الفصل السابع

طبعًا لم يكتفِ عبد الشكور بالعمليات الصغيرة التي يتركها له فتحي، ولم يكن منذ أول لحظة منتويًا أن يكتفي بها، ولكنه كان يدبر للأمر منذ الوهلة الأولى، ورأى أن خير وسيلة أن يجعل فتحي يثق فيه ثقة عميقة.

وفي عماية هذه الثقة راح عبد الشكور يجمع من الأوراق والأسانيد ما لا يقبل المناقشة أو التفنيد.

وحين ارتأى أن بيده ما يكفي ويزيد دخل إلى صبحي حسان.

•••

قال صبحي لفتحي بعد أن استقدمه: ألقِ نظرة على هذه الأوراق يا فتحي.

– أمرك يا افندم.

وما هي إلا لحظات حتى أدرك فتحي الكارثة الكبرى التي حلَّت به. ولم يكن محتاجًا أن يقرأ كل الأوراق، وإنما اكتفى بنظرة سريعة عابرة كانت كفيلة لأن يرى مصيره الأسود أمام عينيه، وحين أرجع الأوراق إلى صبحي الذي جمعها في عناية بالغة وسوَّاها وأعادها إلى الدوسيه الذي كان يحتويها، فعل كل هذا في بطء شديد، حتى إذا أودع المستندات في الدرج الذي أخرجها منه وأقفله بالمفتاح التفت إلى فتحي: ما رأيك؟

– الذي تأمر به سعادتك.

– إنك موظف قديم بالبنك، ومعرفتي بك منذ سنوات طوال؛ ولهذا، ومن أجل ناهد وباسم وخالد والست وفية سأكتفي بأن أطلب منك الاستقالة لتنال المكافأة التي تستحقها، والتي تستطيع أن تعيش بها حتى تجد وظيفة في بنك آخر.

– ومن سيقبلني بعد هذه المصيبة.

– طول عهدك بي يجعلك تثق في وعودي.

– هذا لا شك فيه.

– لن يعرف أحد في العالم ما تم الآن بيننا.

– والذي أتى لك بهذه المستندات.

– أنا أضمن أنه لن ينطق بشيء.

– أتضمن هذا المخلوق؟

– أتعرفه؟

– ليس هناك إلا واحد فقط يستطيع أن يصل إلى هذه الأوراق.

– أنا أضمنه مهما كان رأيك فيه.

– أمرك.

– إذن.

– أعطني سعادتك ورقة.

– تفضل.

وكتب فتحي الاستقالة، وقبل أن يصل إلى نهايتها سأل صبحي: هل أختلق لها سببًا؟

– اكتفِ بالقول بأنك لم تعد تستطيع الاستمرار بالعمل والبنك.

– وأطلب المكافأة؟

– اطلب تسوية حالتك كما يقولون في الحكومة.

وأعطى فتحي الاستقالة إلى صبحي بك، وفي تحاملٍ مرير على رجلين لا تكادان تسعفانه قام عن كرسيه ومشى خطوات، وقبل أن يضع يده على أكرة الباب قال وظهره لصبحي: شكرًا يا سعادة البك.

– العفو مع السلامة.

•••

استدعى صبحي عبد الشكور وأخبره بما حدث لفتحي، ولم يدهش عبد الشكور حين قال له صبحي: تحل محله.

– أخشى أن يُغضب هذا الزملاء الذين سبقوني في العمل بالقسم.

– نحن في بنك، ومن حقي وحدي اختيار الأصلح دون نظر إلى الأقدمية.

– إذن أمرك.

– ولي عندك رجاء.

– بل أمر.

– لا يعرف أحد ما كان من أمر فتحي.

– إذا سمعت أن أحدًا عرف أكون أنا وحدي المسئول أمامك.

– وهو كذلك.

•••

ليس بعجيب على عبد الشكور ما فعله في اليوم نفسه.

لقد ذهب في وقت الغداء إلى بيت فتحي. ولم يفاجأ بفتحي وهو يفتح الباب حتى إذا وقعت عيناه على عبد الشكور ارتسمت الدهشة الآخذة الذاهلة على كل سمات وجهه: أنت؟! أهذا معقول؟! لقد توقعت أي إنسان إلا أنت.

– ولهذا جئت.

– فعلًا، منك أنت لا شيء يُستغرب.

– اسمح لي أشرح أولًا.

– اشرح.

– هنا؟

– نعم هنا؛ فبيتي حرام عليك منذ اليوم.

– ليكن ما تريد مؤقتًا.

– تكلَّم.

– من الذي يَخلفك في رئاسة القسم؟

– المفروض إسماعيل وجدي.

– فمن له مصلحة في الوشاية بك غيره؟

– أنت.

– لماذا؟

– أنت مقرب من رئيس البنك وربما يعيِّنك في مكاني.

– وأجعل نفسي في الواجهة؟ وأحرم نفسي مما كنت تتركني أقوم به من أعمال تعود بالربح الوفير؟

– ربما تريد الربح كله.

– ألا تعرف مقدار ذكائي؟

– أعرف مقدار خبثك.

– ليكن. كيف سيتاح لي أن أقوم بهذه الأعمال بعد أن انكشف أمرها؟ أليست مصلحتي أن أتخذ منك ستارًا واقيًا وأكتفي أنا بالعمليات التي كنت تتركها لي؟

فكَّر فتحي فيما سمع وأطال التفكير، ثم قال لعبد الشكور: تعالَ، ادخل.

وصاح عبد الشكور: هكذا يجب أن تكون الأمور. كان من الأول يا أخي.

خالت عليه الحيلة وصدَّقني. أنا أحتاجه في التنظيم السياسي ولا أريد أن يسيء إليَّ عندهم. أما الوسائل التي كان يحصل بها على الأرباح في البنك فقد تبيَّن لي بالخبرة أنها وسائل بدائية عاجزة.

إن الطريقة التي توصَّلت لها أنا هيهات لألف شخص مثل فتحي أن يفكر فيها. أما صبحي فأمره ميسور. فُرجت يا عبد الشكور من أوسع الأبواب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠