الفصل الرابع

تعقيب

مقدمة

(١) الكثيرون عرضوا للوضعية، والأكثر عنوا بنقدها لكن موضوع هذه الدراسة عرضتها من منظور جديد، يعني بأن دعائم المذهب على ممر تطوراته هي معايير لتمييز العلم فهي محاولات لتفريده وقصر المجال عليه، أما عن نقد بوبر، فهو أوفى نقد لها، ولا شك أن الفصلين الثاني والثالث قد أثبتا هذا؛ أن بوبر هو الرائد لكل نقدٍ علمي لها.

(٢) ولما كان نقد بوبر حاسمًا، ولما كانت الوضعية المنطقية موضوعًا فرعيًّا وليس الأساس في هذا البحث، فلا مجال لتعقب نقدها الواسع في شتى الدراسات الفلسفية شرقًا وغربًا ولا حتى بإبداء بعض الملاحظات على الوضعية ومعاييرها للتمييز،١ ويكفي أن نناقش موقف بوبر من هذا، فنصل إلى الخاتمة.

(١) تعقيب على موقف بوبر من التحليل اللغوي

(١) المنهج التحليلي جعل الوضعيين قادرين على الإحاطة بمشكلاتهم كل على حدة، وكان لفتهم لأهمية البحوث اللغوية إثراءً للفلسفة، إنهم إضافة حقيقية للاتجاه التجريبي العتيد، إضافة متطورة في تسلُّحها بالمنطق الرياضي وحملتهم على الميتافيزيقا — رغم تعنتها — كشفت عن مواطن لبس، ووجهت الفكر نحو موضوعات أكثر واقعية، لكن الوضعية المنطقية أخطأت بلا شك، ونادت بما يستحيل أن يقبله كل حريص على تقدُّم عنصر العقل من الإنسان، كان بوبر أكثر من رائع في ألَّا ينساق في تيارها التحليلي العاتي، فضلًا عن أن يأخذ على عاتقه مواجهتهم ونقدهم، وأن هذا الموقف النقدي أبرز المواقف التي تؤكد شجاعته الأدبية وأصالته الفكرية، فبينما يقول جيوفري وارنوك: «اعتاد الفلاسفة أن يأخذوا الأمر حسب الموقف الذي وجدوه، وأن يسبحوا باقتناع مع التيار.»٢ فإن بوبر يصرُّ على موقفه النقدي الثابت من الوضعية المنطقية، ويكون بهذا قد وقف وحيدًا في مواجهة تيار جامح تمامًا مثلما وقف في مواجهة عمالقة الفكر أفلاطون وهيجل وماركس في دعواه للمجتمع المفتوح، وكان دائمًا على مستوى المواجهة، أو يزيد.٣

لكن ورغم ذلك يستحيل أن نمر على موقف بوبر منها، بغير التعقيب عليه تعقيبًا ناقدًا، يوضح أخطاء بوبر، وبغير هذا النقد تكون صحبتنا لبوبر فيلسوف النقد لم تعلمنا الدرس الذي نرومه.

ولكن بادئ ذي بدء، ينبغي أن نضع في الاعتبار أن موقف بوبر المعروف في هذا الباب ينطوي على مواجهتين:
  • مواجهة مع التيار التحليلي عامة.

  • مواجهة مع الوضعية المنطقية خاصة.

ولما كان التحليل هو الأصل والوضعية فرعه، وجب أن نناقش موقفه من التحليل، ثم نناقش موقفه من الوضعية ورفضها للميتافيزيقا ومعاييرها في الجزء التالي.

(٢) لقد وضح أن بوبر يرفض رفضًا جذريًّا — وببساطة — التحليل اللغوي وتحليلات منطق للغة والسبب هو نظريته الوظيفية في اللغة؛ إذ يبغي منها ما يبغيه من مجرد أداة تؤدي وظائف معينة هي الإشارة والتعبير والوصف والجدل، وطالما تمت هذه الوظائف، فلا داعي البتة لما يرومه التحليليون من دقة فوق الحاجة.

وإن كان كلود برنار قد سبق دعوى بوبر وأكد على ألَّا نهتم أبدًا بالألفاظ، بل نهتم فقط بالوقائع، وأوضح أن القيمة الوهمية التي نخلعها على الألفاظ كثيرًا ما تخدعنا،٤ فإن هذا لا يمنعنا من الحكم بأن بوبر تجاوز الحدود في مطلبه هذا بتسطيح موقفنا من الدقة اللغوية. كيف لفيلسوف علم، وليس فنان أو شاعر، أن يحارب ابتغاء الدقة بكل هذا الحماس، لو أمكنا اصطناع الدقة الكافية للتعبيرات الفلسفية، لأمكنا أن ندرأ عنها اتهامًا طال التصاقه بها وهو «تعبيرات فضفاضة»، وهل ينكر أحد أن كثيرًا من المشاكل التي عرقلت التقدم كانت بسبب الاختلاف حول تحديد معنى كلمة معينة، ليس في العلم أو في الفلسفة فحسب، بل وفي المعاهدات السياسية والقوانين، بل وحتى في الحياة الشخصية والاجتماعية تنجم مشاكل كثيرة بسبب الاختلاف حول تحديد المقصود من معنى كلمة معينة.٥
والأدهى من ذلك أن بوبر راح يؤزر موقفه بإعطاء الأمثلة من الفيزياء، الدالة على أنها لا تعنى بدقةٍ بدقة المصطلحات، أولًا: يمكننا أن نزيد على الأمثلة التي أوردها بوبر أمثلة أخرى أشد نصوعًا كالاختلاف الكبير بين الدلالات التي يسميها مصطلح القوى، وغالبيتها لا تملك أبدًا أية علاقة بالقوى في معناها الخاص مثلًا قوة الحصان ليست قوة، بل قدرة، والقوة الحيوية وقوة التيار، وقوة الضوء أي شدته مثال آخر «ميكانيكا الكم» يدل على علم ليس به أي شيء ميكانيكي، بل ويستحيل ذلك ولا يمكننا أن نأخذ لفظ ميكانيكي إلا بالمعنى المجازي الواسع الفضفاض، كأن نقول: التركيب الميكانيكي للساعة أو الدولة، وهي أيضًا ليست فيها أي علاقة بالتكميم بمعنى الكميات.٦

إذن الفيزياء علم دقيق، ولكن مصطلحاته ليست بدقته الصارمة، هذا قول صحيح، لكن الخطأ هو اعتباره حجة على أي شيء، حجة بأن نحتذي هذا الحذو ولا نأبه بأن مفاهيمنا اللغوية غير دقيقة، إنه نوع من التقليد الأعمى، والعبودية لتقدُّم الفيزياء هل لأنها أكثر تقدمًا، فيجب أن نحتذيَ حذوها في حسناتها وأيضًا في سيئاتها؟

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الفيزياء تعوض هذا اللَّبس في مصطلحاتها باعتمادها أولًا وأخيرًا على اللغة الرياضية، وهل من شك في أن الدقة الفائقة للرياضة بحكم طابعها التحليلي، من أهم أسباب تقدُّم الفيزياء ثم إن الفيزيائيين ليسوا حريصين حرص بوبر على هذا الالتباس في المفاهيم والمصطلحات، هم — بلا شك — يرومون التخلُّص منه.

لقد أعرب بوبر عن تمام تقديره لأهمية الكفاح ضد التسليم الساذج بالمذهب الطبيعي، أي المذهب أو النزعة التعالمية Scientism الدالَّة على التقليد الأعمى لمنهج العلم ولغته،٧ فلعله هنا يقدر كفاحنا ضد هذه الهفوة التعالمية منه.
(٣) يتمادى بوبر في رفض التحليل اللغوي، لدرجة أنه يقول: يجب أن نتجنَّب المشاكل اللفظية بأي ثمن at any cost.٨ هل يدعونا بوبر إلى تجنُّب المشاكل اللغوية والتحليل، حتى ولو كان في هذا التجنب خسارة نتحملها، هذا التعبير يوحي بأنه يعادي التحليل فقط من أجل العداء.

لكن بوبر أوضح أنه يعادي التحليل ليس من أجل العداء، ولكن لأنه لا يجدي في نمو المعرفة طالما أنه يحلل ما هو كائن ولا يضيف جديدًا — كما أوضحنا في الفصل الثاني — لكن لا أعتقد أن بوبر أصاب في هذه الحجة؛ لأن التحليل يساعد على الإيضاح والدقة، وهذا من شأنه أن يساعد على التقدم، أو تمهيد طريق التقدم، هل من الضروري أن يأتي الباحث بنظرية جديدة ويصوغها في جملة محدودة ليكون قد أضاف للمعرفة، غريب حقًّا أن يتعلق بوبر فقط بهذا الأسلوب المباشر في الإضافة.

(٤) إن بوبر قد تناقض مع نفسه في الرفض القاطع للتحليل اللغوي جملةً وتفصيلًا؛ فقد أنكر تحديد منهج معين للبحث الفلسفي، أو مصدر معين للمعرفة، وقال: إن كل المناهج متاحة، وكل المصادر نرحب بها شريطة تعريض نتائجها للنقد، ثم عاد بعد ذلك وأنكر على التحليليين منهجهم اللغوي بالذات، رغم أن نتائجه قابلةٌ للنقد البين-ذاتي؛ أي الموضوعي، كيف ينكره بعد أن أعطى الحق في ممارسة كل منهج، لقد فطن بوبر إلى خطئه هذا، فعاد في فاتحة الترجمة الإنجليزية من كتابه «منطق الكشف العلمي»، التي طُرِحَت بعد عشرين عامًا من الأصل الألماني، وقال: إن هذا المنهج اللغوي ممكن شريطة ألَّا يكون المنهج الوحيد، وبعد أن أنكر أدنى ضرورة للتحليل يعود ليقول في هذه الفاتحة: إن هناك فعلًا بعض المفارقات المنطقية في حاجة إلى التحليل ليكشف عنها وأن التحليل قد يكون جزءًا من الحل أو يساعد على الحل، لكن ليس الفلسفة كلها، ثم يعود بعد هذه الفاتحة مرة ثانية في سيرته الذاتية لينكر ثانية أدنى ضرورة للتحليل عامة أو للتحليل اللغوي خاصة أنه موقف متذبذب؛ لأنه غير متَّسق.

ودليل آخر على عدم الاتساق في هذا الموقف، هو:

بعد كل ما رأيناه عن عدائه للتحليلات الفيلولوجية الرامية إلى تحديد المعنى … نراه كثيرًا ما يستغرق هو نفسه، في تحليلات فيلولوجية مريدًا بها أن يزيد المعنى وضوحًا، في الباب السابق مثلًا، رأيناه يدخل في تحليلات فيلولوجية كثيرة منها:
  • المعرفة بمعناها الذاتي ومعناها الموضوعي.

  • الأصل الفيلولوجي للفظ اللاتيني interpretatic الذي يقابل لفظ interpret في الإنجليزية ومدى دقة المقابلة بين اللفظين، وتطور اللفظ ومعناه على مر العصور، أحرامٌ على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس، هو فقط الذي يحلِّل ويدقق في المعنى حين يريد.
حقًّا أن له موقفًا يتسق مع اللامبالاة بمعاني الألفاظ، أي أول كتبه؛ فقد صدر في أوائل الثلاثينيات بعنوان Logic der forschung أي منطق البحث العلمي، ثم صدرت ترجمة الإنجليزية بعنوان Logic Of Scientific discovery أي منطق الكشف العلمي ليس هناك أي مبرر على الإطلاق لهذا التغيير في العنوان، فما الذي منعه من أن يخرجه في الإنجليزية بعنوان Logic of Scientific research أي منطق البحث العلمي، لا سيما وأن اصطلاح «البحث» أصوب بالنسبة لفلسفة بوبر، فهو يرى أن العلم ليس فيه كشوف بل هو محض افتراضات حدسية نبحث عن الأصوب منها، ومصيرها جميعًا التكذيب، لقد أبدى بريان ماجي في حديث له مع بوبر دهشته مع هذا التغيير، ولم يُعِرْ بوبر هذا أي التفات، مرة أخرى موقفه الرافض بقطع للتحليل اللغوي، متذبذب لأنه غير متسق.
(٥) إن الاتجاه التحليلي قد ثبتت أركانه وتوطدت أقدامه، وجاء بنتائج لا يستهان بها٩ بل وكاد يثبت أنه من أكثر فروع الفلسفة إثمارًا، وأصبح من أهم الفروع في الفلسفة المعاصرة، فقط انحصر النزاع فيما إذا كان هو كل الفلسفة أم بعضها وهو بالقطع بعضها.

فرغم أهمية التحليل فإن الفلسفة لو قصرت عليه لأصيبت بالغثاثة، وفقدت ما يجعلها فلسفة متميزة عن العلم، من حريتها في طرح أي سؤال وفي اتباع أي منهج، وفقدت مكمن روعتها وهو حرية التجول في وديان الفكر، فضلًا عن أن الفلسفة بصميم طبيعتها لا تقصر على شيء، من هذه الوجهة — أعني قصر الفلسفة على التحليل — يمكن أن نعطيَ قيمة كبيرة لنقد بوبر، غير أن التحليل — كما يشهد الأمر الواقع — ليس هو كل الفلسفة المعاصرة هو مجرد تيار من عدة تيارات فيها، علينا أن نجنيَ ثماره، في الوقت الذي نجني فيه ثمارَ التيارات الأخرى ونظرًا لقوة التيار التحليلي، فلا يمكن اعتبار موقف بوبر الرافض له مباشرة تقييمًا أو حكمًا يصدر، بل نعتبره فقط معبرًا عن موقفه الشخصي ورأيه الخاص.

وإنَّا لنعود ونؤكد أن بوبر لا يتخلَّى أبدًا عن قوة موقفه وصلابته؛ فقد قال واتكينز: إن بناة الأنساق الميتافيزيقية الشامخة راح زمانهم، وإن التحليليين يعاب عليهم أنهم يقضون أعمارهم في عمل قد ينتهي إلى أشتات نتائج متفرقة، بغير اتجاه واحد يجمعهم في وجهة نظر عامة، والظفر المعاصر للاتجاه البين بين، بين بناء النسق الكلي، وبين التحليل الجزئي، وهو اتجاه فلاسفة يحيطون بمشاكل متفرقة، كل واحد على حِدَة، لكن على قدر ما تتشعب المشاكل والأفكار يمكن تمييز اتجاه معين يوصل بين أفكاره الرئيسية في الميادين المختلفة،١٠ وواضح أن بوبر — على حد رأي واتكينز — أبرز من يمثلون هذا الاتجاه الظافر، اتجاه البين بين، فهو يعالج مشاكل عدة بنظرة عامة واحدة، هي النظرة النقدية.

أي إن بوبر أقوى في موقفه من موقف التحليليين، لكن خطأ بوبر هو أنه أراد أن يحذف التحليل بأسره من ميدان الفلسفة، وهذا ما لا ينبغي، لقد تطرفت الوضعية في تحليلها حين أرادت قصر الفلسفة عليه، وهذا خطأ، وتطرف بوبر في رفض التحليل أصلًا، وهذا أيضًا خطأ معالجة التطرف لا تكون بالتطرف في الاتجاه المضاد، وإلا كانت معالجة الخطأ بالخطيئة.

(٦) بقيَتْ ملاحظة أخيرة في التعقيب على موقف بوبر من التحليل، وهي أنه اكتفى بالهجوم الضاري على التحليل اللغوي، وتحليلات منطق اللغة، لم يتعرض بما فيه الكفاية للتحليل المنطقي مع إمامة رسل، لم يوضح تقييمه، أو حتى رأيه في الجهاز الرمزي الذي اصطنعه رسل من أجل التحليل المنطقي هل ينطبق عليه رأيه في التحليل اللغوي من أنه لا يُضيف جديدًا للمعرفة، لم يحدد بوبر موقفه، واكتفى بالتعبيرات المتناثرة هنا وهناك، التي تحمل أعظم آيات الإجلال لرسل، والاعتراف بأن فضله عليه وعلى الفلاسفة المعاصرين عمومًا أعظم من أي فيلسوف آخر، وبصفة عامة، فإن الانطباع الذي تتركه مناقشات بوبر للتحليل هو أنه شديد الكراهية لفتجنشتين ووضعيته، شديد الإعجاب برسل، ومَنْ ذا الذي لا يعجب برسل، شيخ فلاسفة العصر بغير منازع! وأعظم عقلية أنجبها القرن العشرين.

(٧) في هذا الجزء من الفصل ناقشنا موقف بوبر من التحليل، وهو يضم نقده لمنحى الوضعية التحليلي واللغوي معًا، باعتبار الثانية مندرجة في الأولى.

(٢) تعقيب على نقد بوبر لموقف الوضعية من الميتافيزيقا ولمعاييرها

(١) بقي فقط مناقشة نقد بوبر لموقفهم من الميتافيزيقا، ولمعاييرهم في التمييز، ويمكن اعتبار الموقفين — رفض الميتافيزيقا والمعايير — وجهين لعملة واحدة، طالما أن الغرض الأساسي للمعايير هو استبعاد الميتافيزيقا.

(٢) وكما رأينا، فقد لاقى موقفهم من الميتافيزيقا نقدًا شاملًا من بوبر، أجمل ما فيه أنه جاء من عالم وفيلسوف علم، والحق أن هذا النقد من أقوى مواقف بوبر، ومن أكثرها إذكاءً له في عالم التفلسف، أساس هذا الموقف هو أن بوبر شديد الاحترام للميتافيزيقا، بينما الوضعيون شديدو الاحتقار لها، السبب في هذا الموقف المتناقض — رغم أن كليهما فيلسوف علم — هو أن معرفة الوضعيين بالميتافيزيقا سطحية، فهم شديدو الجهل بها والناس دائمًا أعداء لما جهلوا، بينما بوبر واسع العلم بها، أعماله — لا سيما المجتمع المفتوح — تثير دهشة المتخصصين من سعة علمه بدقائق تاريخ الفلسفة، علمه الواسع بالميتافيزيقا، هو الذي مكَّنه من أن ينزلها حق منزلتها؛ إذ لا يعرف الفضل بين الناس إلا ذووه.

كان بوبر رائعًا قويًّا متمكنًا، على تمام الاتساق مع نظريته في وحدة المعرفة ووحدة أسلوبها، وهو يشهر في وجه الوضعيين حجة أن الميتافيزيقا تمهد للعلم وفي اعتبار الجهود المعرفية كلها حلقات في سلسلة واحدة، لقد قال جوزيف أجاسي معقبًا على هذا الرأي من بوبر: إن النظريات الميتافيزيقية هي وجهات للنظر حول طبائع الأشياء تمامًا كما كانت نظرية فاراداي عن الكون كمجال للقوى، وإن الفارق الوحيد بين طبيعتي هاتين النظريتين، هو أن النظريات العلمية — كما يرى بوبر — قابلة للتكذيب بينما النظريات الميتافيزيقية غير قابلة له، وكما أوضح أجاسي١١ أيضًا فإن النظريات بل والحقائق العلمية، تفسر من وجهات نظر ميتافيزيقية مختلفة، وهو ينوه بهذا إلى رأي بوبر السابق من أن النسق العلمي يحوي بالضرورة عناصر ميتافيزيقية، ولقد اعتاد أجاسي الامتعاض من العداءة التي اعتاد معلمو الفيزياء على أن يظهروها للميتافيزيقا، باعتبارها فيزياء العصور الغابرة، أما هو فيمجد بعض الميتافيزيقا على أنها فيزياء المستقبل.
لكن كون الميتافيزيقا ضرورة لتمهيدات العلم، ليست بدعة أو كشفًا توصَّل إليه بوبر، ليؤيده شارحه جوزيف أجاسي، بل هو حقيقة تاريخية ثابتة ومعروفة١٢ البدعة هي أن ينكرها أو يجهلها الوضعيون.

(٣) أما عن نقد بوبر لمعايير التمييز، فقد كان غاية في القوة والمضاء، لم يخب أبدًا إلا حين نقد اللغة الفيزيائية، كما أوضحت آنفًا.

لكن اللغة نفسها لم تستقم، وهي تحمل أعظم مآسي الوضعية، أعني حين قال كارناب — وهو التجريبي العتيد — بالأنا وحدية المنهجية Solpsism، فمن المعروف أن هذه الأنا وحدية المنهجية «معلم مميز للمثالية المتطرفة المغرقة»،١٣ على العموم فإن هذه اللغة قد انحلت إلى لغة العلم، التي وجدت من بوبر أقوى نقد، والأكثر حسمًا وأهمية، خصوصًا وأنها آخر مراحل محاولات دائرة فيينا لتمييز العلم، نقد بوبر المحاولات لا يترك مجالًا لمناقشة أو تعقيب، إنه ببساطة أثبت استحالة أن تكون، استحالة أن تميز علمًا أو حتى تستبعد ميتافيزيقا.

وأجمل ما في هذا النقد أنه متسق تمام الاتساق مع فلسفة بوبر ذاتها مع أهمية النقد وأسلوبه الجزئي مع رفض الاستقراء، مع العقلانية النقدية، نظريته في منطق الاحتمال واعتباره للميتافيزيقا، وهو مع هذا نقد موضوعي خالص، يقبله كل باحث عن التقييم المنطقي لهذه المحاولات، سواء اتفق مع فلسفة بوبر أم اختلف معها باستثناءات بسيطة، مثل الأوجه المتعلقة برفض الاستقراء وتوضيح الاستحالة النظرية للتحقق، تبعًا لنظريته هو.

والأجمل والأكثر اتساقًا أن معيار التكذيب سيتلافى كل هذه الانتقادات المطروحة في الفصل الثالث تمامًا كما تلافت فلسفة بوبر كل الانتقادات المطروحة في الفصل الثاني، وفي هذا الاتساق إحراز لنقطة هامة في صالح بوبر لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن تناقض الوضعيين مع أنفسهم ودوراناتهم المنطقية من أبرز عوامل انهيارهم.

لكن من الملاحظ أن بوبر في سياق نقد التحقق، قد أوضح استحالة أن تكون الخبرة الحسية بالذات مصدرًا للمعرفة (كما حاول إثبات هذا في رفض الاستقراء) هذا بعد أن سمح بكل المصادر على الإطلاق شريطة تعريض نتائجها للنقد، فلماذا يضطهد بوبر مصدر الخبرة الحسية بالذات لا سيما وأن نتائجها قابلة للنقد، أغضب هذا الاضطهاد بول برنايز، ورأى أن بوبر فيه يناقض نفسه، ويناقض نصحه الدائم بالتواضع المعرفي، وعدم احتقار أي مرحلة أو نمط معرفي، حتى ولو كان خرافة أو أسطورة١٤ فلتكن معطيات الحس التحققية ليست معرفة مباشرة، وليس هناك معبر منطقي من المدركات الحسية إلى العبارات لكن هذا لا يحول بيننا وبين التعلم من الخبرة، وتعلم استعمال اللغة، فلماذا يتمادى بوبر في إنكار أي وجود للخبرات الحسية التحقيقية، بوصفها مصادر ترد إليها المعرفة، أو العبارة إذا كانت علمية؟١٥

الواقع أن بوبر لم يضطهد مصدر الخبرة ولم يحتقره كما تصور بوبر بيرنايز، لكن الفكرة أن فلسفة بوبر — كما أوضح الباب السابق — تعني أن هناك استحالة في تلقي معطيات الحس بذهن خالص، التوقعات الفطرية والافتراضات السابقة، تعني استحالة التحقق كما يرومها الوضعيون؛ لذلك يستحيل أن تكون المعرفة مجرد تسجيل للحس كما يهدف التحقق، تمامًا كما يستحيل أن تكون مجرد تسجيل للخرافة أو الفروض أو أي مصدر آخر من مصادر المعرفة.

خاتمة

(١) لقد كان بوبر أكثر من رائع وهو يرفض مجاراتهم، رغم ما أوضحه تمهيد هذا الباب من عوامل شكلية وموضوعية، كان من شأنها أن تلقي به في قلب التيار التحليلي عامة والوضعي خاصة.

الانحياز لطرف بوبر تؤيده أقوى الدعامات وأمتنها والتي تعز حتى على النقاش، ألا وهي شهادة الواقع والتاريخ، شهدت الأيام بأن فلسفة الوضعيين رغم تطرفهم ووضوح الرؤية أمامهم، وتمسكهم الراسخ بمبادئهم، ورغم أنهم من أساطين العلم والمنطق … رغم كل هذا لم يستطع المذهب الصمود، وبعد عقود قليلة من السنين كانت محاولات إنقاذ المذهب وتكييفها وتعديلها، تأدت بهم إلى تناقضات، أو إلى الانتهاء إلى مبادئ تناقض الأصل الذي بدءوا منه، باختصار انتهوا إلى اضمحلال المذهب وتفككه، أو على أحسن الفروض إلى ذوبانه في التيارات التحليلية الأخرى، فكان عمره حقًّا قصيرًا إذا ما قيس بالعمر المعهود للمذاهب الفلسفية حينما تكون شامخة.

(٢) لقد تعرَّضت الوضعية للنقد المتحامل أكثر من أي مذهب آخر، لكن نقد بوبر بالذات له منزلة خاصة؛ لأنه شاهد من أهلهم، فهو مثلهم يألف الفيزياء والرياضة على دراية واسعة، بتقدم العلوم الطبيعية فقط اختلف عنهم في سعة إلمامه بالفلسفة الخالصة والميتافيزيقا، وهذا جعل نقده متبصرًا بالمذهب وأسسه ومعاييره، داعيًا لأهدافه ومراميه، متقنًا لأساليبه المنطقية والفنية والعلمية، ومن ناحية أخرى سد الطريق على الوضعية لاتهامه بالتأخر والجهل بالعلم، كما تتهم كل ناقد لها يحترم الميتافيزيقا.

(٣) ولكن رغم ثقل وخطورة نقد بوبر فإني لا أوافق على الاحتمال الذي يرجحه من أن يكون هو المسئول عن القضاء على حركة الوضعية المنطقية، لا هو ولا أي ناقد آخر، بل أعتقد أن السبب الذي عجل باضمحلال المذهب، إنما يكمن في الصعوبات التي بَدَتْ في صميمه، في التناقضات التي انطوت عليها أفكارهم نفسها، وفي تقدم العلوم الفيزيائية البحتة في الاتجاه التجريدي، وسيرها في المسار الاستنباطي. في الفيزياء المعاصرة اتجاهان: الفيزياء التجريبية، وأعظم أعلامها مندليف ورذرفورد وبيير وماري كوري، والفيزياء البحتة وأعظم أعلامها، هو أعظم الأعلام طرًّا: آينشتين وماكس بلانك ولويس دي بروي، والآن الغلبة للاتجاه الاستنباطي البحت، ولا يعتمد العالم فيه كثيرًا على المعمل، إن لم يكن لا يدخله؛ فقد قيل عن آينشتين: إنه لم يُجر في حياته تجربة واحدة لكي يصل إلى النظرية النسبية، وكانت معظم جهوده الفيزيائية على الورق، حيث يجري معادلاته، كل هذا أدى إلى استحالة قيام فلسفة علمية على أساس من معطيات الحس المباشر، أي التحقق وسائر تعديلاته، من معايير تميز العلم على هذا الأساس.

(٤) على أية حال لا بد أن ينتهي المطاف إلى الإقرار بأن محاولات الوضعية لم تحل المشكلة المطروحة للبحث، لقد اضمحل التحقق من تلقاء نفسه، حين حاول أن يقاوم الاحتضار متخذًا صورًا أخرى كالقابلية للاختبار والتأييد أو لغة العلم، لم تكن أقل منه إخفاقًا، ثم كانت الطامة الكبرى أن يتنكر فتجنشتين للتحقق وهو المعيار الأساسي، ثم جاء نقد بوبر حاسمًا باتًّا.

(٥) معيار القابلية للتكذيب بلا جدال أقوى وأصوب وأمتن منطقيًّا وفلسفيًّا وعلميًّا، بما لا يقارن بهذا التحقق، ولا ينبغي أن نأخذ في الاعتبار ما يتمتع به التحقق من شهرة فلسفية لم تحزها إلا أفكار قلائل في القرن العشرين، فهو لم يحز في هذا معشار ما حازه الاستقراء، ومتى كانت الشهرة معينًا على التقويم١٦ كم من الأفكار الغثَّة السطحية؛ وبالتالي الخاطئة راجت رواجًا، والسبب واضح هو أنها مستطيعة إرضاء الغالبية العظمى وهم ذوو العقول السطحية وكم من الأفكار الثرية ظلت حبيسة، والسبب أيضًا أنها استعصت على فهم العوام فجافت ميولهم ولم تجد لنفسها سوقًا، لا يعني هذا طبعًا أن معيار التحقق تافه أرضى عقول الوضعية الساذجة، بالطبع كلا، قصارى ما أعنيه أن الشهرة ليست معينًا على التقويم وأن كون التحقق ذائع الصيت، وأن التكذيب لا تدري به الأغلبية فإن هذا لا يعني شيئًا، ولا ينفي أن التكذيب أصوب ألف مرة من التحقق وبالتالي من الاستقراء، وأنه أفضل محاولة وُضِعَت حتى الآن لتمييز المعرفة العلمية، ولماذا لا ندع معيار القابلية للتكذيب يتحدث عن نفسه١٧ فنخصص له الباب القادم بأَسْرِه؟
١  انظر في هذا كتابنا «تيارات الفكر المعاصر»، تحت الطبع.
٢  Gvrnik in Bryan Magee, Modern British thilaraphy, p. 484.
٣  حقًّا الوضعية لها أعداء أكثر من أي مذهب آخر لكن بوبر كان وحيدًا لأنه كان في النمسا كان معهم ووسطهم، وكان الوضعيون هم أصدقاؤه وزملاؤه وأساتذته.
٤  انظر في هذا كلود برنار، المدخل لدراسة الطب التجريبي، ترجمة د. يوسف مراد وحمد الله سلطان، ص١٩–٢٠٠.
٥  انظر في الرد على رافضي التحليل قنوعًا بالإيهام: زكي نجيب محمود، في حياتنا العقلية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٧٩م، ص٦٥-٦٦.
٦  V. Rydnik, A. B. C., of Quentum mechanism, translated by george inkovskey, peace Publishers, moscow (without) p. 17.
٧  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص١٣٣.
٨  K. P., UQ. p. 30.
٩  Geoffrey leach, Semmantics, penguin Book, London: 1972.
١٠  J. W. W. Watkins, the unity of popper’s thought, p. 372.
١١  Joseph Agassi, Nature of Scientific Problems and its Roots in Metaphysics, in: The Critical Approach to Science And Philosophy, p. 182.
١٢  انظر في هذا مناقشاتنا للوضعية المنطقية، في كتابنا المذكور «تيارات الفكر المعاصر».
١٣  M. H. Briggs, Handbook of Philosophy, p. 189.
١٤  Paul Bernays Reflections on Poppers Epistemology, in the Critical Approach to science and Philosophy, ed. Mario Bunge, p. 35.
١٥  Ibid, p. 35.
١٦  أنوِّه بهذا إلى شهرة بوبر التي لا تتناسب إطلاقًا مع حجمه العظيم.
١٧  خصوصًا وأننا لم نتوصل بعد إلى أحد الأهداف التي أنشئ من أجلها هذا الباب باب الوضعية ومعاييرها للتميز، أي هدف الموازنة والمقارنة بين هذه المعايير وبين التكذيب، هذه الموازنة غير جائزة الآن؛ لأننا لم نعرف بعدُ إلا واحدًا من طرفيها معايير الوضعية، بقي أن نعرف الطرف الآخر معيار التكذيب، فنستطيع أن نقارن بينهما بوضوح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١