مقدمة

باختصار، ليس العلم شيئًا أكثر من منهجه، ومنهجه ليس شيئًا أكثر مما قاله كارل بوبر.

سير هيرمان بوندي

يُعَد كارل بوبر واحدًا من أهم فلاسفة العلم في القرن العشرين، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، ويُعَدُّ فضلًا عن ذلك واحدًا من أهم فلاسفة السياسة والاجتماع، ونصيرًا مخلصًا للديمقراطية، وداعيةً للمجتمع المفتوح، وخصمًا عنيدًا لأعدائه على اختلاف مشاربهم، وللشمولية في جميع صورها وتجلياتها.

آمَنَ بوبر بقيمة العقل ودوره وقدرته، وتبنَّى «النَّقد» منهجًا لعمل العقل وتقدُّم المعرفة، وناهضَ كل نزعة «ارتيابية» أو «اصطلاحية» أو «نسبية» في العلم وفي الشئون البشرية بعامة، ورَدَّ إلى الفلسفة مكانتها الرفيعة ومشروعها الطموح، بعد أن انقلبت على نفسها زمنًا وكادت تتحول على يد الوضعيين المناطقة وفلاسفة التحليل اللغوي إلى تابعٍ ذليلٍ للعلم، وضيف ثقيل على مائدة العلماء.

ولأوَّل مرة في تاريخ العلم الحديث، وبشكل غير مسبوق في تاريخ الممارسة العلمية، صِرنا نرى كبار العلماء وأفذاذهم يتدافعون إلى مائدةِ أحدِ الفلاسفة ويتسابقون على التهام أعماله واستلهامها، ويفيدون من مناهجه واستبصاراته في نشاطهم الفعلي، ويَدينون له بالفضل فيما ظفروا به من نجاح وفيما حققوه من كشوف، ولأول مرة في تاريخ السياسة الحديثة صِرنا نرى أممًا عريقة، كالصين،١ تأخذ بمنهج أحد الفلاسفة في تصحيح مسارها الاقتصادي، فتكتشف ذاتها الحقيقية، وتنشط من عقالها، وتنطلق انطلاق مارد من قمقمه، وصِرنا نرى أممًا مجهدة مثل دول أوروبا الشرقية، تُدرِّس فكره السياسي في معاهدها، وتشرع في تطبيقه في بدايات بروزها من وراء الستار الحديدي،٢ وصِرنا نرى أممًا مزدهرة كاليابان تؤسس رابطةً بوبرية لنشر فكره وتطويره من خلال نشرات ودوريات وبرامج تعليمية.

إنَّه صورةٌ مضيئةٌ لثراء الفكر، ومثالٌ حيٌّ لخصوبة الفلسفة.

وأول ما يسترعي النظرَ في شخصية بوبر الفكرية هو موسوعيتُه وتعدد جوانبه واتساع مجال اهتمامه ونطاق تأثيره، على أنَّ هناك وحدة جوهرية في رؤيته ومنهجه تجعل من إسهاماته، على تباعدها وتراميها، كلًّا واحدًا منسجمًا يأخذ بعضه بحُجَزِ بعض، وقد درج الباحثون على تناول أعماله الإبستمولوجية والعلمية والاجتماعية كما لو كانت عناصرَ منفصلةً لا يجمع بينها شيءٌ ولا تتصل فيما بينها بسبب، وقد كان لهم في تعدد إنتاجه وغزارة مادته عذرٌ واضح، غير أنَّ هذه الطريقة في معالجة أعمال كارل بوبر جديرةٌ أن تُضيِّع هذا الخيط الواصل بين جميع عناصرها، وجديرة من ثَمَّ أن تُفلِت من أيدينا أهمَّ عملٍ من أعمال بوبر على الإطلاق — ذلك الترابط الكلي الوثيق، وتلك الوحدة المنهجية الأصيلة.

الفلسفة عند بوبر ليست ترفًا ذهنيًّا أو لَعِبًا عقليًّا — الفلسفة نشاط ضروري، ذلك أننا جميعًا نضمر في عقولنا ما لا يُحصى من الأشياء، ونُسلِّم بها تسليمًا، وكثير من هذه الافتراضات هو ذو طبيعة فلسفية، إننا نتصرف وفقًا لها في حياتنا الخاصة، وفي مجال السياسة، وفي مجال العمل، وفي كل مجال آخر من حياتنا، ولكن على حين تعد بعض هذه الافتراضات حقًّا لا شك فيه، فمن الراجح أن أكثرها زائف، وأن بعضها مؤذٍ، من ذلك ينتج أن الفحص النقدي لأفكارنا المسبقة — أي النشاط الفلسفي — هو عملٌ هام من الوجهة الفكرية والأخلاقية أيضًا.

وُلِد كارل ريموند بوبر K. R. Popper في الثامن والعشرين من يوليو عام ١٩٠٢م، في مدينة فينا، التي كانت في ذلك الوقت عاصمةً للثقافة في العالم الغربي، انحدر أبواه من أصل يهودي، غير أنهما تحولا إلى البروتستانتية اللوثرية قبل أن ينجبا أطفالهما. نشأ بوبر في مناخٍ منزلي مُفعَمٍ بالثقافة معمورٍ بالكتب، فقد كان أبوه حائزًا على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة فينا، وكان إلى جانب ممارسة المحاماة أستاذًا وباحثًا، أتاح هذا المناخ للصبي كارل فرصةَ التعرف المبكر على المسائل الفلسفية والعلمية والسياسية، والنَّهَل من ينابيع الفكر والثقافة. وقد كان الأب فيما يبدو حريصًا على تنشئة ولده على حب المعرفة، وحفزه على قراءة أمهات الكتب الفلسفية، ومناقشته في مشكلات الفلسفة وتجريداتها المعقدة منذ نعومة أظفاره.
أمَّا والدته فقد كانت عاشقة للموسيقى، وتنحدر من عائلة تشكل الموسيقى اهتمامها الأول،٣ وقد غرست الأم في صغيرها هذا الحب، حتى إنه كان يفكر بجدية في أن يتخصص في الموسيقى ويهبها عمرَه، بل اختار بالفعل تاريخ الموسيقى كموضوع ثانٍ في امتحان الدكتوراه، وقد بقيَ مشغوفًا بالموسيقى طيلة حياته، يعزف البيانو ويختلف إلى قاعات الموسيقى الكلاسيكية، وله تأملاتٌ طويلةٌ في الموسيقى منبثةٌ في كتاباته، وهو يَدينُ بالفضل للموسيقى الغربية البوليفونية (المتعددة النغم) في إلهامه بالكثير من أفكاره المحورية، ويرى أنَّها كانت قوةً دافعةً له في تطوره الفكري، وقد تمثَّل ذلك في تفسيره المبكر للعلاقة بين الفكر الدوجماطيقي والفكر النقدي، وفي شرحه للفارق بين الموضوعية والذاتية، وتمثَّل بصورة خاصة في تنامي عدائه لكل صور المذهب التاريخي (التاريخانية) Historicism، بما فيها الأفكار التاريخانية حول طبيعة «التقدمي» في الموسيقى.
وفي عام ١٩١٩م انخرط بوبر بشدة في النشاط السياسي اليساري، وانضم إلى «رابطة الطلاب الاشتراكيين»، وأصبح ماركسيًّا متحمِّسًا فترة من الوقت، غير أنَّه سرعان ما خاب ظنه في الماركسية، وانكشف له طابعها النظري، فتركها إلى غير رجعة. وقد تعرف أيضًا بنظريات التحليل النفسي لكل من فرويد وأدلر (الذي انخرط بوبر تحت إشرافه في العمل الاجتماعي من أجل الأطفال المحرومين والأيتام). وحدث ذات يوم أنَّه استمع منتشيًا إلى محاضرة لأينشتين في فينا عن النظرية النسبية، كانت ملاحظته لتلك الروح النقدية السائدة في أينشتين والغائبة في ماركس وأدلر وفرويد هي الحدث الكبير الذي أيقظه من سُباته وقَدَحَ زنادَ فكره، وأوحى إليه بفكرة «التمييز» Demarcation بين العلم واللاعلم، والتي شكلت النقطة المحورية في مذهبه الفلسفي بأسره.٤

لم تكن حياة بوبر في مرحلة اليفاع منعمة كما كانت في زمن الطفولة، فقد خسر والده كل مدخراته في التضخم المالي الذي تفاقم بعد الحرب العالمية الأولى، وأصَرَّ بوبر على ترك منزل والديه حتى يخفف عنهما عبءَ المعيشة، وعمل في مهن متواضعة لِيَعول نفسه ويُتِمَ دراسته، وفي عام ١٩٢٥م حصل على إجازة للتدريس في المدارس الابتدائية، وفي عام ١٩٢٨م حصل على دكتوراه الفلسفة، وفي عام ١٩٢٩م حصل على إجازة لتدريس الرياضيات والفيزياء بالمدارس الثانوية.

كان التيار الفلسفي السائد في فينا في ذلك الوقت تمثله جماعةٌ من المفكرين ذوي التوجه العلمي الذين «تحلَّقوا» حول شخصية موريتس شليك M. Schlick ضمت هذه الجماعة شخصيات مثل رودلف كارنب، وأوتو نويرات، وفكتور كرافت، وهانز هان، وهربرت فايجل، وجعلت غايتها توحيد العلوم، الأمر الذي استلزم في زعمهم إقصاء الميتافيزيقا مرة وإلى الأبد بإثبات أنَّ قضاياها لا معنى لها، هكذا نشأت الحركة التي أُطلق عليها «الوضعية المنطقية» Logical Positivism أو «حلقة فينا» Vienna Circle، وجعلت أداتها الرئيسية هي مبدأ «التحقيق» Verification، ومفاد هذا المبدأ باختصار شديد أن معنى القضية هو طريقة تحقيقها، ومن ثَمَّ فليس هناك معنى لأي عبارة إلا إذا كان بإمكان المرء من حيث المبدأ أن يتحقق منها (تحقُّقًا تجريبيًّا حسيًّا بطبيعة الحال)، أو «يُؤيدها» بشهادة الخبرة أو التَّجربة.
لم يَرُق هذا المبدأ، مبدأ التحقيق، لكارل بوبر، فقام بتفنيده تفنيدًا منطقيًّا مفصَّلًا، ومن المتفق عليه الآن أنه تفنيد حاسم، واستبدل به مبدأ جديدًا، هو مبدأ «قابلية التكذيب» Falsifiability كمعيار للوضع العلمي لأية قضية، إنَّه مبدأ شديد البساطة وشديد الفعالية في الوقت نفسه،٥ مُفادُه ببساطة أيضًا أنَّ من صفة العبارة العلمية الأصيلة أن تُشير إلى أمثلة لما تكون عليه حال الأشياء لو أنَّها كانت كاذبة، ورغم ما تعرَّض له هذا المبدأ العلمي الجديد من نقد وتصويب، فقد رَسَخَ قَدمُه وثبتت عند العلماء الممارسين قيمتُه وجدواه، وهو يُدرَج الآن ضمن بضعة مبادئ أخرى تُعَدُّ «ركائز مفترضة» للعلم الأصيل (منها مبدأ الاستقراء، وقانون عدم التناقض، ومبدأ الاقتصاد).
وعلى الرَّغم من أنَّ بوبر كان على وُدٍّ صادقٍ ببعض أعضاء حلقة فينا، وبخاصة هربرت فايجل الذي شجَّع بوبر على وضع كتابه الأول، فقد كان بوبر مناوئًا للأفكار الرئيسية للوضعية المنطقية، ولا سيَّما تركيزها على نظرية المعنى في الفلسفة وعلى مبدأ التحقيق في المنهج العلمي، وقد عبر عن وجهة نظره الخاصة في العلم وعن انتقاداته للوضعيين في كتابه الأول الذي نُشِر تحت عنوان Logik der Forschung في عام ١٩٣٤م، واعتبر بوبر أنَّ هذا الكتاب قد دَقَّ ناقوس موت الوضعية المنطقية، ومن عجائب الأقدار أنَّ الوضعية المنطقية لم تكن قد «وُلِدَت» بعدُ في العالم الناطق بالإنجليزية، والذي تَعرَّف على الوضعية المنطقية لأول مرة من خلال كتاب أ. ج. آير A. J. Ayer «اللغة والحقيقة والمنطق» (١٩٣٦م)، الذي لفت إليها الأنظار على نطاق واسع في إنجلترا، وقبل أن يترجَم كتاب بوبر إلى الإنجليزية بسنوات ظلت فيها الوضعية هي التيار الفلسفي السائد في العالم الغربي.
لم تمض بضعُ سنوات على نشر هذا الكتاب الأول حتى بدأت غيوم النازية تتراكم في أفق ألمانيا والنمسا، واضطر بوبر، شأنه شأن غيره من المفكرين الذين ينحدرون من أصل يهودي، إلى الهجرة من النمسا عام ١٩٣٧م؛ خوفًا من تعقب النازيين، ألقى بوبر مراسيه في نيوزيلندا حيث قضى سني الحرب يُدرِّس الفلسفة في جامعاتها، وكان ضم النمسا عام ١٩٣٨م هو الحافز له على توجيه كتاباته إلى الفلسفة الاجتماعية والسياسية، وفي عام ١٩٤٦م انتقل إلى إنجلترا كلاجئ سياسي، وساعدته صديقته سوزان ستبنج في الحصول على وظيفة، فقام بتدريس المنطق ومناهج العلوم بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (وهي جزء من جامعة لندن) عام ١٩٤٩م، ومنذ ذلك الحين نَبهَ شأنه وطَبَقَت شهرته الآفاق وانكب عن العمل الفلسفي المتواصل والإنتاج الثري، وأصبح كتابه «منطق الكشف العلمي» Logic of Scientific Discovery (وهو الترجمة الإنجليزية لكتابه الأول) من أمهات الكتب في حقله، وفي عام ١٩٦٥م منحته الأمة الإنجليزية لقب «سير»، وهو أعلى تشريف تمنحه لمواطن، ومنحته حكومة الدانمارك جائزة «سوننج» التي لم يفز بها إلا رجال من طبقة برتراند رسل وونستون تشرشل، ومنحته النمسا «وسام الشرف الذهبي الأكبر»، ومنحته الولايات المتحدة جائزة ليبنكوت للرابطة الأمريكية للعلوم السياسية، وتقاعد بوبر عن العمل بجامعة لندن عام ١٩٦٩م، غير أنَّه ظل يمارس عمله بنشاط ككاتب ومحاضر ومحدِّث، حتى وافته المنية عام ١٩٩٤م، وقد بلغ من العمر اثنين وتسعين عامًا قضاها في خدمة التنوير ونصرة العقل.
حظيَ بوبر في حياته من المجد والتشريف بما لم يحظَ به إلا القلة من قادة الإنسانية، وهو جدير بهذا المجد وهذا التشريف بما قدَّمه للعالم المتحضر من منجزات يكفي واحدٌ منها أو اثنان لكي يضعا صاحبها في موضع فريد بين أعلى طبقة من نوابغ الفكر، ويمكن تلخيص أهم هذه المنجزات فيما يلي:
  • (١)

    أنه أول فيلسوف يُلهم العلماء ويُؤثِّر في أدائهم العلمي تأثيرًا مُثمرًا، ويُعزَى الفضل لمنهجه العلمي في إنجاز كشوفٍ علميةٍ حقيقية.

  • (٢)

    أنه حلَّ «مشكلة الاستقراء»، ذلك الشبح القابع في خزانة الفلسفة، والذي حير الفلاسفة وأفزعهم منذ زمن ديفيد هيوم إلى اليوم.

  • (٣)

    أنَّه قَوَّضَ الوضعية المنطقية، حتى قبل أن تولد! وأعاد الفلسفة إلى مسارها الصحيح، وجعلها مرشدةً للعلماء بعد أن انقلبت على نفسها وكادت تصير عالة على العلم.

  • (٤)

    أنه قَوَّضَ الماركسية وأعفى العالم الغربي من تجربة ثقيلة كانت كفيلة أن تهدر طاقته وتستهلك زمنه وتعطِّل تقدمه.

  • (٥)

    أنه قدم أقوى دفاع عن الديمقراطية في الزمن المعاصر.

  • (٦)

    أنه أثبت «موضوعية المعرفة»، وحلَّ بها عددًا من المشكلات المستعصية في تاريخ الفلسفة.

قد يُمارِي المرء في بعض هذه المنجزات، وقد يَطرَح منها واحدًا أو اثنين يرى فيهما شططًا أو مبالغةً، غير أنَّه لا شطط ولا مبالغة، بعد كل شيء، إذا قلنا: إنَّنا مع بوبر بإزاء قامة استثنائية في مجال الفكر الإنساني، وإنَّ الفلسفة بعد كارل بوبر لن تعود كما كانت قبله.

وإذ يحتفل العالم المتحضر بمرور قرن من الزمان على ميلاد كارل بوبر، فنحن نقدم هذه العجالة منه وإليه،٦ إجلالًا لهذا العقل الكبير، وتحيةً لهذا الروح العظيم في عرسه المئوي، ونحن إذ نُسدي إليه هذه الطاقة من قطوف فكره ومن ثمرات عقله، نعرف أنَّها «قُرْبةٌ لنا!»؛ فالحق أننا نحن العرب أحوَجُ الخَلقِ إلى صحبة هذا العقل والائتناس به؛ لأنَّه أقدر من يغرس فينا شيئًا غائبًا هو «التساؤل»، ويكمل فينا عضوًا ناقصًا هو «النقد»، ولستُ مُغاليًا إذا قلت: إنَّنا لو كُنَّا نعرف هذا الفيلسوف منذ «البداية» ونَعِي فكرَه لاختلفت أمورٌ كثيرة!
فنحن بطبيعتنا نعيش في مناخ الأجوبة، ولا نعرف التساؤل ولا نستمرئ النقد، نحن نبتسر الأجوبة ابتسارًا، ولا نعرف أن الإجابة تأتي في المحل الثاني، وأنَّ الخطوة الأولى نحو حل أي مشكلة هي البدء بالمشكلة نفسها، بالأسباب التي جعلتها مشكلة بموقف المشكلة، بصياغة المشكلة وفهمها من حيث هي مشكلة، أمَّا النقد فنحن لا نَقرَبه ولا نقترفه، ونحن نتجنبه ونُجفِل منه، ولا ندري أن خيط النقد داخل في نسيج عملية المعرفة، بل في نسيج أية عملية من عمليات الحياة، بحيث يصح أن نقول: إنَّه هو نفسه مسار التطور وجوهر التقدم.٧ وأمَّا الخطأ فنحن ننكره ونعاقب عليه، ولا ندري أنه ضرورة وحتم، وأن التعثر بالخطأ هو طريقةٌ للعقل في تلمس الحقيقة، الخطأ هو الوجه التقني للحقيقة! … هو الحقيقة مقلوبةً توشك أن تُعدَل وتُعاد إلى نصابها.

العقل «حوار» … ومن لم يُصغِ إلى صوت «الآخر» المتردد في أركان رأسه، ودأب على قمع المعارضة المتململة في تلافيف دماغه، فقد خرج على طبيعة العقل وسوائه، وفَرَضَ على نفسه فاشيةً ذهنيةً سيكون هو أول ضحاياها، وحَكَمَ على عقله بالسجن الأبدي في غيابات التحيز ومركزية الذات.

شدَّ ما تستهوينا الأمثلة المؤيدة ويجرفنا التفاؤل الساذج، نحن لا نعرف التساؤل ولا النقد، ونحن نرى كل شيء بعين نظريتنا، فلا نرى غيرها! وغاية الفكر عندنا أن نبحث لقضيتنا عن مثالٍ مؤيِّدٍ أو بضعة أمثلة (أو تشبيه مُقرِّبٍ أو بضعة تشبيهات)، نظن فيها انبلاج الحق وفصل الخطاب، ولا ندري أن التأييدات Confirmations لا تثبت شيئًا ولا تحسم قضية، وأن «المكذَّبات» Falsifiers هي المعيار والفيصل، نحن لا نطَّلع على عيوبنا وأعطابنا حتى يُطلِعَنا عليها غيرُنا، ولا نستكشف أخطاءنا حتى تكشفها لنا الأحداث الصمَّاء التي لا تعرف الكذبَ ولا المجاملة، ونراهن على «نظرياتنا» بأرواحنا بدلًا من أن نتركها تَبيد عِوَضًا عنا، وهكذا نعيش الخطأ ولا ننبذ الخطأ، وهكذا نجمد في مكاننا ولا نتقدم، ونبقى حيث نحن والدنيا تسير.

ولا دواء، فيما أعتقد، لهذا الداء الفكري المتوطن، أجدَى من فلسفة بوبر العلمية، نتعلم منها كيف نسأل، ونتعلم منها كيف نحاول ونخطئ ثُمَّ نحذف الخطأ، فنكون قد قطعنا شوطًا على درب المعرفة، واقتربنا خطوةٌ من مظانِّ الحقيقة.

د. عادل مصطفى
الكويت في ٣١ / ٧ / ٢٠٠٢م
١  انظر في ذلك ما كتبه رن زونج كيو، من معهد الفلسفة بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وتجد نصه مرفقًا بالفصل الرابع «المجتمع المفتوح».
٢  Piers Norris Turner: Remembering Karl Popper, Hoover Digest, 2000 No. 1.
٣  Popper, K. R., Un-ended Quest: An Intellectual Autobiography, William Collins Sons and Co. Ltd. Glasgo, Great Britain, 1976. p. 10.
٤  Popper, K. R., Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge, fifth edition, Routledge and Kegan Paul, London, 1974, pp. 33–39.
٥  الحق أنَّ فكرة التَّكذيب هي من البساطة بحيث تكاد تلحق بأفكار الحس المشترك Common Sense، ومن المؤكد أنَّها سبق أن طافت بخاطر أي شخص لديه أي نزوع إلى التأمل في أي مجال من المجالات، غير أنه من المؤكد أيضًا أنه لم يسبق لأحد قبل بوبر أن استطاع أن يُولِّد من هذه الفكرة البسيطة كل هذه النتائج الباهرة التي تنطوي عليها، فيبدو أنَّ الفكرة لا تمنح خصبها إلا لمن يقدرها ويتعهدها، وقد سبق أن قال فرويد في هذا المعنى قولته البليغة: «فرقٌ بين أن تغازل فكرة ما وبين أن تتزوجها!»
٦  جديرٌ بالتنويه أنني عمدتُ في هذا الكتاب إلى التركيز على جوانب من فلسفة بوبر لم يتم تناولها في المكتبة العربية على نحوٍ وافٍ، مثل: النفس ودماغها، المجتمع المفتوح، بوبر والتحليل النفسي، مع اقتضابٍ مقصود في الحديث عن فلسفة بوبر العلمية ومذهبه التكذيبي الذي يجده القارئ مفصَّلًا تفصيلًا وافيًا في كتاب أ.د. يمنى الخولي «فلسفة كارل بوبر».
٧  يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٩م، ص١٠٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠