الفصل الثالث

الشعب العربي

(١) أقسام العرب

يكاد ينعقد الإجماع بين جمهور المؤرخين على إرجاع الشعوب العربية إلى ثلاثة أقسام كبرى، يسميها بعض المؤرخين طبقات هي:
  • (١)

    العرب البائدة.

  • (٢)

    العرب العاربة.

  • (٣)

    العرب المستعربة.

ويقتصر بعض المؤرخين على تقسيمهم إلى قسمين فقط:
  • (١)

    عرب بائدة؛ وهي التي هلكت واندثرت أخبارها قبل الإسلام.

  • (٢)

    وعرب باقية؛ وهي التي ينتسب إليها العرب الذين عاشوا بعد الإسلام والذين يكونون الشعب العربي الحالي.

وأصحاب هذا التقسيم الثاني يعودون فيرجعون العرب الباقية إلى فرعين عظيمين:
  • (١)

    عرب عاربة أو عرباء أو قحطانية أو عرب الجنوب التي سكنت اليمن، والتي يرجع مؤرخو العرب نسبها إلى يعرب بن قحطان بن عابر من سلالة سام بن نوح عليه السلام.

  • (٢)

    وعرب مستعربة أو متعربة أو عدنانية أو عرب الشمال، وهي التي سكنت الحجاز في عصر متأخر عن عصر سكنى القحطانية اليمن، ويرجع مؤرخو العرب نسبها إلى معد بن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وظاهر أن الخلاف في التقسيمين شكلي بحت؛ لأن النتيجة في الحالين واحدة.

ولكن جمهرة المؤرخين المستشرقين يتبعون في كتابتهم التقسيم الثاني، ويعتقدون أن ما يسمى بالعرب البائدة ليس من التاريخ الحقيقي في شيء، إنما هو جزء من الميثولوجيا العربية أو التاريخ الأسطوري، الذي يسبق عادة التاريخ الحقيقي لكل أمة، وهم إذا عالجوا بعض قبائل العرب البائدة في كتبهم فإنما يعالجونها على هذا الأساس فحسب.

وقد ذكر مؤرخو العرب أسماء كثير من قبائل العرب البائدة مثل طسم وجديس وأميم وعبيل وعمليق وجرهم وجاسم ووبار، ورووا عن بعضها قصصًا هي أشد شبهًا بالخرافات منها بالتاريخ الحقيقي.

وانفرد القرآن الكريم بذكر قبيلة عاد، التي كانت تسكن الأحقاف في الجنوب، وذكر نبيها هودًا عليه السلام، وكذلك ذكر قبيلة ثمود التي كانت تسكن الحجر في الشمال، وذكر نبيهم صالحًا عليه السلام، وذكرتها أيضًا المراجع اليونانية.

وأماطت الكشوف الحديثة التي نمت في أواخر القرن الماضي اللثام عن وجود دولة لم يعرف مؤرخو العرب عنها شيئًا، ولم يذكروها بتاتًا في كتبهم وإن كان قد أشار إليها بعض مؤرخي اليونان والرومان إشارات ليس فيها غناء ونقصد بها دولة معين، التي سبقت حضارتها دولة سبأ القحطانية.

والمؤرخون جميعًا، القدامى منهم والمحدثون، يُجمعون على إرجاع العرب إلى أم واحدة هي السامية، بل ويرون كما بينا في فقرة [موطن الجنس السامي الأول وهل هو بلاد العرب] أن بلاد العرب نفسها كانت المهد الأول للجنس السامي.

وسيعالج هذا الكتاب تاريخ الشعب العربي متبعًا إلى حد كبير، وفي شيء من التحفظ، التقسيم الثاني الذي وضعه مؤرخو العرب، والذي أشرنا إليه في صدر هذه الفقرة لأسباب ستتبينها في ثنايا الكلام عن كل قسم.

(١-١) العرب البائدة

لم تتعرض التوراة لذكر عاد وثمود وطسم وجديس وغيرها من قبائل العرب البائدة ما عدا عمليق، فقد وردت الإشارة إليهم في بعض أسفار التوراة كسفر التكوين والخروج والمزامير وغيرها، على أنهم كانوا من أعداء بني إسرائيل.

أما عاد وثمود فقد انفرد القرآن الكريم بذكرهما، ولما كانت الكشوف الحديثة قد أيدت بعض ما جاء في القرآن عن ثمود ومساكنهم، كما أن كثيرًا من العلماء يرجحون أن تحت كثبان الرمل في الأحقاف والمنطقة المجاورة، آثارًا لم تُكشف بعد لأن هذه المنطقة كانت خصبة، بسبب ما كان يصلها من الأمطار الموسمية؛ وإذًا فلا سبيل إلى إنكار وجودها كما يفعل بعض المستشرقين.

أما طسم وجديس وبعض القبائل البائدة الأخرى، فنحن لا نستطيع أن نتعرض لإثبات وجودها أو نفيه، ما دامت المراجع التي بأيدينا لا ترجح إحدى الكفتين، وإن كنا نميل الميل كله إلى أن ما كُتب عنها لا يعدو أن يكون جزءًا من التاريخ الأسطوري لبلاد العرب.

ويجمل أن نشير هنا إلى أن لفظ «بائدة» أطلق عليها عند تدوين التاريخ بعد الفتح الإسلامي وعدم وجود أحد من العرب ينتسب إليها.

عاد

انفرد القرآن الكريم بذكر عاد ونبيهم هود عليه السلام، فورد ذكرهما عدة مرات في السور الآتية:
  • (١)

    الأعراف ٧، آية ٦٥–٧٢.

  • (٢)

    هود ١١، آية ٥٠–٦٠.

  • (٣)

    المؤمنين ٢٣، آية ٣١–٤٢.

  • (٤)

    الشعراء ٢٦، آية ١٢٣–١٤٠.

  • (٥)

    فصلت ٤١، آية ٨٥-٨٦.

  • (٦)

    الأحقاف ٤٦، آية ٢١–٢٦.

  • (٧)

    القمر ٥٤، آية ١٨–٢١.

  • (٨)

    الحاقة ٦٩، آية ٦–٨.

  • (٩)

    الفجر ٨٩، آية ٦–٨.

وتدل هذه الآيات القرآنية على أن قوم هود استكبروا في الأرض بغير الحق، واعتزوا بقوتهم، فأرسل الله إليهم رسله لينهوهم عن عبادة الأوثان، وينذروهم عذاب يوم عظيم، وكان آخر من أرسل إليهم هودًا عليه السلام، فكذبوه فعاقبهم الله تعالى بأن أرسل عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، فأبادتهم فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم.

وكانت هذه القبيلة تسكن أرض الأحقاف، التي تقع إلى الشمال الشرقي من حضرموت في جنوب الربع الخالي.

ولا نستطيع أن نحدد — لا بالضبط ولا على وجه التقريب — الزمن الذي عاشت فيه عاد، ولا الوقت الذي بادوا فيه؛ إذ يرى فريق من المؤرخين أنهم بادوا بعد بناء إبراهيم للبيت، بينما يرى آخرون غير ذلك، وفي رأينا أن كل تحديد لا يعدو أن يكون حدسًا وتخمينًا غير مبني على أساس علمي.

ولم يكشف النقَّابون عن شيء من أخبارهم، وغاية ما ذكروه أنهم عثروا في الأحقاف على مقابر محفورة في الصخور التي تراكمت عليها طبقة كثيفة من الرمال، وليس في هذا كبير غناء كما ترى (راجع الرحلة الحجازية للبتنوني) وطبيعي أن هودًا وفريقًا ممن آمن به أفلتوا من الدمار، ويقول مؤرخو العرب: إنهم هم الذين يسمون بعاد الثانية، وإنهم أسسوا دولة جديدة، يختلفون في مقرها، هل كانت باليمن أم كانت بمكة؟ (راجع الجزء الأول من تاريخ الطبري وابن الأثير)، أما هود فيقولون: إنه عاد إلى حضرموت ثم مات هناك، ولا تزال قرية من قرى حضرموت إلى الوقت الحاضر تُسمى قبر هود.

ولقد أسرف فريق من المؤرخين والمفسرين في الاستنتاج مما ورد في بعض آي القرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك أن فريقًا من المفسرين والمؤرخين اعتمد على قوله تعالى في سورة الأعراف الآية ٦٩: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فنسب إلى عاد أنهم كانوا في هيئات النخل طولًا، وكانوا في اتصال الأعمار وطولها بحسب ذلك من القدر، إلخ.

وفي هذا تحميل للآية الكريمة أكثر مما تحتمل، يشبه ما كانت تُوصف به فراعنة مصر من الضخامة والطول مما كذبه الواقع بعد كشف مومياتهم، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن قوم هود كانوا يتميزون بضخامة لا تزيد على ما يتميز به بعض الأفراد والعشائر بيننا الآن من بسطة في الخلق.

والآن وقد أبنا ما يمكن أن يستخلص في حدود النصوص القرآنية من تاريخ عاد يجمل بنا أن نذكر بعض ما ورد في كتب المؤرخين المسلمين عن هذه القبيلة مما حدا ببعض المستشرقين إلى اعتبار تاريخها من الميثولوجيا.

(أ) عاد في كتب العرب

ورد في الجزء الأول من كتاب «مروج الذهب للمسعودي»: «أن عادًا كان رجلًا جبارًا عظيم الخلقة وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكان عاد يعبد القمر، وذكروا أنه رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وأنه تزوج ألف امرأة وعاش ألف سنة ومائتي سنة ثم مات، وكان المُلْك بعده في الأكبر من ولده وهو شديد بن عاد وكان ملكه ٨٥٠ سنة وقيل غير ذلك، ثم ملك أخو شداد بن عاد وكان ملكه ٩٥٠ سنة، ويقال إنه احتوى على سائر ممالك العالم وهو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد … إلخ.»

ومدينة إرم ذات العماد هذه تحتل مكانًا، أسرف خيال مؤرخي العرب فيه إسرافًا شديدًا، فلقد روى ياقوت والمسعودي وغيرهما أن هذه المدينة بناها شداد بن عاد، لينافس بها قصور الذهب والفضة في الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، وقالوا إنه كتب إلى عُمَّاله أن يجمعوا ما في أرضهم من الذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والزعفران فتوجهوا به إليه، ثم استخرج غواصوه الجواهر فجمعوا أمثال الجبال، وأنه أمر بالذهب فضرب أمثال اللبن، ثم بنى — بذلك اللبن من الذهب وبلبن مثله من الفضة — المدينة، وفصص حيطانها بالدر والياقوت والزبرجد، ثم جعل لها غرفًا من فوقها غرف، تعتمد على أساطين من الزبرجد والياقوت، ثم أجرى تحت المدينة واديًا طليت حافته بالذهب الأحمر، وجعل حصاه أنواع الجوهر، وبنى بالمدينة ٣٠٠ ألف قصر، وجعل على بابها مصراعين من ذهب مفصصين بأنواع اليواقيت، وجعل ارتفاع البيوت في المدينة ٣٠٠ ذراع، وبنى خارج السور كما يدور ٣٠٠ ألف منظرة بلبن الذهب لينزلها جنوده ومكث في بنائها ٥٠٠ عام.

ويذكر بعض المؤرخين مبالغات تشبه هذه في مصير المدينة، فمنهم من يذكر أنها بعد أن تم بناؤها لم يسكنها عاد؛ لأنها طارت في السماء، وأن بعض الناس يلمحونها وهي طائرة، ومنهم من يقول: إنها لا يراها إلا من شاء الله له ذلك، ويروون أن رجلًا يسمى عبد الله بن قلابة رآها في أيام معاوية بن أبي سفيان، وأن معاوية استدعاه ليعرف جلية الخبر، فأخبره أنه بينما كان يبحث في الصحراء عن بعير ضل منه، إذا به يجد نفسه فجأة أمام باب المدينة، وأنه دخلها فوجدها خاوية على عروشها، فأخذه الذعر فخرج، ولم يحتمل منها إلا بعض الحجارة الصغيرة التي أراها للخليفة.

ويرى الأستاذ جرجي زيدان في كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلام» أن عادًا من الأمم الآرامية؛ ولذلك سميت عاد إرم كما سميت ثمود إرم، وأنها ليست مدينة، وأن الظن بأنها مدينة هو الذي جعل المؤرخين يبالغون في وصفها هذه المبالغات.

ثمود

ثمود هم قوم صالح عليه السلام وقد ورد ذكرها في القرآن عدة مرات في السور الآتية:
  • (١)

    الأعراف ٧، آية ٧٣–٧٩.

  • (٢)

    هود ١١، آية ٦١–٦٨.

  • (٣)

    الحجر ١٥، آية ٨٠–٨٤.

  • (٤)

    الشعراء ٢٦، آية ١٤١–١٥٩.

  • (٥)

    النحل ٢١، آية ٤٥–٥٣.

  • (٦)

    فصلت ٤١، آية ١٧-١٨.

  • (٧)

    الذاريات ٥١، آية ٤٣–٤٥.

  • (٨)

    النجم ٥٣، آية ٥٠-٥١.

  • (٩)

    القمر ٥٤، آية ٢٣–٣٢.

  • (١٠)

    الحاقة ٦٩، آية ٤-٥.

  • (١١)

    الشمس ٩١، آية ١١–١٥.

ويؤخذ من هذه الآيات أن زمن صالح عليه السلام كان بعد زمن هود عليه السلام، وقوم ثمود كانوا يعبدون إلهًا غير الله، وكانوا يعيثون في الأرض مفسدين، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتًا، وأن مساكنهم كانت بالحجر، وأنهم كذبوا الرسل، فأرسل الله إليهم أخاهم صالحًا فنصح لهم ودعاهم إلى عبادة الله، وترك ما يعبد آباؤهم فكذبوه واتهموه بالسحر، وطلبوا إليه أن يجيء بآية إن كان من الصادقين، فقال لهم: هذه ناقة الله لكم آية وطلب إليهم أن يذروها تأكل في أرض الله ولا يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب يوم عظيم، فكذبوه فعقروها، فأخذتهم بعد ثلاثة أيام الصيحة أو الرجفة أو الصاعقة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ونجى الله صالحًا والذين آمنوا معه وكانوا يتقون.

هذا هو ملخص قصة ثمود كما وردت في القرآن الكريم، ويضيف إليها كثير من المفسرين والمؤرخين أخبارًا تتعلق بمصير الذين آمنوا مع صالح، ففريق يزعم أنهم سكنوا فلسطين، وآخرون يقولون: بل سكنوا مكة، وغيرهم يقول: إنهم سكنوا حضرموت، ويزعمون أن قبر صالح هناك.

ويرى فريق من المؤرخين المحدثين أن ثمود هم شرذمة من الهكسوس، الذين طردهم أحمس الأول من مصر، وأنهم سكنوا منطقة الحجر، وأنهم نحتوا من الجبال بيوتا على غرار المقابر المصرية القديمة، التي شاهدوها أثناء احتلالهم لمصر.

والمتفقد لمساكنهم الآن في مدائن صالح «إحدى محطات السكة الحديدية الحجازية» يرى أنها في مساحتها لا تختلف عن المساكن العادية، وعلى ذلك يكون ما نُسب إلى ثمود من ضخامة الأجسام وطولها ليس إلا حديث خرافة، ولقد مر النبي بها في غزوته لتبوك في السنة التاسعة للهجرة ومنع المسلمين من الدخول إلى ديار ثمود والشرب من مياههم.

ويروي بعض المؤرخين أن ثمود نشئوا في اليمن، ثم غلبهم الحميريون فأجلوهم إلى الشمال فسكنوا منطقة الحجر.

ولا شك أن تكون قبيلة ثمود هذه هي ثموديني Thamudini التي ذكرها استرابون وبطليموس عند كلامهم عن قبائل العرب.

أما النسابون من العرب فيقولون: إن هودًا هو ابن جائر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام.

وتكاد تُجمع المصادر أن نبيهم صالحًا أرسل إليهم في الفترة ما بين هود وإبراهيم، ولكنا — على الرغم من ذلك — لا نستطيع أن نجزم في أي عصر عاشوا.

(أ) ثمود والكشوف الحديثة

زار أكثر من واحد من المستشرقين آثار ثمود وكتبوا عنها، وكان أهم ما عثروا عليه من الآثار هو ما يُعرف بقصر البنت وقبر الباشا والقلعة والبرج.

أما النقوش التي شاهدوها على هذه الآثار فمعظمها بالخط الآرامي وبعضها بالمسند، ولغتها هي العربية الشمالية التي لا تختلف — إلا في قليل — عن العربية الفصحى المعروفة، وهي تتضمن عبارات دينية، مما يُنقش عادة على قبور كثير من الأمم، وهي ليست — في حد ذاتها — كبيرة الفائدة من الناحية التاريخية، ولكنا نستطيع أن نستنتج منها أن بعض العلاقات ربطت ما بين ثمود ودولة الأنباط، التي كانت عاصمتها مدينة بطره في الشمال.

ونحن نثبت هنا — نقلًا عن «تاريخ العرب قبل الإسلام» للأستاذ جرجي زيدان — ترجمة عهد كتبه على قبره رجل اسمه عائذ بن كهيل:

هذا القبر الذي بناه عائذ بن كهيل بن القيس لنفسه وأولاده وأعقابه، ولمن يكون في يده كتاب من يد عائذ يبيح له ولأي واحد يُخوله عائذ في حياته أن يُدفن فيه، في شهر أبريل في السنة التاسعة للحارث ملك الأنباط محب شعبه «وذلك حوالي سنة ١٨م» ولعن ذو الشرى ومناة وقيس كل من يبيع هذا القبر أو يشتريه أو يرهنه أو يهبه أو يؤجره أو ينقش عليه شيئًا آخر، أو يدفن فيه أحدًا إلا الذين كتبت أسماؤهم أعلاه … ا.ھ.

أقصوصة طسم وجديس

طسم وجديس ابنا عم، يصعد النسابون نسبهما إلى سام بن نوح عليه السلام، أما موطنهما فقد حدد له المؤرخون منطقة اليمامة، وكانت تسمى فيما مضى جو، ويدل سياق الأقصوصة على أن الغلبة كانت لطسم، فكان منها الحكام والسادة، وحدث أن ولى ملك من طسم اختلف القصاص في اسمه؛ فبعضهم يسميه عملوق، وآخرون عملاق، وغيرهم عمليق، وكان عملوق هذا فاجرًا ظالمًا سيئ السيرة، وكان يستذل جديسًا وينتهك أعراضها، ويسوقون تدليلًا على شناعة فعاله أن امرأة من جديس خاصمت زوجها إلى عملوق هذا، تريد أن تأخذ ابنها منه ويريد هو أن يحتفظ بالغلام، فكان حكم عملوق أن يرسل الغلام مع عبيده، وأن تباع المرأة والرجل فيأخذ الرجل خمس ثمن المرأة وتأخذ المرأة عشر ثمن الرجل وفي هذا قالت المرأة واسمها هزيلة:

أتينا أخا طسم ليحكم بيننا
فأصدر حُكمًا في هزيلة ظالمًا
لعمري لقد حكمت لا متورعًا
ولا فَهِمًا عند الخصومة عالمًا
ندمت فلم أقدر على متزحزح
وأصبح زوجي مائر الرأي نادمًا

واتصل بعملوق ما قالته هزيلة فغضب وأصدر أمرًا بأن لا تُزف بكر إلى زوجها حتى تُحمل إليه أولًا فيفترعها، فلقوا من ذلك بلاءً وجهدًا وذلًّا، ولم يزل يفعل ذلك حتى حدث أن امرأة من جديس تُسمى عفيرة خطبت إلى زوج من قومها، فلما حان موعد زفافها إلى بعلها حملها العبيد ليزفوها إلى عملوق قبله، وتكلموا في ذلك كلامًا لمس عزتها، وخرجت المرأة من فراش عملوق ودمها يسيل وقد شقت ثوبها من خلف ومن قدام وأخذت تنشد:

لا أحد أذل من جديس
أهكذا يُفعل بالعروس

ثم أبت أن تمضي إلى زوجها وقالت تُحرض قومها:

أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم
وأنتم رجال فيكمو عدد النمل
أيصلح تمشي في الدماء عفيرة
صبيحة زُفَّت في النساء إلى البعل

من قصيدة طويلة منها:

فلو أننا كنا الرجال وكنتمو
نساء لكنا لا نَقَرُّ على الذل
وإن أنتمو لم تغضبوا بعد هذه
فكونوا نساء لا تفروا من الكحل

… إلخ.

وكان أخو عفيرة من سادة قومه وأصحاب الرأي فيهم، فتحركت نخوته، كما أحس المذلة قوم جديس، فاغتنم هو فرصة انفعال القوم واستشعارهم الذل، فقال لهم: هل لكم أن تتبعوا رأيي أُرِحْكُمْ من هذا الغشوم وطغيانه. فقالوا له: لم تعد لنا طاقة على احتمال هذا الهوان، فمرنا نفعل ما تريد، فاقترح عليهم أن يدفنوا سيوفهم تحت الرمل، وأن يتظاهروا بالولاء والإكبار للملك، وأن يدعوه هو ورجال حاشيته إلى مأدبة في العراء، فوافقوا على ذلك، وتمت دعوة الملك، وبينما هم في وسط الطعام والشراب إذا بجديس تخرج السيوف من تحت الرمال فتجندل الملك وتقتله شر قتلة هو ورجال حاشيته، ثم يعمد القوم إلى الفتك برجال طسم، حتى كادوا أن يفنوهم جميعًا، ويفلت من طسم رجل يفر إلى ملك اليمن — ويقولون: إنه حسان بن تبع — فيستنصره على جديس، ويستمع ملك اليمن إلى هذا الطسمي، فيسير معه في جند كثيف إلى جديس، حتى إذا ما أصبح القوم على بعد ثلاثة أيام من اليمامة مقر طسم، إذا بهذا الطسمي يخبر ملك اليمن أن له أختًا في جديس ترى على مسيرة ثلاثة أيام، وأنه يخشى أن تراهم فتحذر القوم، ثم يقترح على الملك أن يحمل كل جندي فرعًا من شجرة كبيرة يستتر وراءها، حتى يستطيعوا أن يفاجئوا جديسًا قبل أن يتحوطوا للقائهم.

وتتطلع زرقاء اليمامة — وهي أخت ذلك الطسمي — إلى ناحية الجنوب الغربي فترى شجرًا يتحرك، ومن وراء ذلك الشجر جنودًا تحمل سلاحًا، ومنهم من يتعرق كتفًا أو يخصف نعلًا أو يخيط ثوبًا، فأنذرت قومها وحذرتهم جند اليمن، فسألوها عن الخبر، فقالت:

إني أرى شجرًا من تحته بشر
فكيف تجتمع الأشجار والبشر
ثوروا بأجمعكم في وجه أولهم
فإن ذلك منكم — فاعلموا — ظفر

فلم يصدقوها واعتبروا كلامها حديث خرافة «تأمل!» وما زالوا في غير حذر حتى صبحهم ملك اليمن فأباد الرجال وسبا النساء والذرية وحطم البيوت، ثم أمر بزرقاء اليمامة فاقتلعوا عينيها، وتقول الأقصوصة: إنهم وجدوا في داخلها عروقًا سودًا، فقالوا لها: من أي شيء ذلك، قالت: كحل أكتحل به، قيل: ما هو؟ قالت: الإثمد، فاتخذوه بعد ذلك كحلًا، ثم أمر الملك بها فصُلبت على باب المدينة.

وهكذا كان فناء طسم على يد جديس وجديس على يد ذلك الملك اليمني.

ونحن لا نستطيع أن نجزم — حتى ولو صرفنا النظر عما في القصة من المبالغات الخرافية — بصحة وجود طسم وجديس، ولكنا إذا افترضنا وجودهما فإنا قد نستنتج أن هلاكهما كان في أوائل القرن الرابع الميلادي، وأن الحكومة كانت إقطاعية بسبب كثرة تردد أسماء السادة في سياق الأقصوصة، ولأن مثل تلك العادة القذرة، التي أُشير إليها آنفًا، إنما يغلب وجودها في البلاد الإقطاعية.

وبمناسبة هذه العادة نُشير إلى ما ذكره المستشرق جورج سيل، من أن مثل هذه العادة كانت شائعة في بعض مقاطعات إنجلترا واسكتلندا في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي، كما يذكر بعض المؤرخين أنها كانت شائعة في كثير من البلاد الأوربية في عهد الإقطاع، وكانت تُعرف باسم «حق السيد».

والآن وقد انتهينا مما أردنا إيراده عن أشهر القبائل البائدة نُجمل القول في الفقرة التالية عن القبائل البائدة الأخرى التي ورد ذكرها في كتب العرب.

بقية القبائل البائدة

  • (أ)

    قبيلة أميم ويقولون: إنها سكنت بادية أبار وهي تقع إلى الجنوب من اليمامة.

  • (ب)

    عبيل ويقال إنها سكنت موضع يثرب، ثم أخرجهم منها العماليق، فنزلوا موضع الجحفة بين مكة والمدينة.

  • (جـ)

    عمليق وهي عدة قبائل عُرفت بالعمالقة، وقد ورد ذكرها في التوراة، ويرى بعض المؤرخين المحدثين أنه كانت لهم دولتان كبيرتان إحداهما بالعراق والأخرى بمصر، وأن دولتهم في العراق هي دولة حمورابي، ودولتهم في مصر هي دولة الهكسوس التي قضى عليها أحمس الأول.

    أما مؤرخو العرب فيقولون: إنهم قبائل عدة سكن بعضها أرض الحجاز وتهامة «وهي قبائل بني ليف وبني سعد وبني مطر»، وسكن بعضها نجدًا «وهي قبائل بديل وغفار»، وسكن بعضها شمال شبه الجزيرة «وهي قبيلة بني هومر بن عمليق»، وسكن بعضها عمان «وهي جاسم»، وسكن بعضها فلسطين «وهم عمالقة التوراة الذين يقول عنهم العرب: الجبابرة.»

  • (د)

    جرهم وهم قبيلتان، جرهم الأولى ويقال إنها كانت على عهد عاد، وجرهم الثانية وهم الذين تزوج منهم إسماعيل عليه السلام.

  • (هـ)

    عبد ضخم ويقال إنهم سكنوا الطائف.

  • (و)

    وبار ويقولون: إنها كانت مع عاد … إلخ.

والعجيب من أمر هذه القبائل البائدة، أن مؤرخي العرب لم يذكروا من أخبارهم شيئًا فيه غناء، عدا ما اختلفوا فيه من تفصيلات أنسابهم وبيان مواطنهم مما يحملنا على الاعتقاد بأن أمرهم لم يكن إلا ميثولوجية غير ناضجة، اللهم إلا إذا أماطت الكشوف القائمة الآن اللثام عن شيء من مواطنهم وأخبارهم.

وبهذه المناسبة نذكر أنه كانت هناك دولتان لم يسمع بهما العرب ولم يرد لهما ذكر في كتبهم، ونقصد بهما دولة بنط ودولة معين وقد ظهرتا في بلاد اليمن، وقد تكون دولة معين استمرارًا لدولة بنط كما قد تكون دولة مستقلة عنها، ولا نستطيع أن نحدد تاريخًا للدولة الأولى، ولكن الراجح أنها عاشت في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وأنها كانت تعاصر الأسرة الخامسة من أسرات التاريخ المصري القديم، أما الدولة الثانية، دولة معين، فلا نعلم متى بدأت أيضًا، ولكن العلماء يحددون لسقوطها حوالي سنة ١٠٠٠ق.م، ويرجحون أنها كانت تعاصر في تاريخ مصر القديم الأسرات من ١٧ إلى ٢٤ بمقتضى تأريخ العلامة برستد للأسرات المصرية، وأن علاقات تجارية أو سياسية كانت تربط ما بينها وبين الأسرة ١٨ بصفة خاصة.

وسنعود إلى تفصيل الكلام عن هاتين الدولتين عند الكلام في تاريخ اليمن القديم، وإنما ذكرناهما هنا مجاراة لأسلوب مؤرخي العرب باعتبارهما من القبائل البائدة.

ونود أن نذكر أن تقسيم طبقات العرب إلى بائدة وعاربة ومستعربة لا يعني أن كل طبقة جاءت بعد الأخرى؛ إذ يجوز جدًّا أن تكون بعض القبائل التي نسميها بائدة قد ظهرت بعد ظهور العرب العاربة، ومما لا شك فيه أنه جاء وقت كانت تعيش فيه الطبقات الثلاث متعاصرة.

(١-٢) العرب العاربة

وتسمى أيضًا العرب العرباء برغم أن لغتها لم تكن عربية، وأنها تعلمت العربية من البائدة، وتُعرف أيضًا بعرب الجنوب؛ لأنها اتخذت جنوب بلاد العرب مقرًّا لها، وقد يطلق عليها بسبب ذلك اسم العرب اليمنية أيضًا، كما يُطلق عليها أيضًا اسم السبئية نسبة إلى أشهر دولها سبأ، وأكثر ما تُوصف به في كتب مؤرخي العرب هو القحطانية نسبة إلى جدها الأولى قحطان، فقد ورد في كتاب سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب للبغدادي الشهير بالسويدي أن قحطان هذا هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وأنه أنجب من الأولاد جرهم والسلف وحضرموت ويعرب الذي أنجب سبأ الذي أنجب حمير … إلخ، والظاهر أن قحطان هو تحريف ليقطان Joctan الذي ورد ذكره في الإصحاح ١٠ آية ٢٥، ٢٦ من سفر التكوين في صدد الكلام عن قبائل بني نوح الذين تفرقت منهم الأمم في الأرض بعد الطوفان.

ولا نستطيع أن نجزم من أي بقعة من الأرض أتى هؤلاء القحطانيون قبل أن يستقروا في إقليم اليمن، فلقد كان يرجح — كما أشرنا آنفًا — أنهم جاءوا من الحوض الأدنى لنهري دجلة والفرات حيث إقليم كلديا، وأنهم كانوا يتكلمون بادئ ذي بدء إحدى اللهجات الكلدانية. وأنهم جاءوا عن طريق البر وما زالوا يضربون في الصحاري حتى أغراهم خصب اليمن بالاستقرار فيها، وقد تكانفوا مع بعض أعداء دولة معين حتى أسقطوها، وطبيعي أن هذا تم بعد أن عاشوا في اليمن على حالتهم البدوية مدة طويلة.

ولكن الأستاذ فلبي Philby آخر من كتب عن تاريخ العرب في عصر ما قبل الإسلام كتابًا مستقلًّا صدر بالإسكندرية سنة ١٩٤٣ يذهب إلى أن عرب الجنوب لم يجيئوا من مكان آخر، وأنهم الأصل في العرب بدليل أن العرب القدماء أنفسهم كانوا يطلقون على عرب الشمال لفظ المستعربة؛ أي الدخلاء في العروبة، وأن الهجرات بدأت منهم في الجنوب إلى أطراف الهلال الخصيب حيث العراق والشام وفلسطين وحتى مصر، وأن لغتهم — وقد فحص نحو ٦٠٠٠ نقش مكتوب بها — لا تختلف كثيرًا عن العربية الشمالية، ولا تعدو أن تكون شكلًا قديمًا للشمالية التي اختفت منها كلمات لم تعد مستلزمات الحياة تتطلبها تتعلق بآلهة الوثنية وأعمال الري والزراعة وتجارة البخور تلك التي كانت من مفاخر بلاد العرب القديمة (راجع كتابه «ظهير الإسلام» Background of Islam). ويجدر بنا أن نذكر هنا أن الأستاذ فلبي يعرف بلاد العرب الحديثة جيدًا ويحذق من تاريخها القديم وجغرافيتها وتقاليدها ولغتها الدارجة ما لا يحذقه إلا الأقلون من المستشرقين.
كذلك لا نعرف في أي وقت سكنوا أرض اليمن، فقد اكتفى الدكتور «نلدكه» Noldeke — وهو حجة في تاريخ العرب — في تاريخ المؤرخين للعالم بأن قال: إنه في الألف الثاني قبل الميلاد قد مهدت بلاد اليمن — مقر السبئيين والحميريين — بسبب صلاحيتها للزراعة السبيل لظهور مدنية خلفت وراءها آثارًا ذات مبان ضخمة ونقوش عديدة لا تزال تثير إعجابنا، ثم إن اليونان والرومان كانوا على حق إذ سموا هذه الأقاليم بلاد العرب السعيدة، وأشار إلى نصوص كثيرة في التوراة تشير إلى عظمة السبئيين، وخص بالذكر قصة ملكة سبأ وزيارتها سليمان الواردة في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول، ثم قال: إن الشطر الأكبر من غنى سبأ يرجع إلى اتجارها في بعض المواد ذات الرائحة الزكية، وخاصة البخور الذي كان يحتاج إليه في المعابد، والذي ورد ذكره في كثير من أسفار التوراة، ثم قال: إن هذه المتاجر كانت تنقل إلى الشمال في طرق القوافل وأنهم حصلوا أخيرًا على بعض نقوش في شمال الحجاز تشير إلى أن السبئيين كانت لهم محطات تجارية ثابتة، وإلى أنهم كانوا يمارسون بعض النفوذ على بقية بلاد العرب إبان سطوتهم، وأن آثار ذلك النفوذ كانت واضحة وخاصة في الجزء الغربي حيث كانت تمر طرق القوافل.

ويرجع الدكتور نلدكه أسباب تدهور اليمن إلى عدة مسائل، وهو لا يرى فيما يقوله مؤرخو العرب من إرجاع ذلك إلى تصدع سد مأرب تعليلًا كافيًا للتدهور، وهو يعتقد أن تصدع السد لم يكن سببًا للتدهور، إنما كان نتيجة له ولما صحب التدهور من إهمال شأنه، وهو جزء ضروري للري المنتظم، وهو يميل إلى الرأي القائل بأن هجرة اليمنيين إلى الشمال التي تمت في القرن الثاني الميلادي كانت من عوامل ذلك الانحلال.

وبعد أن أشار إلى الغزو الحبشي لليمن الذي تم سنة ٥٢٥م، والغزو الفارسي الذي تم حوالي سنة ٥٧٥م، قال: إن اليمن رغم ما توالى عليها من أحداث كانت مدنيتها لا تزال أعلى المدنيات في بلاد العرب، بدليل أنها ما فتئت تورد لها بعضًا من المصنوعات الهامة مثل السيوف والأقمشة والملابس.

ثم يقول إن أهل اليمن كانوا يشعرون شعورًا خفيًّا بمكانتهم العظيمة هذه وبما قام به أسلافهم من أعمال عظام لم يكونوا يعرفونها على وجه التحديد؛ لأنها لم تكن مدونة، وأنهم من أجل ذلك بعد أن تم الفتح الإسلامي تحت زعامة العرب القرشيين واستقرت شئون الإمبراطورية أرادوا ألا يكون لإخوانهم الشماليين فضل عليهم، وعمدوا إلى الإشادة بفضل أسلافهم، واخترعوا لذلك قصصًا أسرف خيالهم فيها إسرافًا بعيدًا.

تلك وجهة نظر عالم كبير عن علماء التاريخ العربي لخصناها لنعطي صورة مصغرة من وجهات النظر الحديثة لتاريخ الطبقة الثانية من طبقات العرب، أما تاريخ دول اليمن وحضارتها ومظاهر تلك الحضارة في أدوارها المختلفة فسنفصل الكلام عنه في فصل تالٍ.

(١-٣) العرب المستعربة

ويُعرفون أيضًا بعرب الشمال، أو العرب العدنانية، أو عرب الحجاز، أو العرب الإسماعيلية، ويغلب في تواريخ العرب تسميتهم بالعرب العدنانية نسبة إلى عدنان من سلالة إسماعيل عليه السلام.

ورد في كتاب سبائك الذهب للسويدي في سياق نسب العرب العدنانية أن عدنان هو ابن أد بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وإذا نظرت في جداول النسب التي وضعها تجد أنه يواصل السلسلة إلى آدم أبي البشر، فيقول: إن إبراهيم هو ابن قارح بن ناحور بن شاروخ بن أرغو بن قالع بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح — عليه السلام — بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام.

ولسنا نشك لحظة في أن هذه الأنساب لا تعتمد على أي أساس علمي، بل إن العلم ليتعارض مع الكثير منها، وإنما أوردناها هنا لبيان وجهة من وجهات النظر القديمة.

وعلى الرغم من أن العلماء المحدثين لا يؤمنون بصحة هذه الأنساب إلا أن الإجماع يكاد ينعقد بينهم على صحة نسب العرب المستعربة إلى إسماعيل عليه السلام.

وتتفق الروايات العربية مع التوراة في قصة إسماعيل عليه السلام في مجموعها مع اختلافات بسيطة، فالتوراة تقول: إن إخراج إسماعيل وأمه هاجر كان إلى برية بئر سبع على مقربة من خليج العقبة، والعرب يقولون: إن إسماعيل أقام بمكة.

وخلاصة قصة إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام أن إبراهيم وُلد بالعراق في مدينة أور الكلدانية، لأب نجار كان يصنع الأصنام، فلما شب إبراهيم ساوره الشك في أمر الأصنام، فتغفل القوم وحطمها إلا كبيرها ثم فشل في هداية قومه، وكان نصيبه أن أُلقي في النار فنجاه الله منها، ثم فر إلى فلسطين، ومعه زوجه سارة، وارتحل إلى مصر بها، ثم خرج منها وقد أعطاه ملكها جارية هي هاجر، وولدت له هاجر ابنه الأول إسماعيل، ثم ولدت له سارة ابنه إسحاق، وسوى إبراهيم في العطف بين ولديه إسماعيل وإسحاق، فغضبت سارة، فذهب بهاجر وابنها إسماعيل إلى وادي مكة القفر، ثم تفجرت بئر زمزم، وأغرى ذلك بعض القبائل اليمنية الرُّحل بالسكنى إلى جوار الماء، فسكنت قبيلة جرهم من عرب اليمن، وتزوج منهم إسماعيل زوجة سرَّحها، ثم تزوج جرهمية أخرى هي بنت مضاض بن عمرو، وولد لإسماعيل من هذا الزواج اثنا عشر ولدًا هم آباء العرب المستعربة.

هذا هو هيكل القصة التي سنعود إليها بشيء من التفصيل عند الكلام على تاريخ الإمارة بالحجاز، وهي قصة كما قلنا يكاد ينعقد الإجماع على جملتها، ولكن يبرز لنا من ثناياها سؤال يحتاج إلى جواب وهو: لمن يصح أن تُنسب هذه العرب المستعربة؟ أإلى العرب القحطانية؛ لأن زوج إسماعيل الجرهمية كانت منهم؟ أم إلى الكلدانيين؛ لأن أبا إسماعيل كان منهم؟ أم إلى العبرانيين؛ لأن إبراهيم أقام في فلسطين؟ أم إلى المصريين القدماء؛ لأن هاجر أم إسماعيل كانت مصرية قديمة؟

كذلك يبرز سؤال آخر: وهو أي لغة كان يتكلم إسماعيل حين تركه أبوه في مكة وهو بعد طفل رضيع على حد بعض الروايات؟ أكان يتكلم اللغة المصرية القديمة لغة أمه، أم كان يتكلم الكلدانية لغة أبيه؟ وذريته بعد أن تزوج وأنجب أي لغة كانوا يتكلمون، أهي اللغة الحميرية لغة أمهم، أم لغة أبيهم؟

وإذ كانت نظرية المغفور له الأستاذ أحمد كمال باشا الأثري المصري في العلاقة العظيمة بين اللغة العربية والمصرية القديمة التي مكنته من إرجاع معظم المفردات العربية إلى أصول مصرية قديمة — أو العكس لا أدري تمامًا — صحيحة فهل يُلقي ذلك ضوءًا على الغموض الذي يكتنف هذه الأسئلة؟

الحق يقال إن الإجابة على هذه الأسئلة وما سبقها في ظل ما تحت أيدينا من المراجع لا يمكن أن تكون إجابة حاسمة خالية من الحدس والتخمين.

على أنَّا قد نستطيع الإجابة على سؤال ثالث قد تكون محاولة الإجابة عنه ضرورية، وهو في أي عصر هبط إسماعيل مكة، وليس لنا مرجع في الإجابة عن هذا السؤال إلا التوراة، ولقد قلنا: إن إبراهيم غادر أور إلى فلسطين ثم هبط منها إلى مصر وخرج ومعه هاجر.

ولكن الآثار الكلدانية لا تتكلم، كذلك لا نجد في الآثار المصرية أدنى إشارة إلى هاجر أو إبراهيم، وحيال صمت الآثار هنا وهناك لا يجد المستشرقون بدًّا من القول بميثولوجية القصة من الناحية العلمية من أولها إلى آخرها، أما علماء التوراة فإنهم بمقارنة التواريخ والأعمار الواردة فيها أمكنهم أن يصلوا إلى ما يأتي:
  • (١)

    أن إبراهيم غادر أور الكلدانية سنة ١٩٢١ق.م.

  • (٢)

    أن ولادة إسماعيل كانت سنة ١٩١٠ق.م.

  • (٣)

    أن طرد هاجر مع ابنها إسماعيل كان حوالي ١٨٧١ق.م.

  • (٤)

    أن وفاة إبراهيم كانت ١٨٢٠ق.م.

  • (٥)

    أن وفاة إسماعيل كانت ١٧٧٣ق.م.

وعلى ذلك يمكننا أن نستنتج أن نشأة العرب المستعربة كانت تعاصر أواخر أيام الأسرة الثانية عشرة المصرية وأوائل عهد الهكسوس، وذلك بمقابلة هذه التواريخ بالتواريخ التي حددها العلامة برستد Breasted للأسرات المصرية، ونحب أن نذكر أيضًا أن هذا فيه شيء غير قليل من الحدس والتخمين.

وسنتكلم في الفقرة التالية عن بعض الفوارق بين العرب القحطانية والعرب العدنانية.

بعض الفوارق بين عرب الجنوب وعرب الشمال

الفروق بين الشعبين كثيرة يرجع بعضها إلى البيئة الطبيعية أو نظام الاجتماع أو اللغة أو الدين أو غير ذلك، وقد رأينا أن نلخصها هنا قبل تفصيل الكلام لنسترشد بها كمبادئ أساسية أثناء دراسة تاريخ كل منهما؛ وأهم هذه الفروق ما يأتي:
  • (١)

    أن عرب الجنوب في الغالب أهل إقامة على عكس عرب الشمال الذين تغلب فيهم البداوة، الأولون يسكنون بيوتًا مشيدة في مدائن، والآخرون يسكنون بيوتًا من الشعر أو الجلد يضربونها حيث يطيب لهم المقام، وظاهر أن طبيعة كل من المنطقتين كانت ذات أثر في ذلك.

  • (٢)

    أن لغة أهل الجنوب المعروفة بالحميرية وإن كانت لغة سامية إلا أنها تختلف عن لغة أهل الشمال العربية في الضمائر وأسماء الإشارة وغير ذلك من أحوال الاشتقاق والتعريف، حتى لقد كان أهل الجنوب لا يفهمون لغة نجد وأهل الحجاز التي انتشرت انتشارًا كبيرًا بالنسبة إلى اللغة الحميرية التي أصبحت في صدر الإسلام غير معروفة.

  • (٣)

    أن الخط المسند الحميري الذي كان يكتب بحروف منفصلة، والذي كان مشتقًّا من الخط الفينيقي المأخوذ من الخط السينائي المأخوذ من الخط الهيروغليفي، كان يختلف عن خط أهل الشمال على الرغم من أنه مأخوذ منه.

  • (٤)

    كان يشترك الشعبان في الوثنية وفي عبادة الأصنام، ولكن آلهة الجنوب كانت تمتُّ بصلة إلى آلهة بابل على عكس آلهة الشمال.

  • (٥)

    انفرد كل من الشعبين بأسماء تخالف أسماء الشعب الآخر، وكانت أسماء أهل الجنوب تشبه الأسماء البابلية على عكس أسماء أهل الشمال، التي كانت في الغالب مستمدة من مظاهر البداوة التي تحيط بهم.

  • (٦)

    أهل الشمال مستطيلو الرءوس أشد شبهًا بأجناس البحر الأبيض، أما أهل الجنوب فمستديرو الرءوس يمتازون بالفك العريض والأنف الأقنى.

  • (٧)

    وبين الشعبين فوارق خلقية أخرى، فأهل الجنوب أقرب إلى اسوداد اللون، وتشبه سحنهم من وجوه كثيرة سحن الأفريقيين من أهل الحبشة والصومال؛ أما أهل الشمال فإنا نجد الرجل منهم وبخاصة إذا كان بدويًّا فيه المميزات السامية كاملة، فنجده أسمر، ممدود القامة، تقاطيع وجهه واضحة، وهذا عدا فروقًا أخرى مثل الشعر ووزن الجمجمة وغير ذلك.

  • (٨)

    وأخيرًا أنشأ أهل الجنوب حضارة بحكم استقرارهم، أما أهل الشمال فيرجع الفضل إلى الإسلام، في أن كوَّن منهم دولة، ووحَّدهم لأول مرة في التاريخ.

والآن وقد انتهينا من الكلام على الشعوب العربية إجمالًا فإنا نبدأ الكلام بشيء من التفصيل عن تاريخ دول اليمن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠