الفصل السادس

مُوجَز لِكَارل بُوبَر

طوال مائتي عام على الأقل، وَقَرَ في عقول أغلب مثقفي الغرب أن العلم الجديد يُشكِّل معرفة يقينية، وحقائقَ صلبة ثابتة كل الثبوت، وما إن يتم اكتشاف «واقعة» Fact علمية جديدة أو قانون علمي حتى يُعد ذلك حقيقةً نهائية غير قابلة للتغيير، كان هذا اليقين يُعَد السمة المميزة للعلم، فالمعرفة العلمية هي أرسخ ما يمتلكه البشر من معارف، ومن الممكن اعتبارُها حقائق معصومةً (لا تقبل التصويب) Incorrigible.

أمَّا نمو المعرفة فكان يتألف، وفقًا للتصور السائد، من إضافة حقائق يقينية حديثةِ الاكتشاف إلى مجموعةِ الحقائق القائمة التي تتمدد وتتسع على الدوام، شأنها شأن خزينةِ نفائسَ لا تزال محتوياتها في ازدياد على مَرِّ الزمن: فالموجود فيها أصلًا يبقى كما هو بطبيعة الحال، فيما يُضاف الجديدُ إليه فيظل المخزون في تزايدٍ مُطَّرِد، أمَّا أولئك الذين كانوا على إلمام بأفكار لوك وهيوم، فكانوا يعلمون أنَّ القوانين العلمية لم تتم البرهنة عليها بصفة نهائية، غير أنه في ظل النجاح الساحق لتطبيقات هذه القوانين على مدى أحقاب طويلة من الزمن، فقد كان هؤلاء يميلون إلى اعتبار القوانين العلمية أشبه بما يمكن أن يُسَمَّى «لا نهائي الاحتمال»، بمعنى أنه شديدُ القرب من اليقين بحيث ينعدم الفرقُ على صعيد الأغراض العملية.

(١) المعرفة غير اليقينية

في منعطف القرن العشرين ظهر في الساحة عبقريٌّ علميٌّ جديدٌ لا يقل حجمًا عن نيوتن، إنه يهودي ألماني يُدعَى ألبرت أينشتين (١٨٧٩–١٩٥٥م)، قدَّم أينشتين نظرياتٍ لا تتفق مع نظريات نيوتن، وكان عقلُه مثل نيوتن، مذهل الخصب يضج بأفكار جوهرية. دفع أينشتين بنظريته الخاصة في النسبية عام ١٩٠٥م، وبنظريته العامة عام ١٩١٥م، وليس من المستغرب أن النظريتين كانتا مَثارَ خلافٍ كبيرٍ في البداية، ولكن أهميتَهما لم تكن لدى أي متخصص محلَّ خلاف، وكانت هذه الحقيقة بحد ذاتها مبعث قلق، ذلك أنه إذا كان أينشتين على صواب لكان نيوتن على خطأ، وفي هذه الحالة يتكشف أننا لم نكن «نعرف» مضامين العلم النيوتوني طوال هذه الحقب.

وهذا بعينه ما تَكَشَّف، فقد صُمِّمَت تجاربُ إمبيريقيةٌ فاصلةٌ لتحكم بين النظريتين، جاءت نتائجها، بما لا يدع مجالًا للشك، لمصلحة أينشتين، وكانت آثارُ ذلك في مجال الفلسفة أشبه بالزلزال، فمنذ عهد ديكارت، كان البحث عن اليقين يمثل لُبَّ لُبابِ الفلسفة الغربية، ومع العلم النيوتوني ترسَّخ في اعتقاد الإنسان الغربي أنه قد أماط اللثام عن كمٍّ هائلٍ من المعرفة الوثيقة عن عالمه الذي يعيش فيه، وعما يتجاوز عالَمه أيضًا، وأن هذه المعرفة هي ذات أهمية جوهرية ونفعٍ كبيرٍ.

وفوق ذلك فإن مناهج البحث التي أثمرت هذه المعرفة كانت تُعَد مناهجَ محكمة الصنع دقيقة التنظيم، وكان يُعتقَد أن هذه المناهج تضمن للمعرفة يقينها وتكفل لها شرعيتها كمعرفة وثيقة، ولكن ها هي الآن تلك المعرفة الوثيقة يفتضح أمرها ويتبيَّن أنَّها لم تكن «معرفة» على الإطلاق، ماذا كانت إذن؟! لقد استخدمناها وحققنا بها تقدُّمًا عظيمًا في فهمنا للعالم، وجربناها في التطبيق التكنولوجي ففتحت لنا عهدًا تاريخيًّا جديدًا هو عهد الحضارة الصناعية الحديثة، ورغم ذلك فها نحن نكتشف أنَّها غير دقيقة، لقد وضعنا ذلك في موقفٍ محيِّر غاية الحيرة، «فقد ظهر أننا كُنَّا على خطأ، ليس فقط فيما كُنَّا نعرفه، بل أيضًا فيما تكونه «المعرفة» نفسها، المعرفة على الإطلاق.»١

(٢) تنشئة ثرية وحياة طائلة

مثلما تكفل جون لوك سابقًا بالتعبير عن منطويات العلم النيوتوني، وما يحمله من دلالات فلسفية واجتماعية وسياسية، كان فيلسوف القرن العشرين الذي حمل على عاتقِه هذه المهمة بالنسبة لثورة أينشتين العلمية هو كارل بوبر الذي وُلد في فينا عام ١٩٠٢م، ابنًا لمحامٍ نابِه، وتلقى رغم أصله اليهودي تربيةً مسيحية لوثرية، واعتنق الماركسية في صباه الباكر ثُمَّ عافها حين رأى «الشيوعيين» يُجيزون التضحية بالبشر العاديين إذا كان هذا يخدم مُخططهم، وتحوَّلَ إلى جانب الديمقراطيين الاشتراكيين، وعاش بوبر «اشتراكيته» يرتدي ثوب العمال ويخالط العاطلين ويخدم الأطفال المعاقين، وكان هذا الميل الأخير سببًا لتعرُّفه بالمحلل النفسي ألفرد أدلر، وفي هذا الوقت أيضًا تعرَّف بالحركة الطليعية في الموسيقى وزعيمها «شوينبرج»، وجمعته الصداقة بالموسيقار فيبرن، أمَّا في عطلاته فقد كان مغرمًا بتسلق الجبال، وتزوج بطالبةٍ من حسناوات جيله.

كانت حياة بوبر في فينا ثريةً إلى أبعد حد، ومتعددة الجوانب ومليئةً بالالتزام المتحمس والنشاط المثير، غير أن مجيء النازية ألجأه عام ١٩٣٧م، أي قبل عام من احتلال النمسا، إلى قبول وظيفةٍ جامعيةٍ في نيوزيلندا، حيث قضى سني الحرب العالمية الثانية، وعندما وضعت الحربُ أوزارها عام ١٩٤٥م انتقل بوبر إلى إنجلترا وقضى بقية حياته الوظيفية أستاذًا للمنطق ومناهج العلوم بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وفي إنجلترا عاش حياةً مختلفةً تمامًا عن حياة شبابه في فينا، إذا فَرَض على نفسه العزلةَ لكي يتفرغ لكتاباته التي شملت مجالًا عريضًا جِدًّا من الموضوعات، وكان لا يزال ينشر أفكارًا جديدةً مثيرةً في عام ١٩٩٤م حين قضى نحبه عن اثنين وتسعين عامًا، كان فيها شاهدًا بقدر ما كان مُحوِّلًا لعصر بأسره وقرنٍ بأكمله.٢

(٣) يقين العلم

أدرك بوبر أنَّه إذا كانت قرون من «التعزيزات» Corroborations٣ التي استأثر بها العلمُ النيوتوني لم تبرهن على صدق هذا العلم، فمن المستبعد أن يُبرهن أيُّ شيءٍ على صدق أي نظرية علمية على الإطلاق. «إن ما تُسَمَّى «قوانين علمية» ليست حقائق نهائية عن العالم لا تقبل التصويب، إنَّها نظريات، وهي بهذه الصفة منتجاتٌ للعقل الإنساني، فإذا تبين نجاحُها في التطبيق العملي، فإن هذا يعني أنَّها «تقترب من الحقيقة»، غير أنَّه من الجائز دائمًا، حتى بعد مئات الأعوام من النجاح العملي أن يأتي شخص ما بنظريةٍ أفضلَ وأكثرَ «اقترابًا من الحقيقة».»

طوَّرَ بوبر هذا الاستبصار إلى نظريةٍ مكتملة في المعرفة، وفقًا لهذه النظرية يُعَد الواقع الفيزيائي موجودًا بمعزلٍ عن عقل الإنسان، وله نظام مختلف جذريًّا عن خبرة الإنسان، ولهذا السبب عينِه لا يتسنَّى فهمُه بطريق مباشر، فنحن نُنتج نظريات معقولةً لكي نفسر هذا الواقع، ونظل نستخدم هذه النظريات ما دامت تعمل بنجاحٍ وتؤدي إلى نتائج عمليةٍ ناجحة، غير أنه في جميع الحالات تقريبًا سوف تضعُنا هذه النظريات، عاجلًا أم آجلًا، أمام مصاعب عندما يتبين قصورُها في جانب معين، هنالك سوف نُجِيل النظرَ طلبًا لنظريةٍ أفضل: نظريةٍ أكثرَ رحابةً تضطلع بتفسير كل ما تمكنت النظريةُ الأولى من تفسيره وتتلافى في الوقت نفسه أوجهَ القصور التي تنطوي عليها النظرية الأولى، ونحن لا نَستَنُّ هذه الطريقة في العلم وحدَه، بل في كل حقل من حقول النشاط الأخرى، بما فيها أفعال الحياة اليومية، يعني ذلك أن طريقنا في معالجة الأمور هي في صميمها طريقةُ «حل مشكلات»، «وأننا نحرز تقدُّمنا لا عن طريق إضافة يقينٍ معرفيٍّ جديدٍ إلى كم المعارف القائم، بل بإحلال نظرياتٍ أفضلَ مَحَلَّ النظريات القائمة، باستمرارٍ وبصفةٍ دائمة؛ ومِنْ ثَمَّ فإن علينا أن نتخلَّى عن البحث عن اليقين، ذلك البحث الذي استحوذ على عقول أعظم فلاسفة الغرب بدءًا من ديكارت وانتهاءً برَسِل، ذلك أن هذا اليقين لا وجود له.»

إن من المتعذر أن نثبت، بصفة نهائية، صدقَ أي نظرية علمية، أو أن نقيم العلم كله أو الرياضيات كلها على أسس مطلقة اليقين، إن «مذهب التبرير» Justificationism كما يُسميه بوبر هو خطَلٌ تام، فأنت إذا بنيت منزلًا على دعائم في مستنقع، فإن عليك أن تُعمِّق الدعائم بما يكفي لحمل البناء، وكلما شئت تضخيم المنزل سيكون عليك أن تُعمِّق الدعائم أكثر فأكثر، غير أنه ليست هناك حدود ضرورية لهذه العملية، ليست هناك مستوى «نهائي» من الأسس سوف يضطلع بحمل أي شيء كان، ليس هناك أساس «طبيعي» أو مُعطًى لهذا البناء ولا لغيره.

ورغم ذلك، ففي حين لا يمكن إثبات أي نظرية كليَّة، فإنَّ بالإمكان دحضها، وهذا يعني أن بالإمكان اختبارَها، فإذا لم تكن ثمة نهاية لعدد البجعات البيضاء التي تلزم ملاحظتها لإثبات صدق العبارة الكلية «كل البجع أبيض»، فإن ملاحظة بجعة واحدة سوداء تكفي لدحض العبارة، من ذلك يتبيَّن أن الاختبار الممكن للعبارات الكلية هو بالبحث عن أمثلة مضادة، فإذا كان الأمر كذلك، يصبح «النقد» هو الوسيلة الرئيسية التي نُحرز بها تقدُّمًا في حقيقة الأمر، «فالعبارةُ التي لا توجد أيةُ ملاحظةٍ يمكن أن تدحضها، هي عبارةٌ لا يمكن اختبارُها؛ ومِنْ ثَمَّ لا يمكن أن تُعَد عبارةً علميةً، ذلك أنه إذا كان أي شيء ممكن الحدوث سيكون متفقًا مع العبارة، فلا شيء إذن يمكن أن يُعتبر بينةً على صدقها.»

(٤) المجتمع المفتوح

كان الكتاب الرائد الذي ضَمَّنَه بوبر هذه الأفكار هو كتاب «منطق الكشف العلمي» الذي نُشر بالألمانية عام ١٩٣٤م وبالإنجليزية عام ١٩٥٩م، وليس قبل أن يستوثق من نجاح أفكاره بصدد العلوم الطبيعية أدرك بوبر أنَّها تنطبق أيضًا على العلوم الاجتماعية، وفي عام ١٩٤٥م نشر بوبر كتابًا بعنوان «المجتمع المفتوح وأعداؤه» في مجلدين، وفيه قام بتطبيق أفكاره العلمية على النظرية السياسية والاجتماعية.

يبرهن بوبر بالحجة على أنَّ اليقين لا وجودَ له في السياسة مثلما هو لا وجودَ له في العلم، ومِنْ ثَمَّ فإن فرضَ وجهةٍ لواحدةٍ من الرأي هو أمرٌ لا مبرر له، وأسوأ صور المجتمع الحديث جميعًا هي تلك المجتمعات التي تَفرِض تخطيطًا مركزيًّا ولا تسمح بالمعارضة، فالنقد هو الطريق الرئيسي الذي يمكن فيه تنقيح السياسات الاجتماعية قبل تنفيذها، وملاحظةُ النتائج غير المرغوبة هي أوجَبُ سببٍ لتعديلِ السياسات أو نبذِها بعد أن يتم تنفيذُها.

يتبيَّن من ذلك أنَّ المجتمع الذي يسمح بالمعارضة والحوار النقدي (ما يُسميه بوبر «المجتمع المفتوح») سيكون بالتأكيد أقدَرَ على حلِّ المشكلات العملية لصُنَّاع السياسات من المجتمع الذي لا يسمح بذلك، وسيكون تقدمه أسرع وأقل تكلفة.

في السياسة إذن كما في العلم نحن نتخلى عن الأفكار الراسخة لصالح ما نتوسم فيه أنه الأفضل، فالمجتمع أيضًا في تغير دائم، ومعدل التغير في زيادة مطردة، وإذا كان الأمر كذلك، فإن خلق حالة مثالية للمجتمع والإبقاء عليها ليس هو الخيار الأفضل لنا، وواجبنا هو أن نتحكم في عملية التغير المستمر الذي لا يتوقف عند حد، لذا، فإن شُغلنا الشاغل هو حل المشكلات، شغلنا هو البحث الدائم عن أسوأ الشرور الاجتماعية ومحاولة إزالتها، الفقر والبؤس، تهديد الأمن، مساوئ التعليم والخدمة الطبية، إلخ، ولأن الكمال أو اليقين غايةٌ لا تُدرَك، فإن واجبنا ألا ننصرف إلى بناء مدارس ومستشفيات نموذجية بقدر ما ننكبُّ على التخلص من الخدمات الأسوأ وتحسين نصيب الناس من هذه الخدمات، إننا لا نعرف كيف نجعل الناس سعداء، ولكن بإمكاننا رفع ما يمكن رفعه من المعاناة والضنك.٤

(٥) بوبر يحفر قبر الماركسية

فيما يقدم بوبر هذه الأفكار كان يشن هجومًا شرسًا على عُتاة المجتمع المثالي، وأهمهم أفلاطون وماركس، ومن المتفق عليه على نطاقٍ واسعٍ أن هجومه على الماركسية هو أقوى هجومٍ تعرَّضت له في حياتها، وقد كان هذا الهجوم هو ما أذاع اسم بوبر لأول مرة على المستوى الدولي، لقد أتى على العالم حينٌ من الدهر بعد نشر «المجتمع المفتوح» كان فيه زُهاءُ ثلثِ الجنس البشري يعيش تحت إمرَةِ حكوماتٍ أسمَت نفسِها «ماركسية»، وهذه الحقيقةٌ وحدَها تمنح أفكارَ الكتاب دلالةً كونية، ربما لم يَعُد هذا الجانب من الكتاب مُلِحًّا اليوم كما كان أيام سطوة الماركسية، غير أن ما يتضمنه الكتابُ من دفاع إيجابي عن الانفتاح الديمقراطي وعن التسامح يَبقَى — ربما — أقوى دفاعٍ يسطره قلمٌ في جميع العصور.٥
١  Bryan Magee, The History of Philosophy, DK Publishing, INC. 1998, p. 220.
٢  Ibid, p. 221.
٣  سبق أن عرضنا لهذا المصطلح المحوري في فلسفة بوبر العلمية في الباب الأول تحت عنوان «تعزيز النظريات».
٤  Ibid, pp. 223-224.
٥  يذهب بيتر سينجر إلى أن دفاع بوبر عن الديمقراطية، رغم أهميته الكبرى، لا يَرقَى إلى دفاع جون ستيوارت مل ولا يَنزل منزلَتَه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠