أ» شخص مفكر أو «ش ف «أ».»

  • (٩)

    «أ» روح مشخصة أو «ش ر «أ».»

  • (١٠)

    «أ» يعرف أن «ب» في الموضع «ﺟ» أو «ف مو «أ، ب ﺟ».»

  • (١١)

    «أ» يعرف أن «ب» يستطيع وضع «ﺟ» داخل الموضع «د» أو «ف ضع «أ، ب، ﺟ، د».»

  • (١٢)

    «أ» يعرف أن «ب» يفكر في «ﺟ» أو «ف فك «أ، ب، ﺟ».»

  • (١٣)

    «أ» لا يسبر غوره (أيْ لا يعرف: «ف») أو «لا – ف «أ».»

  • (١٤)

    «أ» يعرف الواقعة «ب»، أو «ف «أ، ب».»

  • (١٥)

    «أ» موثوق «ب» أو «ث «أ».»

  • (١٦)
    «أ» عالم بكل أمر أو «كل ف «أ».»٧٨

على هذا النحو يمكن بمنتهى السهولة وضع صيغ وجودية رمزية محكمة هي ميتافيزيقية على الأصالة داخل لغة العلم (لذلك كان احتواء اللغة للعبارات الوجودية إمكانية لاحتواء عبارات ميتافيزيقية) وليست هناك أية صلة بين أحكام الصياغة اللغوية داخل الحدود الفيزيائية وبين الخاصة العلمية، أين هو المعيار الذي يميز العلم؟

(٥) وأكثر من هذا فمن الممكن الإتيان بشواهد تجريبية من الواقع تؤيد ذلك الفرض الميتافيزيقي — هذا إن لم يكن من الممكن تفسير كل واقعة تجريبية على أنها تؤيد السبب أنها عبارة تحصيل حاصل — أي صادقة منطقيًّا، درجة احتماليتها واحد صحيح (لنتذكر أن بوبر يؤكد أن درجة الاحتمالية لا ترجح النظرية العلمية) أو لا يمكن تمييزها عن الواحد في أي عالمٍ متناهٍ من حجم كافٍ.٧٩
إذ إن شواهد تجريبية وخبرات كثيرة يسهل جدًّا ردها إليها، وهذا يعني أنها ممكنة التحقق ولو بالمعنى الضعيف، أما درء هذا بأن التحقيق هو أسلوب تعيين صدق العبارة فهذا لا يساعد التحققيين،٨٠ لا سيما إذا نظرنا إلى العبارات العلمية التي لا نستطيع تعيين صدقها كالقوانين العلمية الكلية.
والخبرات التي تحقِّق هذا الغرض يمكن أيضًا أن تؤيده وليس أسهل من اختباره، إذا كان الاختبار يهدف إلى التأييد،٨١ إنه ممكن التأييد التجريبي بل وبقيمة عالية جدًّا لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار مفهوم القابلية للتأييد الأخير، بمعنى الاحتمالية، إن احتماليتها أكثر من احتمالية أي قانون علمي أصيل.

إن هذا الفرض الميتافيزيقي الخبيث الذي وضعه بوبر، لا يسقط لغة العلم فحسب بل وسائر معايير الوضعية لتمييز العلم، إنه الشاهد القوي الساطع على إخفاق المعايير في استبعاد الميتافيزيقا، أي فقدانها لمبرر وجودها.

(٦) والخلاصة أن لغة العلم لن ترسم سياجًا قويًّا حول العلم يميزه، بل ستبقى من مخلفات مبدأ ميتافيزيقي — هو العلم يبدأ بمعطيات الحس — اعتنقه يومًا نيوراث اعتناقًا مشوبًا بعاطفة شديدة، وكان بالمعية يشهرها كسلاح بتار في الحملة ضد الميتافيزيقا.٨٢

(٧) وفي ختام مواجهة بوبر لصديقه الشخصي وخصمه الفلسفي كارناب بقي تصنيف كارناب الأحاديث إلى النمط المادي (حديث العلم) والنمط الصوري (حديث فلسفة العلم) وفكرته القائلة إن كل الأحاديث يجب أن تكون قابلة للترجمة إلى النمط الصوري كي تكون علمية وذات معنى، بوبر يرفض هذا ببساطة، وقصارى ما يمكن قوله أن النمط الصوري أفضل من النمط المادي وذلك فقط حينما تكون ماهية الفلسفة هي التحليل اللغوي، وهذا ما انتهى دحضه الفصل السابق (جزء رقم ٣).

(٨) على هذا النحو ينزع بوبر معايير الوضعية تمامًا كي يخلي الطريق أمام التكذيب، غير أنه لم يتعرَّض لمعيار فتجنشتين المتأخر؛ فقد رآه لا يستحق حتى التعرض أو التفكر، فقد اكتفى بالإشارة إلى أن «بحوث فلسفة» — الذي طرح فيه فتجنشتين هذه المحاولة لتمييز العلم — غاية في الغموض والسخافة، يضايق من يقرؤه لدرجة الرغبة في البكاء،٨٣ وأنه غثٌّ وتافه وأنه — أي بوبر — حتى لا يختلف معه؛ لأنه لا يجد فيه ما يستحق الاتفاق أو الاختلاف!

خاتمة

(١) النغمة المسيطرة على هذا الفصل هي احترام وإجلال الميتافيزيقا، وبذل قصارى الجهد للزود عنها وهي في الواقع نغمة مسيطرة على كتابات بوبر بأسرها.

(٢) والنقد الذي كوَّن هذا الفصل لا يفيد في مشكلة التمييز فحسب، بل ويكمل الفصل السابق في إنجاز مهمة النقد الحاسم للوضعية على أساس الدور العظيم الذي تلعبه معايير التمييز في إقامة صلب المذهب.

وطالما أن النقد حاسم ومحيط بالمادة، فوجب الآن أن نعتبر الوضعية ومعاييرها من شئون الماضي أمرًا ذاويًا في تاريخ الفلسفة، وهذا هو الأمر الواقع فعلًا، لقد انتهت الحركة وسواء بفضل من بوبر أو غيره فلا بد أنها واقعة الرضا العظيم له فبعد القضاء على خرافة الاستقراء كان القضاء على الوضعية المنطقية ولا جدال أعظم آمال بوبر الفلسفية.

والآن فإن مناقشة ما إذا كان بوبر وضعيًّا أم لا، هي بداهة من نافلة القول السخيف، لكن المشكلة أن كثيرين يصرُّون على أنه هكذا!

١  K. P., C. and R., p. 264.
٢  K. P., L. S. D., pp. 35-36.
٣  K. P., C and R., p. 264.
٤  K. P., L. S. D., p. 35.
٥  K. P., C. and R., p. 263.
٦  Ibid, p. 263-264.
٧  Ibid, p. 271.
٨  Karl Popper in: Bryan Magee, British Philosophy, p. 42.
٩  K. P. C. and R., p. 255.
١٠  يمكن استثناء كارل همبل فقط من هذا النقد، فكما ذكرنا آنفًا، التأييد هو أسْلَم معايير الوضعية نسبيًّا.
١١  K. P., U. Q., p. 80.
١٢  Ibid, p. 88.
١٣  K. P., L. S. D., p. 35.
١٤  Peter Munz, Popper and Witgen Stein, in The Critical Approach to Science and Philosophy, edited by Maroi Bunage.
١٥  K. P., L. S. D. p. 36.
١٦  نلاحظ أن الدكتور ياسين خليل قد أثبت قصور معايير الوضعية عن تمييز العلم على أساس واحد هو قصور الاستقراء كمنهج للعلم، انظر: د. ياسين خليل، منطق المعرفة العلمية، ص١٧٤–١٧٨.
١٧  Peter Bernays, Concerning Rationality, in the Philosophy of Karl Popper, ed. by P. A. Schilpp. Volume I, p. 298.
١٨  K. P., C. and R., p. 21.
١٩  K. P., C. and R., p. 21.
٢٠  Ibid, p. 21.
٢١  Ibid, p. 21.
٢٢  Ibid, p. 29.
٢٣  K. P., L. S. D., p. 36.
٢٤  Ibid, pp. 94-95.
٢٥  A. Ayer, Verification, Turth, and Verisimilitude, in the Philosophy of Karl Popper, volume II, p. 688.
٢٦  Ibid., p. 688.
٢٧  Ibid., p. 688.
٢٨  انظر: [الباب الأول: المنهج الاستقرائي هل يصلح معيارًا لتمييز العلم – الفصل الثالث: حل مشكلة الاستقراء – نقد المشكلة في صورتها التقليدية] من هذا الكتاب.
٢٩  د. عزمي إسلام، لودفيج فتجنشتين، ص٣٦٧.
٣٠  John Passmare, A Hundred years of Philosophy, p. 368.
٣١  K. P., C. and R., p. 261.
٣٢  K. P., C. and R., p. 261.
٣٣  A. Ayer, Truth, Verification and Virisimilitude, p. 688.
٣٤  Ibid, p. 688.
٣٥  Ibid, p. 688.
٣٦  Ibid, p. 689.
٣٧  Ibid, p. 689.
٣٨  K. P., C. and R., p. 262.
٣٩  Ibid, p. 262.
٤٠  Ibid, p. 262.
٤١  Ibid, p. 282.
٤٢  Ibid, p. 262.
٤٣  Victor Kraft, Popper and the Vienna Circle, p. 201.
٤٤  K. P., C. and R., p. 214.
٤٥  Ibid, p. 279.
٤٦  Ibid, p. 284.
٤٧  انظر في هذا الجزء التالي من الفصل رقم ٥، فقرة رقم ٥.
٤٨  استقرائية الوضعيين المناطقة هي أساس احتماليتهم، فقد قال كارناب في فاتحة كتابه «طبيعة وتطبيق المنطق الاستقرائي»: إن أية حجة استقرائية بالمعنى الواسع أي بمعنى أية حجة ليست استنباطية وغير مبرهنة فلا بد وأن تُؤخذ على سبيل الاحتمال لذلك فالمنطق الاستقرائي هو عينة المنطق الاحتمالي.
Rudalf Carnap, the Nature and Application of inductive Logic (consisting of six sections from logical foundations of probability), The university of chicago press, chicago and Illinois; 1951.
٤٩  K. P., C. X. R., p. 286.
٥٠  G. J. Warmock, review of (Logic of scientific discovery), Mind, New series, 69. 1960, p. 101.
٥١  K. P., C. and R., p. 287.
٥٢  Ibid, p. 287.
٥٣  Ibid, p. 287.
٥٤  Ibid, p. 282.
٥٥  Ibid, p. 283.
٥٦  Ibid, p. 259.
٥٧  Ibid, p. 259.
٥٨  Ibid, p. 265.
٥٩  د. مكدونالد لأول، قاموس مصطلحات على النفس، ترجمة يوسف ميخائيل أسعد، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة ١٩٧١م، ص٢٠.
٦٠  علا مصطفى أنور، التفسير في العلوم الاجتماعية، رسالة ماجستير غير منشورة، إشراف د. أميرة مطر، جامعة القاهرة، كلية الآداب قسم الفلسفة، سنة ١٩٧٨م، ص١٦٤.
٦١  ك. هول. ج. لندزي، نظريات الشخصية، الترجمة، ص١٥.
٦٢  علا مصطفى أنور، التفسير في العلوم الاجتماعية، ص١٦٦.
٦٣  K. P., C. and R., p. 264.
٦٤  K. P., L. S. D., p. 95.
٦٥  Ibid, p. 97.
٦٦  Ibid, p. 97.
٦٧  Ibid, p. 49.
٦٨  Ibid, p. 95.
٦٩  Ibid, p. 46-47.
٧٠  K. P., L. S. D. Preface.
٧١  K. P., C. and R., p. 264.
٧٢  Encyclopedia for Philosophy, Volume 3 p. 348.
٧٣  K. P., C. S. R., p. 269.
٧٤  Ibid, p. 270.
٧٥  Ibid, p. 274.
٧٦  ترجمة للتعبير: A makes the utterance B.
٧٧  See: K. P., C. and R. p. 275.
٧٨  Ibid, pp. 275-276.
٧٩  Ibid, p. 281.
٨٠  Ibid, p. 277.
٨١  Ibid, p. 281.
٨٢  Ibid, p. 259.
٨٣  Karl Popper in: Bryan Magee, Modern British Philosophy, p. 141.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١