الفصل العاشر

كان عبد الشكور قد وثَّق صلته بثمانية نفر من أصحاب الأسهم، وكانت الأسهم التي يملكها كلٌّ منهم تدل على الثراء العريق، وكان أهم هؤلاء رستم نامق؛ الرجل التركي الأصل الذي يزهي دائمًا بأن جده الأكبر كان صدرًا أعظم في عهد السلطان عبد الحميد بتركيا، وكان يروي لعبد الشكور أنه حين حدثت ثورة الجيش على السلطان تمكَّن جده من تهريب ثروته جميعها إلى مصر، ولم يكن له إلا ولد واحد الذي لم ينجب هو الآخر إلا ابنًا واحدًا؛ وهكذا وصلت الثروة كاملة إلى رستم نامق متمثلةً في أبعديات زراعية وأموال سائلة وجواهر نادرة المثيل لا يحصيها عد. ورستم مثل أبيه وأجداده لم ينجب إلا بنتًا واحدة هي فوزية.

وطبعًا عبد الشكور كان يعلم أن الأبعديات قد انكمشت إلى مائتي فدان. ولكنه لم يعلم علم اليقين مقدار المال السائل أو الجواهر، ولكن كمية الأسهم التي باسم رستم كانت شاهدًا قويًّا على ضخامة ما يملكه رستم.

وقد استطاع رستم أن يتخفَّى عن عيون الحكم المغتصب؛ فلم يكن ذا شأن في الحياة، وإنما كانت حياته مقصورة على الإفطار في جروبي في الصباح، ثم يلزم بيته حريصًا أن يراقب مذاكرة ابنته، وكان لا يستقبل إلا ندرة قليلة من الناس، بعضهم أتراك وبعضهم من المثقفين الذين يريدون أن ينتفعوا بالكتب النادرة التي تكتنزها مكتبته العامرة بالمخطوطات النادرة.

•••

مبلغ واحد آخر حصل عليه صبحي من عبد الشكور، ثم أمَّمت الثورة الأسهم جميعًا بحيث لا يملك أي فرد من الأسهم أكثر مما قيمته عشرة آلاف جنيه.

وتفتَّق ذهن عبد الشكور عن فكرةٍ عادت عليه بملايين الجنيهات؛ فقد اتفق مع الثمانية اللصيقين به من ملاك الأسهم ألَّا يُبلغ المُصادرة إلا بما قيمته عشرة آلاف جنيه من أسهمهم، ويجعل الأسهم الأخرى ملكًا لأسماء وهمية، واتفق معهم أن يكون إقرارهم بالصورة التي سيعدُّها لهم؛ حتى إذا راجعت الدولة قيمة أسهمهم في البنك لدى عبد الشكور وجدتها مطابقة لما جاء في الإقرار.

أما الأسماء الوهمية التي كتب لها الأسهم فقد تفتَّق ذهنه أن يعدَّ منهم توكيلات مزورة له وأعدَّ أيضًا كيف ستزور هذه التوكيلات.

•••

بعد ليلة من ليالي شقته الجديدة كان المدعوَّان فيها موسى وسيدة وما يلزم لهما، قال عبد الشكور لموسى: أيُّ أمين للشهر العقاري من محاسيبك؟

– فاضل الملواني.

– مُره أن يفعل لي ما أطلبه.

وتم لعبد الشكور ما أراد من توكيلات.

وتمت العملية كلها، ولم يسمع بها أحد من داخل البنك أو خارجه.

واشترط أن ينال هو نصف ما سيُهربه من أسهمهم، وقبِل جميعهم العملية وشرطها.

وأطلع عبد الشكور رئيسه صبحي بك واعدًا إياه بمبلغ لا بأس به؛ فقد كتم عنه طبعًا النسبة التي سينالها من المساهمين؛ والذي يقبل المال الحرام مرة من الطبيعي أن يقبله دائمًا.

ورحَّب صبحي بالعملية.

وخاصة أن ما كان يعطيه له عبد الشكور من عمليات الأسهم سينقطع كما سينقطع عنه ما كان يصيبه من سمسرة القطن من يد عبد الشكور.

فقد أمَّمت الدولة تجارة القطن أيضًا، وعلَّق صبحي على تأميم التجارة في القطن قائلًا لعبد الشكور: إنها قد فرضت على الفدان ضريبة أكثر من خمسمائة جنيه للفدان الواحد يدفعها الفلاح الذي تقول الحكومة إنها جاءت لتنقذه من الاقطاع. هل كان يجرؤ أي اقطاعي أن يشتري قطن الفلاح إلا برضى الفلاح نفسه.

وقال عبد الشكور: فرق السعر الذي تشتري به الدولة من الفلاح والسعر الذي تبيع به يزيد عن الخمسمائة جنيه.

– فعلًا.

– على كل حال أنا وأنت الوحيدان اللذان كسبا من تأميم الأسهم.

– البركة فيك. فكرتك عظيمة.

– لولاك ما استطعت أن أنفذها.

– المبلغ الذي حصلت عليه يجعلني أفكر في ترك البنك.

لم يتظاهر عبد الشكور بالدهشة، وأدرك صبحي ما يجول بنفس صاحبه فإذا هو يقول فجأة: نعم، لماذا لا؟

– ما هو؟

– لماذا لا تصبح أنت مكاني؟

– هل يمكن ذلك؟

– البركة في موسى أشرف.

– وفيك أيضًا.

– توكَّل على الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠