الفصل السابع

تاريخ الحيرة

(١) تمهيد

في أوائل القرن الثالث للميلاد، تجمعت عدة قبائل في منطقة البحرين يقول عنها مؤرخو العرب إنها من القبائل اليمانية، التي تفرقت على أثر تصدع سد مأرب، فأخذت تغير على أطراف الدولة الفارسية في العراق، وذلك في فترة الاضطراب التي تلت سقوط الدولة البارثية وتأسيس الدولة الساسانية سنة ٢٢٦م، ولا تستطيع أن تفعل الدولة الفارسية معهم شيئًا؛ لأنهم كانوا بعد إتمام غارتهم يعتصمون بالصحراء، التي يعبر عنها بأنها حصن العرب الحصين، والتي لا يعرف مسالكها الفرس ولا غيرهم، وبخاصة لأن فارس في ذلك الوقت لم تكن فيها حكومة مركزية مهمة؛ لأن الإسكندر المقدوني لما غزا فارس سنة ٣٣٣ قبل الميلاد، جزأ الإمبراطورية الفارسية إلى دويلات صغيرة، يحكمها ملوك يُعرفون بملوك الطوائف، وقد اتبع الإسكندر هذه السياسة، حتى لا تقوى الفرس مرة أخرى على الإغارة على اليونان، واستمر الحال كذلك حتى ٢٦٦م؛ إذ تمكن أردشير بن بابك، من تأسيس الدولة الساسانية التي يُعرف ملوكها بالأكاسرة، فوحد بذلك كلمة الفرس، وأعاد سلطانها إلى الأراضي العربية المتاخمة للبادية كالحيرة والأنبار، ولما وجد أنه لا قبل له بصد غارات العرب المستمرة، رأى من السياسة أن يبيح لهم السكنى في منطقة الحيرة، ومنحهم شبه استقلال لغرضين: الأول أن يتخذ منهم درءًا يقي بلاده شر غارات البدو، وهم أقدر الناس على ذلك، فكانوا بذلك يكونون ما يُعرف في الاصطلاح التاريخي باسم مملكة حاجزة، والثاني ليستعين بهم على الرومان، الذين كانوا في حروب مستمرة مع فارس.

وقد قلنا: إن مؤرخي العرب يقولون: إن عرب الحيرة من عرب الجنوب «قضاعة والأزد»، ولكن بعض المؤرخين المحدثين والمستشرقين، يرجحون أنهم من العرب الشمالية، ويستدلون على ذلك بعدة براهين، بعضها لغوية؛ لأن لغة عرب الحيرة تنطبق على العدنانية، ولا تمت إلى الحميرية الجنوبية بشيء، ومنها الأسماء التي تشبه في مجموعها أسماء عرب الشمال، وكذلك العادات والدين فإنها كلها أكثر انطباقًا على عادات وديانة عرب الشمال، ونحن نميل إلى هذا الرأي، وإن كان لا يزال موضع افتراض وتمحيص بين المؤرخين.

(٢) مدينة الحيرة وسكانها

تقع الحيرة على نهر الفرات، على مقربة من أنقاض بابل، وعلى بعد ثلاثة أميال إلى الجنوب من الكوفة، وقيل إن العرب هم الذين سموها هذا الاسم من الحيرة أو الضلال، ولكن الصحيح أن اللفظ سرياني، مأخوذ من كلمة حرتا ومعناها الحصن أو الدير، وقد بدأت هذه المدينة صغيرة شأن كل المدن، ثم ازدهرت على مر الأيام في عهد دولة المناذرة آل نصر اللخميين.

أما سكانها فقد قسمهم ابن الكلبي إلى ثلاثة أقسام:
  • (١)

    تنوخ: وهؤلاء هم العرب الذين نزحوا من البحرين، والذين ذكرنا أنهم مختلف في أصلهم، هل هم عدنانيون أم قحطانيون؟

  • (٢)

    العباد: وهؤلاء هم الفريق الأصلي، الذي كان متوطنًا في تلك المنطقة، والذين يؤخذ من تاريخهم أنهم كانوا نصارى على المذهب النسطوري، وأنهم كانوا أهل قراءة وكتابة وعلم بالإنجيل، وكانوا يزاولون الصناعة والتجارة أيضًا، وربما سموا بالعباد؛ لأنهم كانوا يعبدون الله «أو المسيح».

  • (٣)

    الأحلاف: وهم بعض أفراد من العرب، هجروا بلادهم لسبب من الأسباب، ونزلوا على تنوخ والعباد، وارتبطوا معهم برباط حلف، فسموا لذلك الأحلاف.

ونلاحظ أن السيادة كانت للعنصر العربي، كما كانت له السيطرة العسكرية، أما العباد فهم الذين كانوا يزاولون شئون الحياة العامة. ذلك كان تقسيم السكان منذ القرن الثالث الميلادي، وقد كونوا وحدة سامية، وكونوا دولة المناذرة التي كان لها أثر كبير في الحضارة العربية، والتي كان أهلها يجوبون أجزاء الجزيرة العربية يحملون المتاجر، وأصبحوا ركنًا هامًّا في نشر العلوم بتعليمهم القراءة والكتابة كما ساعدوا على نشر النصرانية في بلاد العرب على أثر اعتناق ملوكهم لها، وظلوا كذلك حتى اكتسح الإسلام بلادهم سنة ٦٣٢م، وتاريخ ملوك هذه الدولة أوضح في مجموعه من تاريخ الغساسنة، وما ذكره مؤرخو العرب عنهم يتناسق مع ما ورد في التواريخ الفارسية، على عكس ما ذكروه عن ملوك غسان، ولعل ذلك يرجع إلى أن ملوك الحيرة كانوا يدونون أخبارهم، ويودِعونها في البِيَع والأديرة، التي كانت منتشرة في منطقتهم، وقد ذكر المؤرخون أسماء أكثر من خمسة وعشرين ملكًا، تعاقبوا الحكم على الحيرة يكوِّن الأربعة أو الخمسة الملوك الأول منهم التاريخ الميثولوجي للحيرة، وسنلخص أخبار هذا الدور الميثولوجي أولًا، ثم بعد ذلك نكتفي بالكلام عن أشهر ملوك الحيرة الحقيقيين.

(٣) الدور الميثولوجي

  • (١)

    مالك بن فهم الأزدي: هو أول من حكم الحيرة في نظر مؤرخي العرب، حكم عشرين سنة، ثم مات على أثر سهم رماه به سليمة، وهو ابنه في رواية، وأحد خواصه الذين رباهم في رواية أخرى. فقال في ذلك شعرًا جرى مجرى الأمثال:

    جزاني لا جزاه الله خيرًا
    سليمة إنه شرًّا جزاني
    أعلمه الرماية كل يوم
    فلما اشتد ساعده رماني
    وكم علمته نظم القوافي
    فلما قال قافية هجاني
  • (٢)

    عمرو بن فهم: تولى بعد أخيه ولم يذكر عنه شيء ذو بال.

  • (٣)

    جذيمة الأبرش أو الأبرص أو الوضاح: هو ابن عم عمرو بن فهم، وقيل ابن أخته، قالوا: إنه كان متكبرًا وكان لا ينادم أحدًا في الشراب اكتفاء بمنادمة الفرقدين وهما نجمان، وكان له غلام يُسمى عدي بن نصر، أخذه من أياد التي سرقت صنميه المسميين الضيزنين، وردتهما بعد تهديده مع عدي، هذا وكان عدي له جمال وظرف فوقعت في هواه رقاش أخت جذيمة، وحملته على أن يطلب زواجه منها إذا سكر جذيمة، ونجحت حيلة رقاش وتزوجت من عدي، وفي الصباح عرف جذيمة الأمر فاستنكره، فبعث إلى أخته، وكان شاعرًا بالأبيات الآتية:

    خبِّريني رقاش لا تَكْذبيني
    أبِحُرٍّ زنيتِ أمْ بهَجِين
    أمْ بعبدٍ فأنتِ أهلٌ لعبدٍ
    أم بدونٍ فأنتِ أهل لدون

    فقالت له: لا ولكنك زوجتني امرأ عربيًّا نسيبًا، ولم تستأمرني في نفسي، ولم أكن مالكة لأمري، فكف عنها، وولدت رقاش غلامًا أسمته عمرًا، وتبناه جذيمة وألبسه طوقًا من فضة، واختفى الغلام عمرو فجأة، ولم يُوقف له على أثر، وأخيرًا عثر عليه الأخوان مالك وعقيل وقدماه هدية للملك الذي سر كثيرًا، وقبل أن ينادمهما، وكان لا ينادم إلا الفرقدين كما سبق.

    وجذيمة هو صاحب قصة الزباء ملكة تدمر، ولأهمية قصتها في كتب التاريخ العربية والأدب العربي نفرد لها الفقرة التالية.

قصة الزباء

نلخص هذه القصة عن المراجع العربية فيما يلي:

كان جذيمة رجلًا ميالًا إلى الحروب، فجمع جيشًا وسار إلى مشارف الشام، فحارب عمرو بن الظرب ملك تدمر فقتله، ثم انكفأ راجعًا بجنوده إلى الحيرة، وملكت الزباء — واسمها ليلى وفي رواية نائلة — مكان أبيها عمرو، وكانت امرأة حازمة ذات رأي، وكان ملكها يمتد من الفرات إلى تدمر، فلما استحكم ملكها صممت على أن تثأر لأبيها، فنصحت لها أختها — وتُسمى زبيبة — بالعدول عن الحرب وإعمال الحيلة، فنزلت الزباء عند رأي أختها وكتبت إلى جذيمة تقول له: إن ملك النساء قبيح، وتطلب إليه أن يتزوجها وأن يضم ملكها إلى ملكه وأن يقدم إليها، واستشار جذيمة رجال دولته، فأجمعوا على أن يسير إليها إلا واحدًا يُسمى قصيرًا، اقترح أن يكتب إليها لتجيء هي إليه فقالوا: «لا يسمع لقصير رأي»، واستخلف جذيمة على ملكه ابن اخته عمرو بن عدي، وسار إلى الزباء في وجوه أصحابه، فاستقبلته رسل الزباء بالهدايا والتحف، ولم تلبث خيلها أن أحاطت به، وأدرك قصير الخطر فركب فرسًا لجذيمة تُسمى العصا وفر؛ فقال جذيمة: «إني أرى حزمًا على متن العصا»، ولما وصل جذيمة إلى الزباء أجلسته على نطع، وأحضرت طستًا من الذهب، وأمرت جواريها أن يقطعوا راهشيه، وهما عرقان في الذراع، وقالت للجواري: لا تضيعوا دم الملك؛ فقال جذيمة «دعوا دمًا ضيعه أهله»، ولما ضعف الملك سقطت يداه، فقطر من دمه قطرة في غير الطست، فتشاءمت الزباء وخافت أخذ الثأر.

أما قصير فإنه قدم على عمرو بن عدي بالحيرة، وطلب إليه أن يستعد للثأر لخاله، ثم جدع قصير أنفه ودق ظهره وخرج كأنه هارب، وأتى الزباء ورأته على هذه الحالة فقالت: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، ثم أخبرها أن عمرًا فعل به ما ترى؛ لأنه اتهمه بممالأتها ضد خاله، فانخدعت ووثقت به، وبعد مدة قال لها: إن لي بالعراق أموالًا فائذني لي لأحمل مالي وأحمل لك من طرف العراق ومتاجرها، فدفعت له أموالًا وجهزت له عيرًا، ورجع بما طلبت فأعجبها وسرها، ثم جهزته مرة أخرى بأكثر من الأولى فرجع، وفي المرة الثالثة أرسلته في عير كبيرة، فأخبر عمرًا الخبر، وجمع له عمرو ثقاة أصحابه وحمل كل جمل رجلين في جوالقين، وكان بين الرجال عمرو نفسه، وتقدم قصير فبشر الزباء بوصول العير وبكثرة ما حمل من الثياب والطرف، وخرجت الزباء فرأت الإبل تتهادى في أحمالها فقالت:

ما للجمال مشيها وئيدًا
أجندلًا يحملن أم حديدا؟
أم صرفانا تارزا شديدًا
أم الرجال قبضًا قعودا؟

ودخلت الإبل المدينة، وحدث أن آخر جمل نخس أحد جوالقيه حارس المدينة بمنخسه في يده، فصرخ مَن في الجوالق، وصاح الحارث «شرٌّ في الجوالق»، ولكن الأمر كان قد انقضى؛ إذ أنيخت الإبل، وخرج الرجال من الجوالق، وقام عمرو على باب نفق أعدته الزباء للهروب، ووضع رجاله السلاح في أهل المدينة، وخرجت الزباء تريد النفق، فوجدت عمرًا عنده بإرشاد قصير، فعرفت عمرًا بصورة كان عملها لها مصور أرسلته خفية إلى الحيرة، فعرفته وأيقنت بالهلاك فآثرت أن تنتحر، فمصت سمًّا كان في خاتمها وقالت: «بيدي لا بيد عمرو.»

هذه هي قصة الزباء رأينا أن نصوغها في أقصر عبارة، وتجد تفصيلها في الأغاني والطبري والمسعودي وغيرها من كتب الأدب والتاريخ، وقد وضعنا بعض العبارات بين قوسين وهي العبارات التي سارت مسير الأمثال، والقصة في مجموعها طريفة والخيال فيها منسجم، ويحاول كثير من المؤرخين أن يقول: إن الزباء هي زينوبيا ملكة تدمر زوجة أذينة ملك تدمر الذي ساعد الرومان في حرب الفرس، وتمكن في أواخر القرن الثالث الميلادي من مطاردة الفرس حتى أسوار المدائن عاصمتهم، والزباء — لا شك — شخصية خرافية لا تمتُّ بصلة إلى زينوبيا التي ذكرنا في الفصل السابق أنها بعد قتل زوجها أذينة حاولت أن تقيم إمبراطورية شرقية، مقلدة في ذلك كليوبترا، وأنها تمكنت من دخول مصر وإخضاعها فترة، ولكن الرومان لم يمهلوها؛ إذ تغلب عليها القائد أورليان، وقادها أسيرة أمام مركبته الحربية في شوارع رومة سنة ٢٧٤م.

والآن وقد انتهينا من الكلام عن الدور الخرافي — سنتكلم في الفقرات التالية عن أشهر ملوك الحيرة وأهمهم:
  • (١)

    امرؤ القيس بن عمرو.

  • (٢)

    النعمان الأول.

  • (٣)

    المنذر الأول.

  • (٤)

    المنذر الثالث.

  • (٥)

    عمرو بن هند.

  • (٦)

    النعمان الثالث.

  • (٧)

    إياس بن قبيصة الطائي.

(٤) امرؤ القيس بن عمرو ٢٨٨–٣٢٨م

ويُسمى بامرئ القيس البدء هو ابن عمرو بن عدي، وهو ثاني ملوك الحيرة، إذا اعتبرنا أن عمرو بن عدي — الذي ذكرنا شطرًا مما يقال عنه في الفقرة السابقة — أولهم، وتنحصر أهميته في أن النقابين عثروا في حوران على حجر كبير من البازلت، عليه نقوش باللغة العربية الشمالية، مكتوبة بالخط النبطي، ترجمتها — نقلًا عن تاريخ العرب قبل الإسلام لجورجي زيدان — ما يأتي:
  • (١)

    هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي تقلد

  • (٢)

    التاج وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وهزم مذحج إلى اليوم،

  • (٣)

    وقاد الظفر إلى أسوار نجران مدينة شمر، وأخضع معدًا واستعمل

  • (٤)

    بنيه على القبائل وأنابهم عنه لدى الفرس والروم فلم يبلغ ملك

  • (٥)

    مبلغه إلى اليوم …

والظاهر أنه كان في رحلة إلى حوران فمات ودفن بها.

(٥) النعمان الأول ٤٠٠–٤١٨م

هو النعمان بن امرئ القيس، ويلقب بالأعور، ويشتهر في التاريخ؛ لأنه هو باني الخورنق والسدير، وسبب بناء الخورنق أن يزدجرد الأول ملك فارس لم يعش له ولد، فسأل عن منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدُل على ظاهر الجبل، فدفع ابنه بهرام حور إلى النعمان، وأمره ببناء الخورنق مسكنًا له، وأن ينزله إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق مهندس بيزنطي يقال له سِنِمَّار، فلما فرغ من بنائه تعجبوا من حسنه وإتقان صنعته، فقال: لو عرفت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله، لجعلته بناءًا يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال النعمان: وإنك لتقدر على أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تَبْنِه؟ وأمر به فطُرح من رأس الخورنق.

وهناك رواية أخرى تتعلق بمصرع سِنِمَّار، وهي أنه قال للنعمان أنه يعرف في القصر حجرًا واحدًا وأنه لو حُرك من مكانه لتردى القصر، ثم عرف الملك موضع الحجر، وخشي أن يدل سِنِمَّار آخرين عليه، فأمر به فرُدِّي من أعلى القصر. وهي رواية ظاهرة الخرافة، وعلى كل فإن ما صنعه النعمان بسِنِمَّار سار مسير الأمثال، حتى قيل في نكران الجميل «جزاه جزاء سِنِمَّار.» وقال الشاعر في ذلك:

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر
وحسن فعل كما يجزى سِنِمَّار

ونعرض الآن لناحية أخرى من نواحي النعمان وهي تنسكه، روى الدكتور حسن إبراهيم في كتابه تاريخ الإسلام السياسي نقلًا عن حمزة الأصفهاني — ما نصه: «لما أتى على الملك النعمان ثلاثون سنة علا مجلسه على الخورنق، وأشرف منه إلى النجف وما يليه من البساتين والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، فأعجبه ما رأى في البر من الخضرة والنور والأنهار الجارية، ولفاظ الكمأة ورعي الإبل وصيد الظباء والأرانب، وفي الفرات من الملاحين والغواصين وصيادي السمك، وفي الحيرة من الأموال والخيول ومن يموج فيها من رعيته، ففكر وقال: أي درك في هذا الذي قد ملكته اليوم ويملكه غيري غدًا؟ فبعث إلى حجابه ونحاهم عن بابه، فلما جن الليل التحف بكساء وساح في الأرض فلم يره أحد، وفيه يقول عدي بن زيد يخاطب النعمان بن المنذر:

وتدبر رب الخورنق إذ أشـ
ـرف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يمـ
ـلك والبحر معرضًا والسدير
فارعوى قلبه فقال وما غا
ية حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والنعـ
ـمة وارتهمو هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف
فألوت به الصبا والدبور

وتذكر بعض الكتب أن ما حمله على التنسك هو أنه سأل يومًا وزيره وهو في مجلسه هذا: هل رأيت أحسن مما نحن فيه؟ فأجاب الوزير: لا لو أنه يدوم، فسأل النعمان: وما يدوم؟ فردَّ الوزير قائلًا: ما عند الله، فسأل: وكيف الوصول إلى هذا؟ فقال الوزير: بالانصراف عن الدنيا، وعبادة الله والتماس ما عنده، فكان ما كان من أمره.

وذكر الأستاذ نكلسون أن ما يقوله مؤرخو العرب في اعتناق النعمان للنصرانية، لا يقوم على أساس، ولكن هناك ما يؤيد أنه كان يحسن معاملة رعاياه النصارى، ويسمح لهم بحرية تامة في ممارسة شعائرهم الدينية، بدليل وجود أسقف مسيحي في الحيرة منذ سنة ٤١٠ ميلادية.

(٦) المنذر الأول ٤١٨–٤٦٢م

خلف أباه على العرش الذي تركه، وسد الفراغ الذي خلفه أبوه، وتنحصر أهميته التاريخية في أنه تدخل في شئون فارس، فنصر بهرام جور في النزاع الذي قام بينه وبين الكهنة عند توليته العرش، كما أنه أعان بهرام جور في حربه مع الروم، التي قامت بسبب اضطهاده للنصارى.

(٧) المنذر الثاني ٥٠٥–٥٥٤م

ويعرف باسم المنذر ابن ماء السماء؛ وماء السماء كان لقبًا لأمه مارية أو ماوية، وقد عاصر قباذ وابنه أنو شروان من ملوك الفرس، وعاصر جستنيان من الروم، والحارث بن أبي شمر الغساني، والحارث بن عمرو الكندي، وسيتناول الكلام عليه المسائل الآتية:
  • (١)

    منافسة كندة.

  • (٢)

    مزدك.

  • (٣)

    حربه مع الحارث بن جبلة الغساني.

  • (٤)

    حربه مع الروم.

  • (٥)

    يوم البؤس ويوم النعيم.

  • (١)

    كان حكم المنذر زاهرا، ولكن اعترضته سحابات من الاضطراب بسبب امتداد نفوذ كندة «وسنفرد للكلام عليها الفصل التاسع» وتقرب الحارث ملكها من قباذ منافسة للمناذرة، وساعده على ذلك أن المنذر رفض اعتناق مذهب مزدك فكانت النتيجة أن الحارث اعتنقه بعد رفض المنذر ذلك، ثم غزا الحارث بمساعدة قباذ الحيرة وطرد المنذر منها.

  • (٢)

    أما مزدك هذا فهو رجل فارسي ظهر في عهد قباذ، وكان صاحب مبدأ شيوعي خطير، خلاصته كما ورد في الجزء الثاني من الشاهنامة صحيفة ١١٩ «أن الذي يمنع الناس من سلوك طريق السداد منحصر في خمسة أشياء لا غير، وهي الغيرة والحقد والغضب والحرص والفقر، وإذا قمعت هذه الأخلاق الشيطانية استقام طريق الحق، ومنشؤها كلها من شيئين: المال والنساء، فينبغي أن يُجعلا على الإباحة بين الخلق أجمعين حتى تأمن الآفات الخمس.» فاستهوى هذا المبدأ العامة وتبعه خلق كثير، وازداد قوة وانتشارًا لما أتبعه قباذ، ولكن كسرى أنوشروان لأسباب خاصة لا محل لذكرها تمكن — وهو لا يزال وليًّا للعهد — من قتل مزدك ومن تبعه، ولما آل إليه الملك بعد أبيه قباذ تعقب المزدكية في كل مكان، حتى طهر منهم بلاد فارس، وكان من نتيجة القضاء على المزدكية أن طرد الحارث الكندي من الحيرة وأعيد المنذر إلى الحكم.

  • (٣)

    ولقد قامت حرب بين المنذر والروم — بتحريض من كسرى — تمكن فيها المنذر من اجتياح بلاد الشام، حتى وصل إلى أنطاكية، ورأى جستنيان نفسه مضطرًّا إلى اللجوء إلى الحارث بن جبلة الغساني لصد تيار المنذر.

  • (٤)
    وهنا بدأت سلسلة حروب بين المنذر والحارث، فكان كل منهما يعتدي على أرض الآخر، وكان النزاع في الغالب يقوم على الأرض المسماة استراتا Strata «وهي الممتدة على جانبي الطريق الحربية من دمشق إلى ما بعد تدمر»؛ إذ كان كل من الفريقين يدعي السلطة على القبائل العربية النازلة بها، وكان النزاع لا يلبث أن يسوى حتى يقوم مرة أخرى — بلا شك — بتحريض من قيصر الروم، وفي إحدى هذه الحروب أسر المنذر ابنًا للحارث ثم ذبحه في الحال تقربًا إلى الإلهة العزى، كما يقال إنه في حرب أخرى تقرب بأربعمائة مسيحي إلى نفس الإلهة.

    ثم انتهت هذه الحروب بمعركة قامت في مقاطعة قنسرين، هي المعروفة باسم يوم حليمة، وهي التي تمكن فيها الحارث — بحيلة من حيله — من القضاء على خصمه المنذر، ويوم حليمة هذا هو الذي يضرب به المثل، فيقال: «وما يوم حليمة بسر»، وحليمة هي ابنة الحارث التي قيل إنها عطرت بيدها قبل المعركة مائة بطل من الغساسنة.

  • (٥)

    ونختم الكلام عن المنذر بحكاية مشهورة في كتب الأدب، ولكنا لا نعلم مدى صحتها من الناحية التاريخية ونقصد بها قصة الغريين ويوم البؤس ويوم النعيم ونحن نلخصها فيما يلي:

    كان للمنذر نديمان، أحدهما يسمى خالد بن المضلل، والآخر عمر بن مسعود، فحدث — وهم على الشراب — أن أغضباه، فأمر بهما فدُفنا حيين، وفي صبيحة اليوم التالي افتقدهما، وتذكر الخبر فندم أشد الندم، وأمر ببناء صومعتين عليهما، وجعل لهما يوم نعيم ويوم بؤس، فكان لا يطلع عليه في يوم بؤسه أحد إلا أمر بذبحه، وبأن يطلي بدمه الغريان، أما أول من يطلع عليه في يوم نعيمه فإنه يعطيه مائة من الإبل، ولقد ذهب ضحية يوم البؤس كثير من الناس من بينهم عبيد بن الأبرص الشاعر، وذات يوم طلع عليه في يوم بؤسه حنظلة الطائي، وكان له على المنذر فضل، لم ينفع هذا الفضل حنظلة إلا في إرجاء التنفيذ إلى عام بضمانة واحد من حاشية المنذر يُسمى شريك بن عمرو، ولما حان الموعد ولم يظهر حنظلة كان المنذر على وشك أن يقتل كفيله شريكًا، ولكن ظهر فجأة شبح من بُعْد، فلما وصل عرف أنه حنظلة، فأُعجب المنذر بوفاء حنظلة وتضحية شريك، فقال: لا أكون ألأم الثلاثة، وأغدق عليهما، وأبطل من يومه هذه العادة السيئة.

(٨) عمرو بن هند ٥٥٤–٥٦٩م

هو ابن المنذر الثالث، وأمه هند بنت الحارث الكندي وهي عمة امرئ القيس الشاعر، وكان يعاصر كسرى أنو شروان، وقد أصبحت الحيرة في عصره مركزًا هامًّا للأدب، يزور بلاطه فيها الشعراء المشهورون مثل طرفة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وكان رجلًا ظالمًا تهابه العرب، شديد الزهو والكبرياء، يدلك على ذلك الحكاية التالية، التي تذكرها كتب الأدب، والتي كانت — فيما يقولون — سببًا في قتله:

قال عمرو بن هند يومًا لجلسائه، هل تعلمون أن أحدًا من العرب تأنف أمه من أن تخدم أمي؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب بن وائل وزوجها كلثوم وابنها عمرو، فسكت مضرط الحجارة «وهو لقب عمرو بن هند» على ما في نفسه، وبعث إلى ابن كلثوم يستزيره، ويأمره أن تزور أمه أمه، فقدم ابن كلثوم في فرسان من تغلب ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وبلغ عمرو بن هند قدومه، فأمر بسرادق فضُرب بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، وصنع لهم طعامًا، وجلس عمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق، وجلست هند هي وليلى أم عمرو بن كلثوم في قبة، وكان عمرو بن هند قد قال لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام ولم تبق إلا الطرف نحي خدمك عنك فإذا دنت الطرف استخدمي ليلى، ففعلت، ولما فرغ الناس من الطعام قالت: يا ليلى ناوليني ذلك الطبق، فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، فصاحت ليلى: وا ذلاه، يا لتغلب، فسمعها ولدها ابن كلثوم، فثار الدم في رأسه، ونهض إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق ولم يكن هناك غيره، فأخذه وضرب به عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا جميع ما في السرادق، واستاقوا النجائب وسبوا النساء وانصرفوا.

هذه حكايته مع عمرو بن كلثوم، وهي حكاية يتعذر على الإنسان أن يؤمن بها على علاتها.

هذا؛ ويقال إنه صاحب يوم أوارة الثاني، وخلاصته أن جماعة من زرارة قتلوا ابنًا أو أخًا له، فأقسم ليقتلن منهم مائة، فسار يطلبهم حتى بلغ أوارة، فتفرقوا، فبث سراياه فيهم، فأتوه بتسعة وتسعين رجلًا وتعذر عليه إتمام المائة، فلما كان آخر النهار أقبل رجل من البراجمة — وهم قوم من تميم — يقال له عمار كان قد شم رائحة الدخان «وكان عمرو قد ألقى بالقتلى في النار» فظن أن هناك مأدبة، فأسرع حتى أناخ إلى عمرو، فسأل عمرو: ممن الرجل؟ فقال: من البراجمة. فقال: «إن الشقي وافد البراجم» فذهبت مثلًا، ثم أمر بالرجل فألقي بالنار، فصار ذلك عارًا لبني تميم. قال الشاعر:

إذا ما مات ميت من تميم
وسرك أن يعيش فجئْ بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر
أو الشيء الملفف بالبجاد
تراه ينقب البطحاء حولًا
ليأكل رأس لقمان بن عاد

والحكاية في مجموعها ظاهرة الطرافة، وإن كانت لا تمتُّ إلى التاريخ بصلة، وهذا هو رأينا في كل أيام العرب إلا القليل منها.

(٩) النعمان الثالث ٥٨٠–٦٠٢م

هو آخر ملوك الحيرة اللخميين، وأكثرهم شهرة في كتب الأدب، وهو ابن المنذر الرابع، وكنيته أبو قابوس، عاصر كسرى أبرويز، وكان المنذر الرابع قد خلف ثلاثة عشر ولدًا قيل لهم الأشاهب لجمالهم، وفيهم قال الأعشى:

وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة
يمشون غدوة بالسيوف

والظاهر أن ملوك الحيرة أصبحوا من الضعف بحيث أصبح ملوك فارس يضعون على عرش الحيرة من شاءوا، وأخيرًا ظفر بعرش الحيرة النعمان الثالث بمساعدة عدي بن زيد العبادي «لأنه من عباد الحيرة»، وكان يتولى الترجمة في بلاط فارس، وكان المنذر أبو النعمان قبل أن يرسله إلى المدائن قد عهد إليه بتربية ابنه النعمان، وغضب لتولية النعمان بعض إخوته، وحقدوا على عدي بن زيد، وما زالوا بأخيهم يوغرون صدره ضد عدي حتى حملوه على أن يستقدمه، وأرسل النعمان إلى ابن زيد، فاستأذن كسرى فأذن له، فلما أتى الحيرة أمر النعمان بحبسه، وطال حبسه، وعلم كسرى بخبره، فأرسل إلى النعمان أن يطلق سراحه، فتظاهر النعمان بالطاعة وأمر بقتل السجين، وكان لعدي بن زيد ابن يسمى زيدًا وصل إلى مركز الترجمة في بلاط فارس بدل أبيه ولما كبر أراد أن يثأر لقتل أبيه، فما زال بكسرى يوغر صدره على النعمان ملك الحيرة حتى أفلح، فاستقدم كسرى النعمان، فلما أحس بقرب يومه استودع أمواله وسلاحه رجلًا من قبيلة بكر، ثم انصرف إلى كسرى ليبدي له براءته مما اتهم به، فأمر به كسرى فحبس حتى مات في الحبس سنة ٦٠٢ على بعض الروايات، وعلى أثر موته زال الحكم عن أسرة المناذرة، وولي مكانه إياس بن قبيصة الطائي، وأشرك معه في الحكم رجلًا فارسيًّا اسمه النخيرجان.

(١٠) بعض أخبار النعمان الثالث

يتداعى إلى الذهن — إذا ذُكر اسم النعمان بن المنذر — اسم النابغة الذبياني الشاعر المشهور، ولا غرو فقد كان النعمان راعيًا للأدب والشعر، وكان بلاط الحيرة في أيامه يموج بالشعراء، الذين كان من أحبهم إليه النابغة الذي هرب من الحيرة على أثر وشاية قام بها أحد منافسيه من الشعراء عقب قصيدته المشهورة التي وصف فيها المتجردة زوج النعمان وزوج أبيه من قبل، وهي مشهورة في كتب الأدب.

والنعمان هو صاحب يوم طفخة ويوم السلان، والأول كان بينه وبين بني يربوع بسبب الردافة وهي بمنزلة الوزارة، والثاني — وهو الأشهر — كان بينه وبين بني عامر بن صعصعة، وسببها غضب النعمان من أجل لطيمة لكسرى «قافلة تجارية» أُرسلت لتُباع بعكاظ فاعتدى عليها بنو عامر، ورغم تنكر الجيش الذي بعثه النعمان في زي التجار فإن الدائرة دارت عليه.

(١١) إياس بن قبيصة الطائي ٦٠٢–٦١١م

قلنا من قبل إن كسرى لما حبس النعمان حتى مات في السجن استعمل مكانه إياس بن قبيصة الطائي، ونضيف هنا أن كسرى طلب من إياس أن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه فأرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب ما استودعه النعمان فأبى، فغضب كسرى وأشار عليه أحد أعداء بكر بن وائل أن ينتظر ريثما ينزلون مياه ذي قار وقت القيظ، فيبعث من يأخذهم بالقوة، فصبر كسرى حتى نزلوا المكان، فبعث إليهم بمن يخيرهم بين الحرب أو تسليم ما خلفه النعمان، فآثروا الحرب، وقاد إياس بن قبيصة جنود الفرس والعرب، وأراد هانئ بن مسعود — بعد أن فرق سلاح النعمان في رجاله — أن يفر، ولكن رجلًا اسمه حنظلة بن ثعلبة أنَّبه، فرد هانئ الناس وقطع ودن الهوادج وضرب على نفسه قبة وأقسم ألا يفر حتى تفر القبة، وثبت العرب ثباتًا جميلًا، وانهزم الفرس بصفوفهم وخيولهم على الرغم من كثرة عددهم، وتعرف هذه المعركة في تاريخ العرب بيوم ذي قار، ورُوي أن النبي عليه السلام — وهو في مكة بعد البعثة — لما بلغه انتصار العرب قال ما معناه: «هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم»، وقد حقد سائر العرب على إياس، وكانت هذه المعركة نذيرًا بزوال النفوذ الفارسي وفألًا حسنًا للعرب.

وبعد موت إياس تولى ملك الحيرة من قبل فارس اثنان كان آخرهما المنذر الخامس الملقب بالمغرور، ثم سقطت الحيرة تحت أقدام خالد بن الوليد في سنة ١٣ هجرية أيام الخليفة أبي بكر الصديق.

والآن — وقد انتهينا من الكلام عن أشهر ملوك الحيرة — يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة على تحضر هذه الدولة ومبلغ ما أفاد منها العرب أو الفرس.

(١٢) حضارة دولة الحيرة

كانت دولة الحيرة في سطوتها تشمل المنطقة الواقعة غرب الفرات، ابتداء من مجراه الأوسط إلى منتصف الخليج الفارسي، وكان نفوذها يمتد إلى كافة القبائل الضاربة في هذه المناطق، وكانت الدولة مستقلة استقلالًا يكاد يكون تامًّا، وقد استمرت زهاء أربع قرون وربع قرن ابتداء من أوائل القرن الثالث، وكان على رأس الدولة ملك له بلاط يكاد يكون صورة مصغرة من بلاط المدائن، وله وزير يُسمى الرديف، وتحت تصرفه قوة عسكرية بعضها نظامي وبعضها غير نظامي، وكان الجند النظامي كتيبتين إحداهما فارسية يقال لها: الشهباء، وأخرى عربية يقال لها: دوسر. أما القوة غير النظامية فكانت تنظم القبائل الموالية التي كان معظمها يستنفر وقت الحرب، وكان أهمها كتائب الرهائن والصنائع والرضائع، وكانت لهذه الكتائب كلها حصون تُعرف بالمسالح «جمع مسلحة».

ويبدو أن الحضارة العربية في الحيرة، التي كانت تواجه فارس لم تصل إلى الدرجة العالية، التي وصلت إليها الحضارة العربية في بطرة وتدمر وأرض الغساسنة، تحت التأثير البيزنطي السوري.

وكان عرب الحيرة يتكلمون العربية الشمالية في حاجاتهم اليومية، ولكنهم في الغالب كانوا يستعملون السريانية في كتابتهم، وهم من هذه الناحية يشبهون الأنباط والتدامرة، الذين كانوا يتكلمون العربية ويكتبون الآرامية، وقد أدت هذه الدولة خدمة كبيرة للغة العربية، بما احتضنت من الشعراء، كما أنه كان لها فضل كبير — فيما بعد — في تعليم الخط العربي، وفي إغناء اللغة العربية بكثير من الألفاظ الفارسية، التي تعبر عن أشياء لم يكن العرب يعرفونها.

وكان الملوك في الشطر الأول من الدولة وثنيين، أما في الشطر الثاني فقد اعتنق معظمهم النصرانية، وسبب عدم اعتناق الأولين منهم للنصرانية — ديانة البيزنطيين — يرجع إلى أن ملوك الحيرة، وجدوا — من حسن السياسة — أن يظلوا على صداقتهم مع الفرس، وكان معظم النصارى في الحيرة من النسطوريين، وطبيعي أن النصرانية انتقلت إليهم من الشام، حيث كان أصحاب المذهب النسطوري مضطهدين، وكان المذهب النسطوري «مذهب شرق الشام» أقل مذهب يلقى اعتراضًا في الفرس، وإلى نصارى الحيرة — والعباد أهم فرقة فيهم — يرجع الفضل في نشر المسيحية في بعض الأجزاء التي انتشرت فيها في بلاد العرب، كما يرجع إليهم الفضل أيضًا في تعليم العرب الوثنيين القراءة والكتابة والدين، وتذكر بعض الروايات أن قريشًا تعلمت من الحيرة فن الكتابة والزندقة.

ويجب أن لا ننسى أثرهم أيضًا في حمل بعض مظاهر الحضارة الفارسية إلى بلاد العرب، ولا ما شيدوه من أبنية رائعة كالخورنق والسدير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠