مقدمة الطبعة الثانية

لم يَعُد التاريخ ولا طرائق بحثه ودراسته في جيلنا الحالي — كما كان في أجيال مضت — مقصورًا على تدوين الأسماء وذكر السنوات وتقرير الحوادث؛ بل أصبح علمًا في معناه الأعمِّ الأوسع يتناول كل معارفنا عن الإنسان: أعماله، وأفكاره، وآماله، وأحاسيسه، ويبين لنا كيف كان يعيش الفرد، من عامة الناس أو خاصتهم، في حقبة ما من الزمن، وماذا كانت النظم التي يخضع لها والمهن التي يحترفها والتطورات والتغيرات التي ساهم — بطريقة محسوسة له أو غير محسوسة — في إحداثها، وماذا استفاد من الأجيال السابقة له، وأفاد الأجيال التالية في كل ناحية من نواحي التقدم الإنساني والرقي الاجتماعي.

وهذا الكتاب يُعالج فترة هامة من التاريخ العربي كانت تبدو حتى أوائل هذا القرن عديمة الأهمية تلك هي فترة «تاريخ العرب في عصر ما قبل الإسلام»، ولكن دراستها وتوضيحها من الناحية التاريخية أصبح ضرورة لازمة، وخاصة في هذه الأيام الأخيرة التي يقف فيها العالم العربي، بل العالم الإسلامي أجمع في مفترق الطرق لا يدري أيها يسلك، ولا إلى أين يلقي عصا التسيار وهو يجتاز فترة من اليقظة والازدهار والتقدم السريع في مدارج الحضارة العالمية غِبَّ التحرر من ربقة الاستعمار البغيض. أقول: أصبحت دراسة تلك الحقبة ضرورة لازمة لمن يريد أن يدرس تاريخ العرب والإسلام دراسة صحيحة؛ ذلك لأن الإسلام أحدث ثورة كبرى في عالم السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والعقيدة، ولا يمكن أن يُعرف مدى هذا التغيير الذي أحدثه الإسلام، ولا تُفهم دقائقه إلا إذا عرفنا البيئة التي ظهر فيها والملابسات التي اكتنفت ظهوره في بلاد العرب نفسها قبل أن تخفق رايته على ربوع العالم المتمدين آنئذ عقب انتشاره.

إن المؤرخين كثيرًا ما يُجانبهم الصواب ويعوزهم العطف والرفق في أحكامهم فلقد مر حين من الزمن كان المؤرخون فيه يطلقون اسم «العصور المظلمة» على العصور الوسطى، تلك التي تلت سقوط الدولة الرومانية الغربية على أيدي القبائل المتبربرة وما تلا ذلك السقوط من اضطراب في الأنظمة، وتدهور في الثقافة؛ ولكن البحوث والدراسات التي تمت منذ أواخر القرن الماضي قد أثبتت أن العصور الوسطى لم تكن كلها فترة ظلام، بل على النقيض كان الشطر الأكبر منها يزخر بالنشاط والإنتاج والرقي، وتدين حضارتنا الحالية إليها — لا إلى اليونان والرومان كما كان يُظن — بالشيء الكثير.

كذلك درج المؤرخون القدامى — من بدء تدوين التاريخ الإسلامي حتى أوائل هذا القرن — على اعتبار «عصر ما قبل الإسلام» — وكان أكثرهم لا يعرف حدوده ومدلوله — عصر همجية وإفلاس حضاري وتدهور أخلاقي وانحطاط في مجال السياسة والدين، فشوه هؤلاء المؤرخون تاريخ عصر ما قبل الإسلام في قسوة ظاهرة، ولست أشك في أنهم فعلوا ذلك بنية حسنة هي رغبتهم في تمجيد الإسلام ورفع شأنه، ولكنهم بنيتهم الطيبة هذه لم يحققوا كل غرضهم؛ بل إنهم كثيرًا ما أتاحوا فرصة للمغرضين من المستشرقين للطعن على الإسلام واتهامه بأنه دين بدائي جاء لشعب بدوي؛ مع أن الإسلام نشأ في أهم مركز حضري في بلاد العرب وهو مكة، وكانت تعاليمه وتوجيهاته حضرية في أساسها، وقد حطم البداوة واتجاهاتها الفردية، وقضى على العصبية المذمومة، وأحل محلها رابطة الدين والعقيدة.

نحن لا نُنكر أن صفة «الجاهلية» بمعناها الحرفي هذا كانت تنصب على بعض أجزاء البيئة العربية، وفي بعض فترات من تاريخها، ولكن الذي نُنكره هو التعميم، ولو كان العصر كله جاهلية لما أقر الإسلام، لا الكثير من نظم المجتمع وتقاليده فحسب، بل بعض ما يتصل بالدين وشعائره وطقوس العبادة وغير ذلك من الفضائل.

وإذا كانت الشعوب العربية والإسلامية تتطلع إلى استعادة مجدها وتقلد زمام الأمور في بلادها، فإن الواجب يقضي على رجالها أن يُقبلوا على تاريخهم يتلمسون الأسس التي شيدت عليها مكانتهم الرفيعة في عالم العصور الوسطى.

وهذا الكتاب الذي أقدم طبعته الثانية للقراء الآن هو محاولة لإلقاء ضوء — وإن يكن خافتًا — على تاريخ بلاد العرب في العصر السابق للإسلام، وهو محاولة متواضعة ما في ذلك شك رسمت فيها صورة سريعة لأولئك العرب الذين جعل الإسلام منهم أمة واحدة فحملوا رايته وثبتوا في عواصم العالم المتمدين المعروف أن ذاك ما تضمنته مبادئه من سلام وأمن وعدل وإخاء كان العالم كله — لا بلاد العرب وحدها في حاجة إليها.

والله جل جلاله أسأل أن يوفقنا إلى خير ما نرجو، وأن يكلأنا بعين رعايته الصمدانية؛ إنه سميع مجيب.

محمد مبروك نافع
مصر الجديدة
٢٨ من جمادى الأولى سنة ١٣٧١ 
 ٢٤ من فبراير سنة ١٩٥٢

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠